وثانيا : أن كلا من طرفي الترديد مقيد بما يقابل الآخر ، والمراد بإرادة الحياة الدنيا وزينتها جعلها هي الأصل سواء أريدت الآخرة أو لم يرد ، والمراد بإرادة الحياة الآخرة جعلها ـ هي الأصل في تعلق القلب بها سواء توسعت معها الحياة الدنيا ونيلت الزينة وصفاء العيش أو لم يكن شيء من ذلك.
ثم الجزاء أعني نتيجة اختيارهن كلا من طرفي الترديد مختلف فلهن على تقدير اختيارهن الحياة الدنيا وزينتها بمفارقة النبي صلىاللهعليهوآله أن يطلقهن ويمتعهن جمعاء من مال الدنيا ، وعلى تقدير بقائهن على زوجية النبي صلىاللهعليهوآله واختيار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها الأجر العظيم عند الله لكن لا مطلقا بل بشرط الإحسان والعمل الصالح.
ويتبين بذلك أن ليس لزوجية النبي صلىاللهعليهوآله من حيث هي زوجية كرامة عند الله سبحانه وإنما الكرامة لزوجيته المقارنة للإحسان والتقوى ولذلك لما ذكر ثانيا علو منزلتهن قيده أيضا بالتقوى فقال : « لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ » وهذا كقوله في النبي وأصحابه : « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ـ إلى أن قال ـ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً » حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح.
وبالجملة فإطلاق قوله : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ » الحجرات : ١٠ على حاله غير منتقض بكرامة أخرى بسبب أو نسب أو غير ذلك.
فقوله : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ » أمر النبي صلىاللهعليهوآله أن يبلغ الآيتين أزواجه ولازمه أن يطلقهن ويمتعهن إن اخترن الشق الأول ويبقيهن على زوجيته إن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
وقوله : « إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها » إرادة الحياة الدنيا وزينتها كناية بقرينة المقابلة عن اختيارها وتعلق القلب بتمتعاتها والإقبال عليها والإعراض عن الآخرة.
وقوله : « فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً » قال في الكشاف : أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطأ ثم كثرت حتى استوت في
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1449_al-mizan-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

