كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه ـ ولا تفتوا أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس.
وخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم. قالوا : لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد ، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه ، وقال سعد بن معاذ : دع عنك مشاتمتهم ـ فإن ما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة.
ثم أقبلوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ـ وقالوا : عضل والقارة ـ لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله خبيب بن عدي وأصحابه أصحاب الرجيع ـ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين ، وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ـ حتى ظن المؤمنون كل ظن وظهر النفاق من بعض المنافقين.
فأقام رسول الله صلىاللهعليهوآله ـ وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة ـ لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبال ـ إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود ـ أخو بني عامر بن لوي وعكرمة بن أبي جهل ـ وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب ـ ونوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال ـ وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة ـ فقالوا : تهيئوا للحرب يا بني كنانة ـ فستعلمون اليوم من الفرسان؟
ثم أقبلوا تعنق (١) بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق ـ فقالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ـ وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين ـ حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا ـ وأقبلت الفرسان نحوهم.
وكان عمرو بن عبد ود فارس قريش ـ وكان قد قاتل يوم بدر ـ حتى ارتث وأثبته الجراح ولم يشهد أحدا ـ فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده ، وكان يعد بألف فارس ـ وكان يسمى فارس يليل لأنه أقبل في ركب من قريش ـ حتى إذا كانوا بيليل ـ وهو واد قريب من بدر ـ عرضت لهم بنو بكر في عدد فقال لأصحابه : امضوا فمضوا فقام في وجوه بني بكر ـ حتى منعهم أن يصلوا إليه فعرف بذلك.
__________________
(١) أعنق به فرسه : سار به سيرا واسعا فسيحا مسيطرا ممتدا.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1449_al-mizan-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

