وأما قوله : « وهو الذي أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار الأولاد وضعافهم » ومفاده أن محبة يعقوب ليوسف إنما كانت رقة وترحما غريزيا منه لصغرهما كما هو المشهود من الآباء بالنسبة إلى صغار أولادهم ما داموا صغارا فإذا كبروا انتقلت إلى من هو أصغر منهم.
ففيه : أن هذا النوع من الحب المشوب بالرقة والترحم مما يسلمه الكبار للصغار وينقطعون عن مزاحمتهم ومعارضتهم في ذلك ، ترى كبراء الأولاد إذا شاهدوا زيادة اهتمام الوالدين بصغارهم وضعفائهم واعترضوا بأن ذلك خلاف التعديل والتسوية فأجيبوا بأنهم صغار ضعفاء يجب أن يرق لهم ويرحموا ويعانوا حتى يصلحوا للقيام على ساقهم في أمر الحياة سكتوا وانقطعوا عن الاعتراض وأقنعهم ذلك.
فلو كانت صورة حب يعقوب ليوسف وأخيه صورة الرقة والرأفة والرحمة لهما لصغرهما وهي التي يعهدها كل من العصبة في نفسه ويذكرها من أبيه له في حال صغره لم يعيبوها ولم يذموا أباهم عليها ولكان قولهم « وَنَحْنُ عُصْبَةٌ » دليلا عليهم يدل على ضلالهم في نسبة أبيهم إلى الضلال لا دليلا لهم يدل على ضلال أبيهم في زيادة حبه لهما.
على أنهم قالوا لأبيهم حينما كلموا أباهم في أمر يوسف : « ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ » ومن المعلوم أن إكرامه ليوسف وضمه إليه ومراقبته له وعدم أمن أحد منهم عليه ، أمر وراء المحبة بالرقة والرحمة له ولصغره وضعفه.
وأما قوله : وما كان يعقوب يخفى عليه هذا إلى آخر ما قال ومعناه أن هوى يعقوب في ابنه صرفه عن الواجب في تربية أولاده على علم منه بأن ذلك خلاف العدل والإنصاف وأنه سيدفعه إلى بلوى في أولاده ثم تعذيره بأن مخالفة هوى القلب وعلقة الروح مما لا يستطيعه الإنسان.
ففيه أنه إفساد للأصول المسلمة العقلية والنقلية التي يستنتج منها حقائق مقامات الأنبياء والعلماء بالله من الصديقين والشهداء والصالحين وما بني عليه البحث عن كرائم الأخلاق أن الإنسان بحسب فطرته في سعة من التخلق بها ومحق الرذائل النفسانية التي أصلها وأساسها اتباع هوى النفس وإيثار مرضاة الله سبحانه على كل مرضاة وبغية ، وهذا أمر نرجوه من كل من ارتاض بالرياضات الخلقية من أهل التقوى والورع فما الظن بالأنبياء
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1440_al-mizan-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

