🚘

بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج ١

آية الله ميرزا محمّد حسن بن جعفر الآشتياني

بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج ١

المؤلف:

آية الله ميرزا محمّد حسن بن جعفر الآشتياني


المحقق: السيّد محمّد حسن الموسوي
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات ذوي القربى
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-518-280-7
ISBN الدورة:
978-964-518-249-4

الصفحات: ٥٥٧
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧ 🚘 الجزء ٨
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

تقسيم مباحث الحجج

والأصول العمليّة

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين

الطاهرين حجج الله على الخلق أجمعين

ولعنة الله على اعدائهم ابد الآبدين.

٥
٦

تقسيم مباحث الحجج والأصول العمليّة

(١) قوله ( دام ظلّه ) ( : اعلم انّ المكلف اذا التفت الى حكم شرعي فامّا ان يحصل له الشك أو القطع أو الظّن ). ( ج ١ / ٢٥ )

في تقسيم حالات المكلّف بعد الإلتفات إلى الحكم الشرعي

أقول : المراد من المكلّف : (١)

__________________

(١) قال السيّد المجدّد الشيرازي فيما قرّره الرّوزدري عنه في هذا المقام :

مراده قدس‌سره من المكلّف ليس الذي تنجّز عليه الخطاب كما هو ظاهر ؛ لامتناع كونه مقسما بين الملتفت وغيره ؛ إذ لا بدّ في تنجّز الخطاب من الإلتفات لا محالة ، فهو لا يكون إلاّ الملتفت ، فيمتنع إنقسامه إليه وإلى غيره ، بل إنّما هو المقسم بينهما ؛ لأن ظاهر قوله : « إذ التفت ... » هو تقسيمه إليها الظاهر في كونه قيدا إحترازيّا ، لا توضيحيّا محقّقا لموضوع المكلّف كما قد يتوهّم. نعم ، هو محقّق لموضوع القاطع والظان والشاك ؛ إذ لا يتحقّق تلك العناوين إلاّ به ....

هذا مضافا إلى تصريحه قدس‌سره بذلك منذ قرأنا عليه هذا الموضوع من الرسالة.

وأيضا يدفع إحتمال كونه توضيحيّا وإرادة الذي تنجّز عليه الخطاب أنه قدس‌سره أراد جميع أصناف الملتفت من القاطع والظّان والشاك سواء كان في التكليف أو في المكلف به ، مع أن

٧

أعمّ من المجتهد والعامي (١) كما هو قضية ظاهر اللّفظ ، والتقييد بالالتفات من جهة استحالة حصول الأحوال الثلاثة لغير الملتفت وان كان مكلّفا شأنا منقطعا عنه التكليف الفعلي بسبب عروض الغفلة ، فلا يقال : انّ التقييد غير محتاج اليه ولا

__________________

الملتفت الشاك في التكليف معذور عقلا ونقلا ـ كما اختاره قدس‌سره في مسألة البراءة والإحتياط ـ فلا يصح إدخاله في المكلّف إلاّ بإرادة ما ذكرناه فيه.

إلى أن قال : وكيف كان فحاصل ترجمة عبارته قدس‌سره :

أن الجامع لشرائط الخطاب إذا خطر بباله محمول من المحمولات الشرعيّة بالنسبة إلى فعل عام من أفعال المكلّف فحالاته بمقتضى الحصر العقلي منحصرة في ثلاث : فإنه حينئذ إمّا أن يرجّح في نظرة ثبوت ذلك المحمول للفعل المتصوّر أو انتفاءه عنه ، أولا يرجح شيء منها أصلا ، والثاني هو الشك. وعلى الأوّل : إمّا أن يكون الرجحان في نظرة مانعا من احتمال النقيض أو لا يكون ، الأوّل هو القطع والثاني هو الظن. تقريرات الميرزا الشيرازي : ج ٣ / ص ٢٢١ ـ ٢٢٣.

