🚘

أصول الفقه - ج ٧

آية الله الشيخ حسين الحلّي

أصول الفقه - ج ٧

المؤلف:

آية الله الشيخ حسين الحلّي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مكتبة الفقه والأصول المختصّة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-72-0
ISBN الدورة:
978-600-5213-23-2

الصفحات: ٥٩٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

[ دليل الانسداد ]

قوله : فإنّ المسألة لم تكن معنونة عند العلماء أجمع ، ولم يقع البحث عنها في قديم الزمان عند أرباب الفتوى ، إلاّ أنّه يكفي الإجماع التقديري ... الخ (١).

قال قدس‌سره فيما حرّرته عنه : وليس الإجماع المذكور بنفسه تقديرياً كي يتوجّه عليه أنّه لا محصّل له ، بل إنّ المجمع عليه حكم تقديري ، وهو عدم جواز الإهمال المعلّق على تقدير الانسداد ، وليس ذلك أمراً مستغرباً ، فإنّ جميع الأحكام الشرعية معلّقة على تقدير تحقّق موضوعاتها ، وهذا الحكم المجمع عليه وإن لم يذكروه صريحاً إلاّ أنّه يفهم من كلامهم تلويحاً. وإن شئت فقل : إنّ ذلك يعرف من مذاقهم فتأمّل.

وبنحو ذلك صرّح في التحريرات المطبوعة في صيدا (٢).

قلت : ومع هذا التكلّف في دعوى الإجماع ربما يتأمّل في حجّيته شرعاً من جهة عدم كون المجمع عليه من الأحكام الشرعية ، لأنّ الإهمال وعدمه واقع في سلسلة معلولات الأحكام ، فلا يكون حكماً شرعياً كي يكون الإجماع عليه حجّة شرعية فتأمّل ، إذ ربما يأتي في الحاشية الآتية ما يمكن أن يكون به هذا الإجماع إجماعاً على حكم شرعي.

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣١.

(٢) أجود التقريرات ٣ : ٢٢٣ ـ ٢٢٤.

٣

قوله : والطريق الذي يصحّ جعله في حال انسداد باب العلم والعلمي مع كونه واصلاً بنفسه ينحصر بالاحتياط ، فإنّه الطريق الواصل بنفسه لكونه محرزاً للواقع وموصلاً إليه ... الخ (١).

الظاهر أنّ كون الاحتياط محرزاً للواقع وموصلاً إليه لا يكون هو العلّة في كونه طريقاً واصلاً بنفسه ، فإنّ الظنّ يشاركه في ذلك ، نعم هو أرجح من الظنّ باعتبار كونه أقرب إيصالاً وأبعد عن الخطأ ، وإن تطرّقه الخطأ ، كما لو احتاط في ترك ما احتمل حرمته واتّفق في الواقع أنّه كان واجباً ، لكنّه مع ذلك أقرب إلى تحصيل الواقع من الظنّ.

والذي حرّرته عنه قدس‌سره في بيان كون الاحتياط طريقاً واصلاً بنفسه هذا لفظه : أنّ الطريق إن لم يتوقّف وصوله إلى المكلّف إلاّعلى مجرّد جعله من قبل الشارع نظير الاحتياط الشرعي المجعول للشارع ابتداء ، بحيث كان الواصل إلينا هو نفس الاحتياط ابتداءً ، كان ذلك الطريق واصلاً بنفسه. وإن كان وصول جعله إلينا بواسطة جعل آخر وقد استكشفنا جعله طريقاً من جعل آخر ، كان واصلاً بطريقه كما فيما نحن فيه ، حيث إنّ الواصل إلينا هو نفس المنع الشرعي عن إهمال التكاليف ، وقد استكشفنا من حكم الشارع بالمنع المذكور أنّه قد جعل لنا طريقاً منجّزاً لتلك التكاليف ، وحصرنا ذلك الطريق المنجّز بالظنّ ، فيكون هذا الطريق ـ أعني الظنّ ـ واصلاً إلينا بطريقه ، بمعنى أنّه واصل إلينا بواسطة وصول طريقه الذي استكشفناه منه ، وهو المنع الشرعي من إهمال التكاليف ، انتهى.

قلت : ولعلّ المراد هو أنّه بعد فرض الإجماع على عدم جواز الاهمال يكون الاحتياط الشرعي هو عبارة أُخرى عن هذا الحكم الشرعي ، أعني عدم

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣٣.

٤

جواز الاهمال ، وهكذا الحال في كون الاهمال موجباً للخروج من الدين الذي هو عبارة أُخرى عن لزوم الحكم بحرمته شرعاً ، فيكون الاحتياط عبارة عن نفس ذلك الحكم الشرعي ، هذا مع قطع النظر عن قيام الإجماع على عدم لزوم الاحتياط ، وإلاّ كان عدم جواز الاهمال الثابت بالدليلين المذكورين كاشفاً عن كون المنجّز الشرعي الموجب لعدم جواز الاهمال هو حجّية الظنّ ، فتأمّل فإنّه لا يخلو عن تأمّل بل عن اضطراب ، إذ كيف يمكن القول بأنّ الإجماع على عدم جواز الإهمال وعلى حرمة الإهمال هو عين وجوب الاحتياط ، مع فرض الإجماع على عدم وجوب الاحتياط شرعاً.

