🚘

أنوار الأصول - ج ١

أنوار الأصول - ج ١

المؤلف:


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: أمير المؤمنين عليه السلام
ISBN: 964-8139-12-1
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

كلمة المقرّر

الحمد لله ، الذي هدانا لمعرفته ، وخصّنا بولايته ، ووفّقنا لطاعته ، والصّلاة والسلام على رسوله الذي منّ الله به على المؤمنين يتلوا عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

وعلى أهل بيته ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، والذين بذلوا أنفسهم في مرضاته ، وصبروا على ما أصابهم في جنبه ، وجاهدوا في الله حقّ جهاده ، حتّى أعلنوا دعوته ، وبيّنوا فرائضه ، ونشروا شرائع أحكامه ، وفقّهوا في الدين العلماء من شيعتهم ، وعلّموهم الكتاب والسنّة ، وألقوا إليهم الاصول ، وفوّضوا إليهم التفريع.

وصلوات الله تعالى ورحمته ومغفرته ، واستغفار رسوله وملائكته على أصحابهم وتلامذتهم المقتصّين آثارهم ، والسالكين سبيلهم ، والمهتدين بهداهم الذين حملوا مشعل الهداية في حالك الأزمنة الداميّة من تاريخ التشيّع ، ورفعوا لواء الدين في ظروف عصيبة وأجواء قاسية ، وأكرمهم الله تعالى بأن جعل مدادهم أفضل من دماء الشهداء ، فسقَوْا بأمطار أقلامهم شجرة الدين وأبقوها طريّة مثمرة ، وحرسوا حصون الاجتهاد والفقاهة.

ونحمد الله تعالى أن وفّقنا للانتفاع من موائد فيضهم ، والاقتطاف من سنابل بَيْدرهم ، واصطفانا من الوف مؤلّفة من الخلق ، فعرّفنا علماء هذا الجيل وهم :

١ ـ الرجال النبلاء أغصان شجرة الحوزات العلميّة الإسلاميّة الطيّبة ، التي أصلها ثابت ، وفرعها في السماء ، تُؤتى اكلها كلّ حين بإذن ربّها.

٢ ـ خبراء الدين ، غير المتهرّبين من قبول المسؤوليّة ، الذين لم يستوحشوا في طريق إعلاء كلمة الحقّ طيلة تاريخ حياتهم من سُخرية طالبي الدنيا الدنيّة ، وضغط الطواغيت الجبابرة ، وتكفير المتحجّرين المتنسّكين ، بل تحركوا في طريق إبلاغ حقائق الدين ونشر

٧

المعارف العالية لأهل البيت عليهم‌السلام بجهد وجهاد ، وصبر وسداد ، واستقاموا على طريق حفظ القيم الدينيّة المتكاملة ، والدفاع عن نواميس هذه المدرسة ، وموازين الشريعة المحمّديّة بأفكارهم وأقلامهم وأقوالهم.

٣ ـ الفقهاء الملتزمون ، الذين حرسوا ثُغور العقيدة بوعي وذكاء ، وجاهدوا في إبطال تحريف المبطلين ، ونفي انحراف الغالين بيد بيضاء من البرهان والفرقان.

٤ ـ المتفكّرون ، الذين لم يكتفوا بإكتساب العلوم السائدة في الحوزات العلميّة ، بل انتهلوا أيضاً ـ عن وعي واسع ، وفكر حيّ متحرّك ـ من ينابيع العلوم الاخرى القديمة أو الجديدة ، ولم يغفلوا بالاشتغال بزاوية خاصّة وبُعد خاصّ من الدين عن سائر أبعاده وزواياه.

٥ ـ المصلحون المتنوّرون ، الذين انتفضوا كعَيْنٍ صافية في صحراء إعصار الطواغيت المقْفَرة ، ورفدوا أحرار ذلك الليل المظلم بالأمن والرجاء.

٦ ـ الموقنون القائمون بالقسط ، الذين يرون إيجاد مجتمع ديني وتشكيل نظام حكم إلهي في الدرجة الاولى من واجبات العلماء الملتزمين ، وامنيّتهم المقدّسة تحقّق الأحكام الناصعة ، والمعارف الراقية للإسلام على أرض الواقع ويموج في قلوبهم نور الأمل بالمستقبل الباهر الزاهر حول مصير الامّة الإسلاميّة.

