🚘

بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج ٨

آية الله ميرزا محمّد حسن بن جعفر الآشتياني

بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج ٨

المؤلف:

آية الله ميرزا محمّد حسن بن جعفر الآشتياني


المحقق: السيّد محمّد حسن الموسوي
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات ذوي القربى
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-518-351-4
ISBN الدورة:
978-964-518-249-4

الصفحات: ٨٢٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧ 🚘 الجزء ٨
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣

بسم الله الرّحمن الرحيم

وبه نستعين ، الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين

ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين (١)

__________________

(١) خطبة الكتاب.

٤

التعادل والتراجيح

٥
٦

خاتمة في التعادل والتراجيح

* قاعدة الجمع

* أحكام التعارض

* المقام الأوّل : في المتعادلين

ـ مقتضى الأصل الأوّلي في المتعادلين

ـ مقتضى الدليل الوارد

ـ تنبيهات تعادل الخبرين

ـ لابدّيّة الفحص عن المرجّحات في المتعارضين

* المقام الثاني : في التراجيح

وفيه مقامات :

* الأوّل : وجوب الترجيح والإستدلال عليه

* الثاني : ذكر الأخبار العلاجيّة

* الثالث : لزوم التعدّي عن المرجّحات المنصوصة

* الرابع : بيان المرجّحات

ـ المرجّحات الداخليّة

المرجّحات الدلاليّة

انقلاب النسبة

ـ المرجّحات الخارجيّة

٧
٨

خاتمة (١) في التعادل والتراجيح

__________________

(١) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي قدس‌سره :

« لا اشكال بل لا خلاف في أن البحث عن الأخبار من حيث التعادل والترجيح داخل في المسائل الأصولية ، مضافا إلى أن تمايز العلوم ـ على ما ذكروه ـ إنّما هو بتمايز موضوعاتها أو بحدودها ، ومقتضاهما أيضا كذلك.

أمّا الأوّل : فان موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة فيكون البحث عن أحوالها من مسائل هذا العلم ، والبحث عن الأخبار من حيث التعادل والترجيح بحث عن أحوالها فيدخل في مسائله.

وأما الثاني : فان علم الأصول ـ على ما عرّفوه ـ : هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة ، ولا اشكال في إنطباقه على ما نحن فيه ، وربّما يتعجّب من إنّهم مع إكثارهم الخلاف في أغلب المسائل الأصولية من حيث اندراجها في المبادي أو المسائل الكلاميّة أو الفقهيّة قد أدرجوا هذه المسائل الخلافيّة في مقاصد هذا العلم ، وذكروا هذه المسألة في خاتمة الكتاب الموهم لخروجها من المقاصد مع ما عرفت من شهادة اتّفاقهم وموضوع العلم وحده بخلافه.

وأقول : لعلّ الوجه فيه : أن البحث عن الأدلة من حيث التعادل والترجيح متأخر شأنا عن البحث عن سائر أحوالها كالبحث عنها من حيث الدلالة أو الحجية ؛ لأن البحث عنها من حيث التعارض فرع دلالتها وحجيتها ؛ ولذا أخّروا البحث عنها من هذه الحيثيّة عنه عن سائر الحيثيات ، فجعلوا البحث عنها من هذه الحيثية في الخاتمة إشارة الى كون ذلك آخر ما يبحث عنه في هذا العلم لا الى خروجه من مسائله.

وأما ما أشرنا اليه من إكثارهم الخلاف في أكثر المسائل الأصولية ، فذلك مثل دعوى دخول مباحث الألفاظ طرّا ، وكذا البحث عن حجية الكتاب والسنة والاجماع والعقل في المبادىء ،

