🚘

أصول الفقه - ج ١٠

آية الله الشيخ حسين الحلّي

أصول الفقه - ج ١٠

المؤلف:

آية الله الشيخ حسين الحلّي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مكتبة الفقه والأصول المختصّة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-83-6
ISBN الدورة:
978-600-5213-23-2

الصفحات: ٤٩٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

[ الاستصحاب التعليقي ]

قوله : الأمر الثاني : الأسماء والعناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام كالحنطة والعنب والحطب ونحو ذلك من العناوين ، تارةً يستفاد من نفس الدليل أو من الخارج أنّ لها دخلاً ... الخ (١).

أفاد حسبما حرّرته عنه قدس‌سره أنّ الحالات اللاحقة للموضوع إمّا أن تكون مغيّرة للحقيقة ، كما في مثل صيرورة الكلب ملحاً ، وإمّا أن تكون موجبة لارتفاع التسمية عرفاً ، كما في مثل العنب إذا صار زبيباً والخشب إذا صار فحماً ، وإمّا أن لا تكون موجبة لهذا ولا لذاك ، كما في الحنطة إذا صارت دقيقاً مثلاً.

أمّا التغيير الموجب لتغيّر الحقيقة ، فلا شبهة في عدم لحوق الحكم المجعول لتلك الحقيقة إذا طرأها مثل هذا التغيير ، فالكلب إذا صار ملحاً لا تلحقه الأحكام المجعولة للكلب.

وأمّا الحالة التي لا يكون التغيير إليها موجباً لاختلاف الاسم والعنوان ، فلا شبهة في سراية الحكم إلى ما تغيّر منها ، فإنّ الحلّية اللاحقة للحنطة لاحقة لها بجميع حالاتها الطارئة عليها ، من كونها دقيقاً أو عجيناً أو خبزاً ونحو ذلك من الحالات.

وأمّا الحالة المغيّرة للاسم دون الحقيقة ، فإن فهم من لسان الدليل ولو بواسطة القرائن الخارجية ـ ومنها مناسبة الحكم والموضوع ـ كون الحكم معلّقاً

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٤٥٨.

٣

على نفس الحقيقة ، كان الحكم سارياً إليها ، وإن فهم من لسان الدليل أنّ الحكم معلّق على الاسم والعنوان لم يكن الحكم سارياً إليها ، ولو شكّ في ذلك كان المرجع هو الاستصحاب إن كانت القضية المشكوكة متّحدة مع القضية المتيقّنة عرفاً ، فإنّ الاتّحاد العرفي بين القضيتين أمر آخر غير ما يفهم عرفاً من لسان الدليل ، لما سيأتي في محلّه (١) إن شاء الله تعالى من أنّ المدار في الاتّحاد العرفي على ما يفهمه العرف من تحقّق النقض وعدمه ، لا على ما يفهمه العرف من لسان الدليل ، فإنّ التوسعة العرفية المأخوذة من لسان الدليل لا تحتاج إلى الاستصحاب.

ولكن سيأتي إن شاء الله في خاتمة الاستصحاب أنّ الاستصحاب لا يجري في ذلك ، وأنّ هذه الموارد ليست ممّا يدخلها التسامح العرفي ، فراجعه.

وينبغي التأمّل فيما أُفيد بقوله : وأُخرى يستفاد من الدليل أو من الخارج أنّه ليس للوصف العنواني دخل في الحكم ، بل الحكم مترتّب على نفس الحقيقة والذات الخ (٢) ، فيقال بعد الفراغ عن عدم مدخلية ذلك العنوان في موضوع الحكم : لا يعقل أخذه فيه إلاّمن جهة كونه علّة للحكم ، فلو شكّ في بقاء الحكم بعد ارتفاع ذلك العنوان ، لا يكون إلاّمن جهة الشكّ في أنّ تلك العلّة هل محدثة أو مبقية ، ومعه يتمّ الاستصحاب مع فرض وحدة الموضوع وحدة عقلية.

نعم ، كما يمكن أن يستفاد من الدليل العلّية فيتمّ الاستصحاب ، فكذلك يمكن أن يستفاد منه كون تلك الحالة وذلك العنوان ظرفاً للحكم ، وبعد انقضاء

__________________

(١) فرائد الأُصول ٤ : ٥٨٠ وما بعدها. وللمصنّف قدس‌سره حواشٍ على هذا المطلب ، فراجع حاشيته قدس‌سره الآتية في المجلّد الحادي عشر من هذا الكتاب ، الصفحة : ٨٦ وما بعدها.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٤٥٨.

٤

ذلك الظرف نشكّ في بقاء الحكم ، وتكون الوحدة حينئذ عقلية أيضاً.

أمّا مع الشكّ في اعتبار ذلك العنوان المفقود في موضوع الحكم وعدم اعتباره ، فلا يمكن الرجوع إلى الاستصحاب لعدم إحراز [ الموضوع ] فلا تتّحد القضية المتيقّنة مع المشكوكة ، والتسامح العرفي لا ينفع في مثل ذلك كما حرّرناه في خاتمة الاستصحاب ، فراجع.

قوله : ثمّ إنّ الشكّ في بقاء الحكم الجزئي لا يتصوّر إلاّ إذا عرض لموضوعه الخارجي ما يشكّ في بقاء الحكم معه ، ولا إشكال في استصحابه. وأمّا الشكّ في بقاء الحكم الكلّي فهو يتصوّر على أحد وجوه ثلاثة : الأوّل الشكّ في بقائه من جهة احتمال النسخ ... الخ (١).

