🚘

أنوار الأصول - ج ٣

أنوار الأصول - ج ٣

المؤلف:


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: أمير المؤمنين عليه السلام
ISBN: 964-8139-15-6
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

المقصد السابع

في

مباحث الشك والاصول العلمية

أصالة البراءة

اصالةالتخيير

اصالة الاشتغال

اصالة الستصحاب

٧
٨

٧ ـ في مباحث الشكّ والاصول العمليّة

بعد الكلام عن أحكام القطع والظنّ تصل النوبة إلى البحث في أحكام الشكّ ، وبتعبير القوم أنّه إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي كان المرجع هو الاصول العمليّة ، وحينئذٍ لا بدّ من البحث في امور :

١ ـ في تعريف الاصول العمليّة.

٢ ـ في أنّها داخلة في مسائل علم الاصول أو لا؟

٣ ـ في انحصارها في الأربعة.

٤ ـ في حكومة الأمارات والأدلّة الاجتهاديّة عليها.

٥ ـ في عدم اختصاص الأمارة بموارد الظنّ.

أمّا الأمر الأوّل : وهو تعريف الاصول العمليّة فالصحيح منه ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه‌الله في الكفاية من أنّها « هى التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل » نعم لابدّ من إضافة قيد « على الحكم الواقعي » في ذيله لإخراج الدليل على الحكم الظاهري فإنّ الذي ينتهي المجتهد إلى الاصول العمليّة بعد اليأس عنه إنّما هو الدليل على الحكم الواقعي لا مطلقاً.

ثمّ إنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ تمامية هذا التعريف مبنى على مذهب أصحابنا الإماميّة من عدم الخلأ القانوني في الشريعة وعدم خلوّ موضوع من الموضوعات الخارجيّة عن الحكم الواقعي ، وإن لم تصل أيدينا إليها أحياناً ، وأمّا بناءً على مذهب طائفة من العامّة من عدم وجود حكم واقعي لبعض الوقائع وأنّ ما لا نصّ فيه لا حكم فيه فلا معنى للشكّ في الحكم الواقعي الذي أخذ الشكّ فيه في موضوع الاصول العمليّة في التعريف المزبور.

وأمّا الأمر الثاني : وهو كون مسائل الاصول العمليّة جزءً من علم الاصول فقد يبدو في النظر الأوّل أنّها من القواعد الفقهيّة ، لأنّ مسائل علم الاصول ما تقع في طريق استنباط

٩

الحكم ، والقاعدة الفقهيّة ما تكون بنفسها حكماً كلّياً فرعياً ، والمسألة الفقهيّة عبارة عن الأحكام الفرعيّة الجزئيّة ، أي ما يتعلّق به عمل المكلّف ( وإن كان كلّياً في نفسه ) ، والاصول العمليّة إنّما هى من القسم الثاني لأنّها بنفسها أحكام كلّية فرعيّة.

ولكن عند الدقّة والتأمّل يظهر أنّها من القسم الأوّل ، وذلك لعدم اشتمالها على حكم من الأحكام الخمسة ، أمّا البراءة فلأنّها في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن عدم الوجوب ، وفي الشبهات التحريميّة عبارة عن عدم الحرمة ، فليست هى بنفسها حكماً معيّناً من الأحكام الخمسة ( لا وجوداً ولا عدماً ).

وأمّا الاستصحاب فلأنّه عبارة عن العمل بالحالة السابقة المتيقّنة ، ولا يخفى أنّ المعلوم سابقاً تارةً يكون وجوباً واخرى تحريماً ، وثالثة حكماً وضعيّاً ، كما أنّه قد يكون موضوعاً خارجياً ، فلا يندرج في تعريف القواعد الفقهيّة.

وهكذا الاحتياط لأنّه في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن الوجوب ، وفي الشبهات التحريميّة عبارة عن الحرمة ، فليس في جميع الموارد حكماً من الأحكام الخمسة ، بل إنّه يدلّ على مطلق الإلزام ، وليس الإلزام نوعاً من الأحكام الخمسة.

