وما أذكر قائلا بأنه منصوب بنزع الخافض وإن لم يظهر فيه النصب لبنائه والتقدير ربي أعلم بمن جاء بالهدى ، ولا دليل على منعه.
قوله تعالى : « وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ » صدر الآية تقرير للوعد الذي في قوله : « إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ » أي أنه سيردك إلى معاد ـ وما كنت ترجوه كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه ـ.
وقيل : تذكرة استينافية لنعمته تعالى عليه صلىاللهعليهوآله وهذا وجه وجيه وتقريره أنه تعالى لما وعده بالرد إلى معاد وفيه ارتفاع ذكره وتقدم دعوته وانبساط دينه خط له السبيل التي يجب عليه سلوكها بجهد ومراقبة فبين له أن إلقاء الكتاب إليه لم يكن على نهج الحوادث العادية التي من شأنها أن ترتجى وتترقب بل كانت رحمة خاصة من ربه وقد وعده في فرضه عليه ما وعده فمن الواجب عليه قبال هذه النعمة وفي تقدم دعوته وبلوغها الغاية التي وعدها أن لا ينصر الكافرين ولا يطيعهم ويدعو إلى ربه ولا يكون من المشركين ولا يدعو معه إلها آخر.
وقوله : « إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » استثناء منقطع أي لكنه ألقى إليك رحمة من ربك وليس بإلقاء عادي يرجى مثله.
وقوله : « فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ » تفريع على قوله : « إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » أي فإذا كان إلقاؤه إليك رحمة من ربك خصك بها وهو فوق رجائك فتبرء من الكافرين ولا تكن معينا وناصرا لهم.
ومن المحتمل قريبا أن يكون في الجملة نوع محاذاة لقول موسى عليهالسلام ـ لما قتل القبطي : « رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ » وعلى هذا يكون في النهي عن إعانتهم إشارة إلى أن إلقاء الكتاب إليه صلىاللهعليهوآله نعمة أنعمها الله عليه يهدي به إلى الحق ويدعو إلى التوحيد فعليه أن لا يعين الكافرين على كفرهم ولا يميل إلى صدهم إياه عن آيات الله بعد نزولها عليه كما عاهد موسى عليهالسلام ربه بما أنعم عليه من الحكم والعلم أن لا يكون ظهيرا للمجرمين أبدا ، وسيأتي أن قوله : « وَلا يَصُدُّنَّكَ » إلخ ، بمنزلة الشارح لهذه الجملة.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1449_al-mizan-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

