وهم مع ذلك كانوا يحبون أباهم ويعظمونه ويوقرونه ، وإنما فعلوا بيوسف ما فعلوا ليخلص لهم حب أبيهم كما قالوا : « اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ » فهم ـ كما يدل عليه هذا السياق ـ كانوا يحبونه ويحبون أن يخلص لهم حبه ، ولو كان خلاف ذلك لانبعثوا بالطبع إلى أن يبدءوا بأبيهم دون أخيهم وأن يقتلوا يعقوب أو يعزلوه أو يستضعفوه حتى يخلو لهم الجو ويصفو لهم الأمر ثم الشأن في يوسف عليهم أهون.
ولقد جبهوا أباهم أخيرا بمثل قولهم هذا حين قال لهم : « إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ » : الآية ٩٥ من السورة ، ومن المعلوم أن ليس المراد به الضلال في الدين بل الإفراط في حب يوسف والمبالغة في أمره بما لا ينبغي.
ويظهر من الآية وما يرتبط بها من الآيات أنه كان يعقوب عليهالسلام يسكن البدو وكان له اثنا عشر ابنا وهم أولاد علة ، وكان عشرة منهم كبارا هم عصبة أولو قوة وشدة يدور عليهم رحى حياته ويدبر بأيديهم أمور أمواله ومواشيه ، وكان اثنان منهم صغيرين أخوين لأم واحدة في حجر أبيهما وهما يوسف وأخوه لأمه وأبيه ، وكان يعقوب عليهالسلام مقبلا إليهما يحبهما حبا شديدا لما يتفرس في ناصيتهما من آثار الكمال والتقوى لا لهوى نفساني فيهما كيف؟
وهو من عباد الله المخلصين الممدوح بمثل قوله تعالى : « إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ » : ـ ص : ٤٦ وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
فكان هذا الحب والإيثار يثير حسد سائر الإخوة لهما ويؤجج نائرة الأضغان منهم عليهما ويعقوب عليهالسلام يتفرس ذلك ويبالغ في حبهما وخاصة في حب يوسف وكان يخافهم عليه ولا يرضى بخلوتهم به ولا يأمنهم عليه وذلك يزيد في حسدهم وغيظهم فصار يتفرس من وجوههم الشر والمكر كما مرت استفادته من قوله « فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً » حتى رأى يوسف الرؤيا وقصها لأبيه فزاد بذلك إشفاق أبيه عليه وازداد حبه له ووجده فيه ، وأوصاه أن يكتم رؤياه ولا يخبر إخوته بها لعله يأمن بذلك كيدهم لكن التقدير غلب تدبيره.
فاجتمع الكبار من بني يعقوب وتذاكروا فيما بينهم ما كانوا يشاهدونه من أمر أبيهم وما يصنعه بيوسف وأخيه حيث يشتغل بهما عنهم ويؤثرهما عليهم وهما طفلان صغيران لا يغنيان عنه بطائل وهم عصبة أولو قوة وشدة أركان حياته وأياديه الفعالة في
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1440_al-mizan-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