٧ ـ المحقّقون الذين لم يعيشوا قلّة الهمّة ووهن العزيمة ، ولم يدفنوا في غبار التسامح والتساهل.

٨ ـ المتتبّعون المتبحّرون ، الذي يعدّون من طالبي الأسرار الإلهيّة والرموز القرآنيّة ، والذين تصدّوا لإشباع الحاجات المعنويّة الدينيّة في المجتمع الاسلامي ، ويتحمّلون مسؤوليّة استنباط الأحكام ، وتبيين الثقافة الدينيّة في مجمع الحوزات الإسلاميّة بحيث أدّى حضورهم المستمر ( واستعدادهم للمراجعات الدينيّة والجواب عن كلّ مسألة عرضت عليهم ) أن يصبحوا علماء ربّانيين وفقهاء متمرّسين كاملاً عبقريّاً.

٩ ـ المتنزّهون ، الذين لا ينظرون إلى المقامات الاعتباريّة والمناصب الحوزويّة إلاّمن جهة أنّها أداة لخدمة الدين والمذهب ، ولا يشترون تلك القيم المعنويّة ، والمقامات الاخرويّة ، والدرجات والاجور الموعودة لأصحاب الخدمات القلمية والبيانيّة ، بحُطام الدنيا ومتاعها القليل الزائل.

٨

١٠ ـ وأخيراً : النجوم الزاهرة لسماء الفقاهة ، الذين صاغوا من أنفسهم رجالاً محنّكين لابتعادهم عن الكسل والعُزلة ، ومعرفتهم بالزمان ومقتضياته ، مع نضوج الفكر وحسن السليقة واستقامتها ، والدقّة والنظم الإبداع في العمل مع أهداف ساميّة عالية وشعور عقلائي رائق في البيان والكتابة ، وهمّة عالية وعزم راسخ إلهي ، ونفس أبيّة قويّة ، وحركة دائبة وجدّ مستمر ( وكأنّ أحدهم بعد مضيّ ستّين أو سبعين سنة من عمره المبارك ، يعمل ويسعى سعي عدّة أفراد من الطلاّب المجدّين ).

إلهي : يامن هو المبدأ لهذه المكارم الكاملة الجميلة : نسألك أن تعطينا يقظة وانشراح صدر ، حتّى لا يحجبنا بعض ما نراه نقصاً فيهم عن مشاهدة أنوار حكمتهم ، ولا يحرمنا بعض عثراتهم ـ التي لا يخلو غير المعصوم منها ـ من كوثر معارفهم البالغة ، فانّه لا حكيم إلاّذو عثرة (١).

كما انّا نسألك يامالك القلوب والأبصار : أن تهب لنا وفاءً وتأدّباً ، حتّى لا نطلق عليهم لساناً هم صيّروه ناطقاً ، وقلماً وبياناً هم علّموه البلاغة (٢).

والحقير الفاقد لأيّة بضاعة يحمدك بكلّ وجوده وأعماق قلبه على أن وفّقته لتقرير حلقة ( الدورة الرابعة لخارج الاصول ) من حلقات درس استاذٍ هو بنفسه غُصن من هذه الشجرة الطيّبة ، ونجم من هذه المنظومة المضيئة.

فأرجو الله سبحانه أن لا يمنعنا حجاب المعاصرة عن مشاهدة هذه الوجوه المشرقة ، ومفاخر المدرسة الجعفريّة ، فندرك مكانة هذه النجوم المضيئة ومقاماتهم بعد رحيلهم عن دنيا المعرفة والحكمة ، وأفولهم عن سماء العلم والهداية.

ما الذي دعاني إلى هذا ...؟

إنّ سبب اختياري درس الاستاذ ( دام ظلّه ) أنّي بعد ما سمعت عزمه على الشروع بالدورة

__________________

(١) عن الرضا عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « غريبان : كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها ، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها ، فانّه لا حكيم إلاّذو عثرة ، ولا سفيه إلاّذو تجربة ». ( بحار الأنوار : ج ٢ ، ص ٤٤ ).

(٢) « لا تجعلنّ ذرب لسانك على من أنطقك ، وبلاغة قولك على من سدّدك ». ( نهج ـ حكمة ٤١١ ).

