الأرض والاغترار بزينة الحياة الدنيا جذبته الأهواء والعواطف إلى الاسترسال والعكوف على مخالفة العقل السليم وترك التقوى الديني من غير مبالاة بما يهدده من شؤم العاقبة كالسكران لا يدري ما يفعل ولا ما يفعل به.
والأهواء النفسانية مختلفة لا ضابط يضبطها ولا نظام يحكم عليها يجتمع فيه أهلها ولذلك لا تكاد ترى اثنين من أهل الأهواء يتلازمان في طريق أو يتصاحبان إلى غاية ، وقد عد الله سبحانه لهم في كلامه سبلا شتى كقوله : « وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ » : ( الأنعام : ٥٥ ) وقوله : « وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ » : ( الأعراف : ١٤٢ ) وقوله : « وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ » : ( يونس : ٨٩ ) وقوله في المشركين : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى » : ( النجم : ٢٣ ) وأنت إن تتبعت آيات الهدى والضلال والاتباع والإطاعة وجدت في هذا المعنى شيئا كثيرا.
وبالجملة التقوى الديني لا يحصل بالتفرق والاختلاف ، والورود في أي مشرعة شرعت ، والسلوك من أي واد لاح لسالكه بل بالتزام الصراط المستقيم الذي لا تخلف فيه ولا اختلاف فذلك هو الذي يرجى معه التلبس بلباس التقوى ، ولذلك عقب الله سبحانه قوله : « وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » بقوله : « ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ».
وقال في روح المعاني : وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه : « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » وهذه ـ يعني الثانية ـ بقوله : « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها ، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان ، قاله القطب الرازي. انتهى.
وأنت خبير بأن الذي ذكره من اتصافهم بحفظ أموال اليتامى وإيفاء الكيل والعدل في القول لا يوافق ما ضبط التاريخ من خصال عرب الجاهلية ، على أن الذي فسر به التذكر إنما هو معنى الذكر دون التذكر في عرف القرآن.
ثم قال : وقال الإمام ـ يعني الرازي ـ في التفسير الكبير : ، السبب في ختم كل آية
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٧ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1436_al-mizan-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

