وقوله : « يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها » : النحل : ١١١.
وصنف ينفي الكلام على أي نعت كان من صدق أو كذب كقوله : « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ » : المرسلات : ٣٥ ، وقوله : « فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ » : الشعراء : ١٠١.
والصنف الأول يجمع بين طرفيه بمثل قوله تعالى : « لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ » : النبأ : ٣٨ والصنف الثاني يرتفع التنافي بين طرفيه بالآية المبحوث عنها : « يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ » لكن بالبناء على ما تقدم توضيحه في معنى إناطة التكلم بإذنه حتى يفيد أنهم ملجئون في ما تكلموا به مضطرون إلى ما يأذن الله سبحانه فيه ليس لهم أن يتكلموا بما يختارون ويريدون كما كان لهم ذلك في الدنيا ليكون ذلك مما يختص بيوم القيامة من الوصف.
وبذلك يظهر وجه القصور فيما ذكره صاحب المنار في تفسيره حيث قال في تفسير الآية : ونفي الكلام في ذلك اليوم إلا بإذنه تعالى يفسر لنا الجمع بين الآيات النافية له مطلقا والمثبتة له مطلقا انتهى. وقد ذكر قبله آيات فيها مثل قوله : « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ » وقوله : « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ » الآية.
وذلك أنه ـ أولا ـ لم يفرق بين الصنفين من الآيات فأوهم ذلك أن نفي الكلام إلا بإذنه في الآية المبحوث عنها كاف في رفع التنافي بين الآيات مطلقا ، وليس كذلك.
و ـ ثانيا ـ لم يبين معنى كون الكلام بإذنه تعالى فتوجه إليه إشكال تخصيص يوم القيامة في الآية بما لا يختص به.
وقد يجاب عن إشكال التنافي بوجه آخر وهو أن يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف ، ولم يؤذن لهم في الكلام في بعضها ، وقد ورد ذلك في بعض الروايات.
وهذا الجواب وإن كان بظاهره متميزا من الوجه السابق إلا أنه لا يستغني عن مسألة الإذن فهو في الحقيقة راجع إليه.
وقد يجاب بأن المراد بعدم التكلم والنطق أنهم لا ينطقون بحجة ، وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ، ولو بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم الذنوب على بعض ، وهذا كما يقول القائل لمن أكثر من الكلام ولا يشتمل على حجة : ما تكلمت بشيء ولا نطقت بشيء
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1440_al-mizan-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