٩

الرابعة لخارج الاصول ، استخرت الله بكتابه الكريم فجاءت هذه الآية : ( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ )(١) فتفأّلت بالخير ، وحضرت في محضره الشريف فوجدت صدق التفأّل ، فكان درسه مذهباً للحَزَن وحالاًّ للعُقَد ، وذلك لتوفّر بعض الشرائط والخصوصيّات فيه :

منها : تحرّر فكري وأصالة في مجال البحث والنقد : بحيث يشاهد بوضوح عدم انجذاب عقربة الفكر إلى مدرسة خاصّة من المدارس الموجودة في محافل دروس مرحلة الخارج.

والإنصاف أنّ هذه الدرجة من الحرّية والاعتماد على النفس يلعب دوراً أساسيّاً في تربية التلميذ ، وتكوين شخصيته العمليّة ، وقوّة اعتماده على نفسه في البحث والدراسة بعد ما أراد بخروجه من مرحلة السطح إلى مرحلة الخارج أن يقوم على قدميه ، وأن يُخرج نفسه من هيمنة أفكار الأعاظم وسطوتها مع احترامها والاهتمام بها.

ومنها : السعي أن يعطى البحث ـ حدّ الإمكان ـ إتّجاهاً موضوعيّاً عمليّاً ، ويخرجه من إطار الافتراضات المدرسيّة ، ولعلّ هذا ممّا يلاحظ في مدرسة الشّيخ الأعظم الأنصاري رحمه‌الله في رسائله ، وممّا يتميّز به مشربه الاصولي ومنهجه عن منهج المحقّق الخراساني رحمه‌الله في كفايته إلى درجة كبيرة.

فشاهدت في كثير من المباحث عدم الاكتفاء ببيان كليّات المسألة ، وتركها في دائرة الفرض والتصوّر ، بل يستعرض أيضاً ما يعتمد عليه الفقيه في مقام العمل والاستنباط في الأبواب المختلفة من الفقه ( من الاستظهارات العرفيّة ، والارتكازات العقلائيّة ، وما يستظهر من روايات أهل بيت الوحي عليهم‌السلام وما فهم منها أصحابنا الإماميّة ( رضوان الله عليهم ) بحسن سليقة ، واستقامة فكر ... إلى أن تصل المسألة إلى موضع من التنقيح والاطمئنان.

ومنها : سلاسة البيان وسهولته ، ممّا يخرج موضوع البحث من التعقيد المحيّر للفكر والعمق المتوهّم والابّهة الخياليج ة المخيّبة لأمل التلميذ في حركته العمليّة.

بل إنّ سهولة بيانه ( دام ظلّه ) قد تصل إلى حدّ توجب تردّد التلميذ في بدء الأمر ، فيحتمل أو يظنّ أنّ للمسألة المطروحة عمقاً آخر ، وأنّه لم يؤدّ حقّها.

__________________

(١) سورة فاطر : الآية ٣٤.

١٠

والحقير الفاقد للبضاعة ـ الذي وقع من هذه الجهة في تردّد ووسواس في باديء الأمر ـ كان يسعى في دراسة المسألة قبل الدرس وبعده ، ويعمّق النظر في جوانبها وبمعونة أصدقائه في المباحثة ، فكان ـ بعد فحص كثير وتأمّل بالغ ـ ينتهي في كثير من الموارد إلى أنّ الحقّ في المسألة هو ما أفاده الاستاذ ( دام ظلّه ) بتبسّط في الحديث ومن دون عبارات مغلقة وتعبيرات معقّدة ، وما فهمه بذوقه السليم وفكره الثاقب.

ومن الواضح أنّ ما يلعب دوراً هامّاً أوّليّاً في سلاسة البيان إنّما هو كيفية الورود في المسألة والخروج عنها ، والتحليل الصحيح لموضوع البحث ، وتشقيق الموضوع الكلّي العامّ وتفكيكه وتجزئته إلى موضوعات فرعيّة خاصّة ، وبالجملة إبراز الموضوعات المتشابهة الخارجة عن محلّ البحث ، والإرائة الدقيقة لمحلّ النزاع ، والإنصاف أنّ للُاستاذ ( دام ظلّه ) في هذا المجال تضلّعاً خاصّاً.

ومن الطريف أنّ الاستاذ ( دام ظلّه ) يلقى افاضاته ويؤدّي كلماته بقوّة ونشاط ، وطراوة ونضارة ، تجعل محفل درسه ناشطاً وطريّاً بحيث لا يحسّ أحد بصعوبة وكدورة ، ولا يرى نفسه متأخّراً ومتخلّفاً عن القافلة ، بل أن كلّ شخص يشعر في نفسه في مسرح البحث ، راجياً لفهمه ، ومطمئناً بإدراكه للمسألة.