وهكذا التخيير لأنّه سيأتي أنّ المراد منه في مباحث الاصول العمليّة إنّما هو التخيير العقلي ، وعبارة عن نفي البأس والعقاب باختيار المكلّف أحد الأطراف ، فليس حكماً شرعيّاً من الأحكام الخمسة.

أمّا الأمر الثالث : وهو انحصار الاصول العمليّة في الأربعة فيستفاد من كلمات المحقّق الخراساني رحمه‌الله نفي انحصارها العقلي في الأربعة مع اعترافه بأنّ المهمّ منها أربعة ، وأنّ مثل قاعدة الطهارة وإن كان ممّا ينتهي إليها فيما لا حجّة على طهارته ، ولا على نجاسته ، إلاّ أنّ البحث عنها ليس بمهمّ لأنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض وإبرام بخلاف الأربعة فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب ، ويحتاج تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث وبيان ، ومؤونة حجّة وبرهان ، هذا مع جريانها في كلّ الأبواب واختصاص تلك القاعدة ببعضها.

وصرّح شيخنا الأعظم رحمه‌الله في موضعين من رسائله ( أوائل مباحث القطع وأوّل البحث عن البراءة ) بحصر مجاريها في الأربعة عقلاً.

١٠

وهذا هو المختار ، لأنّ مثل قاعدة الطهارة ليست أساساً من الاصول العمليّة حتّى تصل النوبة إلى البحث عن وضوحها وعدم وضوحها ، بل هى من القواعد الفقهيّة لكونها حكماً كلّياً وضعيّاً يستفاد منها الأحكام الجزئيّة الفقهيّة بتطبيقها على موارد الشكّ في الطهارة ، مضافاً إلى أنّ اعتذار المحقّق الخراساني رحمه‌الله بأنّها واضحة لا تحتاج إلى نقض وإبرام في غير محلّه ، لأنّها أيضاً تحتاج إلى البحث والدراسة كما يظهر لمن راجعها ، فالوجه في عدم ذكرها في الاصول العمليّة هو دخولها في القواعد الفقهيّة وعدم وجود المناسبة بينها وبين المسائل الاصوليّة.

ثمّ إنّ أحسن ما قيل في بيان حصر مجاري الاصول العمليّة في الأربعة هو ما أفاده شيخنا الأعظم رحمه‌الله ، وحاصله إنّ المشكوك إمّا له حالة سابقة ملحوظة (١) أو لا ، والأوّل مورد الاستصحاب ، والثاني ( وهو ما إذا لم تكن له حالة سابقة أو كانت ولم تكن ملحوظة ) إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً أو لا ، والأوّل (٢) إمّا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا ، والأوّل مورد الاحتياط ، والثاني مورد البراءة.

أقول : إنّ كلامه أدقّ ما افيد في هذا المجال ، ولكنّه في نفس الحال ليس سليماً عن الإشكال ، وعمدة الإشكال أنّ ظاهره أنّ مجرى قاعدة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط مطلقاً ، أي كلّ ما كان الاحتياط فيه غير ممكن يكون المجرى لقاعدة التخيير مع أنّه ليس كذلك بالنسبة إلى بعض الموارد ، كما إذا دار الأمر مثلاً ( كما في صلاة العيد في زمن الغيبة ) بين الوجوب والحرمة والاستحباب ، فإنّ المجرى فيه هو البراءة مع عدم إمكان الاحتياط فيه.

ثمّ إنّ للمحقّق النائيني رحمه‌الله في فوائد الاصول بياناً في هذا المقام ، وإليك نصّه : « إمّا أن يلاحظ الحالة السابقة للشكّ أو لا ، وعلى الثاني إمّا أن يكون التكليف معلوماً بفصله (٣) أو نوعه (٤) أو جنسه (٥) أو لا ، وعلى الأوّل إمّا أن يمكن فيه الاحتياط أو لا ، فالأوّل مجرى

__________________

(١) بخلاف ما إذا كانت للمشكوك حالة سابقة ، ولكن لم تكن ملحوظة كما في موارد الشكّ في المقتضي فليس الاستصحاب فيه حجّة.

