منتقى الأصول - ج ٦

السيد عبد الصاحب الحكيم

منتقى الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد عبد الصاحب الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٥٠

١
٢

٣
٤

( الاستصحاب )

٥
٦

الاستصحاب

وقبل الدخول في بيان أدلته يحسن تقديم أمور.

الأمر الأول : ما أشار إليه المحقق النائيني : من ان البحث عن حجية امر يكون بنحوين :

الأول : ان يكون المبحوث عن حجيته : امرا محققا موجودا. والبحث عن انه حجة أو ليس بحجّة كالبحث عن حجية خبر الواحد. فان البحث عن ثبوت الحجية له وعدمه.

الثاني : ان يكون موضوع الحجية أمرا مفروغا عن حجيته على تقدير وجوده ، فالبحث في الحقيقة يرجع إلى البحث عن ثبوته ، كالبحث عن حجية المفاهيم ، فان المفهوم لو ثبت كان حجة بلا إشكال لكونه من مصاديق الظهور ، فجهة البحث هي ثبوت المفهوم وعدم ثبوته.

إذا اتضح ذلك ، فهل البحث عن حجية الأصل العملي ـ كالاستصحاب ـ من قبيل النحو الأول أو الثاني ، أو لا هذا ولا ذاك؟. أفاد قدس‌سره : انه ليس من القسم الأول كما هو واضح ، إذ الأصل العملي ليس إلا عبارة عن تعبد الشارع بأحد طرفي الشك تعيينا أو تخييرا ، وهو ليس مفروض الوجود كي يبحث عن حجيته ، بل يبحث عن وجوده. كما انه ليس من القسم الثاني وان

٧

كان اقرب إليه ، لأن موضوع الحجية فيه يغاير نفس الحجية مصداقا وان لم ينفك عنها خارجا ، مع إمكان التفكيك بينهما عقلا فالمفهوم غير الحجية. وهذا بخلاف البحث عن حجية الأصول العملية ، فان الحجية عين التعبد الشرعي ولا يمكن التفكيك بينهما عقلا (١).

أقول : لا يخفى ان البحث في هذه الجهة أشبه بالبحث اللفظي. ولا يهمنا تحقيق كيفية إطلاق الحجة على الأصل العملي ، وانه من قبيل أي القسمين هو ، فانا نبحث عن امر واقعي وهو ثبوت التعبد الشرعي في مورد الشك في البقاء ، ولا أهمية لتحقيق ان إطلاق الحجة عليه بأي نحو ، والظاهر اختلاف ذلك باختلاف المباني فيما هو المجعول في باب الاستصحاب وما هو المقرر منجزيته من كونه نفس الحكم بالبقاء ، أو نفس اليقين السابق ، أو الشك اللاحق كما احتمله بعض فلاحظ.

الأمر الثاني : في تعريف الاستصحاب.

وهو لغة ـ كما قيل ـ أخذ الشيء مصاحبا.

واما اصطلاحا : فقد عرف بتعاريف متعددة :

التعريف الأول : ذكر الشيخ ( رحمة الله ) : ان أخصر التعاريف وأسدها :

« إبقاء ما كان » (٢) ، ويراد بالإبقاء هو الحكم بالبقاء لا الإبقاء التكويني ، فانه لا محصل له. وعليه فلا يرد عليه ما أورده المحقق النائيني فراجع (٣).

التعريف الثاني : ما جعله الشيخ أزيف التعاريف وهو تعريفه بأنه : « كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق » (٤).

__________________

(١) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات ٢ ـ ٣٤٢ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣١٨ ـ الطبعة الأولى.

(٣) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات ٢ ـ ٣٤٣ ـ الطبعة الأولى.

(٤) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣١٨ ـ الطبعة الأولى.

٨

ووجه زيفه : ان هذا التعريف تعريف للاستصحاب بمورده ومحله لا به نفسه ، ثم انه وجهه بما يخرجه عن البطلان الواضح ، وأورد عليه ، وسنعود إليه إن شاء الله تعالى.

التعريف الثالث : ما عرفه به صاحب الكفاية بأنه : « الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه » (١).