هذا ـ وقد تذكّرت بعدُ ما كتبه السيّد الحكيم رحمه‌الله صاحب المستمسك في هامش تقريرات الاستاذ ( دام ظلّه ) لبحثه رحمه‌الله قبل أربعين سنة ، حيث قال : « ... فوجدته متقناً غاية الاتقان ، ببيان رائق ، واسلوب فائق يدلّ على نضوج في الفكر ، وتوقّد في القريحة ، واعتدال في السليقة ... » فوجدته وافياً لما هو مرادي ، والحمد لله.

وأخيراً : ينبغي أن اشير إلى أنّ من توفيق الله تعالى عرض جميع مباحث هذا التقرير ـ حرفاً بحرف ، وسطراً بسطر ، من البدو إلى الختم ـ على الاستاذ ( دام ظلّه ) وقراءتها له في طيلة الدورة ، ولذلك يشاهد بعض الاختلاف ـ منهجاً ومحتوى ـ بين مباحث الكتاب وما أفاده ( دام ظلّه ) في مجلس المحاضرة ، فقد يتبدّل نظره الشريف حين القراءة على مستوى المنهج أو المحتوى ، أو يخطر ببالي القاصر إشكال أو إضافة نكتة أو رأي ، أو حذفهما ، فيقابلني الاستاذ غالباً ـ مع انشراح صدر وكرامة بالغة ـ بالتأييد أو إيراده تحت عنوان : « إن قلت » ثمّ الجواب

١١

عنه ، أو ـ على الأقلّ ـ بإشارة إليه تحت عنوان « اللهمّ إلاّ أن يقال » أو « فتأمّل » ونظيرهما.

فليكن الإخوان الكرام الذين كانوا يحضرون درس الاستاذ ( دام ظلّه ) على ذكر من هذا.

وختاماً : أهدى هذا الجهد المتواضع إلى كلّ من له عليّ حقّ التعليم أو الهداية ، سواء من علّمني في عنفوان شبابي المفاهيم الدينيّة وولاية أهل بيت العصمة ، سيّما معرفة ذلك العزيز المستور الغائب عن الأبصار ، الحاضر في القلوب والأفكار ( عج ) فسقاني شراب محبّته ، وأنفذ في قلبي شوق خدمته ، فهيّأ لي قبل الورود إلى الحوزة العمليّة ، الظروف الروحيّة والفكريّة للدخول فيها.

أم كان من الأساتذة الكرام الذين صقلوا شخصيتي الخُلقيّة والعمليّة ، فوطّأوا لي ظروف هذا التقرير ومقوّماته.

فأسأل العزيز القادر المتعال أن يعطيهم خير الدنيا والآخرة ، ويجعل حياتهم زاخرة بالعطاء مثمرة بالخير ومحيي للدين ، ويهب لهم مرافقة الأنبياء عند مليك مقتدر.

وأسأله أن يتقبّله منّي بقبول حسن ، ويجعله ذُخراً خالصاً لآخرتي ، فانّه بادىء برّي وتربيتي ، وخير ناصر ومعين ، وله الحمد في كلّ حين.

أحمد القدسي

قم المقدّسة ـ رمضان ١٤١٤ هجرية ـ اسفند ١٣٧٢ شمسية

١٢

المدخل

علم الاصول كما ينبغي

١٣
١٤

علم الاصول كما ينبغي

(١) تاريخ علم الاصول وتطوّره في سطور :

المعروف أنّ أوّل ما دوّن علم الاصول هو رسالة دوّنها الشّيخ المفيد رحمه‌الله وأوردها المحقّق الكراجكي رحمه‌الله في كنز فوائده (١) ، ولكن من الواضح أنّ هذا لا يعني أنّ هذا المحقّق رحمه‌الله هو المبتكر لهذا الفنّ ، بل إنّ الفكر الاصولي وقد وضِعت دعائمه وانعقدت نطفته منذ عصر الأئمّة عليهم‌السلام بل منذ عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذلك العصر الذي شهد ظهور الفقه ، وتحرك فيه فقهاء الامّة ليسترفدوا من الكتاب والسنّة ـ بل إجماع المسلمين ودليل العقل أحياناً ـ لاستنباط الأحكام الالهيّة فإحتاجوا إلى معرفة أدلّة الأحكام الفقهيّة والمنابع الأصلية لها والإحاطة الدقيقة بمنابعها الأساسيّة وحدودها وخصوصيّاتها على أحسن وجه ، حيث كانت أحكام الدِّين وما يحتاج إليه المكلّفون مبثوثة في الكتاب والسنّة ، ولا بدّ للعلماء وأصحاب الحديث وغيرهم من رسم خطوط عامّة لكشفها واستنباطها عن أدلّتها ، فكان اللازم معرفة هذه الأدلّة التي يستكشف منها أحكام الشرع وكيفية الاستدلال بها عليها.

