الجوارح ؛ إلا أن القلب هو الأصل في جميع ذلك ، وهو بمنزلة الأمير والراعي ؛ والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع. ولذا قال النبي صلىاللهعليهوآله : « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد » (١) وقال صلىاللهعليهوآله : « اللهم أصلح الراعي والرعية » (٢) وأراد بالراعي القلب وقال تعالى ( لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) (٣) ، هو صفة القلب.
فمن هذا الوجه يجب أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح ، والنية من جملتها أفضل ، لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته ، والغرض من الأعمال بالجوارح أن يعوّد القلب إرادة الخير ويؤكد فيه الميل إليه ، ليتفرغ من شهوات الدنيا ، ويكبّ على ( الفكر والتفكر ) (٤) ، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى غيره من الأعمال ، لأنه متمكن من نفس المقصود.
وهكذا تأثير الطاعات كلها إنما المطلوب منها تأثير القلوب ، وتبديل صفاتها دون الجوارح ، فلا يظنّ أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض ، بل من حيث إنه بحكم العادة يولّد صفة التواضع في القلب ، ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدا أصلا ، كما أنّ من يمسح رأس اليتيم مثلا ، وهو غافل بقلبه عن الرّقة عليه والشفقة ، لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة ، الّذي هو الحكمة في مسحه وتقبيله. وكذلك من يسجد وهو مشغول باله بأغراض الدنيا لم ينتشر من ذلك أثر إلى قلبه يتأكد به التواضع.
__________________
(١) الخصال : ٣١ ، صحيح البخاري ١ : ٢٠ باب فضل من استبرأ لدينه ، مسند أحمد ٤ : ٢٧٠.
(٢) كشف الخفاء١ : ٢٠٦ ، الأسرار المرفوعة : ٦٧ ، إتحاف السادة المتقين ١٠ : ١٧.
(٣) الحج : ٣٧.
(٤) في « م » ، « ح » : الذّكر والفكر.