وهذا التعريف تفصيل وتوضيح لتعريف الشيخ رحمه‌الله. وقد أشار قدس‌سره إلى تعريفه : ببناء العقلاء على البقاء ، وتعريفه : بالظن الناشئ من العلم بثبوته ونفاهما بأنه على هذين التعريفين لا تتقابل فيه الأقوال ، ولا يتوارد فيه النفي والإثبات على مورد واحد بل موردين ، ثم هون قدس‌سره الأمر بان المقصود من هذه التعاريف شرح الاسم لا الحد والرسم ، فلا مورد للإشكال عليها بعدم الطرد أو لعكس.

التعريف الرابع : ما عرفه به المحقق النائيني قدس‌سره : « بأنه الحكم الشرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث الجري العملي » (٢) ، وقد بنى هذا التعريف على استفادة الاستصحاب من الاخبار.

التعريف الخامس : ما قد عرف الاستصحاب به أيضا : « بأنه عبارة عن الإبقاء العملي ».

هذه جملة من تعاريف الاستصحاب. وتحقيق الكلام ان يقال : ان التعريف المبحوث عنه هو التعريف الاصطلاحي الّذي وقع في تعبيرات الأصوليين والفقهاء.

ولا يخفى ان هنا جهات ثلاث ترتبط بهذا المصطلح :

إحداها : إطلاق الدليل والحجة عليه ، فيقال : يدل عليه الاستصحاب ، أو

__________________

(١) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٣٨٤ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات ٢ ـ ٣٤٣ ـ الطبعة الأولى.

٩

يحتج بأمور منها الاستصحاب ، ونحو ذلك من التعبيرات الواقعة كثيرا في بحوث الفقهاء في مختلف المسائل الفقهية.

وثانيها : اختلاف مدركه من تعبد الشارع أو بناء العقلاء أو حكم العقل الظني.

وثالثها : تفرع الاشتقاقات منه كالمستصحب والمستصحب واستصحب ويستصحب ، وغيرها.

ومن الواضح انه لا بد في تشخيص ما هو الأنسب في تعريفه من ملاحظة هذه الجهات الثلاث وثبوتها مع الالتزام به.

والّذي نراه ان جميع ما ذكر في تعريفه مما تقدم لا يخلو عن خدشة بملاحظة هذه الجهات.

اما الخامس وهو تعريفه : بالإبقاء العملي ، فهو وان صحح الاشتقاق منه المسند إلى المكلف ، لكن إطلاق الحجة عليه غير سديد بملاحظته ، إذ لا معنى لكون الإبقاء العملي حجة ودليلا ، بل هو يحتاج إلى حجة كما لا يخفى.

كما انه لا ينسجم مع اعتباره من باب حكم العقل ، إذ المراد بالحكم العقلي هو الإدراك الظني ، ولا معنى لإدراكه البقاء العملي.

واما الأول وهو تعريفه : بالإبقاء بمعنى الحكم بالبقاء : فهو مما لا معنى له لأن بقاء الحكم هو عين الحكم الشرعي في مرحلة البقاء ، ومقتضى هذا التعريف ان الاستصحاب هو الحكم بالحكم وهو مما لا محصل له.

نعم ، إطلاق الحجة عليه سديد كما سنشير إليه في التعريف المختار.

كما انه لا ينسجم مع اعتبار الاستصحاب من باب العقل أو بناء العقلاء ، إذ ليس شأن العقل هو الحكم بالبقاء وانما شأنه إدراك نفس البقاء ظنا.

وبعبارة أخرى : ان الحكم بالبقاء ليس متعلق الإدراك العقلي بل نفس البقاء هو متعلقه. كما ان العقلاء ليس شأنهم الحكم ، بل شأنهم البناء العملي على

١٠

الشيء. واما صحة الاشتقاق مع اسناده إلى المكلف فسيأتي توجيهه في التعريف المختار.

واما الرابع وهو تعريفه : بأنه الحكم الشرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث الجري العملي : فهو مضافا إلى اختصاصه بما إذا اعتبر من باب الاخبار باعترافه قدس‌سره ، تعريف له بما سيأتي المناقشة فيه وما هو محل النقض والإبرام.