(١) قال المحقّق النائيني قدس‌سره :

المراد من المكلّف هو خصوص المجتهد ، إذ المراد من الإلتفات هو الإلتفات التفصيلي الحاصل للمجتهد بحسب إطلاعه على مدارك الأحكام ولا عبرة بظنّ المقلّد وشكّه ، وكون بعض مباحث القطع تعمّم المقلّد لا يوجب أن يكون المراد من الكلّف الأعمّ من المقلّد والمجتهد ؛ إذ البحث عن تلك المباحث وقع استطرادا وليست من مسائل علم الأصول ومسائله تختص بالمجتهد ولاحظّ للمقلّد فيها ، ولا سبيل لدعوى شمول أدلّة اعتبار الطرق والأصول للمقلّد ، غايته ان المقلّد عاجز عن تشخيص مواردها ومجاريها. ويكون المجتهد نائبا عنه في ذلك ؛ فانه كيف يمكن القول بشمول خطاب مثل : « لا تنقض اليقين بالشك » في الشبهات الحكميّة للمقلّد مع أنه لا يكاد يحصل له الشك واليقين؟ بل لو فرض حصول الشك واليقين له فلا عبرة بهما ما لم يكن مجتهدا في مسألة حجيّة الإستصحاب. فوائد الأصول : ج ٣ / ص ٤ ـ ٣.

٨

بدّ من أن يحمل على التوضيح.

ثمّ انّ البحث عن الأحوال الثلاثة من حيث حصولها للمكلّف بالمعنى الذي عرفته وهو المكلّف الفعلي من جهة اقتضاء الفن له ، وان كانت تحصل لغيره أيضا كغير البالغ ، هذا. مع أن حصولها له يحتاج الى توسّع في متعلّق الالتفات في الجملة ، ويجعل المراد من الحكم الشرعي : ما كان حكما في أصل الشريعة ولو لغير الملتفت وان لم يكن كذلك على الاطلاق ، هذا.

ويمكن أن يقال : انّ المميّز بالنّسبة الى غير الاحكام الالزاميّة داخل في المكلّف على ما هو الحقّ وعليه المحقّقون من تعلّقه به ، وإن كان خارجا عنه بالنسبة اليها.

ثمّ انّ حصر متعلّق الالتفات في الحكم الشرعي ليس من جهة اختصاص الاحوال به ، بل من جهة انّه المقصود الاصلي بالبحث كما يصرّح به في اوّل رسالة اصالة البراءة ويظهر من مطاوى كلماته الأخر وسمعنا منه قدس‌سره مرارا فتامّل.

ثمّ انّ المراد من الحكم الشرعي (١) ما بيّنوه في اوّل علم الفقه ، فيشمل الاصول الاعتقاديّة والعمليّة والأحكام الفرعيّة وما يتبعها في الحكم. ويخرج عنه

__________________

(١) قال السيّد المجدد الشيرازي قدس‌سره : وأمّا لفظ الحكم فالمراد به إنّما هو الحكم الشرعي الكلي كما صرّح قدس‌سره حين قرأنا عليه ، فما يتعرّض له في مطاوي مسألة البراءة والإحتياط من حكم الشبهات الموضوعيّة إنّما هو من باب التطفّل والإستطراد.

وهل المراد به خصوص ما كان أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة أو ما يعمّ الوضعيّة أيضا؟ قد صرّح المصنّف قدس‌سره بالأوّل ، فتعرّضه في بعض المواضع لحكم الشك في الأحكام الوضعيّة خارج عن وضع الرسالة وهو من باب التطفّل. تقريرات المجدّد الشيرازي ج ٣ / ٢٢٢

٩

الموضوعات الصّرفة وما يلحقها ويشاركها في الحكم.

ثمّ انّ حصر الحاصل للمكلّف الملتفت فيما ذكره عقليّ لا يخفى وجهه ، وان كان هناك أمرا آخر خارج عنه وهو الوهم ، إلاّ انه لمكان لزومه للظّن لم يعقل جعله مقابلا له ؛ فانّه كلّما حصل له الظّن حصل له الوهم أيضا هذا. مع انّه لا معنى للتكلّم عنه ؛ لعدم ترتّب أثر عليه ؛ من حيث انّه وهم بوجه من الوجوه كما هو واضح لا سترة فيه أصلا.

ثمّ انّ المراد من الظنّ والشّك في المقام ظاهر ، فإنّ المراد من الأوّل : هو الاعتقاد الرّاجح الغير المانع من النقيض وإن اطلق على غيره أيضا. ومن الثّاني :

تسوية الاحتمالين وان اطلق على غيرها أيضا. وأمّا القطع فالمراد منه : هو مطلق الاعتقاد الجازم الأعمّ من المطابق للواقع والمخالف له ، فيشمل الجهل المركّب أيضا وان كان داخلا في الغافل وغير الملتفت من جهة.

