🚘

أصول الفقه - ج ٩

آية الله الشيخ حسين الحلّي

أصول الفقه - ج ٩

المؤلف:

آية الله الشيخ حسين الحلّي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مكتبة الفقه والأصول المختصّة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-82-9
ISBN الدورة:
978-600-5213-23-2

الصفحات: ٥٠٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

[ مبحث الاستصحاب ]

بسم الله الرحمن الرحيم (١)

قوله : وأسدّ ما قيل في تعريفه هو الحكم ببقاء ما كان ... الخ (٢).

قد عرّفوا الاستصحاب بتعاريف ، منها : تعريف الكفاية : وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه (٣).

ومنها : أنّه إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمان الأوّل.

ومنها : أنّه إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه.

ومنها : أنّه التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه بعد ذلك الوقت أو غير تلك الحال.

ومنها : كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.

ومنها : الحكم على حكم مثبت في وقت أو حال ببقائه بعده من حيث ثبوته في الأوّل ، مع عدم العلم بالبقاء ولو تقديراً.

__________________

(١) [ بدأنا فيه ] غرّة ربيع الأوّل سنة ١٣٧٣ ، وقد فرغنا بحمد الله تعالى من مباحث الاستصحاب أواخر ذي الحجّة سنة ١٣٧٤ [ منه قدس‌سره ].

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٣٠٦.

(٣) كفاية الأُصول : ٣٨٤.

٣

ومنها : إبقاء ما كان في الزمن الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل.

أمّا ما ذكره شيخنا قدس‌سره من أنّ الاستصحاب هو الحكم ببقاء ما كان ، الذي هو تعريف الكفاية ، فقد أورد عليه قدس‌سره ما أورده ، واختار لتعريف الاستصحاب : أنّه عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين.

ولا يخفى أنّ عدم الانتقاض ليس هو الاستصحاب ، فكان التعبير بعدم النقض أولى ، وحيث إنّ عدم النقض إنّما يتحقّق بالجري العملي على طبق الحالة السابقة ، فالأولى تعريفه : بأنّه الأخذ من حيث الأثر العملي بمقتضى المتيقّن السابق من حكم أو موضوع ذي حكم بعد طروّ الشكّ في بقاء ذلك المتيقّن ، فإنّ الاستصحاب ليس من مقولة الأحكام ، وإنّما هو من أعمال المكلّف. نعم إنّ المستند في هذا العمل هو الأخبار أو بناء العقلاء أو الظنّ النوعي أو الشخصي الحاصل من اليقين السابق ، ولو بملاحظة غلبة البقاء بعد الوجود ، كلّ على مسلكه في أدلّة الاستصحاب ، وليس نفس الاستصحاب من الحجج الشرعية أو العقلية ، ولا هو من الأدلّة ، بل هو عمل يحتاج إلى دليل ، فلاحظ وتأمّل.

نعم ، لك أن تقول : إنّه الحكم ببقاء ما كان ، باعتبار كون المكلّف لمّا أخذ من حيث العمل بما كان ، فكأنّه بنى على بقائه ، والبناء على البقاء حكم منه بالبقاء.

ولكنّه مع ذلك لا يخلو عن تأمّل ، لأنّ الحكم بالبقاء إن كان عبارة عن عقد القلب عليه والاعتقاد به ، بأن يعتقد أوّلاً بقاء الشيء ثمّ يرتّب أثره ويعمل على طبقه ، فذلك عبارة أُخرى عن لزوم الاعتقاد ، وقد حقّق في محلّه عدم لزومه في الأحكام الشرعية الواقعية ، فضلاً عن الأحكام الظاهرية. وعلى أيّ حال ، أنّ ذلك

٤

ـ أعني عقد القلب على بقاء المستصحب ـ أمر آخر لا ربط له بالاستصحاب ولا بدليله.

وإن كان المقصود من الحكم بالبقاء هو حكم الشارع بالبقاء ، فذلك عبارة أُخرى عن النهي عن نقض اليقين ، لا أنّه أمر آخر ويكون النهي عن نقض اليقين ونحوه من الإجماع وبناء العقلاء دليلاً عليه كما صرّح به في الكفاية (١).

وبالجملة : أنّ ما أفاده في الكفاية من أنّ الاستصحاب هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه ، وإن دفع إشكال شيخنا قدس‌سره على الشيخ قدس‌سره من أنّ الحكم ببقاء ما كان الخ لا يكون إلاّحكماً واقعياً ، وهذا الدفع بواسطة إدخال الشكّ في التعريف ، وبذلك يخرج الحكم المذكور عن كونه حكماً واقعياً ، إلاّ أن زيادة لفظ « الحكم » أوجبت الإشكال من ناحية أُخرى ، وهي ما عرفت من أنّ المراد بالحكم إن كان هو حكم الشارع بالبقاء الذي هو عبارة عن النهي عن النقض ، فذلك هو أحد أدلّة الاستصحاب ، لا أنّه نفس الاستصحاب كما أفاده في الكفاية.