الظاهر أنّ الشكّ في بقاء الحكم الكلّي المجعول إنشاءً من جانب الشارع منحصر في الشكّ في نسخه ، بحيث إنّه لو لم يجر الاستصحاب لكان الحكم الكلّي بتمامه مرتفعاً ، بخلاف ما نحن فيه فإنّه لو لم يجر لم يكن المرتفع إلاّحكم هذا المفروض الوجود. والحاصل أنّه بعد فعلية الحكم ولو فرضاً ، وحصول الشكّ في بقائه من جهة الطوارئ والعواض كما في مثل زوال التغيّر ، فالمستصحب فيه لا يكون إلاّذلك الحكم الشخصي المتحقّق بتحقّق موضوعه.

والفرق بين هذا وبين ما ذكره أوّلاً هو أنّ ما ذكره أوّلاً محقّق الشخصية لتحقّق موضوعه خارجاً ، وهذا لا يكون إلاّبفرض الشخصية ، نعم ربما يكون الشكّ في بقائه على نحو الشبهة الحكمية ، كما في مثل زوال التغيّر ، وكما في موارد الشكّ في رافعية الموجود ، وأُخرى يكون على نحو الشبهة الموضوعية ، كما في موارد الشكّ في حدوث الرافع بعد الفراغ عن رافعيته.

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٤٦٠ ـ ٤٦١.

٥

ثمّ لا يخفى أنّ الشكّ في بقاء الحكم الجزئي قد يكون من جهة الشكّ في النسخ ، وقد يكون من جهة الشكّ في الرافع ، وقد يكون من جهة الشكّ في رافعية الموجود وكذا من حيث الغاية. وأمّا ما أفاد من جهة الشكّ في عارض عرض لموضوعه ، فهو محلّ الإشكال من حيث وحدة الموضوع ، وهو داخل في القسم الثاني الذي ذكره لاستصحاب الحكم الكلّي ، في مقابل القسم الأوّل الذي يكون منشأ الشكّ فيه هو النسخ ، فتأمّل.

والحاصل : أنّ الذي ينبغي أوّلاً هو إخراج الشكّ في النسخ ، ثمّ إخراج الشكّ في الغاية والرافع ، سواء كانا على نحو الشبهة الموضوعية أو كانا على نحو الشبهة الحكمية. وفي كلّ منهما لا يكون المستصحب إلاّ الحكم الفعلي الشخصي ، غايته أنّ مجري الاستصحاب في الشبهة الموضوعية هو المقلّد ، وفي الشبهة الحكمية هو المجتهد.

واعلم أنّ الشكّ في رافعية الموجود وغائية الموجود كما يتصوّر فيه الشبهة الحكمية ، فكذلك يتصوّر فيه الشبهة الموضوعية ، بأن يتردّد في الظلام الموجود هل هو ليل أو هو من جهة الغيم ، أو يتردّد في البلل الخارج بين البول والمذي.

ثمّ بعد إخراج هذه الأقسام ، ينحصر استصحاب الحكم بموارد الشكّ في بقائه لأجل تبدّل حالة من حالات الموضوع التي يحتمل مدخليتها ، فيجري الاستصحاب بعد الفراغ عن التسامح العرفي ، إمّا بدعوى كون الجهة الزائلة بنظر العرف من الحالات ، أو بدعوى كونها بنظرهم من قبيل العلّة لا الموضوع ، على التفصيل الذي مرّ بعضه (١) ويأتي في خاتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى.

وعلى أيّ حال ، لا يكون المستصحب إلاّ الحكم الجزئي الفعلي المتحقّق

__________________

(١) في الحاشية السابقة.

٦

بتحقّق موضوعه ، مثلاً : الماء طاهر لكنّه ينجس عند تغيّره بالنجاسة ، فإذا زال تغيّره هل تبقى نجاسته أو تزول.

فتارةً ننظر إلى الحكم الكلّي ـ أعني النجاسة الكلّية التي جعلها الشارع للماء المتغيّر ـ فنقول : نحن عالمون بأنّ كلّي الماء الموصوف بالتغيّر مع فرض بقاء تغيّره هو محكوم بأنّه نجس ، وهناك كلّي آخر في قبال هذا الكلّي وهو الماء الكلّي المتغيّر الذي زال تغيّره ، ولا محصّل لسحب النجاسة الكلّية من ذلك الكلّي إلى هذا الكلّي ، لما هو واضح من تباين الكلّيات ، ولا محصّل للتسامح العرفي في عالم الكلّيات بعضها مع بعض ، وحينئذ فلابدّ من فرض ماء خارجي قد تغيّر خارجاً بالنجاسة فوجد فيه الحكم ، ثمّ بعد أن وجد فيه الحكم زال ذلك القيد منه وهو التغيّر ، فهل يبقى له ذلك الحكم ـ أعني حكم النجاسة ـ أم يزول بزوال التغيير ، وحينئذ لا يكون المستصحب إلاّجزئياً خارجياً على جزئي خارجي ، غايته أنّ ذلك كلّه فرض ، لكن هذا الفرض لا يخرجه عن كون المفروض جزئياً ، وليس المستصحب إلاّذلك المفروض ، نعم إنّه لا يكون إلاّبنحو الشبهة الحكمية ، هذا كلّه فيما لو طرأ زوال القيد بعد تحقق الحكم وفعليته خارجاً.