(٢) قوله : ( فان حصل له الشك ... الى آخره ). ( ج ١ / ٢٥ )

في الشك وبيان إختصاص مجاري الأصول به

أقول : إنّما عنى بذلك بيان ما يعمله المكلّف عند الشك على سبيل الاجمال ، مع تأخيره الكلام في الشكّ ؛ لنكتة جرى على مراعاتها دأب المؤلّفين.

ثمّ انّ ظاهر هذا الكلام بل صريحه ـ سيّما بملاحظة ما يذكره هنا وفي غير موضع من « الكتاب » ـ اختصاص مجارى الاصول بالشك بالمعنى الذي عرفته

١٠

لا ما يعمّ الظّنّ مطلقا ، وهو خلاف القطع واليقين كما عن « القاموس » (١) ويساعده العرف العام كما قيل ، وإلاّ لم يكن معنى لتثليث الأقسام وجعل الظّنّ مقابلا له ولا ما يعمّ الظّنّ الغير المعتبر فقط ، مع انّه لم يعهد كونه معنى للشك ومن اطلاقاته لا في اللّغة ولا في العرف العام والخاص. مع انّ قضيّته كون الدليل الظّنّي واردا على الاصل مطلقا وان كان شرعيّا وهو خلاف ما يقتضيه التحقيق ويصرح به في غير موضع من « الكتاب » : من كونه حاكما على الاصل الشرعي ، مع انّه فاسد من جهات أخر غير مخفيّة على المتأمّل.

وقد يناقش فيه :

تارة : بانّ ما افاده قدس‌سره في المقام ينافي ما صرّح به في أول الاستصحاب : من ان المراد من الشك المأخوذ في مجاري الاصول المعنى الأعمّ من الظّنّ الغير المعتبر.

وأخرى : بانّه لا يستقيم في شيء من الاصول العقلّية والشرعيّة.

امّا الاصول العقلية : فلوضوح عدم أخذ الشك بالمعنى المزبور في مجاريها عند العقل ، بل قد يقال بعدم أخذ الشك بأي معنى اعتبر في مجاريها

وانما المأخوذ فيها عند العقل عنوان ينطبق على عدم العلم أحيانا ، ولذا يكون الدليل واردا عليها مطلقا.

وامّا الاصول الشرعيّة : فلانّه لم يوجد في شيء من أدلّتها لفظ الشك إلاّ في أخبار الاستصحاب ، لكن المراد به خلاف اليقين بقرينة قوله عليه‌السلام ـ في بعض

__________________

(١) القاموس المحيط : ج ٣ / ٣٠٩.

١١

اخباره ـ : « لا تنقض اليقين بالشك ، بل تنقضه بيقين » (١) حيث انّ مقتضاه حصر ناقض اليقين في اليقين.

وثالثة : بانّ المراد من الشك :

إن كان ما يقابل الظّن الشخصي الفعلي ـ كما هو قضية ظاهر لفظي الظّنّ والشك ـ فيدخل ما يناط اعتباره بالظّنّ النوعي في الاصول ، مع انّه خارج عنها جزما كما يصرّح به قدس‌سره مرارا في مطاوى كلماته.

وإن كان ما يقابل الظّنّ بالمعنى الاعمّ منه ومن النوعيّ الشأني ، فيتوجه عليه ـ مضافا الى خروجه عن مقتضى ظاهر اللفظ من جهات ـ : انّ المعتبر في مجاري الاصول عدم ملاحظة الظّن والطريقيّة لا عدم الظّنّ بأيّ معنى اعتبر ، غاية ما في الباب : انّه اذا وجد في مورد ظنّ معتبر كان واردا على الأصل أو حاكما عليه ، ومنه يعلم توجّه هذه المناقشة على الشّقّ الأوّل أيضا.

ثمّ انّ المراد من القواعد الشرعيّة : هي الاحكام الشرعية المتعلّقة بالموضوعات العامّه الكلّية سواء كان الدليل على ثبوتها حكم العقل أو الدليل الشرعي ، فيعمّ الاصول العقليّة والشرعيّة.

