منتقى الأصول - ج ٤

السيد عبد الصاحب الحكيم

منتقى الأصول - ج ٤

المؤلف:

السيد عبد الصاحب الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٥٩

١
٢

٣
٤

تمهيد

جرت عادة المتأخرين على ذكر تقسيم يشير إلى موضوعات الأبحاث الآتية ، وأصول الأبواب التي سيقع الكلام فيها. واختلفوا في كيفية التقسيم إلى وجوه :

التقسيم الأول : ما ذكره الشيخ رحمه‌الله في الرسائل من تقسيم حالات المكلف إلى القطع والظن والشك (١).

وقد أورد عليه بوجوه :

أولها : ان المراد بالظن ما يعم الظن النوعيّ والشخصي لا خصوص الظن الشخصي ، إذ التعبد بالأمارات كما سيأتي من باب الظن النوعيّ. وعليه فلا مقابلة بين الظن والشك لاجتماع الظن النوعيّ مع الشك كما لا يخفى.

ثانيها : ان الشك ليس موضوعا للأحكام بعنوان ، بل الموضوع هو مطلق عدم العلم بالحكم والجهل به ولو كان ظنا ـ إذا لم يقم على اعتباره دليل ـ أو وهما.

ثالثها : ما ذكره في الكفاية من لزوم تداخل الأقسام (٢). ويمكن ان يكون نظره إلى تداخلها بحسب المورد ، فقد يكون المكلف شاكا بالحكم ولكن قام لديه

__________________

(١) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٢٥٨ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

٥

دليل معتبر فلا يجري في حقه الأصل. كما انه لو كان ظانا بالحكم بظن غير معتبر كان موضوعا للأصل ، فيلزم ان يكون بعض موارد الظن محكوما بحكم الشك وبعض موارد الشك محكوما بحكم الظن. وإذا كان نظره إلى لزوم التداخل في المصداق ـ كما أشار إليه المحقق العراقي (١) ـ لم يرد عليه إشكال المحقق الأصفهاني بان هذا المعنى ليس من التداخل في شيء باعتبار ان الحجية ـ في بعض موارد الشك ـ لا تثبت للشك بعنوانه ، كما ان الأصل ـ في بعض موارد الظن ـ لا يثبت للظن بعنوانه (٢). فالتفت.

وقد حاول المحقق العراقي تصحيح تقسيم الشيخ رحمه‌الله إلى هذه الأقسام الثلاثة ، بدعوى : ان تثليث الأقسام انما هو بلحاظ ما للاقسام المذكورة من الخصوصيات الموجبة للحجية من حيث الوجوب والإمكان والامتناع ، إذ القطع بلحاظ كاشفيته التامة مما تجب حجيته عقلا ، والظن بلحاظ كاشفيته الناقصة مما يمكن حجيته ، والشك بلحاظ تردده بين محتملين يمتنع جعل الطريقية والحجية له ، لأنه مستلزم لجعل الطريق إلى المتناقضين وهو محال. فالتثليث انما هو للإشارة إلى الاختلاف من هذه الجهة ووقوع البحث فيها. واستشهد على ذلك بما ذكره الشيخ في أول البراءة (٣).

ولكن هذه المحاولة فاشلة ، وذلك لأن البحث في إمكان جعل الحجية للظن ، تارة : يكون من جهة قابليته في نفسه وبلحاظ ذاته في قبال قسيميه ، وهو ما يشار إليه إجمالا ولا يوقع البحث فيه مفصلا ، بل يكتفي في بيانه بقليل الألفاظ كما بينه الشيخ رحمه‌الله في أول مباحث البراءة (٤). وأخرى : يكون

__________________

(١) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار ٣ ـ ٥ ـ من القسم الأول طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(٢) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٢ ـ ٣ ـ الطبعة الأولى.

(٣) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار ٣ ـ ٤ ـ من القسم الأول ـ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(٤) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ١٩٠ ـ الطبعة الأولى.

٦

من جهة إشكال ابن قبة التي وقع البحث فيها مفصلا أخيرا ، ويصطلح عليها بـ « بحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري » ، وهي غير مختصة بالظن وان وقع البحث فيها في أول مباحثه.