والأولى أن يقال : إنّ الاحتياط هو الأولى بالجعل لكونه هو الأقرب للواقع ، لكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوبه ، وضممنا هذا الإجماع إلى الإجماع على عدم جواز الإهمال الذي لا يمكن إلاّمع وجود المنجّز الشرعي ، كان اللازم هو استنباط كون المنجّز الشرعي هو حجّية الظنّ ، فتأمّل.

ولعلّ المراد من كون الاحتياط طريقاً واصلاً بنفسه هو أنّه بعد أن ثبت من الإجماع والضرورة من الدين عدم تجويز الشارع إهمال الأحكام ، بمعنى ثبوت إرادتها من المكلّفين ولو في ذلك الحال أي الانسداد ، وعدم تنازله عنها وعدم ترخيصه فيها ، الكاشف (١) عن أنّه قد جعل لها ما ينجّزها من الطرق الشرعية المنجّزة لها.

لا يقال : إنّ الحكم الشرعي بعدم الترخيص ، وعدم تنازل الشارع عن أحكامه الواقعية لا يستكشف منه جعل الطريق الشرعي ، لإمكان إيكال الشارع المكلّفين إلى ما تحكم به عقولهم من الاحتياط.

__________________

(١) [ حقّ العبارة أن يقال : كان ذلك كاشفاً ... ].

٥

لأنّا نقول : إنّ الاحتياط العقلي إن كان من ناحية العلم الاجمالي فالكلام إنّما هو مع قطع النظر عنه ، لأنّ كلامنا في الدليل الأوّل والثاني من أدلّة عدم جواز الاهمال. وإن كان الموجب له مجرّد الاحتمال ، فالعقل لا يراه منجّزاً بعد حكمه بقبح العقاب بلا بيان ، وليس مجرّد الحكم الشرعي بعدم الترخيص بياناً وحجّة عقلية ، لجواز أن يكون حكمه بعدم الترخيص الشرعي من جهة الإيكال إلى ما يحكم به العقل من قبح العقاب بلا بيان فتأمّل ، لما سيأتي (١) من إمكان كون الاحتمال بعد فرض الحكم الشرعي بعدم الترخيص منجّزاً. نعم سيأتي (٢) بطلان الاحتياط لما سيأتي من أنّ هذا الحكم العقلي بمنجّزية الاحتمال لابدّ من رفع اليد عنه ، للإجماع الآخر المدّعى على أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بطريق الاحتياط والاحتمال.

وعلى كلّ حال ، فبناءً على ذلك يكون هذا الحكم الشرعي الذي قام عليه الإجماع كاشفاً عن وجود الطريق الشرعي المصحّح لتنجّز الأحكام الواقعية ، ويكون المتعيّن أوّلاً هو الاحتياط لكونه واصلاً بنفسه ، لأنّه لا يحتاج في طريقيته إلى أزيد من جعله ، بخلاف الظنّ فإنّه يحتاج مع ذلك كلّه إلى مقدّمة أُخرى ، وهي قبح ترجيح المرجوح على الراجح ، وحيث يدور الأمر بين الطريق الواصل بنفسه والطريق الواصل بطريقه ، يكون الأولى بالجعل هو الطريق الواصل بنفسه ، ولكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط التامّ ، أو قامت الأدلّة الأُخرى الآتية (٣) إن شاء الله تعالى على عدم وجوبه من كونه موجباً للعسر والحرج ، أو كونه موجباً

__________________

(١) في الحاشية الآتية في الصفحة : ٢٨.

(٢) في هذه الحاشية.

(٣) في الحاشية الآتية في الصفحة : ١٥ وما بعدها.

٦

لاختلال النظام ، وجب الالتزام بأنّ ذلك الطريق الشرعي المجعول منجّزاً لتلك الأحكام في ذلك الحال هو الظنّ.

والأولى أن يضمّ إلى الإجماع [ على ] عدم الإهمال الإجماع على عدم وجوب الاحتياط شرعاً ، بمعنى أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بطريق الاحتمال ، وبعد ضمّ هذا الإجماع إلى الإجماع على أنّ الشارع لم يرخّص في أحكامه ، تكون النتيجة هي أنّ الشارع جعل الظنّ حجّة. نعم لو قرّرنا الإجماع الثاني بأنّه واقع على عدم وجوب الاحتياط التامّ ، وأبطلنا الاحتياط التامّ بالعسر والحرج أو اختلال النظام ، لكانت النتيجة هي تبعيض الاحتياط الشرعي أو العقلي ، أمّا بعد أن كان المدّعى في الإجماع الثاني هو أنّ الشارع لا يرضى بامتثال أحكامه بطريق الاحتمال والاحتياط ، فلا محصّل لتبعيض الاحتياط حينئذ ، ويكون هذا الإجماع مسقطاً ومبطلاً لكلّ من الاحتياط الشرعي والعقلي ، حتّى لو قلنا بأنّه يمكن للشارع بعد أن حكم بعدم الترخيص أن يوكل المكلّفين إلى ما تحكم به عقولهم ، وقلنا إنّ عقولهم بعد أن اطّلعوا على أنّ الشارع لم يرخّص في أحكامه وأنّه يريدها منهم حتّى في حال الانسداد ، تحكم بلزوم الاتيان بكلّ ما احتملوه ، أعني الالتزام بالاحتياط.