أمّا عكس ذلك وهو جعل فعلية الحكم بعد زوال القيد ، بأن يكون زوال القيد قبل فعلية ذلك الحكم لكون الحكم مشروطاً بشرط آخر لم يحصل بعد ، وقبل حصوله وقع زوال القيد ثمّ حصل شرط الحكم بعد زوال القيد ، فالحكم حين وجود القيد لم يكن فعلياً كي نسحبه إلى ما بعد زوال القيد ، وهذا هو محلّ الكلام المعقود له هذا التنبيه ، أعني استصحاب الحكم التعليقي.

ثمّ لا يخفى أنّ شيخنا قدس‌سره جرى في المقام على طريقته ، وهي إرجاع الشرط إلى الموضوع ، فكثر الإنكار عليه بما حاصله : أنّهما وإن كانا بمآل واحد ، إلاّ أنّ

٧

هناك آثاراً تترتّب على أخذه في لسان الدليل موضوعاً للقضية الحملية ، أو أخذه شرطاً في حمل الحكم على الذات ، وليس كلّ ما يؤول إلى شيء لبّاً يكون حكمُه حكمَه ، هذا.

ولكن لنقل إنّه شرط وليس براجع إلى الموضوع ، ولكن هل يتحقّق المشروط قبل حصول شرطه ليتسنّى لنا أن نقول : إنّ العنب قبل غليانه كان حراماً والآن بعد أن تبدّل إلى الزبيبية نشكّ في بقاء تلك الحرمة العارضة عليه فنحكم ببقائها ، كلاّ ثمّ كلاّ.

ولأجل ذلك التجأ بعضهم إلى دعوى أنّ الشرط ليس هو وجود الغليان خارجاً ، وإلاّ لكان موجباً لتخلّف المجعول عن الجعل ، فلابدّ أن نقول : إنّ الشرط هو وجود الغليان لحاظاً. وبعبارة أُخرى : أنّ المجعول هو الحرمة الملحوظ بها الغليان ، وهذه متحقّقة قبل الغليان ، غايتها أنّها لا تكون فعلية إلاّبعد الغليان ، وهذا ـ أعني عدم فعليتها قبل الغليان ـ لا يضرّ بما نحن بصدده من اتّصاف العنب بالحرمة الملحوظ بها الغليان ، وهذا المقدار من الاتّصاف كافٍ في صحّة الاستصحاب.

وفيه : ما لا يخفى. أمّا حديث تخلّف المجعول عن الجعل ، فقد تعرّض له في الكفاية وأجاب عنه بأنّ المجعول لمّا كان هو الحرمة على تقدير الغليان ، لم يكن ذلك من التخلّف ، بل كان وجود الحرمة فعلاً تخلّفاً لما أنشأه وجعله ، فراجع ما ذكره في الواجب المعلّق (١).

وأمّا التعلّق بكون الشرط هو الشيء بوجوده اللحاظي لا بوجوده

__________________

(١) الظاهر أنّه في بحث الواجب المشروط فراجع كفاية الأُصول : ٩٧.

٨

الخارجي ، فقد تعرّض له شيخنا قدس‌سره في مبحث الشرط المتأخّر (١) فراجع.

ثمّ لو أُغضي النظر عن ذلك كلّه ، لم يكن استصحاب الحرمة الملحوظ بها الغليان في إثبات الحرمة الفعلية إلاّمن قبيل الأصل المثبت ، لأنّ لازم بقاء تلك الحرمة اللحاظية هو تحقّق فعلية الحرمة عند الغليان بعد التبدّل إلى الزبيبية. نعم لو كان المستصحب هو نفس الملازمة بين الحرمة والغليان ، لقلنا إنّ استصحابها قاض بتحقّق الحرمة خارجاً عند تحقّق الغليان خارجاً ، بناءً على أنّ فعلية الحكم لازمة قهراً لوجود الملزوم ، سواء كانت الملازمة واقعية أو كانت ظاهرية ، فالملازمة الواقعية يتبعها وجود اللازم عند وجود الملزوم وجوداً واقعياً ، والملازمة الظاهرية يتبعها تحقّق اللازم ظاهراً عند وجود الملزوم ، ولكن لا يخلو عن تأمّل.

والإنصاف : أنّا لم يتّضح لنا المراد من كون المستصحب هو الحرمة المنوطة بوجود الغليان اللحاظي ، فهل المراد أنّ الحرمة الموجودة هي الحرمة اللحاظية فلا يخفى فساده ، أو أنّ المراد هو الحرمة الخارجية المعلّقة على لحاظ الغليان فهو أفسد ، لأنّ لازمه تحقّق الحرمة فعلاً بمجرّد لحاظ الشارع الغليان ، وإن كان المراد هو أنّ الجعل منوط باللحاظ لا المجعول ، فهذا راجع إلى شرط الجعل الذي هو فعل اختياري للشارع لا إلى شرط المجعول ، فلاحظ الجزء الأوّل من المستمسك ، وذلك قوله : أمّا إذا كان الحكم منوطاً بوجود الشرط اللحاظي الخ (٢) وقوله في الحقائق : أمّا إذا كان مشروطاً بالوجود الذهني الحاكي عن الخارجي كما

__________________

(١) أجود التقريرات ١ : ٣٢٦.