__________________

(١) التهذيب : ج ١ / ٨ ـ ح ١١ ، عنه الوسائل : ج ١ / ٢٤٥ الباب الأوّل من « أبواب نواقض الوضوء » ـ ح ١ ، وفيه « ولا تنقض اليقين أبدا بالشك ، وإنّما تنقضه بيقين آخر ».

١٢

(٣) قوله قدس‌سره : ( وتسمّى بالاصول العمليّة وهي منحصرة في أربعة ). ( ج ١ / ٢٥ )

في بيان الأصل والدليل والامارة

أقول : فالمراد بالأصل العملي : كلّ حكم تقرّر في الشريعة للمشكوك ، فهو مقابل الدّليل ، وهو : ما أنيط إعتباره بالكشف العلمي أو الظّني ، ولو من حيث النوع. ويطلق على الثاني : الأمارة أيضا ، وقد يختصّ الدليل بالكاشف عن الحكم ، والامارة بالكاشف عن موضوعه ظنّا. وتوصيفه بالعملي واضافته اليه انّما هو من حيث انّ إعماله في مقام عدم وجدان الواقع بمقتضى الأدلة والأمارات القائمة عليه ، فانقدح من هذا : انّ كل حكم ثبت في الشريعة لغير العالم لا من حيث وجود ما يكشف عن الواقع ، بل من حيث عدم علمه به يسمّى أصلا ، وان سمّي الدالّ عليه دليلا بقول مطلق باعتبار ، ودليلا فقاهتيّا باعتبار آخر. وليكن هذا على ذكر منك لعلّه ينفعك فيما يتلى عليك في مطاوى كلماته قدس‌سره انشاء الله تعالى.

ثمّ انّ ما افاده في مجاري الاصول حاصله : أن الاستصحاب مشروط بوجود الحالة السابقة وملاحظتها من غير فرق بين امكان الاحتياط وعدمه ، وكون الشك في التكليف وفي المكلّف به وغيره مشروط بعدم ملاحظة الحالة السابقة وان كانت موجودة ، بل غير منفكّة كما في اصالة البراءة على التحقيق وان زعم بعض خلافه ، وأصالة لزوم الاحتياط وان تفارقت من حيث اعتبار عدم امكان الاحتياط في مورد أصالة التخيير من غير فرق بين الشك في التكليف والمكلّف به واعتبار امكانه في موردي أصالتي البراءة والاحتياط ، وإن افترقا من حيث اعتبار الشك في التكليف في مورد أصالة البراءة والشك في المكلّف به في مورد اصالة الاحتياط هذا.

١٣

في بيان الإشكال المتوجّه على حصر الأصول في الأربعة مع دفعه

ثمّ انّ هنا اشكالين ووهمين :

أحدهما : يتوجّه على حصر الاصول في الاربعة.

وثانيهما : على ما افاده قدس‌سره في بيان تحديد مجاري الاصول.

أمّا الاشكال الأوّل : فملخّصه : انّ الحصر الذي أفاده وان استفيد من الترديد بين النفي والاثبات ـ وما هذا شأنه يكون عقليّا كما صرّح به في أوّل أصل البراءة (١) وهو واضح ـ إلاّ انّ مقتضاه حصر الشك فيما أفاده من الاقسام الأربعة ؛ لا حصر الاصول في الأربعة ، ضرورة انّه يحتاج الى ضمّ مقدّمة خارجيّة وهو (٢) : حصر جميع ما يجري في الشك في التكليف مثلا في أصالة البراءة من الخارج ، وهكذا في الشك في المكلّف به وغيره ، فلا بدّ من ضمّ الاستقراء حتى يتمّ الحصر.

فاذن يتطرّق الاشكال على هذا الحصر لا محالة ؛ فإنّ هناك أصولا مسلّمة عندهم غير الاصول الأربعة كاصالة الطهارة ، وأصالة الحل ، وأصالة الحظر والاباحة في الأشياء قبل الشرع ، وأصالة العدم ، وأصالة عدم الدليل دليل العدم ، وأصالة نفي الأكثر عند دوران الأمر بينه وبين الأقل ، وأصالة أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة ، وأصالة الصحّة في فعل النفس والغير ، وأصالة الحريّة في

__________________

(١) فرائد الأصول : ج ٢ / ١٤.

(٢) كذا والصحيح : « وهي ».