ومن ذلك كلّه يظهر لك أنّ عدم جواز الاهمال في المقام من الأحكام الشرعية ، باعتبار أنّ للشارع في ذلك الحال أن يتساهل مع عباده ويرخّصهم في ترك امتثال تلك الأحكام ولو بأن يجعل لهم البراءة الشرعية ، فلمّا كان جعل الترخيص الشرعي في ذلك الحال ممكناً عقلاً ولو بجعل البراءة الذي هو مفاد حديث الرفع ، كان محصّل عدم جواز الاهمال هو عدم جعل البراءة ، وكان ذلك العدم أثراً شرعياً ولو باعتبار إبقائه ، فيكون حينئذ ممّا يدخله الإجماع ، كالإجماع

٧

على وجوب الشيء الفلاني ، غايته أنّ ذلك إجماع على عدم حكم واقعي ، وما نحن فيه إجماع على عدم حكم ظاهري.

لا يقال : إنّ عدم جعل الترخيص كافٍ في المنجّزية.

لأنّا نقول : إنّ منجّزية عدم الترخيص يكون عبارة أُخرى عن لزوم الجري على طبق الاحتمال ، وهو عبارة أُخرى عن الاحتياط الذي قام الإجماع الثاني على عدمه ، فلابدّ حينئذ من أن نقول إنّ عدم الترخيص كاشف عن وجود المنجّز الشرعي ، لا أنّه بنفسه يكون هو المنجّز الشرعي.

لا يقال : إنّ مجرّد هذا الحكم الشرعي الذي هو عدم جعل الترخيص الشرعي لا يلازم وجود المنجّز الشرعي ، لإمكان أن يكون المرجع هو الحكم العقلي بقبح العقاب بلا بيان.

لأنّا نقول : ليس الأمر مقصوراً على مجرّد عدم جعل الترخيص ، بل إنّ في البين شيئاً آخر زائداً على مجرّد عدم جعل الترخيص ، وهو أنّ الشارع لم يتنازل عن مراداته في حال الانسداد ، بمعنى أنّ عدم جعله الترخيص فيه شائبة الاثبات ، وأنّه مطالب فعلاً بأحكامه ، وأنّه لم يتنازل عنها ، وهذا المقدار من شائبة الاثبات المنضمّة إلى عدم الترخيص هو مورد الإجماع.

وإن شئت فقل : إنّ إبقاء عدم الترخيص أو حكم الشارع بأنّي لم أُرخّص في مخالفة أحكامي هو الحكم الشرعي الذي قام عليه الإجماع ، ولمّا لم يكن هذا الحكم وحده منجّزاً ، وإلاّ كان اللازم هو الاحتياط المفروض قيام الإجماع على عدمه ، تصل النوبة حينئذ إلى أنّ ذلك الطريق الشرعي المنجّز هو الظنّ ، دون باقي الاحتمالات الموهومة أو المشكوكة ، فتأمّل.

وحاصل الأمر : أنّ جعل عدم الترخيص يوجب الاحتياط ، ويكون هذا

٨

الاحتياط عقلياً ناشئاً عن هذا الحكم الشرعي ، لكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط أو على بطلانه وجب المصير إلى دعوى منجّز آخر.

قوله : ومن ذلك يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق الخراساني قدس‌سره في المقام ، من دعوى انحلال العلم الاجمالي بالأحكام الثابتة في الشريعة ببركة جريان الأُصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلاً من الأحكام ... الخ (١).

المتحصّل من الخلاف بين شيخنا الأُستاذ قدس‌سره وبين صاحب الكفاية قدس‌سره في هذه المسألة ، أعني مسألة جريان الاستصحابات المثبتة فيما نحن فيه ، هو أنّ الخلاف في ذلك بينهما قدس‌سرهما يكون من جهات ثلاث :

الأُولى : أنّ صاحب الكفاية قدس‌سره (٢) اقتصر في توجيه المنع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي على ما نقله من لزوم التناقض بين الصدر والذيل ، وشيخنا قدس‌سره لا يرى أنّ ذلك هو المانع ، لأنّ اليقين الحاصل من العلم الاجمالي لم يكن متعلّقاً بنفس ما تعلّق به الشكّ الذي هو كلّ واحد بعينه من الأطراف ، بل إنّ اليقين في باب العلم الاجمالي لم يتعلّق إلاّبعنوان أحد الأطراف ، فلا يكون داخلاً في قوله عليه‌السلام : « ولكن تنقضه بيقين آخر » (٣) بل إنّ المانع عند شيخنا قدس‌سره من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي هو كونه من الأُصول الاحرازية ، وهي غير جارية في أطراف العلم الاجمالي كما حقّقه قدس‌سره (٤)

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣٦.

(٢) كفاية الأُصول : ٣١٣ ـ ٣١٤.

