ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ، قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ » الأنبياء : ٥٣ « قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ » الشعراء : ٧٤.
ومن هنا يظهر أن قوله : « مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ » صالح لأن يكون منصوبا بنزع الخافض بتقدير لام التعليل والمودة على هذا سبب مؤد إلى اتخاذ الأوثان ، وأن يكون مفعولا له ، والمودة غاية مقصودة من اتخاذ الأوثان ، لكن ذيل الآية إنما تلائم الوجه الثاني على ما سيظهر.
ثم عقب عليهالسلام بقوله : « إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ » إلخ ، بقوله : « ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » يبين لهم عاقبة اتخاذهم الأوثان للمودة وهو باطن هذه المودة المقصودة الذي سيظهر يوم تبلى السرائر فإنهم توسلوا إلى هذا المتاع القليل بالشرك الذي هو أعظم الظلم وأكبر الكبائر الموبقة واجتمعوا عليه وتوافقوا لكنهم سيبدو لهم حقيقة عملهم ويلحق بهم وباله فيتبرأ بعضهم من بعض وينكره بعضهم على بعض.
والمراد بكفر بعضهم ببعض كفر آلهتهم بهم وتبريهم منهم ، كما قال تعالى : « سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا » مريم : ٨٢ وقال : « وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ » فاطر : ١٤ وفي معناه : تبري المتبوعين من تابعيهم ، كما قال تعالى : « إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ » البقرة : ١٦٦ والمراد بلعن بعضهم بعضا لعن كل بعض صاحبه ، قال تعالى : « كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها » الأعراف : ٣٨.
ثم عقب ذلك بقوله : « وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ » إشارة إلى لحوق الوبال ووقوع الجزاء وهو النار التي فيها الهلاك المؤبد ولا ناصر ينصرهم ويدفع عنهم العذاب فهم إنما توسلوا إلى المودة ليتناصروا ويتعاونوا ويتعاضدوا في الحياة لكنها عادت يوم القيامة معاداة ومضادة وأورثت تبريا وخذلانا.
قوله تعالى : « فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » أي آمن به لوط والإيمان يتعدى باللام كما يتعدى بالباء والمعنى واحد.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1449_al-mizan-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