واما الثاني وهو تعريفه : بأنه كون الشيء متيقن الحدوث مشكوك البقاء ، الّذي حكم الشيخ بزيفه ، فقد ارتضاه المحقق النائيني بناء على كون الاستصحاب من الأمارات الظنية ووجهه بما أشار إليه الشيخ : من ان ما يوجب الظن بالبقاء ويكشف عنه بالكشف الظني هو ذلك (١).

ولكن فيه : ان ما يوجب الظن بالبقاء ليس هو اليقين السابق والشك اللاحق ، بل هو غلبة بقاء الحادث ، فانه بملاحظة ان ما يحدث يبقى مستمرا بحسب الغالب يحصل الظن في المورد المشكوك بإلحاقه بالغالب.

ولا يخفى عليك انه لا دخل لليقين بالحدوث في ذلك أصلا ، بل الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث والبقاء.

إذن فليس اليقين من موجبات الظن كي يعرف الاستصحاب به. نعم أثر اليقين بالحدوث كأثر اليقين بسائر الأمور ذوات الأثر في كونه كاشفا عن موضوع الأثر ، فهو طريق ومحرز لمصداق من مصاديق الظن الناشئ من قبل الغلبة. فتدبر ولا تغفل.

والّذي نراه في تعريف الاستصحاب ان يقال : انه نفس بقاء المتيقن السابق عند الشك ، ويراد به ثبوت الحكم في مرحلة البقاء ، ولعله إليه يرجع تعريفه بالإبقاء المفسر بالحكم بالبقاء ، ويكون التعبير بالحكم بالبقاء نظير

__________________

(١) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم أجود التقريرات ٢ ـ ٣٤٣ ـ الطبعة الأولى.

١١

التعبير بالحكم بالحرمة أو الوجوب ، مع ان الحرمة نفس الحكم.

وكيف كان ، فتعريفه بما ذكرنا ينسجم مع جميع مدارك الاستصحاب فالشارع يحكم بثبوت المتيقن عند الشك في بقائه وهو معنى بقاء المتيقن.

كما ان بناء العقلاء العملي على بقاء المتيقن السابق ، وما يدركه العقل ظنا ، هو البقاء.

واما الاشتقاق المسند إلى المكلف ، كقولك : « استصحبت الحكم الفلاني » ، فهو على هذا التعريف لا يخلو عن مسامحة ، إذ المستصحب هو الحاكم لا المكلف.

لكن هذه المسامحة لا بد منها على جميع التعاريف غير تعريفه بالإبقاء العملي.

فإذا فرض عدم صحة الالتزام بتعريفه بالإبقاء العملي كما تقدم ، فلا محيص عن الالتزام بهذه المسامحة ، فيقال : ان المراد من : « استصحبت » هو التمسك بالاستصحاب والاستناد إليه ونحو ذلك.

واما إطلاق الحجة عليه ، فهو صحيح بناء على ما تقدم في أوائل مباحث الظن ، من ان الحكم الظاهري حكم طريقي ـ ويصطلح عليه بالحكم الأصولي ـ يلحظ فيه تنجيز الواقع وإيصال الواقع. فانه على هذا يترتب عليه التنجيز والتعذير عقلا وهذا هو معنى الحجية.

ومن الواضح ان الحكم الاستصحابي حكم ظاهري طريقي ، ولذا ينطبق الاستصحاب في موارد الأحكام غير الإلزامية كالإباحة والاستحباب ، فيكون النهي عن النقض كناية عن بقاء الحكم السابق كما كان ، لا انه نهي حقيقي وتحريم للنقض العملي حقيقة ، وإلاّ لما انطبق على موارد الترخيص إذ لا يجب الفعل أو الترك فيها ، ولا يقصد من حرمة النقض فيها سوى إيصال الحكم الواقعي والتنجيز أو التعذير. فلاحظ.

١٢

ثم انه لا بد من تقييد تعريف الاستصحاب ببعض الخصوصيات من اليقين السابق والشك اللاحق وغير ذلك مما يظهر تقومه به.