وإن كان المراد به هو حكم المكلّف نفسه بأن يحكم ببقاء ما شكّ في بقائه فمن الواضح أنّ حكم المكلّف بالبقاء إنّما هو عبارة عن اعتقاده بالبقاء ، وقد عرفت أنّه أجنبي عن الاستصحاب ، إذ ليس الاستصحاب إلاّما عرفت من الأخذ بمقتضى الحالة السابقة التي طرأ الشكّ في بقائها بعد اليقين بها ، وذلك عبارة أُخرى عن إبقاء ما كان من حيث الجري العملي على طبقه ، كما هو المستفاد ممّا أفاده الشيخ قدس‌سره عن الأُصوليين بقوله : وهو لغة أخذ الشيء مصاحباً ، ومنه استصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة. وعند الأُصوليين عرّف بتعاريف

__________________

(١) كفاية الأُصول : ٣٨٤.

٥

أسدّها وأخصرها إبقاء ما كان ( لكنّه قدس‌سره تصرّف في تفسير الابقاء فقال ) والمراد بالابقاء الحكم بالبقاء (١) وحينئذ يتوجّه عليه الإشكال الذي توجّه إلى ما أفاده في الكفاية من توسيط الحكم ، فلاحظ وتأمّل.

قوله : ولا عبرة بيقين المقلّد وشكّه في ذلك ، بل العبرة بيقين المجتهد وشكّه ، وهو الذي يُجري الاستصحاب ويكون بوحدته بمنزلة كلّ المكلّفين ـ إلى قوله ـ ومن هنا كان إعمال الاستصحاب في الشبهات الحكمية من وظيفة المجتهد ، ولا حظّ للمقلّد فيه ، ولا يجوز للمجتهد الفتوى بحجّية الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، لأنّ تطبيقها ليس بيد المقلّد ، بل لابدّ للمجتهد من الفتوى بالحكم المستخرج من إعمال الاستصحاب ... الخ (٢).

لا يخفى أنّ كون المجتهد بوحدته بمنزلة كلّ المكلّفين لا يتّضح إلاّبأن يكون المجتهد نائباً عنهم في الشك واليقين ، وقد منع قدس‌سره من ذلك في أوائل القطع (٣) وفي باب التعادل والتراجيح عند التعرّض للتخيير وأنّه وظيفة [ المجتهد ](٤) فراجع.

لكن يهوّن الخطب أنّه لا حاجة إلى دعوى كونه بمنزلة كلّ المكلّفين ، بل يكفي في حجّية فتواه التي استخرجها من الاستصحاب على العامي ، كون الاستصحاب إحرازياً ، فيصحّ للمجتهد الحكاية عن الحكم الواقعي الذي أحرزه

__________________

(١) فرائد الأُصول ٣ : ٩.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٠ ـ ٣١١.

(٣) فوائد الأُصول ٣ : ٤.

(٤) راجع المجلّد الثاني عشر الصفحة : ١٧٠ وما بعدها.

٦

بواسطة الاستصحاب ، وذلك ـ أعني الحكاية عن الحكم الواقعي ـ هو الملاك في الحجّية على العامي.

نعم ، يشكل ذلك في الأُصول غير الاحرازية ، كقاعدة الحل والبراءة الجارية في الشبهات الحكمية ، وكالاحتياط الجاري في الشبهات الحكمية عند الترديد في المكلّف به بين شيئين ، وكذا الحال في أصالة التخيير الجارية في المسألة الفرعية.

ومنشأ الإشكال أنّ موضوع البراءة مثلاً هو الشكّ ، والمفروض أنّه لا يشمل شكّ المقلّد ، إذ لا عبرة بشكّه ، فيكون الحكم بالبراءة مختصّاً بالمجتهد نفسه ولا يشمل العامي ، فيلزمه الاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر ممّن لا يقول بالبراءة في تلك المسألة.

ولكن الإشكال كلّ الإشكال في هذه الدعوى ، أعني كون موضوع البراءة هو خصوص شكّ المجتهد ، فإنّا لو سلّمنا ذلك فإنّما نسلّمه في خصوص الاستصحاب ، لأنّه لابدّ فيه من اليقين السابق ، المفروض أنّه لا يتأتّى في ناحية المقلّد ، إلاّ إذا كان ثبوت الحكم سابقاً واضحاً بديهياً لا يحتاج إلى اجتهاد ثمّ طرأ الشكّ في بقائه لبعض الجهات الموجبة للشكّ ، على نحو لا يتوقّف ذلك الشكّ على الاجتهاد والنظر في الأدلّة.

أمّا مثل أصالة البراءة فلا يعتبر فيها أزيد من الشكّ وعدم العلم ، وذلك حاصل من المكلّف العامي بالضرورة ، غايته أنّه لا تجري في حقّه البراءة إلاّبعد الفحص بمقدار الطاقة ، وهو ـ أعني الفحص من كلّ مكلّف ـ إنّما يكون بحسبه ، فهو من المجتهد إنّما يكون بالنظر إلى الأدلّة ، ومن العامي إنّما يكون بالسؤال من

٧

المجتهد ، لأنّ ما يكون حجّة عليه منحصر بفتوى المجتهد ، فإذا رجع إلى المجتهد في تلك المسألة فذلك المجتهد إن كان قد حصّل الحكم الواقعي من الأدلّة أفتاه به ، وإن لم يحصّل ذلك الحكم الواقعي ، وكان المورد بحسب نظره مورداً للبراءة ، صحّ له أن يفتيه بالبراءة ، لأنّ البراءة حينئذ جارية في حقّ ذلك المقلّد ، لكونه شاكّاً غير عالم بالحكم ، مع فرض كون شكّه المذكور واجداً لشرط البراءة ، وهو الفحص عن الحجّة على التكليف.