فان كان نظر المحقق العراقي إلى ان نظر الشيخ في التثليث إلى البحث عن إمكان حجية الظن من الجهة الأولى ، فقد عرفت انه بحث جزئي جدا ، فلا يناسب تقسيم الحالات في صدر الكتاب للإشارة إليه وهو واضح جدا. وان كان نظره إلى البحث من الجهة الثانية ، فهو وان كان بحثا مهما مفصلا لكنه ليس إلاّ بحثا واحدا من مباحث الكتاب ، كما انه ليس بحثا أصوليا ، بل هو بحث عن مبادئ المسألة الأصولية كما لا يخفى. فتقسيم الحالات في صدر الكتاب للإشارة إليه ليس كما ينبغي. هذا مع عدم اختصاص البحث في الظن ، بل يعم الشك الّذي يكون موضوعا لحكم ظاهري ، فالمقابلة في غير محلها.

والّذي يظهر من أجود التقريرات ، توجيه تقسيم الشيخ بعين ما وجهه المحقق العراقي (١).

كما يحتمل أن يكون نظره إلى بيان أن التقسيم الثلاثي باعتبار اختلاف الأقسام في الآثار.

والإشكال عليه واضح جدا إذ اختلاف الأقسام بعناوينها في الآثار هو محل الكلام ، وعدمه أساس الإشكال على الشيخ ، فكيف يدفع الإيراد على الشيخ بذلك؟ فالتفت.

التقسيم الثاني : ما ذكره المحقق صاحب الكفاية أولا من : ان المكلف إذا التفت إلى حكم فعلي ظاهري أو واقعي فاما ان يحصل له القطع أو لا يحصل والثاني موضوع لحكم العقل من اتباع الظن ـ لو تم دليل الانسداد على الحكومة ـ

__________________

(١) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات ٢ ـ ٣ ـ الطبعة الأولى.

٧

أو الرجوع إلى الأصول العملية.

وقد ذكر قدس‌سره في وجه العدول عن تثليث الأقسام كما ذكره الشيخ ، والالتزام بالتقسيم الثنائي ، ان أثر القطع يترتب عليه سواء تعلق بحكم واقعي أو ظاهري ، ولا تختص آثاره بما إذا تعلق بحكم واقعي (١). وإذا فرض تعميم متعلق القطع ـ لعدم اختصاص آثاره ـ دخلت موارد الأمارات والأصول الشرعية في عنوان القطع بالحكم ، فلا يتجه التثليث حينئذ.

ولا يخفى انه بهذا التقسيم يشير إجمالا إلى مباحث الكتاب ، فلا يرد عليه بأنه يمكن جعل القسم واحدا ، فيقال : ان المكلف إذا التفت إلى الحكم فلا بد من حصول الحجة على عمله ، إذ ليس في هذا العنوان إشارة ولو إجمالية إلى مباحث الكتاب ، والمفروض ان المقصود بالتقسيم ذلك.

ولكن يرد عليه ـ ما أشار إليه المحققان العراقي والأصفهاني ـ من انه ليس تقسيما للمباحث الأصولية الواردة في الكتاب ، إذ البحث يكون عن حجية الخبر مثلا أو ثبوت الاستصحاب ونحو ذلك ، وهذا مما يؤدي في صورة إعمال الاستنباط لليقين بالحكم الشرعي ، فاليقين بالحكم مما يترتب أحيانا على المباحث الأصولية.

وعليه ، فليس التقسيم تقسيما للمباحث المحررة ، بل تقسيما بلحاظ ما يترتب عليها أحيانا ، وهو خروج عن المفروض من كون الملحوظ في التقسيم ان تكون الأقسام عناوين إجمالية لأبحاث الكتاب (٢).

التقسيم الثالث : ما ذكره قدس‌سره أيضا أخيرا وهو تقسيم المكلف إلى القاطع بالحكم ومن قام لديه الطريق المعتبر ومن لم يقم لديه الطريق المعتبر ،

__________________

(١) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٢٥٧ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار ٣ ـ ٥ ـ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٢ ـ ٣ ـ الطبعة الأولى.