(٢) وهو ليس منحصراً في الشبهات المحصورة في الشكّ في المكلّف به ، بل يعمّ الشكّ في التكليف في الشبهات قبل الفحص.

(٣) كما إذا علمنا أنّ لهذا العمل المنع من الترك وهو فصل الوجوب.

(٤) كما إذا كان المعلوم هو الوجوب.

(٥) كما إذا كان المعلوم هو أصل اللزوم.

١١

الاستصحاب ، والثاني مجرى الاحتياط ، والثالث مجرى التخيير ، والرابع مجرى البراءة » (١).

والفرق بين هذا البيان وبيان الشيخ الأعظم رحمه‌الله هو تقديمه للشكّ في التكليف والمكلّف به على إمكان الاحتياط وعدمه على عكس ما ذكره الشيخ الأعظم رحمه‌الله.

والظاهر أنّ بيانه أيضاً غير تامّ من ناحيتين :

الاولى : إنّ ملاك جريان البراءة في بيانه إنّما هو عدم العلم بالتكليف ، وهو ينتقض بالشبهات قبل الفحص فإنّ التكليف فيها ليس معلوماً مع كونه مجرى الاحتياط لا البراءة.

ولا يخفى أنّ هذا الإشكال لا يرد على الشيخ رحمه‌الله لأنّ ملاك جريان البراءة في كلامه هو عدم قيام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب ، والمفروض إنّه غير صادق في الشبهات قبل الفحص فقد قام الدليل فيها على وجوب الاحتياط.

الثانية : إنّ ملاك قاعدة الاحتياط في كلامه عبارة عن العلم بالتكليف ، وهو ينتقض بالشبهات غير المحصورة لأنّ التكليف فيها معلوم مع أنّها مجرى قاعدة البراءة.

ولا يخفى أنّ كلام الشيخ الأعظم في فسحة من هذه الناحية أيضاً لأنّ ملاك قاعدة الاحتياط فيه قيام دليل على العقاب وهو غير صادق في الشبهات غير المحصورة.

والأحسن أن يقال : مورد الشكّ إمّا أن يكون اليقين السابق فيه ملحوظاً أو لا ، والأوّل مورد الاستصحاب ، والثاني إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف ولم يقم دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب في مورده أو لا ( سواء كان الشكّ في المكلّف به أو كان الشكّ في التكليف ، وقام دليل كذلك ) والأوّل مورد البراءة (٢) ، والثاني إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا ، والأوّل مورد الاحتياط والثاني مورد التخيير.

وهذا الحصر عقلي ، والعجب من المحقّق النائيني رحمه‌الله حيث قال : « عمدتها أربعة » مع اعترافه بأنّ الحصر عقلي.

أمّا الرابع : فلا إشكال في تقدّم الأمارات والأدلّة الاجتهاديّة على الاصول العمليّة لأنّ أدلّتها حاكمة عليها.

ولتوضيح معنى الحكومة يناسب هنا بيان الحالات الأربعة لتقديم دليل على دليل ، وإن

__________________

(١) فوائد الاصول : ج ٣ ، ص ٣٢٥.

(٢) ولا يخفى شموله لمورد الدوران بين الوجوب والحرمة والاستحباب لكونه من موارد الشكّ في التكليف.

١٢

كان محلّه المقرّر له مبحث التعادل والتراجيح.

فنقول ـ ومن الله التوفيق والهداية ـ : يتصوّر للدليل المقدّم على دليل آخر حالات أربعة :

أحدها : التخصّص ، وهو خروج مورد عن موضوع دليل خروجاً ذاتيّاً بلا حاجة إلى دليل مخرج ، كخروج زيد الجاهل عن دليل وجوب إكرام العلماء.

ثانيها : التخصيص ، وهو إخراج مورد عن موضوع دليل إخراجاً حكميّاً بواسطة تعبّدٍ ودليل ، كاخراج العالم الفاسق بقول المولى : « لا تكرم الفسّاق من العلماء » عن قوله : « أكرم العلماء ».