(٢) مستمسك العروة الوثقى ١ : ٤١٦.

٩

هو الظاهر الخ (١) ولاحظ المقالة وذلك قوله : وإلاّ فبناءً على التحقيق في تعليقات الأحكام من رجوعها إلى جعل حقيقة الحكم منوطاً بوجود شروطها في فرضه ولحاظه ، كما هو الشأن في مثل تلك الصفات الوجدانية من الارادة والكراهة ، فلا بأس بدعوى كونها بمثل هذا النحو من الوجود موضوع الأثر العملي ومناط حكم العقل بوجوب الامتثال عند تحقّق المنوط به في الخارج ، من دون حصول تغيير في الحكم المزبور بوجود ما أُنيط به في الخارج أبداً ، بل الحكم المزبور بنحو كان حاصلاً ومتحقّقاً قبل تحقّق الشرط في الخارج كان متحقّقاً بعده (٢) ، ولذا نقول بعدم انقلاب الواجب المشروط عن كونه كذلك حين حصول الشرط. نعم إنّما يترتّب على وجود شرطه حكم العقل بوجوب امتثاله ، وهذا معنى إناطة فاعليته ومحرّكيته بوجود شرطه بلا تغيير في عالم فعليته وعلّيته (٣) ، فتمام موضوع حكم العقل بترتّب الأعمال هو هذا الحكم العقلي المنوط الخ (٤).

والذي يتلخّص منه : هو دعوى فعلية الحكم قبل حصول شرطه ، غايته أنّ محركّيته تكون منوطة بوجود الشرط.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّه مضافاً إلى ما عرفت من عدم معقولية كون الوجود اللحاظي شرطاً ، يكون لازمه هو إخراج الشرط عن كونه شرطاً في الحكم المجعول ، بل تكون الشرطية راجعة إلى المحرّكية. ولو تمّ هذا ـ أعني كون مثل

__________________

(١) حقائق الأُصول ٢ : ٤٦٨.

(٢) [ جملة « كان متحقّقاً بعده » موجودة في الطبعة القديمة من المقالات دون الحديثة ].

(٣) [ « وعلّيته » موجود في الطبعة القديمة من المقالات دون الحديثة ].

(٤) مقالات الأُصول ٢ : ٤٠٠ ( مع اختلاف ).

١٠

الاستطاعة مثلاً شرطاً في محرّكية الوجوب ، لا في أصل تحقّقه ولا في فعليته ـ لم يحتج فيه إلى تجشّم كون الشرط وجودها اللحاظي ، بل يكون الشرط هو وجودها الخارجي ، لكنّه ليس بشرط في أصل الوجوب ولا في فعليته ، بل في محرّكيته ، وكأنّه قد انقدح في ذهنه الشريف عملية الواجب المعلّق وطبّقها على الواجب المشروط.

وأمّا ما ذكره من عدم انقلاب الواجب المشروط عن كونه كذلك عند وجود الشرط ، فالظاهر أنّه لا دخل له بما نحن فيه ، فإنّ وجود الشرط وإن لم يكن موجباً للانقلاب ، إلاّ أنّه موجب لفعلية الوجوب ، لأنّ معنى الاشتراط هو كون الفعلية مشروطة بتحقّق الشرط خارجاً.

ثمّ إنّه بعد ذلك كلّه التزم بجريان الاستصحاب حتّى بناءً على مسلك المشهور من كون الشرط هو الوجود الخارجي ، وبنى المسألة على أنّ اليقين لو كان طريقاً إلى المتيقّن لامتنع الاستصحاب ، أمّا لو أُخذ اليقين موضوعاً لحرمة النقض ، فلا مانع من جريان الاستصحاب حتّى على مسلك المشهور ، فقال ما هذا لفظه : وذلك بدعوى أنّ اليقين بالملازمة في كلّ مقام مستتبع لليقين بوجود الشيء منوطاً بوجود الملزوم في فرضه ولحاظه ، ولذا يصحّ الإخبار عن وجوده كذلك جزميّاً مقروناً بألف حلف ، ويقال في الليل : لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود (١) ، ثمّ أخذ في دفع التوهّمات الواردة على ذلك.

ولا يخفى أنّ من يرى من نفسه أنّه قاطع بوجود النهار على تقدير طلوع الشمس ، عليه أن يحاسب نفسه ، فإن رأى أنّ تقدير طلوع الشمس مربوط بقطعه كانت النتيجة أنّه فعلاً غير قاطع بوجود النهار ، وإن رأى أنّ تقدير طلوع الشمس

__________________

(١) مقالات الأُصول ٢ : ٤٠١.

١١

مربوط بوجود النهار ، كانت النتيجة أنّه قاطع بربط وجود النهار بطلوع الشمس. وهكذا الإخبار ، فإنّ القاطع أو المخبر لو غالط نفسه بألف مغالطة لم يستطع أن يخرج عن أحد هذين الشقّين.

