بحيث لا سبيل إلى العود إلى فسحة الاختيار كآية الموت التي تبدل نشأة العمل نشأة الجزاء البرزخي أو تلازم استقرار ملكة الكفر والجحود في نفوسهم استقرارا لا يمكنهم معه الإذعان بالتوحيد والإقبال بقلوبهم إلى الحق إلا ما كان بلسانهم خوفا من شمول السخط والعذاب كما ربما دل عليه قوله تعالى : « وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ » : ( النمل : ٨٢ ).
وكذا قوله تعالى : « وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ » : ( السجدة : ٢٩ ) فإن الظاهر أن المراد بالفتح هو الفتح للنبي صلىاللهعليهوآله بالقضاء بينه وبين أمته بالقسط كما حكاه الله تعالى عن شعيب عليهالسلام في قوله : « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ » : ( الأعراف : ٨٩ ) وحكاه عن رسله في قوله : « وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » : ( إبراهيم : ١٥ ).
أو تلازم بأسا من الله تعالى لا مرد له ولا محيص عنه فيضطرهم الله الإيمان ليتقوا به أليم العذاب لكن لا ينفعهم ذلك فلا ينفع من الإيمان إلا ما كان عن اختيار كما يدل عليه قوله تعالى : « فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ » : ( المؤمن : ٨٥ ).
فهذه أعني إتيان الملائكة أو إتيان الرب أو إتيان بعض آياته أمور تصاحب القضاء بينهم بالقسط وهم لكونهم لا تؤثر فيهم حجة ولا تنفعهم موعظة لا ينظرون إلا ذلك وإن ذهلوا عنه فإن الواقع أمامهم علموا أو جهلوا.
وربما قيل : إن الاستفهام للتهكم ، فإنهم كانوا يقترحون على النبي صلىاللهعليهوآله أن ينزل عليهم الملائكة أو يروا ربهم أو يأتيهم بآية كما أرسل الأولون فكأنه قيل : هؤلاء لا يريدون حجة وإنما ينتظرون ما اقترحوه من الأمور.
وهذا الوجه غير بعيد بالنسبة إلى صدر الآية لكن ذيلها أعني قوله : « يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ » إلخ ، لا يلائمه تلك الملاءمة فإن التهكم لا يتعدى فيه إلى بيان الحقائق وتفصيل الآثار.
قوله تعالى : « يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ » إلى آخر الآية ، يشرح خاصة يوم ظهور
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٧ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1436_al-mizan-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