هذا تمام الكلام في تعريف الاستصحاب ، وقد طال الكلام فيه مع انه لا يستحق الإطالة لعدم الأثر العملي المترتب عليه كما لا يخفى.

الأمر الثالث : في كون مسألة الاستصحاب أصولية أو لا؟.

الّذي يظهر من الشيخ رحمه‌الله التوقف في كونها أصولية على تقدير استفادتها من الاخبار (١).

والتحقيق : انك عرفت في مبحث ضابط المسألة الأصولية : ان المسألة الأصولية هي المسألة التي تتكفل رفع التردد في مقام العمل ، وبذلك افترقت عن المسألة الفقهية ، وهي ما كان نظرها إلى نفس المحتمل بوضوح.

وعليه ، فيكون الاستصحاب من مباحث الأصول كما مر بيانه فراجع (٢).

وقد عرفت هناك انه لا يختلف الحال بين ما يجري في الشبهات الحكمية أو يجري في الشبهات الموضوعية ، وان تخصيص المسألة الأصولية بما يجري في الشبهات الحكمية بلا موجب.

ولو فرض عدم كون الأصل الجاري في الشبهات الموضوعية من علم الأصول ، فهو لا ينافي كون الجاري في الشبهات الحكمية منه ، فيكون الاستصحاب بلحاظ جريانه في الشبهات الحكمية مسألة أصولية لاندراجه في ضابطها. وبلحاظ جريانه في الشبهات الموضوعية مسألة فقهية. ولا مانع من كون مسألة واحدة ذات جهتين بلحاظ تعدد موردها بعد عموم دليلها ، نظير مسألة حجية خبر الواحد بناء على شموله للاخبار بالموضوعات وعدم اختصاصه بالاحكام.

__________________

(١) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣١٩ ـ الطبعة الأولى.

(٢) راجع ١ ـ ٢٨ من هذا الكتاب.

١٣

هذا تحقيق الكلام في هذه الجهة باختصار ولا تحتاج إلى إطالة.

واما ما تمسك به صاحب الكفاية في إثبات عدم كون مسألة الاستصحاب فقهية : بان مجراها قد يكون حكما أصوليا كالحجية (١).

فهو لا يخلو عن غرابة ، إذ الشيخ رحمه‌الله قد تعرض إلى ذلك وبيّن انه قد يكون مجرى المسألة الفقهية مسألة أصولية ، كقاعدة نفي الحرج التي تجري في نفي الفحص عن المعارض للعموم إلى حد القطع بالعدم ، كما انها تجري في نفي الاحتياط في مقدمات دليل الانسداد (٢) فتدبر.

الأمر الرابع : في الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع. فانها جميعا تشترك في ثبوت اليقين والشك فقد يتخيل ان الدليل المتكفل لعدم نقض اليقين والشك يتكفل اعتبار هذه القواعد الثلاث ، فلا بد من بيان خصوصيات الفرق بينها موضوعا.

ثم يبحث عن شمول دليل الاستصحاب لها أو أنه يختص بالاستصحاب.

فنقول : اما الاستصحاب فموضوعه : ان يتعلق اليقين بشيء ويتعلق الشك في بقائه من دون اعتبار تقدم اليقين زمانا وعدمه.

واما قاعدة اليقين فموضوعها : ان يتعلق اليقين بشيء في زمان معين ثم يشك بعد ذلك في نفس ذلك الشيء بلحاظ ذلك الزمان ، كما إذا تعلق اليقين بعدالة زيد في يوم الجمعة ثم زال ذلك اليقين وشك في يوم الاثنين انه عادل يوم الجمعة أو لا ، ويعبر عنه بالشك الساري. فمتعلق اليقين والشك أمر واحد بجميع خصوصياته ، وانما الاختلاف في زمان نفس اليقين والشك. على خلاف الاستصحاب ، فان متعلق اليقين والشك يختلفان زمانا وان اتحدا ذاتا.

__________________

(١) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٣٨٥ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣٢٠ ـ الطبعة الأولى.