(٣) وسائل الشيعة ١ : ٢٤٥ / أبواب نواقض الوضوء ب ١ ح ١ ( مع اختلاف يسير ).

(٤) فوائد الأُصول ٤ : ١٤ ، ٦٩٣ ـ ٦٩٤.

٩

وشرحناه في محلّه أيضاً (١).

الجهة الثانية من جهات الخلاف بينهما قدس‌سرهما : أنّ صاحب الكفاية قدس‌سره (٢) يرى أنّ العلم الاجمالي بأنّ بعض تلك الاستصحابات المثبتة مخالف للواقع غير مانع هنا من جريانها ، وإن قيل بالمنع من ذلك في غير المقام ، وذلك لما يدّعيه من أنّ تدريجية الاستنباط توجب عدم فعلية الشكّ بالنسبة إلى المجاري المتأخّرة ، فلا يكون الشكّ في تلك الموارد المتأخّرة فعلياً ، فلا مانع من إجراء الاستصحاب في هذا المورد الذي هو محل الاستنباط فعلاً. وشيخنا قدس‌سره (٣) يرى أنّ العلم الاجمالي الحاصل فعلاً للمجتهد بأنّ إمّا هذا الحكم الذي يثبته فعلاً في هذا المورد بالاستصحاب غير مطابق للواقع ، أو الحكم الذي يعلم بأنّه بعد ذلك يستنبطه في مورد آخر كافٍ في عدم إمكان إثبات الحكم في المورد الفعلي ، لكن صاحب الكفاية قدس‌سره يرى أنّ المجتهد فعلاً غافل عمّا سيأتي ، ولعلّه لا يعلم بأنّه بعد ذلك يبتلى باستصحاب آخر يكون ضمّه إلى ما بيده موجباً للعلم بكذب أحدهما ، وحينئذ تكون المناقشة فيما يدّعيه صغروية ، ولا يبعد أن يكون الواقع هو ما يدّعيه صاحب الكفاية قدس‌سره.

وينبغي أن يعلم أنّ صاحب الكفاية لا يقول بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي ، بل يقول بجريانه ، ويبطل هذه الدعوى المنقولة عن الشيخ قدس‌سره من لزوم التناقض ، ولكنّه يقول لو قلنا بكونها مانعة من الاجراء في غير المقام فهي لا تمنع في هذا المقام.

__________________

(١) في المجلّد الحادي عشر من هذا الكتاب الصفحة : ٥٤٣.

(٢) كفاية الأُصول : ٣١٣ ـ ٣١٤.

(٣) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣٧ ـ ٢٣٨.

١٠

الجهة الثالثة من جهات الخلاف بينهما قدس‌سرهما : هي أنّ صاحب الكفاية قدس‌سره (١) لمّا كان رأيه على عدم المانع هنا من إجراء الاستصحابات المثبتة للتكليف كما عرفت في الجهة الثانية ، ادّعى أمراً آخر ، وهو أنّ موارد تلك الاستصحابات بضميمة القطعيات من التكاليف هي بمقدار المعلوم بالاجمال ، فتكون موجبة لانحلال العلم الاجمالي ، وشيخنا قدس‌سره (٢) يمنع من هذه الدعوى ، ويقول إنّا لو سلّمنا عدم المانع من جريانها فلا تكون هي بضميمة ما ذكره موجبة للانحلال لقلّة تلك الموارد.

قلت : نعم إنّ تلك الموارد ربما كانت كافية في دفع المحذور الأوّل ، أعني الإجماع على عدم جواز الاهمال بالمرّة ، وفي دفع المحذور الثاني ، أعني لزوم الخروج من الدين في إجراء الأُصول النافية ، على تأمّل في ذلك ، نظراً لقلّة تلك الموارد ، مع فرض الرجوع في الباقي الذي هو المعظم إلى البراءة ، أمّا المحذور الثالث وهو العلم الاجمالي فهو باقٍ بحاله.

ثمّ إنّه يرد على صاحب الكفاية إيراد ثانٍ ، وهو عدم إمكان الرجوع إلى البراءة في أوّل شروعه في الاستنباط ، حيث بعد الاعتراف بعدم فعلية الشكّ في الموارد المتأخّرة ، وأنّ الاستصحابات في تلك الموارد المتأخّرة غير جارية فعلاً ، فكيف صحّ له أن يحكم فعلاً بانحلال العلم الاجمالي والرجوع إلى البراءة قبل تمامية الاستنباطات في جميع الموارد المفروض أنّها ـ أعني موارد الاستنباط ـ لا نهاية لها ، فلابدّ له أن يقول إنّ العلم الاجمالي الكبير لا ينحل فعلاً حتّى يستمرّ الاستنباط ويحصل للمجتهد بواسطة ما حصّله من الاستصحابات المثبتة

__________________

(١) كفاية الأُصول : ٣١٤.

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣٦ و ٢٣٩.

١١

والقطعيات بمقدار ذلك المعلوم الاجمالي ، فعلى المجتهد أن يعمل قواعد الانسداد إلى أن يحصل له ذلك المقدار ، ولعلّه أشار إلى ذلك بقوله : ومن الواضح أنّه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال (١) ، بأن يكون مراده بالأحوال حالة الشخص في أوائل الاستنباط وحالته في أواخر الاستنباط ، فتأمّل.