٩

__________________

ودخول البحث عن حجية الأوّلين في الكلام وعن أصالة البراءة والاستصحاب والاجتهاد والتقليد في الفقه ، أو البحث عن الأخيرين في الكلام ؛ نظرا في الأوّل الى أن مسائل كل علم النسب الخبرية المتعلقة بأحوال موضوع هذا العلم من حيث أنّها أحوال موضوع هذا العلم والبحث عن دلالة الأمر والنهي والعموم والخصوص وسائر ما يتعلّق بها من المباحث اللفظية ليس بحثا عن أحوال الأدلة من حيث أنها أحوالها لعموم عنوان هذه المباحث ؛ إذ البحث عن دلالة اليه ولو مع وروده في غيرهما أيضا ، والبحث في مباحث العلوم إنّما هو عن الأحوال المختصة بموضوعات تلك العلوم ؛ إذ البحث عن أحوال العام لا يعدّ بحثا عن أحوال الخاص ، فمن هنا تخرج تلك المسائل من مقاصد هذا العلم. نعم لمّا كان البحث عن أحوال الأدلة من حيث حجيتها أو تعادلها وترجيحها متوقّفا على معرفة تلك المسائل ، فلا بد من ذكرها في المبادىء.

والجواب : أن عنوان تلك المسائل وان كان أعم إلاّ أن بحث الأصولى عنها إنّما هو بعنوان ورودها في الكتاب والسنة ؛ لعدم تعلّق غرضه بغير ذلك ؛ لعدم حاجته الى البحث عن مفاهيم الألفاظ من حيث هي.

وفي الثانى إلى أن البحث عن الحجية بحث عن موضوع الدليل من حيث كونه دليلا والبحث عن تشخيص موضوع العلوم دخل في المبادىء ؛ لأن البحث عن أحوال الموضوع فرع إحراز نفس الموضوع وتشخيصه.

وفي الثالث إلى أن مرجع البحث عن حجية الكتاب والسنة إلى البحث عن حجية قول الله تعالى والائمة الهدى عليهم‌السلام والبحث عنها محرّر في الكلام دون الأصول.

وفي الرّابع إلى كون البحث عن تلك المسائل بحثا عن عمل المكلّف الذي هو موضوع علم الفقه دون أحوال الأدلة.

والخامس إلى أن مرجع البحث عن وجوب الاجتهاد والتقليد الى البحث عن وجوب إطاعة

١٠

(١) قوله قدس‌سره : ( في « التّعادل والتّرجيح » (١) وحيث إنّ موردهما الدّليلان

__________________

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والائمة عليهم‌السلام.

وبالجملة : أن الخلاف في جميع تلك المسائل موجود وقد قرّرنا الجواب عن الكلّ في محلّه ، ولا يجدي الإطناب هنا طائلا ، فليطلب من مواضعها. نعم ، قد حرّرنا في محلّه كون مسائل الاجتهاد والتقليد من المسائل الفقهيّة دون الأصوليّة » إنتهى. أنظر أوثق الوسائل : ٥٨٦.

(١) قال السيّد المجدّد الشيرازي قدس‌سره :

« التعادل في الأصل : تساوي طرفي العدل ونحوه.

والمراد به في باب الأدلّة : إنّما هو تساوي الدليلين المتعارضين وعدم مزيّة لأحدهما على الآخر.

والترجيح في الأصل : إحداث الرجحان والمزيّة في أحد شيئين متقابلين.

والمراد به في باب الأدلّة : تقديم المستنبط أحد الدليلين المتعارضين على الاخر.

ثم انه قد يعبّر عنه في هذه المسألة بصيغة المفرد كما صنع المصنف قدس‌سره وقد يعبّر عنه بصيغة الجمع.

والظاهر أن مراد من أفرده إنما هو إطلاقه الشائع في باب الأدلّة وهو الذي عرفته ، ويحتمل بعيدا إرادة جنس المزيّة القائمة بأحد الدليلين المتعارضين بعلاقة السببيّة.

وأمّا الذي عبّر عنها بلفظ الجمع فالظاهر انه أراد به المزايا الجزئيّة ؛ لمنافاة الجمعيّة لإرادة جنسها كما لا يخفى ، ولإرادة إطلاقه الشائع أيضا ؛ إذ لا يخفى انه فعل المستنبط ، وهو في حدّ ذاته واحد لا تعدّد فيه.

نعم ، يمكن اعتبار تعدّده باعتبار تكثّر موارده ، فإنّ كلّ تقديم وترجيح ـ في مورد لمزيّة ـ شخص مغاير لتقديم في مورد آخر لمزيّة أخرى ، أو بتلك المزيّة أيضا ، فيرتفع به منافاة الجمعيّة ، فيكون احتماله أقرب ؛ لكونه على تقديره إطلاقا حقيقيّا ، بخلافه على جنس المزيّة أو جزئيّاتها » إنتهى. أنظر تقريرات السيد المجدّد : ج ٤ / ١٤٧.