نعم ، ليس له أن يفتيه بعدم الحكم واقعاً ، كما أنّه بنفسه لا يمكنه البناء على عدم ذلك الحكم واقعاً لو كان هو بنفسه محلّ ابتلاء في ذلك التكليف ، غايته أنّ التعبير في الرسالة العملية بنفي الوجوب مثلاً بأن يقول : يجوز شرب التتن وأنّه لا يحرم ، يكون من قبيل التسامح في التعبير ، وإلاّ فإنّ حقّ العبارة أن يقول إنّ من لم يكن عالماً بحرمة شربه يكون مأذوناً بشربه ، أو لا عقاب عليه في شربه ، أو أنّ حرمته الواقعية مرفوعة عنه ، على الاختلاف في مفاد حديث الرفع ، إلاّ أن ذلك لمّا كان موجباً للتطويل أو لعسر فهمه على العامي التجأوا إلى التعبير بالجواز أو عدم الحرمة ، فتأمّل فإنّ شمول دليل هذه الأُصول لشكّ المقلّد وعدم علمه قابل للمنع.

وبالجملة : أنّ عدم علم المقلّد وشكّه في الحكم ولزوم الفحص عن الفتوى ، لا ربط له بما هو موضوع تلك الأُصول من الشكّ في الحكم الواقعي المتوقّف على النظر في الأدلّة الاجتهادية وعدم تحصيل شيء منها ، وأين هذا من الشكّ الذي هو من مجرّد عدم العلم بفتوى المجتهد ، فراجع ما حرّرناه في مبحث التخيير من مباحث التعادل والتراجيح.

٨

قوله : فالذي يعتبر في الاستصحاب هو اختلاف زمان المتيقّن والمشكوك ، ولا يعتبر فيه اختلاف زمان الشكّ واليقين ، على عكس قاعدة اليقين ... الخ (١).

وحينئذ فالمدار في الاستصحاب على اتّحاد زمان اليقين والشكّ مع اختلاف زمان المتيقّن والمشكوك ، وتقدّم المتيقّن زماناً على المشكوك ، ولا أثر لتقدّم اليقين لو اتّفق تقدّمه كما في المثال المذكور ، أعني ما لو تيقّن بعدالة زيد في يوم الجمعة وحصل الشكّ في يوم السبت في بقاء تلك العدالة ، مع فرض بقاء يقينه بعدالته يوم الجمعة. كما أنّه لا أثر لتقدّم زمان الشكّ كما سيأتي في المثال الذي يذكره في الأمر الرابع (٢) أعني ما لو شكّ في عدالة زيد يوم السبت ثمّ في يوم الأحد تيقّن بعدالته يوم الجمعة ، وحصل له الشكّ في بقائها إلى يوم الأحد ، فإنّ ذلك الشكّ السابق لا دخل له بالاستصحاب ، لأنّه شكّ في الحدوث وقد انتقض باليقين بعدالته يوم الجمعة ، وإنّما الموضوع للاستصحاب هو الشكّ الذي حصل له يوم الأحد ، أعني الشكّ في بقاء العدالة التي تيقّن بها وهي عدالة يوم الجمعة مع فرض شكّه في بقائها.

ولا بأس بمراجعة ما حرّرناه عنه قدس‌سره في هذا المقام (٣) ، ولعلّ أن يأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى عند التعرّض لأنّ مثل قوله عليه‌السلام : « لا تنقض اليقين بالشكّ » لابدّ أن يكون مسوقاً لإحدى القاعدتين ، ولا يعقل شموله لهما معاً (٤)

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٤.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٦.

(٣) مخطوط ، لم يطبع بعدُ.

(٤) في خاتمة الاستصحاب [ المجلّد الحادي عشر من هذا الكتاب ، الصفحة : ١٠٤ وما

٩

قوله : فإنّ المراد من المقتضي والمانع في القاعدة لا يخلو عن أحد وجوه ثلاثة ... الخ (١).

مرجع الأوّل إلى المقتضي والمانع التكوينيين مثل النار والماء ، ومرجع الثاني إلى ما هو موضوع الحكم وما يكون عدمه قيداً فيه ، مثل الملاقاة للنجس التي هي موضوع للنجاسة المقيّدة بعدم الكرّية ، ومثل العلم الذي هو موضوع وجوب الاكرام المقيّد بعدم الفسق ، ومثل الصلاة التي هي واجبة المقيّدة بعدم مصاحبة ما لا يؤكل لحمه. ومرجع الثالث إلى عالم التشريع ، مثل المصلحة المقتضية لتشريع وجوب إكرام العالم الفاسق ، والمفسدة في إكرام الفاسق المانعة من تشريع وجوب إكرامه الموجبة لتشريع حرمة إكرامه ، وفي هذا التحرير بعض الإجمال ، فراجع ما حرّره السيّد سلّمه الله (٢) فإنّه في هذا المقام أوفى تحريراً.