لكن لا إشكال في أنّ علم الاصول كان في تلك العصور مجرّد قواعد بسيطة جدّاً ، متفرّقة غير مدوّنة في كتاب خاصّ ، مأخوذة من كتاب الله وسنّة النبي وأئمّة الهدى عليهم‌السلام وعُرف العقلاء ، ويلقيها العلماء في كلّ زمان إلى تلامذتهم ، فقد صرّح أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بأنّ « علينا إلقاء الاصول وعليكم التفريع » (٢). وقال الإمام الباقر عليه‌السلام لأبان بن تغلب : « اجلس في مسجد

__________________

(١) وقد طبعها ونشرها أخيراً المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد رحمه‌الله ، فراجع ج ٩ من مصنّفات الشّيخ المفيد رحمه‌الله.

(٢) وسائل الشيعة : ج ٢٧ ، طبع آل البيت ، ص ٦٢ عن الإمام الرضا عليه‌السلام ، وقد نقل نفس الحديث في بحار

١٥

المدينة وافتِ الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك ». (١)

فمن المقطوع أنّهم منذ العصر الأوّل كانوا يفتون بمقتضى ظواهر النصوص فيستندون إلى حجّية الظواهر بعنوان أصل قطعي ، ويعتمدون في الرّوايات على أقوال الثقات ( حجّية قول الثقة ) ويعالجون تعارض العامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، من طريق التخصيص والتقييد ، ويعملون بالمفاهيم كمفهوم الشرط والغاية ، وحين وقوع التعارض بين الظاهر والأظهر يقدّمون الثاني على الأوّل ، ويقدّمون الدليل القطعي على الظنّي و ... إلى غير ذلك من أشباهه.

هذا ، ولكن كلّما اتّسع نطاق علم الفقه وظهرت فيه فروع مستحدثة اتّسع بموازاته نطاق علم الاصول إلى يومنا هذا ، حتّى صار من أوسع العلوم وأعقدها ، مملوّاً من دقائق عقليّة ونقليّة ، وهكذا يتّسع يوماً بعد يوم.

ومن الطريف جدّاً أنّ علم اصول الفقه ـ كالفقه نفسه ـ عند أتباع أهل بيت عليهم‌السلام الوحي أكثر توسّعاً من اصول أهل السنّة إلى درجة كبيرة ، ودليله واضح ، حيث إنّ فقهاءهم قد سدّوا باب الاجتهاد على أنفسهم وعدّوا الفقهاء الأربعة ( أئمّة المذاهب الأربعة ) خاتمي المجتهدين والمستنبطين فمالت مسألة الاستنباط إلى الركود والجمود وتوقّف بالطبع قرين علم الفقه وشقيقه ( علم الاصول ) عن النموّ والحركة ، ولكن أتباع أهل بيت العصمة ـ مضافاً إلى تأكيدهم على فتح باب الاجتهاد ـ أفتوا بإتّفاق الآراء بحرمة التقليد الابتدائي عن الميّت ، ولأجل ذلك لا يزال وفي كلّ عصر طائفة من علمائهم يلزمون أنفسهم بعنوان الواجب الكفائي على استنباط الأحكام الفقهيّة من منابعها الإسلاميّة وأدلّتها المعتبرة ، ويقدّمونها إلى المجتمع الاسلامي ، ويضعونها في متناول أيدي المسلمين ، وهذا الاعتقاد ـ مضافاً إلى جعله مصباح الفقه أكثر إضاءة وإشراقاً ممّا كان سابقاً ـ أوجب إزدهار علم الاصول ونموّه يوماً بعد يوم إلى حدّ تعدّ الكتب الاصوليّة المدوّنة في سائر الفِرق الإسلاميّة بالنسبة إلى ما دوّنه علماء الشيعة كتباً إعداديّة وبدائيّة جدّاً ، بل لا يمكن الإحاطة بكنه الاصول لدى الشيعة إلاّعند فحول وخبراء من أساطين الفنّ طيلة سنين متمادية.

