شاءوا كما شاءوا من غير أن يبنوه على أصل منظم كعرب الحجاز وطوائف في أطراف المعمورة وقد تقدم تفصيل القول فيهم في الجزء العاشر من الكتاب.
وقوله : « إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » المراد به فصل القضاء فيما اختلف فيه أصحاب هذه المذاهب واختصموا فينفصل المحق منهم ويتميز من المبطل انفصالا وتميزا لا يستره ساتر ولا يحجبه حاجب.
وتكرار إن في الآية للتأكيد دعا إلى ذلك طول الفصل بين « إِنَّ » في صدر الآية وبين خبرها ونظيره ما في قوله : « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » النحل : ١١٠ ، وقوله « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » النحل : ١١٩.
وقوله : « إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » تعليل للفصل إنه فصل بالحق.
قوله تعالى : « أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ » إلى آخر الآية ، الظاهر أن الخطاب لكل من يرى ويصلح لأن يخاطب ، والمراد بالرؤية العلم ، ويمكن أن يختص بالنبي صلىاللهعليهوآله ويكون المراد بالرؤية الرؤية القلبية كما قال فيه : « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » النجم : ١٢.
وتعميم السجدة لمثل الشمس والقمر والنجوم والجبال من غير أولي العقل دليل على أن المراد بها السجدة التكوينية وهي التذلل والصغار قبال عزته وكبريائه تعالى وتحت قهره وسلطنته ، ولازمه أن يكون « مَنْ فِي الْأَرْضِ » شاملا لنوع الإنسان من مؤمن وكافر إذ لا استثناء في السجدة التكوينية والتذلل الوجودي.
وعدم ذكر نفس السماوات والأرض في جملة الساجدين مع شمول الحكم لهما في الواقع يعطي أن معنى الكلام أن المخلوقات العلوية والسفلية من ذي عقل وغير ذي عقل ساجدة لله متذللة في وجودها تجاه عزته وكبريائه ، ولا تزال تسجد له تعالى سجودا تكوينيا اضطراريا.
وقوله : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » عطف على « مَنْ فِي السَّماواتِ » إلخ. أي ويسجد
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٤ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1447_al-mizan-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