قوله : وبالجملة لا إشكال في أنّ مفاد الأخبار الواردة في الباب يقتضي سبق زمان المتيقّن والشكّ في بقائه ، وهذا المعنى أجنبي عن استصحاب القهقرى ... الخ (٣).

فإنّ مفادها هو النهي عن نقض اليقين بالشكّ ، وهو إنّما يكون بعد فرض كونه قد انتقض به وجداناً ، ويكون النهي عن النقض تعبّداً صرفاً ، فلا يشمل الاستصحاب القهقرى ، لأنّ الشكّ فيه لم يكن ناقضاً لليقين كي يكون مورداً

__________________

بعدها ] وقد شرحنا ذلك وأوضحناه فيما علّقناه [ فيما يأتي في الصفحة : ٩١ وما بعدها من هذا المجلّد ] على ما أفاده قدس‌سره في الرواية الرابعة من أخبار الاستصحاب وهي قوله عليه‌السلام : « من كان على يقين فشكّ » الخ [ منه قدس‌سره ].

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٥.

(٢) أجود التقريرات ٤ : ١٥.

(٣) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٧.

١٠

للنهي التعبّدي ، بل إنّ اليقين المتأخّر فيه ناقض للشكّ السابق.

نعم ، لو كان مفاد الأخبار مقصوراً على مجرّد الأخذ باليقين والنهي عن الأخذ بالشكّ ، لأمكن القول بشمولها للاستصحاب القهقرى ، لكن حينئذ يكون دائماً مبتلى بمعارضة الاستصحاب العدمي ، حيث إنّ جرّ اليقين بالوجود إلى ما قبل يعارضه جرّ اليقين بالعدم فيما تقدّم إلى زمان اليقين بالوجود ، كما لو علمنا فعلاً بأنّ الصلاة صارت اسماً لذات الأركان ، فنريد بالاستصحاب القهقرى إثبات ذلك في عصره صلى‌الله‌عليه‌وآله لتكون حقيقة شرعية ، لكن يعارضه أصالة عدم نقلها لذلك من الدعاء ، وجرّ ذلك العدم ممّا قبل زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ما بعد زمانه.

فائدة : ذكر في الجواهر خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام المروي عن قرب الاسناد ، قال : « سألته عن رجل يكون على وضوء ويشكّ على وضوء هو أو لا ، قال عليه‌السلام : إذا ذكر وهو في صلاته انصرف فتوضّأ وأعادها ، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك » (١) قال في الجواهر في مباحث خلل الوضوء : ولعلّ مراده بقوله : « يكون على وضوء » أنّه اعتقد أنّه على وضوء ثمّ شكّ بعد ذلك ، أي زال اليقين الأوّل ورجع إلى الشكّ ، ويستفاد منه حينئذ التنبيه على أنّ من اعتقد الوضوء مثلاً ثمّ زال عنه اليقين إلى الشكّ كان الحكم للأخير ، وإن كان لا تجب عليه إعادة العمل الذي أوقعه (٢) لقاعدة الفراغ ، وعدم الاعتناء باليقين السابق لكون المسألة من قبيل الشكّ الساري ، فيكون المفروض في الرواية من موارد قاعدة اليقين ، وقد حكم عليه‌السلام بعدم اعتبارها ، فيكون الخبر من أدلّة عدم حجّية قاعدة اليقين.

__________________

(١) قرب الاسناد : ١٧٧ / ٦٥١ ، وسائل الشيعة ١ : ٤٧٣ / أبواب الوضوء ب ٤٤ ح ٢.

(٢) جواهر الكلام ٢ : ٣٥٠.

١١

قوله : فإنّه مضافاً إلى ظهور لفظ الشكّ واليقين بل مطلق الألفاظ في فعلية الوصف العنواني وقيام مبدأ الاشتقاق الحقيقي ... الخ (١).

حاصله : الاستدلال على لزوم كون الشكّ فعلياً وعدم الاكتفاء بالشكّ التقديري في باب الاستصحاب بأُمور ثلاثة :

الأوّل : الظهور اللفظي من اليقين والشكّ في قولهم عليهم‌السلام : « لا تنقض اليقين بالشكّ » فإنّ الظاهر منه هو الشكّ الفعلي دون التقديري ( ولكن لا علاقة لذلك على الظاهر بمسألة اعتبار التلبّس الفعلي بالمبدأ في باب المشتق ).

