الضابطة المذكورة تطبّق على عكرمة فينقل عنه ، ويرى مسلم انّها لا تطبق عليه فلا ينقل عنه.
( الرابع ) : يقول النووي : انّ البخاري بقى في تهذيب كتابه وانتقائه ستة عشرة سنة ، وممّا يرجّح به كتاب البخاري ( على كتاب مسلم ) انّ مسلماً رحمه الله كان مذهبه ـ بل نقل الاجماع في أول صحيحه ـ انّ الاسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت ، بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصر واحد وان لم يثبت اجتماعهما. والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعها (١).
وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولاً من حيث انّه جعل لكلّ حديث موضعاً واحداً يليق به ، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها ، وأورد فيه اسانيده المتعدّدة وألفاظه المختلفة ، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ... بخلاف البخاري فانّه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرّقة متباعدة.
( الخامس ) : يقول الحاكم النيسابوري في محكي كتابه المدخل إلى معرفة المستدرك : عدّد من خرّج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرّج لهم مسلم ٤٣٤ شيخاً ، وعدّد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ٦٢٥ شيخاً.
أقول : بناءاً عليه ، فلم تكن أحاديث البخاري كلّها بمعتبرة عند مسلم ، ولااحاديث مسلم كلها بمعتبرة عند البخاري ، فكيف يقولون ان احاديثهما
__________________
(١) ولا اظن أن البخاري أحرز هذا الشرط في جميع احاديثه ، ثم أنّ مجرد احراز الجمع بينهما في وقت لا يكفي لاعطاء حكم الموصول بسمعت في كلّ ما يروي المعنعن عن المعنعن عنه ، كما لا يخفى على الخبير. فلم يبق لترجيح البخاري على مسلم سوى الشهرة عند الناس.