وليس له قدس‌سره أن يقول : إنّ المجتهد فعلاً يعلم بأنّه سوف يستنبط من الأحكام بواسطة تلك الاستصحابات ما هو بذلك المقدار ، وذلك كاف في الانحلال والرجوع إلى البراءة فعلاً ، وإن لم تحصل له تلك الأحكام فعلاً ، فيكون ذلك نظير الانحلال على القول بالانفتاح من جهة ثبوت حجّية الأخبار ، فإنّ القائل بالانفتاح يرجع إلى البراءة في أوائل استنباطاته غايته أنّه بعد الفحص ، ومن الواضح أنّ ذلك ـ أعني رجوعه إلى البراءة ـ قبل أن يحصل من تلك الأخبار ما هو الكافي للانحلال.

لأنّه يقال له قدس‌سره : إنّ مجرّد علم الشخص بأنّ الشارع قد جعل خبر الواحد حجّة وأنّه واف بمعظم الفقه ، يوجب انحلال العلم الاجمالي إلى ما في بأيدينا من الأخبار ، غايته أنّه في المسائل التي يبتلى بها في أوائل استنباطاته ممّا هو في حدّ نفسه مجرى للبراءة ، يحتمل قيام بعض تلك الأخبار على ثبوت التكليف في تلك المسائل ، فيلزمه الفحص فيما بأيدينا من الأخبار ، وبعد الفحص وعدم العثور يرجع في تلك المسائل إلى البراءة على ما قرّر في محلّه (٢) في وجوب الفحص الناشئ عن العلم الاجمالي.

__________________

(١) كفاية الأُصول : ٣١٤.

(٢) فوائد الأُصول ٤ : ٢٧٨ ـ ٢٨٠ ، وستأتي حواشي المصنّف قدس‌سره على ذلك البحث في المجلّد الثامن من هذا الكتاب الصفحة : ٥١٢ وما بعدها.

١٢

وهذه الطريقة غير جارية فيما هو محلّ الكلام من الاستصحابات المثبتة للتكاليف ، فإنّ الفقيه في أوائل استنباطاته غافل عمّا يأتي من الاستصحابات المثبتة للتكاليف ، إذ لو فرضنا أنّ ذلك الفقيه إذا لاحظ علمه بأنّه تحصل له فيما بعد استصحابات مثبتة للتكاليف ، كان ذلك مانعاً من إجرائه الاستصحاب في أوّل مورد من موارده ، لكونه حينئذ من تلك الأطراف المفروض التفاته إليها ، وأنّ بعضها مخالف للواقع.

والحاصل : أنّه لو كان المورد الذي ابتلي به من موارد أصالة البراءة لم يمكنه إجراء البراءة فيه ، للعلم الاجمالي الكبير لعدم انحلاله فعلاً ، ولا محصّل هنا للقول بأنّ ذلك العلم الاجمالي الكبير قد انحلّ إلى ما هو أصغر منه ليوجب الفحص ، فإنّ ذلك إنّما يمكن فيما بأيدينا من الأخبار ، دون ما فرضه من الاستصحابات التي لم يجر فعلاً شيء منها.

ويرد عليه قدس‌سره إيراد ثالث : وهو أنّا لو سلّمنا جريان الاستصحاب في أوائل الاستنباطات ، إلاّ أنّه ينبغي العدول عنه في أواخرها ، لأنّ الحكم الذي استنبطه في السابق لم يكن من قبيل الخروج عن محلّ الابتلاء ، بل هو باقٍ بحاله ، وهو يفتي فعلاً على طبقه ، وحينئذ يعود المحذور ، للعلم الاجمالي حينئذ بخطأ بعض تلك الفتاوى التي هو فعلاً جارٍ عليها ، المفروض استنادها إلى الاستصحابات التي علم فعلاً بانتقاض الحالة السابقة في بعضها ، وليس ذلك متوقّفاً على إجرائه الاستصحاب في المتأخرات ، بل هو قبل إجرائه فيها يعلم إجمالاً عند ابتلائه بها والتفاته إليها ببطلان فتواه السابقة أو فتواه اللاحقة ، وحينئذ لا يقدر أن يجري الاستصحاب في اللاحقة.

لا يقال : يجري هذا الإشكال في كلّ مجتهد ، إذ لا مجتهد إلاّويعلم أنّ

١٣

بعض فتاواه ولو موجبة جزئية مخالف للواقع.

لأنّا نقول : العلم بأنّ بعض الفتاوى مخالف للواقع غير العلم بكون بعضها بلا مدرك ، والأوّل لا يوجب سقوط تلك الفتاوى بخلاف الثاني ، وما نحن فيه من قبيل الثاني ، بل هو أسوأ منه ، لأنّه من قبيل العلم بأنّ جميع تلك فتاوى بلا مدرك لأنّ مدركها الاستصحاب ، والمفروض كونه غير حجّة في الأطراف.