__________________

الأنوار : ج ٢ ، ص ٢٤٥ عن جامع البزنطي عن الإمام الرضا عليه‌السلام بتغيير يسير ، وهو « علينا إلقاء الاصول إليكم وعليكم التفرّع ».

(١) مستدرك الوسائل : ج ١٧ ، ص ٣١٥.

١٦

(٢) المشكلة المهمّة في اصول الفقه :

ولكن علم الاصول رغم هذا التوسّع والدقّة والظرافة في طرح المسائل ـ مضافاً إلى التعمق التوغّل في استكناه الحقائق ـ مازال بفتقد للنظام اللازم اللائق في كيفيّة الورود والخروج في المسألة ومنهج عرض المباحث.

ومن جانب آخر : فإنّ الكثير من مسائله لم توضع موضعها الأصلي المناسب ، الأمر الذي يثير مشكلة جديدة على مستوى تحرير محلّ النزاع في المسألة والاستدلال عليها.

ومن جانب ثالث : هناك بعض النواقص والتفريعات الزائدة في هذا العلم الشريف كانت مطروحة في سالف الزمان ، ممّا يُلزم المحقّقين الكرام في الحوزات العمليّة بذل الجهد لرفعها وإصلاحها ، فكأنّ الغواصّين في هذا البحر ( أعلى الله مقامهم الشريف ) على رغم احاطتهم بمسائل هذا العلم وإعمال الدقّة والسعي الوافر في تنقيحها كانوا ـ لشدّة اهتمامهم بالاصول ـ يطرحون في علم الاصول كلّ مسألة مهمّةٍ مرتبطة بالفقه والاستنباط بنوع من الارتباط ولم يبحث عنها في موضعها المناسب ، والذي أثار هذه المشكلة وشدّدها هو التنوّع البالغ والتفريع العجيب للمسائل الاصوليّة ، واختلاف مبادئها العقليّة واصولها النقليّة.

ولكن هؤلاء الأعاظم ـ تغمّدهم الله تعالى في رحمته وعناياته ، وجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء ـ قد حرّموا علينا التقليد في طلب الحقائق العمليّة ، وأوصونا بأشدّ الجهاد وأوفر السعي لتفعيل هذا العلم وتطويره ، ولذا نستمدّ من المولى سبحانه ونعمل على البحث عمّا في مسائل هذا العلم كما يظهر في رأينا القاصر.

(٣) رسم كلّي لأبحاث علم الاصول :

المشهور في تعريف علم الاصول أنّه : « العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة » ، وأنّ موضوعه « الأدلّة الأربعة ». وفي قول آخر : « ما هو الحجّة في الفقه » مطلقاً سواء كان من الأدلّة الأربعة أو غيرها.

إذن ، البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة ونحوها بحث في المسائل الأصليّة لعلم الاصول ، كما أنّ البحث عن حجّية ظواهر الألفاظ وحجّية قول اللغوي أيضاً بحث من هذا القبيل ، فإنّ جميعها تقع في طريق الاستنباط ، أي تكون كبرى في القياس الذي ينتج حكماً من أحكام الشرع. نعم ، لا يخفى أنّه قد تقع في كبرى القياس عدّة مسائل اصوليّة معاً ، كمسألة حجّية

١٧

الخبر الواحد وحجّية الظواهر ومرجّحات باب التعارض ، فيمكن وقوعها معاً كبرى قياس يُستنبط منه حكمٌ واحد كوجوب صلاة الجمعة مثلاً.

وعلى هذا الأساس تخرج كثير من المسائل الموجودة في علم الاصول من المسائل الأصلية لهذا العلم وتلحق بالمبادىء.

كما أنّ كثيراً من المباحث المطروحة في باب الألفاظ ليست من المباحث اللّفظيّة ، ولا بدّ فيها من تغيير وتبديل.

ومن جانب آخر ، لا شكّ في عدم ترتّب ثمرة على بعض المسائل الاصوليّة ، فلابدّ من حذفها من علم الاصول ، وبالعكس توجد فيه نقائص لا بدّ من رفعها بإضافة مباحث كفيلة بذلك والانتهاء بعلم الاصول إلى كماله المطلوب.

