حيث حل محله فى أنه لا ينتفع بما يسمع ويبصر فيتفكر فيه ، ويعقل (١) ، وإن كان أهل اللغة إذا ذكروا البيان وأوضحوا الحجة فعدل المخاطب عن معرفته قالوا فيه : إنه بهيمة وهو حمار مطبوع على قلبه لا يعقل ولا يبصر رشده (٢) ، حتى إنهم يقولون فيه إذا تجاوز هذا الوصف هو ميت جماد ، وقد قال أبو الهذيل (٣) رحمهالله : إنهم لشدّة تمسكهم بالكفر صاروا كأنهم منعوا أنفسهم من الانتفاع بما يسمعون ويبصرون ويعقلون ، فقيل فيهم ذلك ، كما قيل فى المثل : حبك الشيء يعمى ويصم ، من حيث يصرف عن طريقة الرشاد.
٢٧٩ ـ وقوله : ( وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ) من أقوى ما يدل على مذهبنا فى اللطف ، لأنه بين تعالى أنه لو علم فيهم قبولا لأسمعهم ما اقترحوا من الآيات ؛ لأنهم اقترحوا ذلك ، وقد أظهر الله المعجز فقال مبينا بأنه لو كان فى المعلوم أنهم يؤمنون عنده لأسمعهم ، لكنه قد علم أنهم وإن سمعوه يتولون ويعرضون فلا يقبلون.
٢٨٠ ـ وأما قوله تعالى من بعد : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) (٤) فلا يصح أن يتعلق به المجبرة فى أنه تعالى يمنع من الإيمان ؛ لأن ظاهره يقتضى أنه يحول بين المرء وقلبه لا بينه وبين أفعال قلبه ، ولأنه لو أراد الحيلولة فى الحقيقة لم يكن فيه فائدة ؛ لأن بيننا وبين القلب حائلا ، ولذلك لا نراه كما لا نرى المستور المحجوب ، فلا ظاهر للقوم!
__________________
(١) انظر الفقرتين : ١٨ ، ٢٥٩.
(٢) ف : فى شدة.
(٣) هو أبو الهذيل العلاف : محمد بن الهذيل بن عبيد الله بن مكحول العبدى ، من شيوخ المعتزلة. أخذ الكلام عن عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء ، وبرع فى الجدال وقطع الخصوم. وقيل إنه توفى فى أول أيام المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين ، عن مائة سنة.
انظر طبقات المعتزلة ، ص ٤٤ أمالى المرتضى ١ / ١٧٨.
(٤) من الآية ٢٤ ، والآية بتمامها : [ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ].
(م ـ ٢١ متشابه القرآن).
![متشابه القرآن [ ج ١ ] متشابه القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1140_motashabeh-alqoran%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)