١١

__________________

* وقال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي قدس سره :

« التعادل مأخوذ من عدل الحمل ـ بالكسر ـ وهو نصفه فكأن الدليلين المتكافئين عدلا حمل ؛ لأجل تعادلهما وتساويهما ، والترجيح في الأصل : إحداث الرجحان والمزية في أحد الشيئين المتقابلين ، وفي باب الأدلة تقديم أحد الدليلين المتعارضين لأجل مزية فيه ، ولفظ الترجيح في عبارة المصنف رحمه‌الله بصيغة المفرد وفي بعض العبارات بصيغة الجمع ولكل وجه ؛ إذ الأوّل ناظر الى فعل المستنبط والثانى الى أفراده المتعددة مطلقا أو باعتبار تعدد المرجحات ، ويحتمل أن يراد به جنس المفرد بعد انسلاخ معنى الجمعية ولكنه خلاف الظاهر » إنتهى. أنظر أوثق الوسائل : ٥٨٦.

* وقال المحقّق الآخوند الخراساني قدس سره :

« عقدها وان كان لبيان حال الدليلين المتعارضين ومعرفة أحكامها كما لا يخفى ، ولذا جعل التعارض بنفسه موضوعا فيها في غير الكتاب ؛ الا انه لما كان لا كلام في معرفة خصوص ما لهما من الأحكام بملاحظة ما يعرضهما من الحالتين ، جعلتا موضوعا في الكتاب ؛ وكيف كان فالتعادل في الاصل من العدل بالكسر وهو المثل فيكون بمعنى التماثل ، وفي الاصطلاح عبارة عن تساوى الامارتين وجدانا وفقدانا للمزايا الآتية انشاء الله تعالى ، بحيث لم يكن أحدهما واجدا لاحديها وكان الآخر فاقدها.

والتراجيح بحسب اللغة إحداث المزية والرجحان ، وهيهنا يحتمل أن يراد منه تقديم احدهما على الآخر بمزية فيه من تلك المزايا ، وان يراد تقدمه وترجحه عليه لذلك ، فيكون من قبيل استعمال المسبب فى السبب ، لكنه مع ذلك أنسب بالمقام حسبما لا يخفى ، وان يراد نفس المزية الموجبة لذلك ، لكنه بعيد فى الغاية وان كان يقربه وقوعه بصيغة لا جمع في كلام بعضهم ، حيث أنه بالمعنيين الاولين مصدر وهو غير قابل لأن يثنّى او يجمع الا بعد اعتبار قيد الوحدة والتعدد فيه ، وتعدد الأسباب الموجبة لاعتبار التعدد فيه ، كما هيهنا مما لا

١٢

المتعارضان ... إلى آخره ). ( ج ٤ / ١١ )

في ان مسئلة التعارض من مسائل علم الأصول

أقول : بالحريّ قبل التّكلّم في حقيقة التّعارض وبيان مورده وحكمه : أن نشرح حال المسألة ؛ من حيث كونها من مسائل العلم.

فنقول : لا إشكال في كونها منها ؛ نظرا إلى شهادة جميع ما جعلوه ميزانا لتمايز مسائل العلوم من الموازين الخمسة على دخولها في مسائل علم الأصول وتطابقها بأسرها عليها بعد جعل موضوع البحث والمسألة الدّليل القائم على الحكم الشّرعي الكلّي كما هو واضح ، وإن قام على بيان الموضوع الكلّي للحكم ،

__________________

يخفى » إنتهى. أنظر درر الفوائد : ٤٢٥.

* وقال السيّد المحقّق اليزدي قدس‌سره :

« لا يخفى أن مباحث التعادل والترجيح داخلة في مسائل علم الاصول ، لأن البحث فيها بحث عن عوارض الأدلة ، وما عرّفوه به : من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية يشملها ، ولا ينافى ذلك أن بعضهم جعلها خاتمة ، لأن ذلك بملاحظة كونها آخر المباحث الذي يتم به مسائل الاصول ويختم به.