ثمّ لو قلنا بأنّ العلم بأنّ بعض الفتاوى مخالف للواقع [ يوجب سقوطها ] أو فرضنا العلم بأنّ بعض الفتاوى كان بلا مدرك صحيح لتأتّى الإشكال المزبور ، بل هذا الإشكال جارٍ في القاطعين ، لأنّ كلّ إنسان يعلم إجمالاً بأنّ بعض قطعياته مخالف للواقع.

ومنه ينقدح إشكال آخر في القطعيات ، وهو أنّه كيف يجتمع القطع في كلّ مورد من موارده مع العلم الاجمالي بأنّ بعض تلك القطعيات على خلاف الواقع ، فإنّ هذا [ العلم ] الاجمالي يوجب طرو الشكّ على كلّ واحد من تلك القطعيات ، ولا مدفع لهذا الإشكال بحذافيره إلاّدعوى عدم اعتناء العقلاء بمثل ذلك العلم الاجمالي على الخلاف ، كما حقّق في محلّه (١) من إقامة البرهان على عدم تأثير العلم في الشبهات [ غير ] المحصورة ، وأنّ كلّ واحد من أطرافها لا يعامل معاملة الشكّ ، كما في شبهة وجود المضاف في الأطراف غير المحصورة كما نصّ عليه شيخنا قدس‌سره في الوسيلة (٢) وشرحناه في محلّه ، اللهمّ إلاّ أن يفرّق بين العلم الاجمالي على خلاف القطعيات والعلم الاجمالي على خلاف مجموع الفتاوى أو الشبهة

__________________

(١) راجع المجلّد الثامن من هذا الكتاب ، الصفحة : ١٨٥ وما بعدها.

(٢) وسيلة النجاة : كح / المسألة العاشرة [ لا يخفى أنّه قد رُمز للصفحات الأُولى منها بالحروف ].

١٤

غير المحصورة ، بأن يقال إنّه لا أثر له في الأوّل دون الثاني ، فتأمّل.

وكيف كان ، فإنّ هذا المعنى أعني عدم اعتناء العقلاء بالعلم الاجمالي في الأطراف الكثيرة ، لا يتأتّى فيما فرضه صاحب الكفاية من الاستصحابات المثبتة للتكليف ، فإنّها ليست بتلك الكثرة الموجبة لعدم اعتناء العقلاء بالعلم بكون بعضها على خلاف الواقع ، ولو كان الأمر كذلك لم يحتج إلى ما ذكره من عدم فعلية الشكّ بالنسبة إلى الاستصحابات اللاحقة ، فتأمّل.

قوله : وأمّا بطلان الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهة ، فيدلّ عليه الإجماع وقاعدة نفي العسر والحرج ، بل اختلال النظام على ما سيأتي بيانه ، ولابدّ في المقام من زيادة بسط في الكلام ، فإنّ كثيراً من المباحث العلمية المذكورة في دليل الانسداد محلّها في هذا المقام ، ولأجل عدم خلط المباحث ينبغي تقديم أُمور ... الخ (١).

لا يخفى أنّ الذي تقدّم كلّه كان في الوظائف المقرّرة للجاهل ، وأمّا الاحتياط نفسه فقد بسط الكلام فيه شيخنا الأُستاذ قدس‌سره وأطال الكلام فيه في النقض والإبرام كما لا يخفى على من راجع التحارير على ما فيها من بعض الاختلاف ، ولكن خلاصة الجميع أو فهرسته هو : أنّك قد عرفت أنّ ملخّص المقدّمة الثانية هو أنّ القاعدة الأوّلية بعد فرض انسداد باب العلم والعلمي على ما أفاده قدس‌سره هو الاحتياط وعدم الاهمال ، وذلك الاحتياط إمّا أن يكون شرعياً إن كان الدليل على عدم جواز الاهمال هو الإجماع ، أو لزوم المخالفة الكثيرة والخروج من الدين ، وإمّا أن يكون عقلياً إن كان الدليل على ذلك هو العلم الاجمالي.

وأمّا الدليل على عدم الاحتياط فقد حلّله قدس‌سره إلى أحد وجوه ثلاثة ، الأوّل :

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣٩.

١٥

الإجماع على عدم وجوبه في جميع محتملات التكليف. الثاني : الإجماع على بطلانه وعدم جوازه ، ولو من جهة القطع من مذاق القوم على أنّ بناءهم على أنّ الشارع لا يريد أن تكون كيفية إطاعة أحكامه بطريق الاحتمال. الثالث : هو كون الاحتياط موجباً لاختلال النظام أو العسر والحرج.

ولا يخفى أنّ الأمر الأوّل من الأُمور التي ذكرها بقوله ص ٨٧ (١) راجع إلى أنّ موجب الاحتياط ماذا ، وهو الإجماع على عدم الاهمال ، أو كونه موجباً للخروج من الدين ، أو العلم الاجمالي ، وذلك حاصل المقدّمة الثانية من مقدّمات الانسداد.

ومرجع الأمر الثالث من الأُمور المذكورة الذي ذكره في ص ٨٩ (٢) إلى أنّ الموجب لسقوط الاحتياط ماذا ، وهو الإجماع بكلا وجهيه ، واختلال النظام أو العسر والحرج ، وذلك حاصل المقدّمة الثالثة من مقدّمات الانسداد.