ثمّ إنّه قدس‌سره لمّا التزم بهذا الأخير أجراه حتّى في الموضوعات الخارجية التي يترتّب عليها أحكام شرعية ، ومثّل لذلك بمن كان عنده ماء مطلق ، فكان هذا مصداقاً لفاقد الماء إن تلف ذلك الماء الذي كان عنده ، وحينئذ يكون محكوماً عليه بالفاقدية التعليقية قطعاً ، ثمّ إنّه يجري في حقّه استصحاب هذه الفاقدية التعليقية لو كان قد وجد بعد ذلك ماء مشكوك الاطلاق والاضافة ، ثمّ إنّه إذا تلف منه ذلك الماء المطلق وجب عليه التيمّم بمقتضى استصحاب تلك الفاقدية التعليقية بعد المسامحة العرفية ، بدعوى إلغاء التفاوت بين ما سبق من كونه فاقد المشكوك وبين حالته من وجدانه لذلك المشكوك ، ثمّ قال بعد أن حكم باجراء استصحاب الفاقدية : فيترتّب عليه حكم الفقدان من صحّة تيمّمه بلا احتياج أيضاً إلى حديث رفع الواجدية كي يرد عليه بأنّه لا يثبت به التكليف لأنّه خلاف الامتنان ، ومع هذا الأصل أيضاً لا ينتهي النوبة إلى حكم العقل بالجمع بين الوظيفتين من جهة العلم الاجمالي كما لا يخفى (١).

والظاهر أنّ مراده من حديث رفع الواجدية هو إجراء أصالة البراءة في واجديته للماء القاضية بوجوب الوضوء ، فيكون خلاف الامتنان ، لقضائها حينئذ بوجوب التيمّم.

وفيه تأمّل ، لأنّ رفع وجوب الوضوء في الماء امتناني ، وإن كان التيمّم لازماً لأجل الاحتياط القاضي بكلّ منهما ، وفيه نظر.

__________________

(١) مقالات الأُصول ٢ : ٤٠٢ ـ ٤٠٣.

١٢

أمّا أصل المثال فقد يناقش فيه ، حيث إنّ الفاقدية التي هي موضوع وجوب التيمّم هي فاقدية طبيعة الماء لا خصوص ذلك الماء الموجود عنده. والجواب عنه أنّ المستصحب هو فقد طبيعة الماء لكن معلّقاً على فقد هذا الموجود من جهة انحصارها به ، لأنّ فقد هذا بخصوصه إنّما يوجب فقد الطبيعة لأجل انحصارها به لا أنّه هو يكون فقده فقداً للطبيعة.

ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر ما أفاده في المقالة هو أنّ الاحتياج إلى أحد هذين التقريبين لجريان الاستصحاب إنّما هو بناءً على أنّ المجعول في باب الاستصحاب هو الجري العملي على طبق اليقين أو المتيقّن ، وأنّ مفاده هو التنزيل من حيث العمل ، أمّا بناءً على أنّ المجعول هو المماثل ، فلا يتوجّه الإشكال على استصحاب الحكم التعليقي.

والذي حرّرته عنه في الدرس : هو أنّه بناءً على جعل المماثل يكون استصحاب الحكم المعلّق جارياً عند الشكّ في بقائه لأجل تبدّل الحالة من العنبية إلى الزبيبية ، سواء كان ذلك قبل حصول المعلّق عليه أعني الغليان ، أم كان بعده ، لإمكان جعل المماثل في كلا الحالين.

أمّا بناءً على كون مفاد الاستصحاب هو لزوم العمل على طبق اليقين السابق فلا يمكن إجراء الاستصحاب قبل حصول المعلّق عليه الذي هو الغليان ، إذ لا يكون في البين أثر عملي يترتّب على اليقين السابق. نعم بعد حصول الغليان يكون جريان الاستصحاب ممكناً لوجود الأثر العملي حينئذ ، سواء كان حصول الغليان مقارناً لزمان الشكّ ، أو كان بعده ، إذ بعد حصول الغليان لا فرق بين أن يكون قد شكّ ثمّ حصل الغليان ، أو يكون قد حصل الغليان ثمّ شكّ ، هذا حاصل ما حرّرته عنه في درسه.

١٣

لكن الذي يظهر من المقالة في مقام التفرقة بين القول بجعل المماثل والقول بالجري العملي شيء آخر ، وحاصله : أنّ الملازمة بين الحرمة والغليان وإن لم تكن مجعولة شرعاً إلاّ أنّها منتزعة من جعل الشارع الحرمة على تقدير الغليان ، وبهذا الاعتبار يجري فيها الاستصحاب ، فحينئذ بناءً على جعل المماثل تكون نتيجة الاستصحاب هو جعل تلك الملازمة ولو بجعل ما هو منشأ انتزاعها ، ومن المعلوم أنّ لازم تلك الملازمة المجعولة ـ أعمّ من الواقعية والظاهرية ـ فعلية وجود الملزوم الذي هو الحرمة عند وجود اللازم الذي هو الغليان ، وينتهي ببركته إلى حكم العقل بوجوب الامتثال في مقام العمل.