ثم ان التعادل تفاعل من العدل بمعنى المثل يراد به التماثل والتساوى ، والتراجيح جمع الترجيح يمكن أن يراد به المعنى المصدرى يعنى الترجيحات ، ويمكن أن يكون بمعنى المرجحات ، والأنسب افراد لفظ الترجيح كما عبر به بعضهم ، بل الأنسب التعبير بالتراجح في قبال التعادل ، بل الأولى والأنسب عقد الباب للتعارض كما عن بعض ؛ لأن التعادل والتراجح من أحوال التعارض وكيفياته ، قال في القوانين : « خاتمة في التعارض والتعادل والترجيح » ، والأولى ما ذكرنا » إنتهى. انظر حاشية فرائد الأصول : ٣ / ٤٢١.

١٣

حيث إنّه راجع إلى الدّليل على الحكم كما ستقف عليه لا الأعمّ منه وممّا قام على تشخيص الموضوع الخارجي ، وإن أطلق الدّليل عليه ؛ فإنّ مجرّد الإطلاق لا يجدي مع وضوح المراد ، ألا ترى استدلالهم فيما سيجيء على نفي التّرجيح في الأخبار بنفيه في البيّنات والجواب عنه بكونه قياسا مع الفارق وغيره ممّا ستقف عليه؟ فإنّ في هذا الاستدلال والجواب شهادة واضحة على خروج الأمارات الموضوعيّة عن حريم البحث.

أمّا صدق التّعريف فواضح ، سواء عرّف : بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة ، أو العلم الباحث عن أحوال الأدلّة ، كوضوح كون البحث في المسألة بحثا عن عوارض موضوع علم الأصول. أي : الأدلّة ، وإن جعل للوصف العنواني مدخلا في موضوعيّته ؛ ضرورة كون البحث في المسألة عن تعارض ما فرغنا عن دليليّته وإن حكم بسقوط أحدهما عن الحجيّة الفعليّة تعيينا ، أو تخييرا ، أو كلاهما بالتّعارض إن لم يرجع النّزاع في التّساقط إلى النّزاع في شمول دليل الحجيّة للمتعارضين بحيث يرجع إلى البحث عن الحجّيّة فتأمل.

فإنّ هذا غير عدم حجّيّتهما شأنا ، أو عدم حجّيّة أحدهما كذلك ، ولو من جهة إناطته بالظّن ، أو بعدم الظّن على الخلاف ؛ فإنّه خارج عن موضوع المسألة يقينا كما ستقف عليه ، وظهور وجود خواصّ المسألة الأصوليّة فيها ؛ ضرورة عدم انتفاع العامي بها وعدم حظّ له فيها. واختصاصها بالمجتهد والمستنبط وإن كان بالعرض :

من جهة اختفاء وليّ الله وحجّته وغيبته عن الأنظار ، كما هو الشّأن بالنّسبة إلى جميع مسائل هذا العلم ، وإلاّ فحكم الله الأصولي كالفقهي مشترك في نفسه بين المجتهد والعامي. ومن هنا كان يعمل من أدرك فيوضات حضور الأئمّة عليهم‌السلام

١٤

بالأخبار ويعالج معارضاتها بما ورد منهم عليهم‌السلام : في التّرجيح والتّخيير وإن كان عاميّا وإن جاز له الأخذ بالفتوى أيضا هذا.

وأمّا تدوين المسألة في علم الأصول وتصريح مهرة الفنّ بكونها من مسائل العلم فأوضح من أن يخفى ، بل أقول : كون المسألة من مسائل هذا العلم هو المتيقّن من بين مسائله لتطرّق المناقشة إلى أكثرها ، بل كلّها إلاّ ما شذّ وندر من حيث دخولها في مسائل العلم ؛ نظرا إلى كون مباحث الألفاظ بأسرها من المباديء اللّغويّة ؛ حيث إنّ الموضوع فيها نفس الألفاظ لا ما ورد في خصوص الكتاب والسّنة وإن كان الغرض متعلّقا بمعرفته ، وكثير منها مثل : مسألة وجوب المقدّمة ، وحرمة الضّدّ ، وامتناع اجتماع الأمر والنّهي ، ومسألة التّحسين والتّقبيح ، وأمثالها من المباديء الأحكاميّة.