١٤

واما قاعدة المقتضي والمانع فموضوعها : ان يتعلق اليقين بوجود المقتضي للأثر ويشك في وجود المانع عنه ، فمتعلق اليقين والشك في هذه القاعدة مختلفان ذاتا ، كما لو فهم من لسان الأدلة ان ملاقاة الماء للنجس مقتضي للانفعال ، وان الكرية مانعة ، فلاقى ماء مشكوك الكرية شيئا نجسا ، فانه بناء على اعتبار قاعدة المقتضي والمانع ـ كما بنى عليها بعض المحققين ـ يلتزم في المثال بنجاسة الماء.

وسيأتي إن شاء الله تعالى بعد ذكر أدلة الاستصحاب البحث عن إمكان استفادة هاتين القاعدتين منها كما انه يبحث عن وجود دليل مستقل عليهما. فانتظر.

الأمر الخامس : في تقسيمات الاستصحاب.

وقد نوع الشيخ رحمه‌الله تقسيمات الاستصحاب بلحاظ نفس المستصحب من كونه وجوديا أو عدميا ـ وفي خصوص استصحاب عدم التكليف من العدميات كلام برأسه تقدمت الإشارة إليه في مسألة البراءة وسيجيء البحث عنه في البحث عن استصحاب الحكم الكلي إن شاء الله تعالى ـ ، أو كونه حكما شرعيا كليا أو جزئيا ، وكونه موضوعا خارجيا وغير ذلك. وبلحاظ الدليل الدال على المستصحب في زمان اليقين من كونه إجماعا أو غيره ، أو كونه دليلا عقليا أو شرعيا ، ونحو ذلك. وبلحاظ الشك في البقاء من كون منشئه الشك في المقتضي أو الشك في الرافع ونحو ذلك (١).

ولا يهمنا التعرض إلى هذه التقسيمات لوضوح بطلان بعضها بعد ملاحظة الأدلة ، انما المهم منها ثلاثة وقعت مورد النقض والإبرام من قبل المحققين.

__________________

(١) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣٢٢ ـ الطبعة الأولى.

١٥

التقسيم الأول : التفصيل بين الحكم الشرعي المستفاد من العقل وغيره ، فلا يجري في الأول. وقد قربه الشيخ رحمه‌الله (١).

التقسيم الثاني : التفصيل بين الأحكام الكلية الشرعية وبين الموضوعات الخارجية والأحكام الجزئية ، فلا يجري في الأول وقد بنى عليه من المتأخرين السيد الخوئي ( حفظه الله ) (٢).

التقسيم الثالث : التفصيل بين ما كان الشك ناشئا من الشك في المقتضي وبين ما كان ناشئا من الشك في الرافع ، فلا يجري في الأول. وقد بنى عليه الشيخ (٣) وتابعة عليه غيره (٤). وقد وقع الكلام في المراد بالمقتضي.

فلا بد من تحقيق الكلام في هذه الأقوال ولنتعرض الآن إلى.

التفصيل الأول

وقد يقرب بوجوه :

الوجه الأول : ان الحكم العقلي مبين مفصل محدد الموضوع ، باعتبار ان الحاكم لا يمكن ان يتردد في حدود حكمه ومقدار سعته. وعلى هذا يكون الحكم الشرعي المستند إليه معلوم الموضوع بحدوده ، وفي مثل ذلك يمتنع الاستصحاب.

اما لأجل انّ الشك في البقاء لا بد وان يكون ناشئا من الشك في بقاء الموضوع ، إذ لو كان الموضوع باقيا بخصوصياته لما حصل الشك ، ومع الشك في بقاء الموضوع لا يصح إجراء الاستصحاب ، لما سيأتي من اعتبار بقاء الموضوع فيه.

__________________

(١) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣٢٥ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول ٣ ـ ٣٦ ـ الطبعة الأولى.

(٣) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣٢٨ ـ الطبعة الأولى.

(٤) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات ٢ ـ ٣٧٨ ـ الطبعة الأولى.

١٦

واما لأجل امتناع الشك في البقاء ، لأن الموضوع ان كان موجودا كان الحكم موجودا لا محالة ، وان لم يكن موجودا ارتفع الحكم لا محالة ، لارتفاع الحكم بعدم موضوعه ، فلو فرض ثبوت حكم شرعي والحال هذه فهو حكم جديد حادث لموضوع جديد ، لا بقاء لذلك الحكم.