٨

والأخير موضوع الأصول الشرعية والعقلية. وقد ذكر هذا التقسيم تنزلا عن تقسيمه الأول وتمشيا مع دعوى ضرورة الإشارة التفصيلية إلى كل موضوع من الموضوعات الثلاثة ، كما يشير إليه قوله : « وان أبيت إلى ... » (١).

وانما نهج هذا النهج في التقسيم ، فرارا عن محذور التداخل الثابت في تقسيم الشيخ الثلاثي. كما انه لا يرد عليه غيره مما تقدم وروده على الشيخ كما هو واضح جدا.

ولكن يرد عليه : ان هذا التقسيم يتناسب مع فهرست الكتاب الّذي يذكر في ذيله للإشارة إلى مطالب الكتاب ، ولا يتناسب مع كونه تقسيما مذكورا للإشارة إلى ما سيقع فيه البحث ، وذلك لأن المبحوث عنه فيما يأتي هو اعتبار الأمارة وحجيتها ، فموضوع البحث ذات الأمارة لا الأمارة المعتبرة ، فقد أخذ الحكم في الموضوع في تقسيمه قدس‌سره وهو غير سديد. وقد ذكر المحقق الأصفهاني هذا الإشكال (٢).

التقسيم الرابع : ما ذكره المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية ، وهو تقسيم المكلف إلى من قام لديه طريق تام ، ومن قام لديه طريق ناقص لوحظ ، لا بشرط من حيث الاعتبار وعدمه ، ومن لم يقم لديه طريق ناقص كذلك أعم من عدم قيام طريق لديه أصلا ومن قيام طريق بشرط عدم الاعتبار. فالأوّل موضوع مباحث القطع ، والثاني إشارة إلى مباحث الأمارات. والثالث إشارة إلى مباحث الأصول لأن موضوعها من لم يقم لديه طريق ناقص لا بشرط (٣).

وهذا التقسيم يسلم عما يرد على تقسيم الكفاية الثلاثي ، لعدم أخذه الحكم في الموضوع ، كما انه يسلم عما يرد على الشيخ أولا وثانيا ، إذ لم يجعل

__________________

(١) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٢٥٧ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٢ ـ ٣ ـ الطبعة الأولى.

(٣) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٢ ـ ٣ ـ الطبعة الأولى.

٩

المقابلة بين الشك والظن ، كما لم يأخذ الشك موضوع الحكم ، ولكن لا يسلم عما يرد عليه من استلزامه التداخل ، ولكنه من إحدى الناحيتين فانه وان لم يرد عليه لزوم دخول ما أخذ موردا للأصل في موضوع الحجية ، لأن ما أخذه موردا للأصل من لم يقم لديه طريق لا بشرط ، وهو لا يكون بوجه موضوعا للحجية والطريقية ، ولكن ما أخذه موضوعا للبحث في الأمارة يكون موضوعا للأصل في بعض افراده ، فان الطريق إذا لم يقم دليل على اعتباره كان مورده من موارد الأصول ، مع انه يصدق قيام الطريق لا بشرط من حيث الاعتبار وعدمه. فتدبر.

فيتحصل : انه لا تمامية لما ذكر من التقسيمات بل هي مخدوشة بأجمعها ، وان كان ما ذكره الأصفهاني أخف محذورا.

والأمر سهل ، إذ لا يترتب على صحة تقسيم منها أو غيره أي أثر عملي في مقام الاستنباط وهذا هو الّذي يهون الخطب.

ثم انه قد أورد على تقسيم الشيخ : بان المراد من الحكم اما ان يكون هو الحكم الفعلي أو الإنشائيّ.

فان كان هو الحكم الفعلي لم يكن وجه لأخذ الظن أو الشك به موضوعا للبحث ، إذ البحث في موارد الظن والشك في جعل حكم شرعي فعلي ظاهري ، ويمتنع ان يكون الظن أو الشك بالحكم الفعلي موضوعا لحكم فعلي آخر ، لاستلزامه الظن باجتماع الحكمين الفعليين أو الشك به ، وهو محال لمحالية اجتماعهما فيستحيل الظن به.