إذن ، يمكن تلخيص مشاكل علم الاصول في عدّة أمور :

١ ـ وجود مسائل تُعدّ في الواقع من مبادىء علم الاصول ، ولكنّها امتزجت مع المسائل الأصلية ، فلابدّ من تفكيكها وطرح كلّ واحدة منهما في موضعها الحقيقي المناسب.

٢ ـ عدم وجود بعض المسائل التي كانت مطروحة في كتب السابقين ولا نجدها الآن في علم الاصول.

٣ ـ توسّع بعض المسائل نظير مبحث الانسداد توسّعاً يوجب تضييع عدّة شهور من أوقات طلاّب هذا العلم.

٤ ـ عدم طرح كثير من المسائل في موضعها اللائق المناسب.

٥ ـ وجود القواعد الفقهيّة التي لا بدّ من طرحها في علم على حدة ، ولكن قلّة العناية بعلم القواعد الفقهيّة أوجب طرح عدّة من مباحثه في علم الاصول ، وعدّة اخرى في علم الفقه في عرض المسائل الفقهيّة ، وهناك عدّة ثالثة بقيت بعدُ في بقعة النسيان.

فمن موارد المشكلة الاولى مباحث الأوامر والنواهي ( معنى الأمر ومعنى النهي من حيث المادّة والصيغة وسائر خصوصّياتهما ) وكذلك مباحث العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد ومباحث المفاهيم والمشتقّ والصحيح والأعمّ والحقيقة الشرعيّة ، لأنّ جميعها تنقّح صغريات أصالة الظهور.

وبعبارة اخرى : حجّية ظواهر الألفاظ تكون من المسائل الاصوليّة التي تقع في طريق استنباط الأحكام الفقهيّة ، وبدونها لا يمكن الاستفادة من أيّ دليل لفظي ، ولكن البحث في أنّ

١٨

ظاهر اللفظ الفلاني هل هو الوجوب أو الاستحباب أو الحرمة أو الكراهة؟ وهل هو عامّ أو خاصّ؟ وهل يكون له المفهوم أو لا؟ و ... كلّ ذلك بيان لموضوعات قاعدة أصالة الظهور وصغرياتها ، ولا موضع لها في مسائل الاصول.

كما أنّ حجّية قول الثقة تعدّ من مباحث الاصول ، وأمّا مسألة أنّ زرارة أو محمّد بن مسلم هل هو من الثقات أو لا أو أنّ أصحاب الإجماع مَن هم؟ فليست منها قطعاً واتّفاقاً.

وعلى هذا يكون جميع المباحث السابقة خارجة عن عداد مسائل علم الاصول وداخلة في مبادئها ، ولكن حيث إنّ علم اللّغة أو العلوم الأدبيّة لم تبحث هذه الامور كما هو حقّها ، لذا اضطرّ علماء الاصول إلى بحثها بعنوان مقدّمات لمسائل علم الاصول.

هذا ، مضافاً إلى أنّا نشاهد مباحث في هذا العلم تُعدّ في الواقع مقدّمة لهذه المقدّمات ، وتكون في الحقيقة من قبيل مبادي المباديء لعلم الاصول ، نظير مباحث الوضع والمعاني الحرفيّة وعلائم الحقيقة والمجاز ونظائرها ، فهي في الواقع مقدّمة لمقدّمات علم الاصول.

وأمّا المورد الثاني ـ أيّ المسائل التي ينبغي وجودها في علم الاصول ، بل كانت مذكورة في كتب الماضين ولكن لا أثر لها في علم الاصول فعلاً ـ فهي كثيرة ، كحجّية نفس الإجماع بأقسامه ( لا حجّية الإجماع المنقول فقط ) وحجّية أنواع السِير من سيرة المسلمين وسيرة الفقهاء ونحوهما من سائر أقسامها ، والمباحث المرتبطة بالأدلّة العقليّة ( حجّية دليل العقل ) ومسائل الحُسن والقُبح العقليّين ووجود الملازمة بين العقل والشرع ، وهكذا عدم حجّية الاستحسان والظنّ القياسي وسدّ الذرائع والمصالح المرسلة والاجتهاد الظنّي بمعناه الأخصّ وأشباهها التي هي ثابتة عند علماء أهل السنّة ، وهكذا المباحث المرتبطة بالخبر المتواتر والخبر المستفيض ، ونحوها.