الثاني : أنّ الحكم الاستصحابي وهو النهي عن نقض اليقين بالشكّ لا يتحقّق إلاّعند تحقّق موضوعه الذي هو اليقين والشكّ ، فمع فرض عدم كون الشكّ فعلياً لا يكون موضوع الاستصحاب متحقّقاً ، فلا يكون الحكم الاستصحابي متحقّقاً إلاّمع فعلية الشكّ ، إمّا لما أشار إليه هنا بقوله : بداهة أنّ الجري العملي على أحد طرفي الشكّ ، أو البناء على بقاء الحالة السابقة وترتّب آثار ثبوت المتيقّن ، لا يمكن إلاّمع فعلية الشكّ. وإمّا لما أشار إليه في تحرير السيّد ( سلّمه الله تعالى ) من أنّ فعلية كلّ حكم تتوقّف على فعلية موضوعه المأخوذ مفروض الوجود ، على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية ، فراجعه (٢) لكن هذا الأخير لا ينفي حكم الأصل واقعاً وإنّما ينفي فعليته ، كما أنّ الأوّل لا ينفي الواقعية ، لإمكان أن يكون الموضوع هو الشكّ التقديري ، فيكون المكلّف محكوماً بأحد طرفي ذلك الشكّ التقديري وإن لم يكن شاكّاً فعلاً.

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٧.

(٢) أجود التقريرات ٤ : ١٨.

١٢

الثالث : ما يستفاد من الترقي بقوله : بل قد تقدّم منّا (١) وهو أنّ الحكم الظاهري لا يتحقّق إلاّبعد العلم بالحكم والموضوع.

وحاصل الوجه الأوّل هو الاستظهار المحض. وحاصل الثاني هو عدم إمكان تأتّي الحكم الاستصحابي الذي هو الأخذ بالمتيقّن ، وكذا في جميع موارد الأُصول الذي يكون هو الأخذ بأحد طرفي الشكّ لا يكون متحقّقاً أو لا يكون فعلياً إلاّمع الالتفات إلى الشكّ. وحاصل الثالث هو كون الحكم الظاهري مقيّداً بالعلم به وبموضوعه ، فإذا كان نفس الحكم الظاهري مجهولاً أو كان موضوعه مجهولاً ، لم يكن الحكم الظاهري متحقّقاً فعلاً.

قلت : قد تقدّمت الاشارة في بعض مباحث الظنّ أو القطع إلى أنّ الحكم الظاهري كالواقعي غير مقيّد بالعلم ، نعم الآثار العقلية المترتّبة على الحكم الظاهري وهي المعذّرية والمنجّزية لا تتحقّق إلاّعند العلم به ، كما أنّ الآثار العقلية اللاحقة للأحكام الواقعية التكليفية التي هي قبح المعصية وحسن الطاعة ولزومها لا تتحقّق إلاّعند العلم بها أو ما يقوم مقامه.

وإن شئت فقل : إنّ الحجّية من الآثار الوضعية الشرعية ، ولها آثار عقلية ، فهي من هذه الجهة نظير الوجوب الشرعي الذي يكون له أثر عقلي وهو وجوب الاطاعة ، فما لم يحصل العلم بذلك الحكم الشرعي لا يلحقه الأثر العقلي.

أمّا الموضوع ، فإن أُريد به الموضوع الخارجي ، مثل أن تقوم الأمارة على حرمة الخمر ، ويقدم الإنسان على شرب مائع جاهلاً بكونه خمراً ، فحاله حال الجاهل بحجّية تلك الأمارة الذي هو الجاهل بالحكم الظاهري ، في تحقّق الحكم الظاهري في حقّه وعدم ترتّب أثره العقلي عليه. وإن أُريد به الجاهل بقيام الأمارة

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٧.

١٣

مع علمه بحجّيتها ، كما لو كان عالماً بحجّية خبر الواحد وكان هناك ... (١) المكلّف وارتكب شرب النبيذ جاهلاً بقيام الخبر على ... (٢) بالموضوع بل هو خارج عن موضوع الحجّية ، لأنّ موضوعها من قام الخبر عنده. وهكذا الحال في الأُصول ، فإنّ الجهل بالموضوع فيها لا يتصوّر ، إذ لا يتصوّر في حقّ الشخص كونه جاهلاً بأنّه شاكّ ، إلاّعلى تقدير شمول الشكّ للشكّ التقديري.

ومن ذلك يظهر لك أنّ المتيقّن بالحدث الشاكّ في بقائه لو كان ملتفتاً إلى يقينه وشكّه لكنّه كان جاهلاً بحجّية الاستصحاب ، وإن شارك الغافل عن الشكّ واليقين في عدم ترتّب آثار حجّية الاستصحاب عليه ، إلاّ أن الأوّل وهو الجاهل بحجّية الاستصحاب يكون الحكم الاستصحابي متحقّقاً في حقّه ، والثاني وهو العالم بحجّية الاستصحاب الغافل عن اليقين والشكّ لا يكون الحكم في حقّه متحقّقاً ، لكن لمّا كان أثر الحكم الظاهري متوقّفاً على العلم به ، لم يكن تحقّق الحكم الاستصحابي في حقّ الأوّل نافعاً في ترتّب أثره ، الذي هو تنجّز الواقع أو المعذورية.