أمّا بناءً على أنّ مفاد دليل الاستصحاب هو الأمر بمعاملة المتيقّن السابق معاملة الواقع ، ومرجعه إلى ادّعاء وجود المتيقّن بلحاظ ما يترتّب عليه من العمل لا إلى جعل مماثله ، فلا مجال لاستصحاب الملازمة حينئذ ، لأنّ مرجعه إلى تنزيل الملازمة الواقعية منزلة الموجود بلحاظ ما يترتّب عليه من العمل ، بلا جعل ملازمة في مرحلة الظاهر ، ومع فرض أنّه لم يكن جعل في الملازمة بين الحرمة والغليان لا يتسنّى للعقل أن يحكم بالحرمة عند وجود الغليان ، وهذا هو محصّل قوله : ومن البديهي أنّ العقل لا يحكم ـ إلى قوله ـ كما هو ظاهر (١) ، إذ لا ملازمة بين تنزيل الملازمة منزلة الموجود من حيث العمل ، وبين وجود الملزوم تعبّداً ـ الذي هو الحرمة عند وجود اللازم الذي هو الغليان ـ ولا حقيقة.

وبعبارة أُخرى : أنّ تنزيل الملازمة بين الحرمة والغليان لا يترتّب عليه وجود الحرمة عند الغليان لا حقيقة ولا تعبّداً ، فيبقى التنزيل المزبور منفرداً عن وجود لازمه حقيقة أو ادّعاء ، ومن البديهي أنّ هذا لا ينتهي إلى أثر عملي أصلاً ،

__________________

(١) مقالات الأُصول ٢ : ٣٩٩ ـ ٤٠٠.

١٤

بخلاف ما لو قلنا بجعل المماثل ، فإنّ لازم تلك الملازمة المجعولة سواء كانت واقعية أو ظاهرية ، هو فعلية وجود الملزوم الذي هو الحرمة عند وجود اللازم الذي هو الغليان ، وينتهي ببركته إلى حكم العقل بوجوب الامتثال في مقام العمل ، هذا خلاصة ما أفاده في المقالة حسبما فهمته من عبارتها على ما فيها من الاغلاق.

ولا يخفى أنّ المستصحب الذي يكون نتيجة استصحابه هو جعل مماثله ، إن كان هو نفس الملازمة من حيث نفسها فهي غير مجعولة بنفسها ، وإنّما المجعول منشأ انتزاعها أعني نفس الحرمة على تقدير الغليان ، فلابدّ أن تكون هي مركز الاستصحاب ، وحينئذ يتّجه إشكال شيخنا قدس‌سره وهو أنّ تلك الحرمة المستصحبة إن كانت هي الحرمة المتحقّقة فعلاً ، وأعني بتلك الحرمة الشخصية ، فهي قبل الغليان غير متحقّقة ، وإن كانت هي الحرمة الكلّية المعلّقة على تقدير الغليان ، فتلك لا يشكّ في بقائها إلاّمن ناحية النسخ ، وحينئذ نحتاج إلى القول بأنّ تلك الحرمة موجودة فعلاً قبل الغليان ، لكن بمعنى كونها منوطة بلحاظ الغليان ، وهو الذي أفاده من إنكار توقّف فعلية الحرمة على وجود الغليان خارجاً ، بل على لحاظها منوطة بالغليان ، وقد عرفت ما فيه ، فلاحظ ما تقدّم وتأمّل.

ولا يخفى أنّ ظاهر مطلبه الذي أفاده في المقالة أنّه ملتزم بأنّ الملازمة بين الحرمة والغليان ليست مجعولة ، وإنّما هي منتزعة عقلاً من جعل الحرمة على تقدير الغليان ، لكنّها لمّا كان منشأ انتزاعها بيد الشارع صحّ استصحابها ، وبناءً على جعل المماثل يكون المجعول هو الملازمة ، وعنها ينتزع لازمها وهو تحقّق الحرمة عند تحقّق الغليان.

وحينئذ يرد عليه أنّ المجعول بالأصل هو الحرمة والملازمة منتزعة عقلاً ،

١٥

لكن في جعل المماثل بالاستصحاب يكون الأمر بالعكس ، بمعنى أنّ المماثل المجعول هو الملازمة ، وعنها ينتزع وجود اللازم عند وجود الملزوم أعني الحرمة عند الغليان ، فراجع قوله في المقالة من قوله : نعم هنا ـ إلى قوله ـ فحينئذ لا قصور الخ (١).

وممّن ناقش في كون الغليان جزء الموضوع العلاّمة الأصفهاني قدس‌سره في حاشيته على الكفاية ، فإنّه قد منع من كون الغليان جزء الموضوع ، وجعل تمام الموضوع هو العصير ، وجعل الغليان شرطاً في حرمته ، وأفاد أنّ الحكم المشروط وإن لم يكن فعلياً قبل حصول شرطه كما هو التحقيق ، إلاّ أنّ الشكّ ليس في بقاء الحكم الانشائي الكلّي لموضوعه الكلّي ، بل الحكم الانشائي المنطبق على هذا الموضوع الجزئي وإن كانت فعليته منوطة شرعاً بوجود شرط فعليته ، وهذا قابل للشكّ في البقاء ، لا من جهة النسخ ، بل من جهة تبدّل حالة الموضوع الخاصّ من العنبية إلى الزبيبية.