١٤

الانسان ، وأصالة النّسب في الفراش ، والقرعة في كلّ أمر مشتبه مشكل ، الى غير ذلك هذا.

ولكن يدفعه : انّ هذه الاصول على أنحاء : منها : ما يختص بالشبهة الموضوعيّة ، ومنها : ما يختصّ بالشبهة الحكمية ، ومنها : ما يجري فيهما ، فما كان منها مختصّا بالشبهة في موضوع الحكم كاصالة الصحّة وما بعدها من الأصول فلا ينتقض به الحصر جدّا ؛ لما قد أسمعناك : من انّ المقصود الاصلي حصر ما يتعلق بالحكم ، فالأصول الموضوعيّة خارجة عن محل الكلام وحريم البحث.

وأمّا ما كان مختصّا بالشبهة الحكميّة أو جاريا فيهما ، فإن كان المناط فيه الكشف والطريقيّة الى الواقع ، أو كان الموضوع فيه الواقع لا الواقع المشكوك ، فهو خارج أيضا عن محلّ الكلام ؛ فإنّ الأوّل يدخل في الأدلة والأمارات ، والثاني يخرج عن الحكم الظاهري المتعلّق بالموضوع المشكوك ، ففي الحقيقة يخرج كلاهما عن موضوع الأصل.

ومن هنا يعلم حال أصالة العدم على القول بكونها أصلا برأسها معتبرة من حيث بناء العقلاء عليها من حيث الكشف الظّنّي النّوعي ، وأصالة عدم الدليل دليل العدم بناء على كونها معتبرة على هذا الوجه ، وأصالتي الحظر والإباحة في الاشياء قبل الشرع بناء على كون النزاع في الواقعيّين منهما على ما هو قضية بعض وجوه الفريقين ، وأصالة الحلّ بناء على كون المراد منها مفاد الأدلّة الاجتهادية ، كقوله تعالى : ( أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ* ) (١) ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) (٢) ونحو ذلك من

__________________

(١) المائدة : ٥.

(٢) النساء : ٢٤.

١٥

الآيات ، وقوله عليه‌السلام : ( كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ) (١) بناء على أحد الوجهين ونحوه من الأخبار ؛ فانّ هذه كلّها خارجة عن عنوان الأصل بالمعنى الذي تقدم ذكره ، فإنّها أحكام للموضوعات لا بوصف الشك ، هذا.

وأمّا على القول بكون أصالة العدم معتبرة من باب التعبد على ما هو التّحقيق فيرجع الى الاستصحاب ويدخل فيه ؛ لأنّ المراد بها استصحاب العدم ؛ إذ لا مدرك لها غير أخبار الاستصحاب ، ودعوى : بناء العقلاء عليها من باب التعبّد العقلائي ـ كما قد يسمع من طلبة أهل العصر ومن يحذو حذوهم ـ فاسدة جدا ؛ إذ بناء العقلاء على سلوك ما ليس بكاشف أصلا من غير إيجابه من المولى ممّا يشهد الوجدان بفساده ، بل ربّما يقال بعدم إمكانه وليس ببعيد ، فتدبّر.

ومنه يظهر حال أصالة عدم الدليل دليل العدم لو قيل باعتبارها من باب التعبّد وان كان في غاية الضّعف ـ وان قال به بعض افاضل مقاربي عصرنا (٢) ـ نظرا الى استفادته من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « رفع ما لا يعلمون » (٣) ونحوه كالاصل السابق

__________________

(١) الفقيه : ج ١ / ٣١٧ باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ـ ح ٩٣٧ ، عنه الوسائل : ج ٦ / ٢٨٩ باب ١٩ جواز القنوت بغير العربية ـ ح ٣.

(٢) الشيخ محمّد حسين الحائري الاصفهاني صاحب الفصول الغرويّة : انظر ص ٥١ من كتابه هذا.

(٣) الكافي : ج ٢ / ٤٦٣ باب « ما رفع عن الأمّة » ـ ح ٢ ، ومن لا يحضره الفقيه : ج ١ / ٥٩ ـ ح ١٣٢ باختلاف يسير والتوحيد للصدوق أيضا : ٣٥٣ « باب الإستطاعة » ـ ح ٢٤ ، والوسائل في عدّة مواضع منها : ج ٧ / ٢٩٣ ـ باب ٣٧ من أبواب قواطع الصلاة ـ ح ٢ ، عن

١٦

وسيأتي الكلام عليه انشاء الله تعالى في محلّه.