لكن يظهر الفرق بينهما بعد الفراغ من الصلاة مثلاً ، فإنّ الأوّل يلزمه الاعادة لتحقّق الاستصحاب في حقّه قبل الدخول في الصلاة ، وجهله بحجّيته لا يؤثّر في كونه محكوماً من الأوّل بفساد الصلاة وعدم جواز الدخول فيها ، بخلاف الثاني فتأمّل وراجع ما حرّرناه عنه قدس‌سره في هذا المقام من قياس الأحكام الظاهرية على العقد المؤلّف من الإيجاب والقبول ، وقياس الأحكام الواقعية على الايقاع بجعل العلم بالحكم [ الذي ] هو الموضوع في الأوّل بمنزلة القبول الذي يتوقّف عليه

__________________

(١) [ هنا سِقط في الأصل فلاحظ ].

(٢) [ هنا سِقط في الأصل فلاحظ ].

١٤

تمامية العقد ، وراجع ما علّقناه هناك (١) وتأمّل.

قوله : وأمّا بناءً على كفاية الشكّ التقديري فينبغي القول ببطلان الصلاة في الفرض المذكور ، لأنّه بمجرّد تيقّن الحدث كان الحكم المجعول في حقّه هو البناء على بقاء الحدث ... الخ (٢).

ولا تجري في حقّه قاعدة الفراغ ، لأنّ الظاهر من أدلّتها هو كون الشكّ حادثاً بعد الفراغ ، ومع فرض الاعتناء بالشكّ التقديري يكون ذلك الشكّ حاصلاً من حين الشروع في الصلاة. مضافاً إلى أنّ قاعدة الفراغ إنّما تنفي الاحتمال الذي لم يكن منجّزاً قبل الدخول في الصلاة دون ما لو كان من أوّل الأمر منجّزاً ، ولأجل ذلك نقول ببطلان صلاة من كان متيقّن الحدث ثمّ شكّ في بقائه ثمّ غفل وصلّى ، فإنّه عند الدخول في الصلاة وإن كان غافلاً عن حدثه أو عن الشكّ في بقائه ، إلاّ أنّه بعد الفراغ من الصلاة لمّا لم يكن شكّه حادثاً بعد الصلاة ، وكان احتمال بقاء الحدث منجّزاً عليه قبل الدخول فيها ، لم يمكن إجراء قاعدة الفراغ في حقّه.

نعم ، يمكن المنع من هذه الجهة الثانية أعني كون الاحتمال منجّزاً قبل الدخول في الصلاة (٣) ، فإنّه بواسطة الغفلة يمكن القول بأنّ احتمال البطلان لم يكن منجّزاً في الفرع الثاني وكذا في الفرع الأوّل ، بناءً على الاكتفاء بالشكّ التقديري ، فإنّه وإن أوجب جريان الاستصحاب في حقّه ، إلاّ أنه لمّا كان حين العمل غافلاً لم يكن ذلك الاستصحاب منجّزاً في حقّه احتمال البطلان ... (٤) وهي

__________________

(١) مخطوط لم يطبع بَعدُ.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٩.

(٣) [ في الأصل : في الدخول ، والصحيح ما أثبتناه ].

(٤) [ في الأصل هنا سِقط فلاحظ ].

١٥

كون الشكّ سابقاً فتأمّل. وسيأتي الكلام على هذه الفروع مفصّلاً في المبحث السادس من مباحث قاعدة الفراغ إن شاء الله تعالى فلاحظه (١).

قوله : وحاصل ما أفاده في وجه ذلك : هو أنّ الأحكام العقلية لا يكاد يتطرّق الاهمال والاجمال فيها ، فإنّ العقل لا يستقلّ بقبح شيء أو حسنه ـ إلى قوله ـ ولكن للنظر فيه مجال ... الخ (٢).

ملخّص ذلك مبني على ثلاث مقدّمات :

الأُولى : أنّ العقل لمّا كان هو الحاكم بالقبح لا يعقل أن يكون شاكّاً فيه ، بمعنى أنّه لو سئل عن فعل لابدّ أن يحكم بقبحه أو بعدم قبحه ، ولا يعقل أن يكون شاكّاً في حكم نفسه ، بحيث يقول إنّي لا أحكم بقبحه ويجوز أن يكون قبيحاً في الواقع ، لأنّ ذلك ممّا لا معنى له بالنسبة إلى الحاكم نفسه.

المقدّمة الثانية : أنّه لو حكم بقبح فعل فلا يعقل أن لا يميّز بين ما له الدخل في حكمه ممّا ليس له الدخل ، وحينئذ فلا يعقل أن يطرأ الشكّ في البقاء على حكمه ، لأنّ القيد الذي حصل انتفاؤه إن كان ممّا له الدخل كان موجباً لقطع العقل بانتفاء حكمه ، وإلاّ لم يكن انتفاؤه موجباً للشكّ في بقاء الحكم.

وبعبارة أُخرى : أنّ ملاك الحكم العقلي وما يكون له الدخل فيه يكون عين موضوعه ، فيكون الشكّ في أنّ القيد الفلاني هل له المدخلية في ذلك الحكم العقلي راجعاً إلى الشكّ في أنّ [ موضوع ] هذا القبح هل هو ذلك القيد أو هو نفس المقيّد.