أمّا الأمر الثاني وهو ما ذكره في ص ٨٨ (٣) فالأولى أن يضرب عليه ، إذ لا دخل له في المقصود ، أعني ملاحظة الوجوه في إسقاط الاحتياط مع الوجهين في أصل وجوب الاحتياط.

وعلى كلّ حال ، أنّ المتحصّل من ضمّ هذه الوجوه الثلاثة إلى الاحتمالين في الاحتياط من كونه شرعياً أو عقلياً صور ست :

الأُولى : أن يكون الاحتياط شرعياً ويقوم الإجماع على عدم جوازه.

الثانية : أن يكون الاحتياط عقلياً ويقوم الإجماع أيضاً على عدم جوازه.

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٣٩.

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ٢٤٥.

(٣) فوائد الأُصول ٣ : ٢٤٣.

١٦

واللازم في هاتين الصورتين هو الكشف ، فإنّ الاحتياط سواء كان شرعياً أو كان عقلياً ، بعد أن قام الإجماع على عدم جوازه ، كان ذلك كاشفاً عن أنّه قد جعل لنا منجّزاً يوجب ارتفاع ذلك الحكم الشرعي وانحلال ذلك العلم الاجمالي ، وذلك المنجّز بمعونة المقدّمة الرابعة القائلة بقبح ترجيح المرجوح على الراجح يكون هو الظنّ ، فتكون النتيجة على هاتين الصورتين هي الكشف ، وقد أشار في هذا التحرير إلى هاتين الصورتين بقوله : فإنّه على الوجه الثاني تكون النتيجة حجّية الظنّ شرعاً الخ (١).

الصورة الثالثة : أن يكون الاحتياط شرعياً ، ويقوم الإجماع على مجرّد عدم وجوبه في جميع المحتملات ، فلا يتعيّن كون النتيجة حينئذ هي الكشف ، بل إنّا إذا ضممنا كلاًّ من هذين المطلبين إلى الآخر يدور الأمر بين أن يكون الشارع قد جعل لنا الظنّ حجّة شرعية وهي الكشف ، أو أنّه قد جعل لنا الاحتياط في بعض محتملات التكليف ، فيكون الأمر في هذه الصورة مردّداً بين الكشف وتبعيض الاحتياط الشرعي ، وقد أشار إلى هذه الصورة بقوله : وإن كان الوجه في عدم جواز إهمال الوقائع ـ إلى قوله ـ بل يمكن أن يكون بجعل شرعي ، الخ (٢).

الرابعة : أن يكون الاحتياط عقلياً ويقوم الإجماع على عدم وجوبه ، ولازم هذه الصورة هو التبعيض في الاحتياط ، حيث إنّ العلم الاجمالي وإن اقتضى الاحتياط التامّ ، إلاّ أنّ الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في تمام المحتملات يوجب إسقاطه في بعض الاحتمالات دون بعض ، وتكون النتيجة حينئذ عقيمة.

وقد أشار إلى هذه الصورة بقوله : فإنّه لو كان الوجه ـ إلى قوله ـ وعلى هذا تبقى

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٤٦.

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ٢٤٨ ـ ٢٤٩.

١٧

مقدّمات الإنسداد عقيمة لا تصل النوبة إلى المقدّمة الرابعة الخ (١).

قلت : قد يقال : إنّ استلزام العلم الاجمالي للاحتياط في تمام الأطراف غير قابل للتصرّف الشرعي بنفي الاحتياط في بعض الأطراف ، وليس ذلك من قبيل العسر والحرج الموجب لرفع التكليف على تقدير المصادفة ، فتأمّل. لإمكان القول بأنّ الترخيص الشرعي المستفاد من الإجماع ولو بالنسبة إلى بعض غير معيّن يكون حاله حال دليل نفي الحرج ، في كونه رفعاً لذلك التكليف في تلك المحتملات على تقدير المصادفة. ثمّ إنّ المراد بعقم النتيجة هو عدم إثباتها حجّية الظنّ شرعاً ، لكن لا خصوصية لهذه الصورة عن باقي الصور ما عدا الصورتين الأُوليين. وعلى كلّ حال ، هي مقتضية لتبعيض الاحتياط.

الصورة الخامسة : أن يكون الاحتياط شرعياً ، ويكون في قباله اختلال النظام أو العسر والحرج ، بمعنى أنّا نستدلّ على عدم جواز الاهمال بالإجماع أو لزوم المخالفة الكثيرة ، المفروض أنّ لازمها الأوّلي هو أنّ الشارع قد جعل لنا الاحتياط منجّزاً ، لكن كان الاحتياط موجباً لاختلال النظام أو العسر والحرج.

وفي هذه الصورة قد استشكل شيخنا قدس‌سره من تحكيم أدلّة العسر والحرج على وجوب الاحتياط ، نظراً إلى أنّ الاحتياط حينئذ حكم شرعي في مورد العسر والحرج ، فلا ترفعه أدلّة العسر والحرج ، وعليه فينبغي أن يلتزم قدس‌سره في هذه الصورة بلزوم الاحتياط وإن لزمه العسر والحرج ، غايته أنّ ما كان منه بمقدار اختلال النظام لا يكون الاحتياط واجباً شرعاً ، هذا على ما يظهر من هذا التحرير بقوله : ولو كان الوجه ، الخ (٢)

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٢٤٨.