وان أريد من الحكم هو الحكم الإنشائي ، فيتوجه عليه بان آثار القطع انما تترتب عليه إذا تعلق بحكم فعلي دون غيره.

والتفكيك بين متعلق القطع ومتعلق الظن والشك لا معنى له بعد ان كان الترديد بلحاظ الالتفات إلى حكم واحد.

١٠

وقد ذكر ان هذا سبب أيضا لعدول صاحب الكفاية إلى تثنية الأقسام (١).

ولكن يندفع هذا الإيراد بما سيأتي إن شاء الله تعالى من بيان عدم امتناع ثبوت الحكم الفعلي الظاهري في مورد الظن بالحكم الفعلي الواقعي أو الشك به في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري (٢).

ثم ان هذا الإيراد لا يصلح سببا للعدول إلى تثنية الأقسام ، إذ بعد تعميم متعلق القطع إلى الحكم الواقعي والظاهري لا بد وان تكون الأقسام ثنائية حتى إذا لم يؤخذ الحكم بالمرتبة الفعلية ، ولو كان سببا للعدول للزم من عدمه تثليث الأقسام ، فالسبب للعدول إلى التثنية هو ما ذكره أولا من تعميم متعلق القطع للحكم الواقعي والظاهري.

هذا كله في ما يرتبط بعدد الأقسام وكيفية التقسيم.

وقد وقع البحث في أمر آخر في التقسيم ، وهو ان المراد من المكلف الّذي أخذ في موضوعه ، هل هو خصوص المجتهد أو ما يعم المجتهد والعامي.

وقد ذكر لتخصيصه بالمجتهد وجوه ثلاثة :

الأول : ان غير المجتهد لا يحصل لديه القطع والظن والشك لغفلته ، وحصولها يتفرع على الالتفات إلى الحكم بالبداهة.

الثاني : ان حجية الأمارات والأصول متوقفة على عدم المعارض والفحص عنه ، وهذا من شأن المجتهد لا المقلد ، إذ لا قدرة له على الفحص عن معارض الخبر ـ مثلا ـ والجزم بعدمه.

الثالث : ان موضوع حجية الأمارة أو الأصل لا يعم المقلد ابتداء ، لأن من جاءه النبأ أو الخبران المتعارضان أو من كان على يقين فشك هو المجتهد

__________________

(١) حاشية المشكيني في ذيل قول الماتن : « ولذلك عدلنا ... ». كفاية الأصول ١ ـ ٦ ـ الطبعة المحشاة بحاشية المشكيني.

(٢) راجع ٤ ـ ١٧٨ ـ ١٧٩ من هذا الجزء.

١١

لا المقلد.

والوجهان الأولان ذكرهما المحقق العراقي (١) ، والأخير ذكره المحقق الأصفهاني (٢).

وجميع هذه الوجوه مردودة.

اما الأول : فلوضوح تحقق القطع بالواقع لغير المجتهد بالمقدار الّذي يتحقق للمجتهد ـ لو لم يكن بأكثر ـ كالضروريات الدينية من وجوب الصلاة وعدد ركعاتها وبعض خصوصياتها الأخرى ، وجوب الصوم والحج وغير ذلك.

كما انه عند التفاته إلى الحكم يحصل له الشك غالبا والتردد في أحد طرفيه ، ومنع حصول الالتفات لديه ممنوع بالبداهة.

وهكذا يحصل له الظن ، شخصيا كان أو نوعيا ، إذ قد يعلم بورود خبر في حكم خاص ، كما قد يترجح لديه أحد احتمالي الحكم ثبوتا أو عدما.

وبالجملة : فمنع حصول الصفات الثلاث بالنسبة إليه مجازفة في الدعوى.