الثالثة : أنّ الحكم الشرعي المستكشف بقاعدة الملازمة من الحكم

__________________

(١) راجع الحاشية الآتية في المجلّد الحادي عشر من هذا الكتاب ، الصفحة : ٤٠٤.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٣٢٠ ـ ٣٢١.

١٦

العقلي لا يعقل أن يختلف مع ذلك الحكم العقلي سعة وضيقاً ، فإذا كان الحكم العقلي بقبح الكذب دائراً مدار كونه مضرّاً ، كان الحكم الشرعي المستكشف به أيضاً كذلك.

قوله : أمّا أوّلاً : فلأنّ دعوى كون كلّ خصوصية أخذها العقل في موضوع حكمه لابدّ وأن يكون لها دخل في مناط حكمه واقعاً ممنوعة ، بداهة أنّه ربما لا يدرك العقل دخل الخصوصية في مناط الحسن والقبح واقعاً ، وإنّما أخذها ... الخ (١).

هذا الإيراد وما بعده نقلهما شيخنا قدس‌سره عن أُستاذه العلاّمة الشيرازي قدس‌سره. ويمكن التأمّل فيه ، فإنّ العقل بعد أن كان هو الحاكم كيف يمكن أن نتصوّر أنّه يشكّ في مدخلية القيد الفلاني في حكمه ، سيّما بعد القول بأنّه لا معنى للأحكام العقلية إلاّ الملائمة والتنفّر ، وهل يعقل أن يتنفّر العقل من الكذب الضارّ ويتنزّه منه ولا يعرف أنّ تنفّره كان من أجل ذات الكذب ، أو أنّه كان من أجل كونه مضرّاً وهل لدى العقل أحكام عقلية واقعية كما يكون لدينا من جانب الشارع أحكام واقعية ، وهل واقع الحكم العقلي عند العقل إلاّما يحكم هو به ، بحيث يكون العقل يحتمل أنّ للضرر دخلاً في ذلك الحكم العقلي الواقعي المفروض أنّه لا يحكم به إلاّهو. هذه جهات لم أتوفّق لفهمها والتصديق بها.

قوله : وثانياً : سلّمنا أنّ كلّ خصوصية أخذها العقل في موضوع حكمه لها دخل في مناط الحكم بنظر العقل ، ويكون بها قوام الموضوع ، إلاّ أنه يمكن أن يكون ملاك الحكم الشرعي ... الخ (٢).

لا يخفى أنّ حاصل الايراد الأوّل هو منع المقدّمة الأُولى ، وحاصل الايراد

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٣٢١.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٣٢٢.

١٧

الثاني هو منع المقدّمة الثالثة بعد تسليم المقدّمتين الأوّليتين ، وذلك أنّا لو سلّمنا أنّ العقل لا يعقل أن يكون شاكّاً فيما له الدخل في ملاك حكمه ، بحيث كان ذلك موجباً لعدم قابلية أحكامه لأن يطرأ عليها الشكّ في البقاء ، إلاّ أن ذلك لا يمنع الشكّ في الحكم الشرعي المستكشف بذلك الحكم العقلي.

وفيه أيضاً تأمّل ، فإنّ العقل (١) بعد أن حكم بقبح الكذب الضارّ ، بحيث كان

__________________

(١) ويمكن اختصار هذا البحث بحذف حكومة العقل بالحسن والقبح ، ولو بدعوى أنّه لا واقع للعقل إلاّما يجده الإنسان من شعور ، وليس في البين حكومة عقلية ومحكمة وقوانين ، نعم نحن معاشر العدلية نقول بأنّ الأحكام الشرعية [ ناشئة ] عن ملاكات ومصالح ومفاسد ، والمكلّف وإن لم يشعر بتلك المفاسد وهاتيك المصالح ، إلاّ أنه ينتقل إليها من معلولها الذي هو الحكم الشرعي انتقالاً إنّياً من المعلول إلى العلّة.

ثمّ بعد هذا نقول : إنّ الإنسان ربما أدرك مفسدة في بعض الأفعال ، كالمفسدة في شرب الخمر وهي الاسكار وإذهاب الشعور ، على نحو يكون قاطعاً بهذه المفسدة وإن خالفه بقيّة الناس وهذا هو معنى حكم عقله ، وعن هذا الإدراك والشعور يتنفّر من شرب الخمر ، وعن هذه المفسدة ينتقل إلى معلولها وهو التحريم الشرعي انتقالاً لمّياً من العلّة التي هي المفسدة إلى معلولها الذي هو التحريم الشرعي.