ثالثها : الورود ، وهو عبارة عن الخروج الموضوعي كالتخصّص لكنّه خروج بواسطة ورود دليل يوجب إنعدام موضوع الدليل السابق حقيقة ، نظير ورود أدلّة الأمارات على الاصول العمليّة العقليّة فيكون دليل حجّية خبر الواحد مثلاً وارداً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأنّ موضوعها هو عدم البيان ، ودليل حجّية خبر الواحد يجعل مفاد خبر الواحد بياناً.

رابعها : الحكومة ، وهى كون أحد الدليلين مفسّراً لدليل آخر ، وناظراً إليه نظر تفسيرٍ بالمطابقة أو التضمّن أو الالتزام ، بالتصرّف في موضوعه أو حكمه أو متعلّقه ، بالتوسعة أو التضييق ، فهى على ستّة أقسام :

١ ـ أن يكون التصرّف في الموضوع بالتضييق كما إذا قال المولى ( بعد قوله أكرم العلماء ) :

« العالم الفاسق ليس بعالم ».

٢ ـ أن يكون التصرّف في الموضوع بالتوسعة ، كما إذا قال : « العامي العادل عالم ».

٣ ـ أن يكون التصرّف في المتعلّق بالتضييق ، كما إذا قال : « الإطعام ليس بإكرام » ( مع كونه إكراماً عرفاً ).

٤ ـ أن يكون التصرّف في المتعلّق بالتوسعة كما إذا قال : « مجرّد السلام إكرام » ( مع أنّه ليس بإكرام عرفاً على الفرض ).

٥ ـ أن يكون التصرّف في الحكم بالتضييق ، كما إذا ورد في دليل : « إذا شككت في الصّلاة فابنِ على الأكثر » وورد في دليل آخر : « إنّما عنيت بذلك خصوص الشكّ بين الثلاث والأربع ».

٦ ـ عكس الخامس ، كما إذا قال : « إذا شككت بين الثلاث والأربع فابنِ على الأكثر » ثمّ

١٣

ورد في دليل آخر : « إنّ المراد منه مطلق الشكّ وأنّ ذكر الثلاث والأربع من باب المثال ».

هذا ـ وقد ظهر ممّا ذكر الفرق بين التخصيص والحكومة ، حيث إنّ لسان التخصيص لسان التعارض ، ولسان الحكومة هو التفسير والتوضيح مطابقة أو التزاماً ، والمراد من التفسير أنّ الدليل الثاني لا يكون له معنى قابلاً للفهم بدون الدليل الأوّل ، بخلاف التعارض ، فإنّ لكلّ من الدليلين المتعارضين معناً مستقلاً ولا يتوقّف فهم أحدهما على الآخر ، ومن هنا يشترط في التخصيص إقوائيّة الدليل المخصّص خلافاً للحكومة.

ثمّ إنّه لا يعتبر في الحكومة كما أشرنا إليه كون الدليل الحاكم بصيغة تدلّ بالمطابقة على التفسير كقولك : « إنّما عنيت » أو « افسّر » بل تكفي الدلالة عليه بالالتزام كما في كثير من الأمثلة السابقة.

إذا عرفت هذا نقول : إنّ أدلّة الأمارات حاكمة على الاصول العمليّة لأنّ موضوع الاصول قد أخذ فيه الشكّ ، ودليل الأمارة كآية النبأ يلغى احتمال الخلاف ، وينفى الحكم بلسان نفي الموضوع وكأنّه يقول : شكّك ليس بشكّ.

نعم تكون النسبة بينها وبين الاصول العقليّة نسبة الورود ، فإنّ الموضوع في البراءة العقليّة ( قاعدة قبح العقاب بلا بيان ) إنّما هو عدم الحجّية ، ودليل حجّية خبر الواحد مثلاً يقول : إنّ مفاد خبر الواحد حجّة فيوجب انعدام موضوع اللاّحجّة بالحجّة ، وهكذا بالنسبة إلى الاحتياط العقلي فإنّ موضوعه عدم الأمن من العقاب ودليل حجّية خبر الواحد يبدّل عدم الأمن إلى الأمن ، وكذلك في التخيير العقلي فإنّ الموضوع فيه عدم وجود الرجحان لأحد الدليلين ، وخبر الواحد يكون مرجّحاً.