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ٢٤٩.

١٨

ولكن في تقريرات السيّد (١) أجرى عليها حكم الصورة الثالثة ، بتقريب أنّه بعد سقوط الاحتياط الموجب لاختلال النظام ، يتردّد الأمر بين كون المنجّز هو الاحتياط في الباقي ولو اشتمل على الحرج ، أو أنّ المنجّز هو حجّية الظنّ شرعاً فتأمّل.

الصورة السادسة : أن يكون الاحتياط عقلياً بحكم العلم الاجمالي ، ويكون في قباله اختلال النظام أو العسر والحرج ، وهذه الصورة هي محلّ البحث بين شيخنا قدس‌سره وصاحب الكفاية قدس‌سره ، وقد أشار إليها في هذا التحرير بقوله : وهذا بخلاف ما إذا كان المدرك لعدم جواز إهمال الوقائع الخ (٢).

ثمّ إنّه قدس‌سره أفاد ما حاصله إنكار الحكومة في هذا المقام ، وإنّما الأمر دائر في هذه الصورة بين تبعيض الاحتياط والكشف ، وأنّ تبعيض الاحتياط لا دخل له بالحكومة ، فإنّ محصّل الحكومة هو أنّه بعد تعذّر الاطاعة العلمية للتكليف الواقعي لو دار الأمر بين الاطاعة الظنّية والاطاعة الاحتمالية ، فالعقل حاكم بلزوم الاطاعة الظنّية ، كما في موارد تردّد القبلة بين جهات أربع وضاق الوقت عن أربع صلوات ولا يسع إلاّواحدة ، وكانت إحدى الجهات مظنونة القبلة ، فالعقل حاكم بعد التنزّل عن الاطاعة العلمية بلزوم الاطاعة الظنّية.

وهذا بخلاف ما نحن فيه ممّا كانت لنا فيه تكاليف واقعية منتشرة في الموارد التي يظنّ فيها بالتكليف ، والموارد التي يشكّ به فيها ، والموارد التي نظنّ بعدمه فيها ليكون احتمال التكليف فيها موهوماً ، وقد سقط مراعاة تلك التكاليف أجمع ، وكانت الوظيفة هي مراعاة التكاليف في إحدى هذه الطوائف وإسقاطه في

__________________

(١) أجود التقريرات ٣ : ٢٣١ ، ٢٣٥ ( قوله قدس‌سره : فتلخّص ... ).

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ٢٥١.

١٩

البواقي ، فإنّ العقل وإن عيّن الأُولى للزوم المراعاة والأخيرتين لعدم المراعاة ، إلاّ أنّ ذلك ليس من باب حكم العقل بتقدّم تحصيل إطاعة التكليف ظنّاً على إطاعته احتمالاً مساوياً أو موهوماً ، ليكون من باب الحكومة العقلية ، بل هو من باب أنّ التكاليف المظنون وجودها أولى بالمراعاة في مقام المزاحمة من التكاليف المشكوك أو الموهوم وجودها ، فيكون حكم العقل بلزوم الأخذ بالمظنونات من باب تبعيض الاحتياط أجنبياً عن حكمه بلزوم الأخذ بما يظنّ انطباق المعلوم بالاجمال عليه وإسقاط ما يحتمل انطباقه عليه.

وإن شئت فقل : إنّ هذا الباب الذي نحن فيه الذي هو باب تبعيض الاحتياط من قبيل التزاحم في مقام المراعاة بين التكاليف الواقعية المحتمل وجودها في المظنونات مع التكاليف الواقعية المحتمل وجودها في الطائفتين الباقيتين ، أمّا ذلك الباب الذي هو باب الحكومة العقلية من باب التزاحم بين الاحتمالات ، لأنّ المحتمل الواقعي فيه واحد لا تعدّد فيه ، فلا يكون من باب تبعيض الاحتياط ، بل يكون من باب التوسّط في التنجّز ، وأنّ حكم العقل [ قائم ] بلزوم الأخذ بالطرف المظنون انطباق ذلك التكليف الواحد عليه.

قلت : يمكن التأمّل في هذا الفرق ، بل الظاهر أنّ باب اشتباه القبلة أيضاً من باب تبعيض الاحتياط. مضافاً إلى إمكان القول بأنّ المقدّم فيما نحن فيه أوّلاً هو الجري على التبعيض بحسب المحتمل والترجيح بأقوائية التكليف المحتمل ، فإنّ بعض التكاليف معلوم الأهميّة على غيره ، فيكون الترجيح لما هو معلوم الأهميّة ، فإن وفى فهو وإلاّ ضمّ إليه ما يحتمل الأهمية ، فإن وفى وإلاّ رجّح بحسب قوّة الاحتمال وضعفه.

أمّا ما أُشير إليه في هذا التحرير من وجه التفرقة بقوله : فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ

٢٠