وهذا التقريب يمكن رده :

اما دعوى ان الشك في بقاء الحكم لا بد وان يكون ناشئا من الشك في بقاء الموضوع بسبب احتمال تغير بعض ما له دخل في الحكم. فتندفع : بان الموضوع الّذي يعتبر بقاؤه في جريان الاستصحاب هو الموضوع العرفي وما يراه العرف معروضا للحكم بحسب مناسباته الذهنية دون الموضوع الدقي العقلي وهو كل ما له دخل في الحكم.

ومن الواضح ان الموضوع بنظر العرف قد يكون باقيا حتى مع الجزم بزوال بعض الخصوصيات الملحوظة في حدوث الحكم ، فضلا عن صورة احتمال زوالها ، لأنها بنظره جهة تعليلية لا تقييدية.

واما دعوى امتناع الشك في البقاء بالبيان المتقدم. فتندفع بما أفاده في الكفاية وتبعه غيره من ان زوال حكم العقل بزوال بعض الخصوصيات المقومة للحكم بنظره لا يستلزم زوال حكم الشرع في تلك الحال ، لاحتمال انّ الخصوصية الزائلة غير دخيلة في ملاك الحكم واقعا ، وقد اطلع الشارع على ذلك لإحاطته بالأمور فيكون حكمه باقيا لبقاء ملاكه ، ولم يطلع العقل عليه لقصور إدراكه فلم يحكم عند زوالها. ولا ينافي ذلك الالتزام بالملازمة بين الحكمين ، إذ المقصود بها الملازمة بينهما في مقام الإثبات لا مقام الثبوت ، فلا يمتنع ان يحكم الشارع بشيء من دون ان يحكم به العقل ، فتدبر (١).

__________________

(١) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٣٨٦ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٧

الوجه الثاني : ان الخصوصيات المأخوذة في الحكم العقلي كلها خصوصيات تقييدية مأخوذة في الموضوع قيدا ولم تلحظ علة لثبوت الحكم لمعروضه ، فموضوع الحكم العقلي بقبح الصدق في حال الإضرار ، هو الصدق بقيد كونه مضرا ، لا ان موضوعه هو الصدق وعلته الإضرار.

وعليه ، فالشك في بقاء الخصوصية يستلزم الشك في الموضوع قهرا.

وهذا الوجه وان لم يذكر في الكلمات في المقام ، لكن يمكن ان يستفاد من بعض كلمات المحقق الأصفهاني في مبحث مقدمة الواجب (١) ، حيث التزم هناك بان عنوان المقدمية جهة تقييدية لا جهة تعليلية كما يراه صاحب الكفاية (٢).

وعلى كل فيمكن التنظر فيه من جهتين :

الأولى : ان الأساس الّذي يبتني عليه ليس من المسلمات ، فان هناك من لا يرى ان جميع الخصوصيات ملحوظة جهات تقييدية في موارد الأحكام العقلية.

الثانية : انه لو سلم ذلك ، فهذا لا ينفع بعد ما عرفت من ان المدار في الموضوع على نظر العرف لا نظر العقل ، فكون الخصوصية تقييدية بنظر العقل لا يجدي إذا لم تكن كذلك بنظر العرف ، بل كانت من طوارئ الموضوع وحالاته بنظره.

نعم ، لو قلنا بان المدار على الموضوع المأخوذ في دليل الحكم لأجدى ما ذكر ، إذ دليل الحكم على الفرض هو العقل ، والمفروض ان الخصوصية بحسبه مقومة.

الوجه الثالث : دعوى ان الخصوصية المتبدلة أو المشكوكة مقومة بنظر العرف ، فلا مجال للاستصحاب حينئذ. وذلك بأحد بيانين :

البيان الأول : ان الكلام فيما نحن فيه في الأحكام العقلية المستتبعة لحكم

__________________

(١) الأصفهاني المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ١ ـ ٣٤٧ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٩٠ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٨

الشرع ـ بناء على الملازمة ـ ، وهي تختص بأحكامه في باب التحسين والتقبيح.