نعم ، ربما كانت في شرب الخمر مفسدة أُخرى لم يطّلع عليها المكلّف ولم يعرفها ، كما هو شأنه في أغلب التحريمات من عدم الاطّلاع على المفسدة التي هي علّتها إلاّبواسطة معلولها الذي هو التحريم الشرعي ، وحينئذ نقول : من الممكن أن يكون في شرب الخمر مفسدة أُخرى غير إذهاب الشعور ، ولو بأن يكون الخمر مشتملاً على مقدار من السم ولم نطّلع عليه ، على وجه يكون التحريم معلولاً لكلّ من العلّتين ، ويكون كلّ منهما كافياً في تحقّقه ، ويكون حاله حال اجتماع العلل المتعدّدة على معلول واحد في كون العلّة هو القدر الجامع ، ويتفرّع على ذلك أنّه [ لو ] ارتفعت العلّة الأُولى من بعض الناس وهي الاسكار وإذهاب الشعور ولو لتعوّده عليه ، لكانت

١٨

قد اطّلع على أنّ للضرر دخلاً في ملاك حكمه المذكور ، فليس ذلك إلاّعبارة أُخرى عن أنّ الكذب مجرّداً عن الضرر غير محكوم لدى العقل بالقبح المذكور ، ولازم ذلك هو قطع العقل بعدم قبح الكذب المجرّد عن الضرر ، إذ لو كان يحتمل قبحه كان ذلك خلفاً لما فرضنا من أنّه لم يكن شاكّاً في مدخلية كلّ ما يأخذه في ملاك حكمه.

وحينئذ نقول : إنّه إذا استكشف بقاعدة الملازمة حكم الشارع بحرمة الكذب الضارّ ، لم يكن وجه لاحتمال كون دائرة موضوع الحكم الشرعي أعمّ ، إذ لو كانت كذلك ، بحيث كان الشارع قد حكم بالحرمة على مطلق الكذب وإن لم يكن ضارّاً ، لم يكن لنا محيص عن الالتزام بكون حكمه بحرمة ما لم يكن ضارّاً ناشئاً عن ملاك وهو القبح ، ولا يمكننا أن نصدّق بذلك إلاّ أن نحتمل قبح الكذب غير الضارّ ، وقد فرضنا أنّا لم نحتمل ذلك.

ولا يمكن تصحيح ذلك بأنّه يجوز أن يكون الشارع قد حكم بحرمته لملاك آخر غير الملاك الذي اطّلع عليه العقل ، فإنّ ذلك خارج عمّا هو محلّ الكلام ، لأنّه إنّما هو في ذلك الحكم الشرعي الذي نستكشفه من الحكم العقلي بقاعدة الملازمة ، دون غيره من الأحكام الشرعية.

ومن ذلك كلّه يظهر أنّ مسألة التسامح العرفي ، وأنّ ماذا يكون المدار في وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة ، والقياس على مسألة النجاسة والتغيّر ، كلّ ذلك لا ينفع في جهة الإشكال ، لأنّ جهة الإشكال إنّما هي في قابلية الحكم

__________________

الأُخرى كافية في بقاء التحريم ، وعن ذلك يتولّد الشكّ في بقاء التحريم عند القطع بذهاب العلّة الأُولى ، وينفتح باب استصحاب الحكم الشرعي المستكشف بالحكم العقلي [ منه قدس‌سره ].

١٩

العقلي للشكّ في البقاء ، بل إنّه دائماً إمّا مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع.

ومن الواضح أنّ تلك الجهات كلّها أجنبية عن هذه الجهة ، فإنّ تلك الجهات إنّما تنفع بعد فرض قابلية الحكم العقلي للشكّ في البقاء بعد فرض انتفاء بعض القيود ، فيقال في مقام دفع إشكال عدم اتّحاد القضية المتيقّنة والقضية المشكوكة إنّه يكفي الاتّحاد العرفي بحسب ما يستفاد عرفاً من الدليل الدالّ على الحكم ، أو بحسب ما يستفاد عرفاً من النهي عن نقض اليقين بالشكّ ، فتأمّل.

وخلاصة الكلام : أنّ ما هو الملاك في الأحكام العقلية هو عين موضوعها ، فعند انتفاء الموضوع ينتفي الملاك قطعاً ويرتفع الحكم العقلي جزماً ، وكذلك الأحكام الشرعية المستكشفة من الأحكام العقلية بقاعدة الملازمة ، فالأحكام العقلية وكذلك الأحكام الشرعية التي يكون أدلّتها الأحكام العقلية بقاعدة الملازمة ، لا يعقل أن يطرأها الشكّ في البقاء بعد ارتفاع بعض ما أُخذ فيها من القيود.

نعم ، الأحكام الشرعية التي تكون أدلّتها أُموراً أُخر غير الأحكام العقلية لا يكون الملاك فيها عين الموضوع ، بل يكون الملاك في حرمة شرب الخمر أمراً آخر غير ما هو موضوعه الذي هو الخمر ، فعند انتفاء بعض قيود الموضوع يكون ذلك الحكم الشرعي قابلاً للبقاء ، لاحتمال كون ذلك القيد أجنبياً عن المدخلية في الحكم ، أو أنّ له المدخلية لكن كان على نحو علّة الحدوث الموجبة لبقاء المعلول بعد ارتفاعها ، وحينئذ فيكون استصحاب مثل تلك الأحكام بمكان من الامكان.

بخلاف الأحكام العقلية والأحكام الشرعية المنحصر دليلها بتلك الأحكام العقلية ، فإنّها لا يمكن بقاؤها بعد ارتفاع بعض قيود موضوعها ، لعدم الشكّ في

٢٠