وأمّا أصالتي الحظر والاباحة ـ على القول بكون البحث في الظاهريّين منهما ـ فيرجعان الى الاحتياط والبراءة ؛ وكذلك أصالة الحلّ ـ بناء على ارادة الحلّيّة الظاهرية منها ـ فانّها ترجع الى اصالة البراءة حيث انها فرد منها كما لا يخفى.

ومن ذلك كلّه يظهر حال أصالة نفي الاكثر ؛ فانّه لا بّد ان ترجع الى الاستصحاب أو الى أصالة البراءة ، وإلاّ فليس بشيء كاصالة أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة ؛ فانّها نوع من الاحتياط فتأمّل على ما ستقف عليه في طيّ المباحث الآتية إنشاء الله تعالى.

فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه : حال جميع الاصول المذكورة وغيرها ، غير أصالة الطهارة على ما هو المشهور من جريانها في الشبهة الحكميّة والموضوعيّة معا ، وإن ذهب بعض المحقّقين الى اختصاصها بالموضوعيّة ؛ فانّها لا ترجع الى أحد الاصول الأربعة ولها مستند من الاخبار مغاير لمدارك ساير الاصول كقوله : ( كل شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر ) (١).

__________________

الفقيه : وفي المجلد ٨ ـ باب ٣٠ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ـ ح ٢ ، عن الفقيه كذلك وفي المجلّد ١٥ منه ٣٦٩ ـ باب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ـ ح ١ و ٣ عن الصّدوق في الخصال والتوحيد والكليني في الكافي كما مرّ ، وفي الحديث : « رفع عن أمّتي تسعة أشياء ... وما لا يعلمون ».

(١) لم نجده بهذا التعبير في الجوامع الحديثية المعتبرة والموجودة في الرواية : كل شيء نظيف

١٧

ولكن يمكن التفصّي عن الاشكال بسببها على ما صرّح به قدس‌سره في مجلس البحث بارجاعها الى أصالة البراءة على القول بعدم الجعل في الاحكام الوضعيّة كما استقرّ عليه رأي المحقّقين واختاره قدس‌سره في باب الاستصحاب (١) ؛ فانّ النجاسة منتزعة ـ بناء عليه ـ عن وجوب الاجتناب والطهارة عن عدم وجوب الاجتناب ، وجواز التصرّف على ما ذكره الشهيد قدس‌سره ، فالمراد بأصالة الطهارة أصالة البراءة عن وجوب الاجتناب وأصالة إباحة التصرّفات فافهم واغتنم ، هذا بعض الكلام في بيان الاشكال الأوّل ودفعه.

وأمّا الاشكال الثاني : وهو الاشكال المتوجّه على بيان مجاري الاصول فبيانه : انه لا شبهة في انّ مرجع ما أفاده قدس‌سره في بيان مجرى كلّ واحد منها الى كلّيّتين ، وبعبارة أخرى : الى الحدّ التام كما هو ظاهر ، فما افاده لمجرى الاستصحاب ، يرجع الى انّه لا استصحاب إلاّ ويجري في الشك الذي يلاحظ فيه الحالة السابقة سواء كان الشك في التكليف أو المكلّف به ، أمكن فيه الاحتياط أم لا. وليس الشك الذي يلاحظ فيه الحالة السابقة إلاّ ويجري فيه الاستصحاب دون غيره ، وهكذا ما أفاده في بيان مجاري ساير الاصول.

وهذا كما ترى ، إنّما يستقيم في خصوص مجرى الاستصحاب على التحقيق ـ وان كان قد يناقش فيما أفاده بالنّسبة الى مجرى الاستصحاب أيضا : بانّ

__________________

حتى تعلم أنّه قذر ، فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك. انظر التهذيب : ج ١ / ٢٨٤ / ٨٣٢ ، عنه الوسائل : ج ٣ / ٤٦٧ باب « ان كل شيء طاهر حتى يعلم ورود النجاسة عليه » ـ ح ٤.

(١) فرائد الاصول : ج ٣ / ١٢٥.