ومن هنا وقع التّكلّم في أكثر كلمات القدماء ، بل المتقدّمين من الخاصّة والعامّة في علم الأصول في القسمين من المباديء حتّى شيخنا البهائي قدس‌سره في « الزّبدة » وذكروا مباحث الألفاظ في القسم الأوّل ، وما عرفت : من المسائل وغيرها في القسم الثّاني ، ومسائل حجّيّة الأدلّة كحجّيّة الكتاب والأخبار والإجماع ونقله من المباديء التّصديقيّة : من حيث كون العنوان مأخوذا في موضوعيّة الأدلّة.

فإن رجع البحث في مسائل الحجّيّة إلى البحث عن وجود ذات الدّليل ، كما هو الشّأن بالنّسبة إلى بعضها فرجوعه إلى البحث عن المباديء أوضح من أن يحتاج إلى البيان ، وإن رجع إلى البحث عن حجيّتها ودليليّتها بعد الفراغ عن وجود ذاته فلا إشكال في دخولها في المباديء أيضا بعد الفرض المزبور ، وإن تكلّف

١٥

شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس‌سره في إدراج جملة منها في المسائل : من حيث إرجاع البحث فيها إلى البحث عن ثبوت ما هو المفروغ عن حجّيّته كمسألة حجّيّة أخبار الآحاد ، ونقل الإجماع ونحوهما على ما عرفت : من كلامه في الجزء الأوّل (١) من « الكتاب ».

بيان معنى التعارض وما هو المراد منه في المسألة

إذا عرفت ذلك ، فنقول : التّعارض في الأصل تفاعل من العرض ويطلق على المعنى الاسمي وهو أحد الأبعاد الثّلاثة ، والمعنى الوصفي أي : الظّهور والغلبة ، كما في « القاموس » : قال : عرض له كذا يعرض : ظهر عليه ، وقال في مادّة ( ظهر ) ظهر عليه : غلبه (٢) ، و ( المقابلة ) كما عن « المجمع » (٣) ، و ( المنع ) كما عن غيرهما (٤) و ( الورود ) كما ذكره بعض مع المعنى الأوّل (٥) ، ويمكن إرجاع بعض المعاني الوصفيّة إلى بعضها الآخر كما ذكره الأستاذ العلاّمة قدس‌سره في مجلس البحث والمذاكرة.

وأمّا المعنى الاسمي فلا يمكن إرجاعه إلى المعنى الوصفي فلا بدّ أن يكون اللّفظ مشتركا بينهما إن لم يكن مجازا في المعنى الاسمي وهذا لا يختصّ بالمقام ؛

__________________

(١) فرائد الأصول : ج ١ / ٢٣٨.

(٢) القاموس : ج ٢ / ٣٣٤.

(٣) مجمع البحرين : ج ٣ / ١٥٥.

(٤) انظر المصباح المنير : ٤٠٣ مادة ع ر ض.

(٥) لم نعثر عليه عجالة.

١٦

فإنّ جملة من الألفاظ يطلق على العين والمعنى كألفاظ الزّكاة ، والهبة ، والرّهن ، والوقف ، ونحوها.

ثمّ إنّ لفظ العرض يستعمل متعدّيا ولازما ككثير من الألفاظ على ما يشهد له موارد استعماله في الكتاب والعرف كقوله تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )(١) الآية وقوله تعالى : ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ )(٢) الآية ، وعرضت النّاقة على الحوض إلى غير ذلك. ولا بدّ أن يكون المبدأ المشتقّ منه الفعل المتعدّي غير ما يشتقّ منه اللاّزم ويكونان مختلفين بحسب المعنى كما هو ظاهر ، هذا بالنّسبة إلى المجرّد. وأمّا المزيد من هذه المادّة كالتّفاعل والإفعال فلم يستعمل إلاّ لازما كما قيل ، ومن هنا يستعمل باب الإفعال مع كلمة عن ، فيقال : أعرض عنه. هذا كلّه بحسب اللّغة.