واما الثاني : فلإمكان اعتماده في مقام الفحص على المجتهد ، ولا يبتني الأخذ بقوله على حجيته في الموارد التي لا تحتاج معرفة المعارض وعدمه على إعمال النّظر والاستنباط ، بل يكفي حصول الاطمئنان بكلامه أو حجية قوله من باب حجية الخبر ، فهو نظير من يترجم لغيره كلاما بالفارسية موجها إليه فيخبره بأنه قال كذا ولم يذكر معارضا له في الكلام ، فانه لا يرتبط بحجية الفتوى أصلا.

ومعه لا حاجة إلى الالتزام في مقام رد الوجه الثاني ، بان المجتهد يقوم مقامه في الفحص ـ بمقتضى أدلة الإفتاء والاستفتاء ـ ، إذ عرفت ان من الموارد ما لا يحتاج الفحص فيها إلى إعمال النّظر.

__________________

(١) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار ٣ ـ ٢ ـ القسم الأول ـ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(٢) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٢ ـ ٢ ـ الطبعة الأولى.

١٢

واما الثالث : فلعموم آية النبأ ، ولا اختصاص لها بالمجتهد ، ودعوى : ان من جاءه النبأ هو المجتهد ، لا شاهد لها ، مع ان أدلة الخبر لا تختص بآية النبأ ، كيف؟ ودلالتها غير مسلمة ، بل العمدة هي سيرة العقلاء على حجية الخبر ، وعدم اختصاصها بالمجتهد واضح. بل ظاهر الخبر الّذي يحكي السؤال عن وثاقة يونس بن عبد الرحمن لأجل أخذ معالم الدين منه هو تعميم الحجية لغير المجتهد ، لظهور السؤال في كون السائل عاميا ، ولذا استدل به على حجية الفتوى. وهكذا الحال فيمن جاءه الخبران المتعارضان ، فانه لا وجه لتخصيصه بالمجتهد. كما لا وجه لتخصيص موضوع الاستصحاب به ، لإمكان حصول اليقين السابق والشك اللاحق لغيره بالنسبة إلى الحكم الكلي.

وبالجملة : لا وجه لدعوى اختصاص دليل الخبر ونحوه بالمجتهد ، سواء كان بلحاظ الحكم الأصولي وهو الحكم بحجية الخبر أو الحكم الفرعي وهو الحكم الّذي يتكفله الخبر ، بل الحكم الأصولي والفرعي يعم المجتهد والمقلد.

ويتحصل : انه لا وجه لتخصيص المكلف في موضوع التقسيم بالمجتهد ، بل هو أعم منه ومن غيره.

ثم انه لا ظهور لقول صاحب الكفاية : « ان البالغ الّذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعل واقعي أو ظاهري متعلق به أو بمقلديه » (١) في أخذه خصوص المجتهد في موضوع التقسيم ، بل يمكن ان يكون نظره إلى تعميم الآثار ـ في حالات المجتهد ـ بالنسبة إلى نفسه وإلى مقلديه لا ان الموضوع هو خصوص المجتهد. إذ قد يشكل في ثبوت الآثار لقطع المجتهد من جهتين :

إحداهما : ان بعض الأحكام التي يلتفت إليها المجتهد موضوعها غير المجتهد ، فلا علم له بالحكم الفعلي بالنسبة إليه كأحكام الحيض بالنسبة إلى

__________________

(١) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٢٥٧ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٣

المجتهد الرّجل.

ثانيتهما : ان بعض الأحكام وان كانت شاملة للمجتهد بحسب موضوعها ، لكن ليست محل ابتلائه فعلا ، فلا يتصور في حقه العمل كي يصح التعبد في حقه ، إذ التعبد بلحاظ الجري العملي.

ويجمع هاتين الجهتين عدم كون الحكم الملتفت إليه فعليا بالنسبة إليه.

فنظر صاحب الكفاية إلى ان الحكم الّذي يلتفت إليه المجتهد ، لا يلزم ان يكون متعلقا به ، بل أعم مما يكون متعلقا به أو بمقلديه. فهو ناظر إلى تعميم الأثر في حالة المجتهد ، ولا دليل على كون نظره إلى تخصيص الموضوع بالمجتهد.