أمّا المباحث الزائدة التي لا حاجة إليها في هذا العصر فقد مرّ بعض نماذجها ( وهو مبحث الانسداد ).

وأمّا المباحث التي لا بدّ من إيرادها في الاصول ولكن في موضعها المناسب فمن قبيل كثير من المباحث التي تعدّ في يومنا هذا من مباحث الألفاظ ولكنّها ليست منها قطعاً كمباحث مقدّمة الواجب ، واجتماع الأمر والنهي ، ودلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّه ، ومبحث الترتّب ، ودلالة النهي في العبادات والمعاملات على الفساد أو عدمه ، ومباحث الإجزاء ، فإنّ جميع هذه المسائل من المباحث العقليّة التي لا بدّ من إدخالها تحت عنوان

١٩

« الملازمات الحكمية » في ذيل دليل من الأدلّة الأربعة وهو دليل العقل ، لأنّ وجوب ذي المقدّمة مثلاً بأيّ طريق ثبت ـ سواء ثبت من خلال دليل لفظي أم لا ـ قابل للبحث عن أنّه هل يكون ملازماً لوجوب مقدّمته أو لا؟ وهكذا الأمر والنهي ـ سواء ثبتا بدليل لفظي أو عقلي أو الإجماع ـ يدخل في مبحث اجتماع الأمر والنهي وإمكانه واستحالته ، وجميع مسائل الضدّ والترتّب والإجزاء أيضاً من هذا القبيل.

ومن المعلوم أنّ تغيير البحث من ناحية الموضع يوجب تغيير شكل البحث أيضاً ، فلا يتمسّك أحد بذيل استدلالات من قبيل أنّ وجوب ذي المقدّمة لا يدلّ على وجوب المقدّمة بإحدى الدلالات الثلاث ، أو أنّ النهي لا يدلّ على الفساد بإحدى الدلالات الثلاث ، فما ذكره بعض أعلام المعاصرين من أنّ هذا التبديل المكاني لا يوجب تغيير ماهية البحث وجوهره قابل للمناقشة ، حيث إنّه من المعلوم حينئذ تغيير كيفية الاستدلالات أيضاً ، فإنّ البحث اللّفظي يطلب دلائل معينة ، والبحث العقلي يطلب دلائل اخرى.

وأمّا ما يكون من سنخ القواعد الفقهيّة لا اصول الفقه (١) ولا الفقه نفسه فحيث إنّه لم يدوّن لها سابقاً علمٌ على حدة دخلت عدّة منها في الاصول ( كقاعدتي الفراغ والتجاوز وقاعدة اليد ولا ضرر والقرعة ) وعدّة اخرى منها في علم الفقه ( نظير قاعدة ما يضمن وما لا يضمن وقواعد اخرى من هذا القبيل ) وعدّة ثالثة منها المظنون عندي أنّها غير معنونة في ما نعرفه من الكتب الفقهيّة والاصوليّة بل استند الفقهاء إليها في تضاعيف المباحث الفقهيّة من دون تعرّض لشرح أدلّتها وشرائطها (٢).

فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّه لا بدّ من فذلكة جديدة في مباحث علم الاصول على

__________________

(١) والفرق بين المسائل الاصوليّة والقواعد الفقهيّة هو : أنّ المسائل الاصوليّة لا تشتمل على حكم شرعي خاصّ بل تقع دائماً في طريق استنباط الأحكام ، بخلاف القواعد الفقهيّة فإنّها مشتملة على حكم شرعي خاصّ كلّي مثل نفي الضرر أو وجوب الإعادة ( في قاعدة لا تعاد ) أو الطهارة ( في قاعدة الطهارة ) أو وجوب التقيّة ( في قاعدة التقيّة ) أو غير ذلك. كما أنّ الفرق بين هذه القواعد والمسائل الفقهيّة أيضاً واضحة ، فإنّ القواعد تشتمل على أحكام كلّية لا يمكن اعطاؤها بيد المقلّد لأنّ تطبيقها على مواردها وإحراز شرائطها من وظيفة الفقهاء ، بخلاف الأحكام الفقهيّة فإنّها أحكام خاصّة تُعطى بأيدي المقلّدين ، فهذا هو الفرق الأصيل بين هذه العلوم الثلاثة.

(٢) ولتوضيح أكثر في هذا المجال راجع كتابنا « القواعد الفقهيّة ».

٢٠