وأمّا في العرف العام فلم يعهد له معنى يغاير اللّغة ، وأمّا في العرف الخاصّ فظاهر غير واحد وصريح آخرين : كونه منقولا منه في خصوص التّفاعل إلى ما ذكروه في بيانه بالوضع التّعييني ، أو التّعيّني كما يظهر ممّا أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس‌سره على ما يشهد له قولهم بعد ذكر المعنى اللّغوي : وفي الاصطلاح كذا ، سواء جعل توصيف الدّليلين بالتّعارض وحمله عليهما توصيفا وحملا أوّليا وإن كان المدلول ملحوظا ، أو جعل توصيفا ثانويّا : من حيث كون الوصف قائما بالمدلول والمقتضي أوّلا وبالذّات كما يظهر من تعريف جماعة ، فتعارض الدّليلين :

__________________

(١) الأحزاب : ٧٢.

(٢) البقرة : ٣١.

١٧

تنافي مدلوليهما ، أو مقتضاهما ، وإن كان الظّاهر على ما صرّح به شيخنا قدس‌سره في مجلس البحث : عدم اتّصاف المدلول به عندهم ، وكون هذا التّعريف مبنيّا على الإشارة إلى كون تنافي الدّليلين إنّما هو باعتبار مدلوليهما. كما أنّ حمل عنوان الدّليليّة على الدّليل إنّما هو باعتبار كونه معرّفا إلى المدلول فيتّحد المراد من التّعريفين ويرتفع الاختلاف من البين على ما هو الظّاهر من كلام شيخنا قدس‌سره في « الكتاب » أيضا. ومن هنا قال ـ بعد تعريف التّعارض بتنافي الدّليلين ـ : ( ولذا ذكروا : أنّ التّعارض تنافي مدلولي الدّليلين (١) ) (٢) هذا.

__________________

(١) قال السيّد المجدّد الشيرازي قدس‌سره :

« ما ذكره قدس‌سره في تعريف التعارض أحسن مما ذكروه ؛ إذ من المعلوم أن التعارض عنده وصف للدليلين لا لمدلولهما.

نعم ، منشأ تعارضهما وتنافيهما إنّما هو كون مدلولهما على وجه يمتنع الجمع بينهما ، فيلزمه تنافي الدليلين الدالين عليهما وتدافعهما ، فالتدافع وصف قائم بالدليلين ، ناشيء عن وصف إمتناع الإجتماع الحاصل في مدلولهما.

ثمّ إن النّزاع في هذه المسألة : إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوت التعارض بين الدليلين فيكون كبرويّا ، إلاّ أنّه قد يقع الإشتباه في بعض الموارد الخاصّة من حيث دخوله في تلك الكبرى وعدمه ، مع عدم تعرّضهم له أصلا كما تعرّضوا لخصوص الأمر والنهي ـ في مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ فلم يكن بأس بالتعرّض له من هذه الجهة هنا لوجود المناسبة بين المقام وبينه في الجملة ، فأشار اليه قدس‌سره بقوله : ( ومنه يعلم انه لا تعارض بين الأصول وما يحصّله المجتهد من الأدلّة الإجتهاديّة ... إلى آخره ) إنتهى. أنظر تقريرات المجدد الشيرازي : ج ٤ / ١٤٨.

* وقال المحقّق الخراساني قدس سره :

« ثمّ إن هذا ـ أي ما ذكره المصنّف قدس‌سره ـ أحسن ممّا ذكروه في تعرّضه ؛ إذ عليه يكون وصفهما

١٨

ولكن يمكن أن يقال بعدم ثبوت اصطلاح لهم في المقام أصلا ، وأنّ تعريف تعارض الدّليلين بما ذكروه إنّما هو من جهة اقتضاء إضافته إليهما مع بقائه على المعنى اللّغوي والعرفي ؛ فإنّ حمل التّقابل والتّمانع على الدّليلين ينتج إرادة تنافيهما فلا حاجة إلى الالتزام بالنّقل ، كما أنّ إرادة التّنافي وذكره ، يغني عن ذكر قولهم على وجه التّناقض ، أو التّضاد ؛ إذ التّنافي لا يتحقّق إلاّ بأحد الوجهين ، اللهمّ إلاّ أن يكون المراد من ذكره مجرّد التّوضيح لا الاحتراز وهذا هو الأظهر.