وعليه فنقول : ان كل خصوصية تكون دخيلة في حكم العقل بالحسن أو القبح ، فهي تكون قيدا لفعل المكلف المحكوم بالحسن أو القبح لا قيدا في الموضوع. وبعبارة أخرى : ان الخصوصيات المأخوذة في حكم العقل العارض على فعل المكلف مأخوذة قيدا لمتعلق الحكم لا لموضوعه ، فلا محالة يتقيد متعلق الحكم الشرعي المستكشف عن الحكم العقلي بتلك الخصوصيات تبعا للحكم العقلي.

فإذا حكم العقل بقبح الصدق الضار ، كان متعلق الحكم الشرعي بالحرمة هو الصدق المضر.

وقد تقرر ان كل خصوصية تؤخذ في المتعلق تكون مقومة بنظر العرف ، وليس الحال فيه كالحال في الموضوع. فمع الشك في تلك الخصوصية يمتنع الاستصحاب ، وسيأتي بيان هذه الجهة في محله.

البيان الثاني : ان الحكم العقلي بالقبح لم يتعلق بالصدق ـ مثلا ـ حال إضراره كي يقع الكلام في ان جهة الضرر مقومة عرفا أو ليست مقومة ، بل ليس لدينا إلاّ الحكم العقلي بحسن الإحسان وقبح الظلم. والحكم بقبح الصدق المهلك أو حسن الكذب النافع ، من باب ان الأول مصداق الظلم القبيح عقلا والثاني مصداق الإحسان الحسن عقلا ، لا ان الحكم العقلي بالقبح تعلق بالصدق مباشرة بملاحظة إضراره.

اذن فمتعلق الحكم العقلي هو نفس الخصوصية ، وهذه الأفعال مصاديق للخصوصية ويتبعه في ذلك الحكم الشرعي ، فالحرام هو الظلم والمحبوب هو الإحسان.

وعليه ، فمع الشك في بقاء الخصوصية يشك في ثبوت متعلق الحكم مباشرة فلا معنى للاستصحاب. فهو نظير استصحاب حرمة ما ثبت حرمته بالدليل

١٩

الشرعي عند الشك في انطباق موضوع الحرمة عليه ، كما لو كان كلام كذبا ، ثم شك في أنه كذب أو ليس بكذب ، فانه لا معنى لاستصحاب حرمته مع الشك المزبور.

وهكذا الحال في الشبهة الحكمية كما لو فرض زوال عنوان الظلم عن الصدق ، ومع هذا احتمل ان يبقى على حرمته ، فانه لا معنى لاستصحاب حرمته ، إذ متعلق الحرمة السابقة زال قطعا ، والصدق فعلا ليس من افراده جزما ، فيمتنع صدق البقاء. فتدبر.

وهذا الوجه ببيانيه متين لا دافع له ، وهو مما يمكن استفادته من عبارة الشيخ رحمه‌الله خصوصا بالبيان الأول ـ لقوله : « لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي للحسن والقبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف » ـ وان كانت لا تخلو عن نوع إجمال (١).

ومنه تعرف بعد ما أفاده صاحب الكفاية وغيره عنه وعدم ارتباطه به.

وبالجملة : التأمل في كلام الشيخ يقتضي ان يستظهر ان مراده ما ذكرناه ، لا ما فهمه الأعلام ( قدس الله سرهم ) والله سبحانه العاصم العالم.

ثم انه لا فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية المصداقية.

إلا انه قد يتخيل في موارد الشبهة المصداقية التمسك بالاستصحاب الموضوعي فيحرز به بقاء الخصوصية للفعل ، فيقال : كان الصدق مضرا فالآن كذلك ، وبذلك يثبت له الحكم.

ولكنه تخيل فاسد ، إذ هذا الاستصحاب من الاستصحاب التعليقي ، لأن الخصوصية انما تعرض على الفعل عند وجوده ، فالصدق انما يكون مضرا إذا وجد ، فالذي يقال في مقام الاستصحاب : كان الصدق مضرا لو وجد فالآن

__________________

(١) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٣٢٥ ـ الطبعة الأولى.

٢٠