وفيه : ما عرفت من أنّه لا محصّل للقول بأنّ هذا العصير الموجود لو غلى يحرم إلاّ الملازمة بين فعلية غليانه وفعلية حرمته ، فمع الاعتراف بأنّه قبل الغليان لا تكون الحرمة فيه فعلية ، لا يكون المستصحب فيه حينئذ إلاّ الملازمة بينهما ، أمّا نفس الحرمة فلا وجود لها فيه ، إلاّ أن يدّعى أنّ لها نحواً من الوجود ، وذلك هو الحرمة المنوطة بلحاظ الغليان ، أو يدّعى أنّها فعلية ولو قبل الغليان غايته أنّها تتنجّز بالغليان ، وهو قد جرّد كلامه من هذين الدعويين ، وجعل المستصحب هو نفس الحكم الانشائي المتعلّق بهذا الموضوع الجزئي ، ومن الواضح أنّ الحكم الانشائي لا وجود له كي يدخله الاستصحاب ، فلاحظ وتأمّل.

__________________

(١) مقالات الأُصول ٢ : ٣٩٩.

١٦

والأولى نقل عبارته بعينها ، فإنّه بعد أن منع من صحّة الاستصحاب على تقدير كون الغليان جزء الموضوع قال : وإن كان الحكم التعليقي حكماً معلّقاً على الشرط حقيقة زيادة على تعليقه على موضوعه المقدّر وجوده ، فموضوع الحرمة هو العصير في حال العنبية ، والغليان شرط للحكم لا جزء الموضوع ، والحكم المشروط وإن لم يكن فعلياً قبل حصول شرطه كما هو التحقيق ، إلاّ أنّ الشكّ ليس في بقاء الحكم الانشائي الكلّي لموضوعه الكلّي ، بل الحكم الانشائي المنطبق على هذا الموضوع الجزئي ، وإن كانت فعليته منوطة شرعاً بوجود شرط فعليته ، فالإشكال إن كان لعدم قابلية الحكم الانشائي قبل فعليته بفعلية شرطه للاستصحاب ، فهو مدفوع بأنّ الانشاء بداعي جعل الداعي فعلاً أو تركاً هو تمام ما بيد المولى وزمامه بيده ، وإن كان فعليته البعثية أو الزجرية منوطة بشيء عقلاً أو شرعاً ، ولذا لا يشكّ في قبول الانشاء الكلّي للاستصحاب إذا شكّ في نسخه وارتفاعه الكلّي. وإن كان لعدم الشكّ في الإنشاء المجعول من الشارع ، فهو مدفوع بأنّ ما لا شكّ في بقائه هو الانشاء الكلّي لموضوعه الكلّي ، وأمّا الانشاء المتعلّق بهذا الموضوع الجزئي بسبب تعلّق الكلّي منه بكلّي الموضوع ، فهو مشكوك البقاء بعد تبدّل حالة إلى حالة (١).

وغاية ما يمكن أن يقال في توضيح ما أفاده وأفاده غيره من تصحيح الاستصحاب التعليقي : هو أنّه لا ريب في أنّ الأحكام الكلّية لا تكون فعلية ولا تنوجد في الخارج ولا تتشخّص إلاّبفعلية موضوعها وانوجاده وتشخيصه في الخارج ، ولكن هذا واضح فيما لم يكن في البين تعليق على شرط هو خارج عن حيّز الموضوع الوارد عليه الحكم ، كما في مثل حرمة الخمر ، أمّا لو كان في البين

__________________

(١) نهاية الدراية ٥ ـ ٦ : ١٧٣.

١٧

تعليق على شرط وقد وجد الموضوع ولكن لم ينوجد الشرط ، مثل ما نحن فيه من الحرمة الواردة على عصير العنب بشرط غليانه ، فإذا وجد العصير لكنّه فعلاً لم يطرأه الغليان ، فلا ريب في أنّ حرمته لا تكون فعلية ولا تنوجد في الخارج ، بل ولا تكون شخصية.

ولكن هناك شيء آخر ، وهو أنّ ذلك الحكم الكلّي أعني الحرمة المعلّقة على الغليان الواردة على كلّي العصير ، هل حصل فيها انتقال من تلك الكلّية الواسعة بواسطة وجود نفس العصير ، أم هي باقية على ما كانت عليه قبل وجود العصير ، ونعني بذلك الانتقال أنّها بواسطة وجود موضوعها يكون ذلك الموضوع متّصفاً بتلك الحرمة ، لكن لا فعلية بل معلّقة على غليانه ، وذلك ما نسمّيه بتشخّص الحرمة التعليقية مع بقائها على ما هي عليه من التعليق وعدم الفعلية ، إذ لا ريب في أنّ هذا العصير الموجود خارجاً وإن كان فعلاً حلالاً ، إلاّ أنّه ليس حاله حال ذلك الماء المطلق الموجود خارجاً ، بل إنّ في البين شيئاً هو الفارق بينه وبين ذلك الماء المطلق ، وليس ذلك الشيء عبارة عن كون ذلك العصير حراماً فعلاً ، إذ لا يقوله عاقل ، كما أنّ الأوّل لا يقوله عاقل أيضاً ، وهو أنّ هذا العصير الموجود يكون حاله حال ذلك الماء المطلق الموجود في عدم ارتباطه بالتحريم وعدم تعلّقه به أصلاً ، بل إنّ في البين شيئاً هو بين بين ، وليس ذلك الشيء إلاّ عبارة عن اتّصافه فعلاً بالحرمة التعليقية ، وليس ذلك عبارة عن كونه متأهّلاً للحرمة ليكون المستصحب هو الحرمة التأهّلية ، نظير الصحّة التأهّلية اللاحقة لبعض أجزاء المركّب قبل لحوق باقي الأجزاء ، لأنّ ذلك إنّما يتّجه لو قلنا إنّ الغليان جزء الموضوع ، أمّا بعد البناء على أنّ الغليان ليس إلاّشرطاً للحكم ، وأنّ تمام الموضوع إنّما هو العصير ، فلا تكون الحرمة الواردة على العصير حرمة