أمّا الخامس : ـ وهو عدم اختصاص الأمارة بموارد الظنّ ـ فالمعروف في ألسنّة الاصوليين أنّه لا يوجد في مورد الشكّ أمارة لأنّ الشكّ ظلمة محضة لا يكون له كشف عن الواقع فلا يمكن جعله أمارة.

لكنّه ينتقض بمثل القرعة فقد وردت فيها روايات خاصّة تدلّ على أماريتها على الواقع ، وأنّها توجب الوصول إلى الواقع إذا فوّض الأمر فيه إلى الله تعالى ( مع أنّه لا شكّ في أنّها ظلمة وشكّ محض ).

ومن هذه الروايات ما رواه الشيخ عن جميل قال : قال الطيار لزرارة : « ما تقول في

١٤

المساهمة أليس حقّاً؟ فقال زرارة : بل هى حقّ ، فقال الطيار : أليس قد ورد أنّه يخرج سهم المحقّ؟ قال : بلى ، قال : فتعال حتّى أدّعي أنا وأنت شيئاً ثمّ نساهم عليه وننظر هكذا هو؟ فقال له زرارة : إنّما جاء الحديث بأنّه ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى الله ثمّ اقترعوا إلاّخرج سهم المحقّ ، فأمّا على التجارب ، فلم يوضع على التجارب ، فقال الطيار : أرأيت إن كانا جميعاً مدّعيين إدّعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة : إذا كان كذلك جعل معه بينهم مبيح فإن كان إدّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح » (١).

فإنّها واضحة الدلالة على كون القرعة أمارة على الواقع.

أضف إلى ذلك ما ورد في الكتاب الكريم في قصّة يونس : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ ) (٢).

فإنّ هذه الآية أيضاً تدلّ على أنّه يمكن جعل أحد طرفي الشكّ الذي وافقته الأمارة أمارة على الواقع.

بل يدلّ عليه ما ورد في باب الاستخارات حيث إنّها في الواقع نوع من القرعة وأمارة على الواقع ، ولم توضع لمجرّد رفع التحيّر في مقام العمل فحسب.

فظهر أنّ كون الشكّ بمنزلة الظلمات إنّما هو بالنسبة إلى أنظارنا ، وأمّا عند الشارع العالم بالشهادة والغيب فقد يكون لأحد الطرفين ( وهو الطرف الذي توافقه القرعة ) نور وضياء ، فيجعله أمارة وطريقاً إلى الواقع.

هذا كلّه هى الامور الخمسة التي ينبغي ذكرها قبل الورود في أصل البحث عن مسائل الاصول الأربعة ، ونشرع الآن بحول الله تعالى في أصالة البراءة في الشبهات التحريميّة الحكميّة ( كالشكّ في حرمة العصير العنبي إذا غلى ، أو الشكّ في حرمة بعض أجزاء الذبيحة أو حرمة التدخين ). ونستمدّ منه التوفيق والهداية.

__________________

(١) وسائل الشيعة : الباب ١٣ ، من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ، ح ٤.

(٢) سورة الصافات : الآيه ١٣٩ ـ ١٤١.

١٥
١٦

١ ـ أصالة البراءة

أدلّة الاصوليين على البراءة :

١ ـ الآيات :

« وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً »

« لَايُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا »

« وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ... »

٢ ـ الروايات :

حديث الرفع

حديث الحجب

حديث الحلّ

حديث السعة

حديث الاطلاق

٣ ـ العقل

٤ ـ الإجماع

ـ أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط :

١ ـ الآيات

٢ ـ الروايات

٣ ـ العقل :

ـ هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟

ـ تنبيهات أصالة البراءة :

١ ـ اشتراط عدم وجود أصل موضوعي في جريان البراءة :