١٨

ملاحظة الحالة السابقة إنّما يعتبر في الاستصحاب وجريانه ، لا في مجريه ومحلّه ؛ فانّه لا يعتبر فيه إلاّ الوجود في السابق والشك في اللاّحق ، فعلى هذا يصير مجريه أعمّ من جهته ، وان كان أخصّ من جهة اخرى فتدبّر ـ دون غيره.

فانّ في دوران الأمر بين الوجوب والتحريم وبين غيرهما من الأحكام الغير الالزاميّة ـ كالاباحة مثلا ـ يرجع الى البراءة إتفاقا دون التخيير ، مع انّ مقتضى ما أفاده الرجوع الى التخيير لا البراءة ، فينتقض الطّرد من أحدهما والعكس من الآخر ، وهكذا في دوران الأمر بين الوجوب والتحريم فيما لا يوجب الالتزام بالاباحة مخالفة عمليّة على ما اختاره قدس‌سره فيما سيجيء من الاباحة ، وهكذا في كل شبهة كان منشأها تعارض النّصّين والدليلين مع تكافئهما وامكان الاحتياط سواء كان الشك فيها شكا في التكليف أو المكلّف به ، مع انّ مقتضى ما ذكره الرجوع الى البراءة في الأوّل والاحتياط في الثاني ، بل يمكن تصوير انتقاض الاستصحاب بالتخيير في الفرض بعد إمعان النظر فتدبّر.

وفي دوران الأمر بين الأقل والأكثر يرجع الى البراءة على ما اختاره في أصالة البراءة وفاقا للمشهور لا الاحتياط ، مع انّه من الشك في المكلّف به على ما أفاده في تقسيم الشك في رسالة أصالة البراءة وهكذا في الشّبهة الغير المحصورة ، فيختلّ مجرى الاحتياط والبراءة طردا وعكسا هذا.

مع انّ من المسلّمات عندهم وعنده عدم اختصاص مجرى الاحتياط بالشك في المكلّف به ، كيف! ويكون الاحتياط لازما قبل الفحص مع امكانه رجاء لتحصيل العلم أو الدليل وان كان الشك في التكليف ، ومن هنا حكموا بعدم معذوريّة الجاهل المقصّر وبوجوب النّظر في المعجزة ؛ لاستقلال العقل في الحكم

١٩

بوجوب دفع الضّرر المحتمل ، وإلاّ لزم إقحام الانبياء وجعلوه مبنى وجوب شكر المنعم المتوقّف على معرفة المنعم فتجب نفس المعرفة مقدّمة ، وان كان هناك وجه آخر أيضا لوجوب شكر المنعم غير قاعدة دفع الضّرر المحتمل ، بل قد حكموا برجحان الاحتياط في الشك في التكليف بعد التفحّص أيضا ، فكيف يقال باختصاصه بالشك في المكلّف به؟ هذا.

ولكن يمكن التفصّي عن هذا الاشكال أيضا : أمّا عن انتقاض مجرى التخيير ـ طردا وعكسا بمجري البراءة عند دوران الأمر بين حكمي الالزاميّين وغيره ـ : فبأن الحيثيّة المسوّغة للرجوع الى البراءة في الفرض هو عدم العلم بالتكليف والحكم الالزامي ودوران الأمر بين الالزام بقول مطلق وغيره ، ومن المعلوم امكان الاحتياط بهذا اللّحاظ باختيار جانب الإلزام كما في دوران الأمر بين الوجوب وغير الحرمة مثلا ، إلاّ انّ الالزام المطلق في المقام لما كان مردّدا بين النوعين منه ولم يمكن الاحتياط بملاحظة هذه الحيثية ، فلا محالة يحكم بالتخيير على تقدير اختيار المكلّف جانب الإلزام احتياطا ، فباختلاف الحيثية يندفع الاشكال كما لا يخفى.

ولكن يمكن أن يقال : انّه لا يفيد اختلاف الحيثيّة أصلا ؛ فانّ الحكم الظاهري في الواقعة ليس (١) إلاّ الاباحة أو الجواز لا الاباحة والتخيير بين الوجوب والتحريم كما هو واضح ، فاختلافها انّما يجدي في دفع الاشكال فيما لو اوجبت اختلاف الحكم وهو غير واقع ، بل غير ممكن ، فالاشكال متوجّه جدّا

__________________

(١) في الأصل : « ليست » والصحيح ما أثبتناه.

٢٠