١٨

تأهّلية ، بل لا تكون إلاّ الحرمة الواقعية الحقيقية ، غايته أنّها معلّقة على الغليان ، فليست هي قبل الغليان تأهّلية لا واقعية لها ، بل هي واقعية مجعولة شرعاً بعين جعل الحرمة الكلّية المجعولة للعنب الكلّي بشرط الغليان ، فكما أنّ العنب الكلّي لا تكون حرمته تأهّلية بل واقعية شرعية مجعولة شرعاً ، غايته أنّها مشروطة بالغليان ، فكذلك حرمة هذا العصير الخاصّ ليست تأهّلية صرفة ، وليست هذه الحرمة المعلّقة فيما نحن فيه من سنخ الوجوب المعلّق ، لأنّ ذلك إنّما هو بجعل الحكم فعلياً وأخذ متعلّقه استقبالياً ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، بل إنّ ما نحن فيه مطلب آخر غير راجع إلى سنخ الوجوب المعلّق ، ولا إلى الحرمة التأهّلية ، بل إنّ أساسه هو ما عرفت من دعوى الفرق بين الماء المطلق وبين العصير العنبي.

وإن شئت فقل : إنّ كلّي العصير العنبي قبل أن يجعل الشارع له تلك الحرمة المعلّقة على غليانه ، لا ريب في أنّه قد تبدّلت حاله بواسطة ذلك الجعل ، فإنّ ذلك العصير الكلّي قد طرأته صفة شرعية لم تكن حاصلة له قبل هذا الجعل ، ومن الواضح أنّ تلك الصفة الشرعية التي لحقت كلّي العصير تسري منه إلى أفراده الخارجية ، فكما أنّ كلّي العصير يتّصف بتلك الصفة الشرعية في عالم الاعتبار ، فكذلك أفراده الخارجية تتّصف في الخارج بذلك الاعتبار الشرعي ، وهو الذي نعبّر عنه بالحرمة على تقدير الغليان ، وحينئذ فعند التبدّل إلى الزبيبية نشكّ في بقاء تلك الصفة الشرعية الاعتبارية له ، فيشملها دليل الاستصحاب ، وليس ذلك راجعاً إلى استصحاب الحكم الكلّي كي يقال إنّه لا يتعلّق ببقائه الشكّ إلاّمن ناحية احتمال النسخ ، بل هو استصحاب للحكم الثابت لذلك الفرد الموجود ، غايته أنّه مشروط بشرط لم يحصل بعدُ ، وليس هو الحرمة الفعلية كي يقال إنّه لا وجود لها

١٩

قبل حصول الشرط ، بل هو الحرمة التعليقية الثابتة لذلك الفرد قبل أن يحصل شرطها الذي علّقت عليه ، ولعلّ هذا هو المراد لما أفاده العلاّمة الأصفهاني قدس‌سره في حاشيته في العبارة التي تقدّم نقلها.

بل يمكن أن يقال : إنّ هذا هو المنظور إليه لكلّ من صحّح الاستصحاب التعليقي ، دون كون المستصحب هو الحرمة المنوطة بلحاظ الغليان ، أو أنّ المستصحب هو فعلية الحكم بدعوى كون الحكم فعلياً ولو قبل وجود شرطه في قبال الشأني أو الانشائي ، وأنّ المراد من الفعلية هو الوصول إلى درجة الاعلان والتبليغ في قبال الاقتضائية أو الشأنية أو الانشائية ، فلاحظ.

ولكنّه مع ذلك كلّه قابل للتأمّل ، فإنّ الحرمة المعلّقة على الغليان بالنسبة إلى هذا العصير الخاصّ لا محصّل لها إلاّ الحرمة التأهّلية ، وأنّها لا وجود لها قبل وجود الغليان ، ولا محصّل لقولنا : هذا العصير حرام إذا غلى ، إلاّ الملازمة بين الغليان والحرمة الناشئة عن جعل الحرمة للعصير الكلّي مقدّمة على الغليان ، فتأمّل.

وأمّا حديث إرجاع الشرط إلى الموضوع وأنّهما بمآل واحد ، فهو وإن تكرّر في كلمات شيخنا قدس‌سره في مقامات عديدة ، إلاّ أنّ المقامات تختلف ، فربّ مقام يكون المدار فيه على واقع الأمر حسبما يراه الذوق العرفي ، سواء أُبرز في قالب الشرط أو في قالب الوصف أو في قالب العنوان ، كما في مسألة تخلّف الشرط وتخلّف المبيع ، فإنّ أثر الأوّل هو الخيار ، وأثر الثاني هو بطلان العقد ، والمدار في ذلك على كون الشيء عنواناً حافظاً للصورة النوعية وكونه زائداً على الصورة النوعية ، فمثل كون المبيع عبداً في قبال كونه حماراً يكون من قبيل تخلّف المبيع سواء أُبرز عنواناً للمبيع أو وصفاً أو شرطاً ، فإنّ الحكم هو بطلان

٢٠