أصالة عدم التذكية

٢ ـ حسن الاحتياط ، ترتّب الثواب عليه ، إمكانه في العبادات :

التسامح في أدلّة السنن ( أخبار من بلغ )

٣ ـ جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة

٤ ـ حسن الاحتياط مطلقاً حتّى مع قيام الحجّة على العدم

١٧
١٨

١ ـ أصالة البراءة

إذا شكّ في حرمة شيء لإجمال نصّ أو عدمه أو تعارض النصّين ، فالمعروف بين الاصوليين هو البراءة ، وعند الأخباريين الاحتياط ، وهو عمدة الفرق بين الطائفتين ، والحقّ مع الطائفة الاولى ، أي الاصوليين ، واستدلّ لذلك بالأدلّة الأربعة :

أدلّة الاصوليين على أصالة البراءة :

الأوّل : الآيات

منها : قوله تعالى : ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (١).

حيث إنّه وردت فيها ثلاث فقرات :

أحدها : أنّ نتيجة عمل كلّ إنسان تعود إلى نفسه : ( من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها ).

ثانيها : ما يكون بمنزلة المفهوم للحكم الأوّل ، أي : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ، وكلّ واحد من هذين الحكمين إرشاد إلى ما يحكم به العقل.

ثالثها : البراءة في موارد عدم البيان والبعث : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) وهى تؤكّد بالآية التالية لها ، أي قوله تعالى : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) حيث إنّه بيّنت فيها كيفية العذاب المذكور في تلك الآية وأنّه يقع بعد الأمر ووقوع الفسق ، كما أنّ المراد من بعث الرسل في تلك الآية إنّما

__________________

(١) سورة الإسراء : الآية ١٥.

١٩

هو إتمام الحجّة على الناس ، فهو كناية عن بيان التكليف ، فلا موضوعيّة للبعث كما يشهد عليه أنّه لا يعقل العذاب في صورة البعث مع عدم البيان.

ثمّ إنّ هيهنا آيتين اخريين توافقان الآية المذكورة في الدلالة على البراءة في ما نحن فيه ، وقد غفل عنهما في كلماتهم :

الاولى : قوله تعالى : « وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ » (١) حيث لا يخفى إنّ دلالة هذه الآية أظهر ممّا ذكره القوم ، لما ورد فيها من التعبير بـ « يتلوا عليهم آياتنا » الذي يدلّ صريحاً على بيان التكليف وإنّه لا عقاب إلاّبعد البيان ، فلا حاجة فيها إلى التوجيه المذكور في تلك الآية من أنّ البعث كناية عن البيان.

الثانية : قوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى » (٢) حيث إنّ المراد من كلمة « قبله » هو قبل بعث الرسل ، فتدلّ على البراءة بناءً على أنّ نقل كلام الكفّار مشعر بالقبول.

وبالجملة ، إنّ لهذه الآيات الثلاثة مدلولاً واحداً مشتركاً ، وهو البراءة في الشبهات الحكميّة مطلقاً.

المناقشة :

ولكنّه قد يناقش في دلالتها بامور عديدة ، وما قيل أو يمكن أن يقال فيها امور خمسة :

الأمر الأوّل : ما أورده المحقّق الخراساني رحمه‌الله ، وحاصله : إنّ الآية تدلّ على نفي فعلية العذاب لا نفي استحقاقه ، ونفي الفعليّة ليس لازماً مساوياً لنفي الاستحقاق حتّى يدلّ نفيها على نفيه ، بل هو أعمّ من كونه من باب عدم الاستحقاق أو من باب تفضّله تبارك وتعالى على عباده مع استحقاقهم للعذاب ، فلا يصحّ الاستدلال بالآية على البراءة.

ثمّ أورد على نفسه بأنّ المخالفين يعترفون بالملازمة بين نفي الفعليّة ونفي الاستحقاق.

وأجاب عنه أوّلاً : بأنّ قبول الخصم لا يوجب صحّة الاستدلال بها إلاّجدلاً مع أنّنا

__________________

(١) سورة القصص : الآيه ٥٩.

(٢) سورة طه : الآية ١٣٤.

٢٠