ثمّ إنّ الوجه في تنافي الضّدين واستحالة اجتماعهما (١) لمّا كان من جهة

__________________

به من باب الوصف بحال المتعلّق ، فحينئذ التعارض عندهم وصف لهما بحالهما قائم بأنفسهما ولا ينافي ذلك كون المنشأ تنافي المدلولين لسراية التنافي إليهما بما هما دليلان أيضا ، فلا تغفل » إنتهى. أنظر درر الفوائد : ٤٢٦.

(٢) فرائد الأصول : ج ٤ / ١١.

(٣) قال المحقق المدقق الإصفهاني قدس‌سره :

« ربّما يتخيّل إنّ استحالة الاجتماع في المتضادين لأوّلهما إلى المتناقضين ؛ لأن لازم ثبوت كل منها عدم الآخر ، وإنّ اعتبار وحدة الموضوع فيهما ، لرجوعهما إلى المتناقضين ، المعتبر فيهما الوحدات الثمانية ، مدعيا تصحيح كلام الشيخ الأعظم قدس‌سره حيث اعتبر وحدة الموضوع ـ في المتعارضين ـ على وجه التضاد ( الرسائل : ص ٤٣١ ).

وهي غفلة واضحة ؛ فان المتقابلين المتنافيين بالذات لا ينحصر ان في خصوص السلب والايجاب ، بل التقابل بالذات : إما بالسلب والايجاب ، أو بالعدم والملكة ، أو بالتضاد ، أو بالتضائف. ولكل خاصية مخصوصة ووحدة الموضوع معتبرة في مطلق التقابل. بل وقع التصريح من أهل فنه باعتبار وحدة الموضوع ، أو المحل في المتضادين.

فتوهم عدم استحالته بالذات ـ كتوهم عدم اعتبار وحدة الموضوع الشامل للمحل فيه

١٩

__________________

فاسد جدا.

ثم إن تضاد الوجوب والحرمة ـ الموجب لتعارض الدليلين ـ بناء على جريان التضاد والتماثل في الاحكام الشرعية ـ على خلاف ما حققناه في محله ( نهاية الدراية : ج ٢ :

التعليقة ٦٢ ) ـ إنما يصح إذا كان التحريم بمعنى الزجر والردع ، وهو أمر ثبوتي كالبعث ، ومتعلقهما الفعل.

وأما إذا كان التحريم بمعنى طلب الترك ، فلا تماثل ، ولا تضاد ؛ لأن موضوع طلب الفعل غير موضوع طلب الترك.

نعم إجتماع الطلبين كذلك محال بالعرض ، لاستحالة اجتماع الفعل والترك ، واقتضاء المحال محال ، فالاقتضاءان الطلبيان محال ، لا لتضادهما ، ولا لتماثلهما ، ولا لتناقضهما ، بل لأنهما اقتضاء أمر محال ، وما يلزمه المحال محال.

ولا يخفى عليك أن استلزام اجتماع الضدين لاجتماع النقيضين لا يوجب كون التضاد مستدركا ـ نظرا الى أن التنافي بنحو التناقض إذا عم التناقض بالذات وبالتبع ، فالمتنافيان بنحو التضاد داخلان في المتناقضين بالتبع ـ فلا حاجة إلى ذكر التضضاد.

ووجه عدم صحة الاستدراك : إن جهة التنافي في المدلولين المتنافيين مختلفة :

ففي المتنافيين بنحو التناقض بالذات لا بد فيهما من الجمع الرافع للمناقضة ، أو ترجيح أحد الطرفين ، أو التخيير بينهما ، وفي المتنافيين بنحو التضاد بالذات ، بأن كان المدلول المطابقي في أحد الدليلين هو الوجوب ، وفي الآخر هو الحرمة ، تلك الجهة التي تجب رعايتها ـ بالجمع ، أو الترجيح ، أو التخيير ـ حيثية الوجوب والحرمة ، لا لازمهما ، وهو عدم الوجوب في طرف الحرمة ، وعدم الحرمة في طرف الوجوب.

وتحصر رعاية المتنافيين بالعرض فيما إذا لم يكن بين المدلولين المطابقيين منافاة ، كما إذا دل الدليلان على وجوب الظهر ، ووجوب الجمعة ، وعلمنا من الخارج بعدم وجوب كليهما ؛

٢٠