وتحقيق الحال في ذلك : ان ما ذكره من الإشكال يرجع إلى دعوى اختصاص آثار القطع بما إذا كان الحكم متعلقا بنفس القاطع ـ مجتهدا كان أو مقلدا ـ ، إذ الحكم المتعلق بغيره ليس فعليا بالنسبة إليه ، فلا يتصور فيه التعبد ، فمن لم تقم عنده الأمارة لا معنى لإلزامه بمضمونها وتعبده به.

وعليه ، فلا معنى لتعميم الحكم إلى حكم المجتهد والمقلد لتخلفه في بعض الحالات ، وهي ما إذا كان الحكم مختصا بالمقلد فلا ينفع قيام الأمارة أو الأصل لدى المجتهد.

وعليه ، ان من قامت عنده الأمارة هو المجتهد دون المقلد. والمفروض ان المجتهد لا علاقة له بالحكم الّذي أدت إليه الأمارة ، فلا يتصور في حقه التعبد ، لعدم الأثر العملي بالنسبة إليه. كما ان من يتصور في حقه التعبد وهو المقلد لعلاقته بالحكم لم تقم لديه الأمارة.

وهكذا الحال في الاستصحاب ، فنقول : ان من كان على يقين فشك هو المجتهد ولكن لا أثر للتعبد في حقه ، لعدم علاقة الحكم به ، ومن يتصور في حقه التعبد وهو المقلد لم يكن على يقين فشك.

١٤

وعليه ، فجعل موضوع البحث مطلق من كان قاطعا بالحكم ولو لم يكن له أثر عملي بالنسبة إليه ليس كما ينبغي ، بل لا بد من ان يقيد متعلق القطع وغيره بما إذا كان ذا أثر عملي بالنسبة إلى المكلف نفسه.

وقد أجيب عن هذا الإشكال : بان مقتضى أدلة الإفتاء والاستفتاء تنزيل المجتهد منزلة المقلد ، فقيام الأمارة عند المجتهد قيام لها عند المقلد ، ويقين المجتهد وشكه بمنزلة يقين المقلد وشكه ، وإلاّ لكان الحكم بجواز الإفتاء والاستفتاء لغوا (١).

والإنصاف : ان الإشكال المزبور أجنبي عما نحن فيه ، بل هو يرتبط بمقام آخر ، فان ما نحن فيه هو تقسيم حالات المكلف بلحاظ الأبحاث الأصولية الآتية ، ومن الواضح ان ما يبحث فيه في باب الخبر هو أصل حجيته واعتباره بنحو القضية الحقيقية ، وهكذا البحث في الاستصحاب ، فانه يقع عن حجية الاستصحاب للموضوع الخاصّ. اما تعيين موارد صحة التعبد وتحقق الموضوع ، فليس يرتبط بأبحاث الأصول بل هو مرتبط بالبحث الفقهي.

اذن فما ذكر من الإشكال لا ينفي البحث عن حجية الخبر والاستصحاب وغيرهما بنحو مطلق ، لأنه يرتبط بمقام البحث عن أن الخبر أو الاستصحاب في حق هذا الشخص هل هو حجة أو لا ، باعتبار انه ليس بذي أثر عملي ، وهذا أجنبي عن البحث الأصولي ، إذ البحث الأصولي كما عرفت في حجية الاستصحاب ، يشترط فيه بنحو كلي ثبوت الأثر العملي ، اما ان هذا المورد من موارده أو لا فليس من شأن الأصول.

فما ذكره من الإشكال يرتبط بمقام آخر وهو مقام بيان ان المجتهد ، موضوع للأمارة أو الأصل المتكفلين لحكم غيره أو لا؟ وهذا ليس محلا للبحث

__________________

(١) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٢ ـ ٢ ـ الطبعة الأولى.

١٥

هاهنا.

والتحقيق في دفع هذا الإشكال عن ذلك المقام أيضا ان يقال : ان المجعول في باب الأمارات تارة : يكون هو الحكم الظاهري المماثل للواقع. وأخرى : يكون هو الحجية على اختلاف في المراد منها. فقيل : انه الطريقية. وقيل : انه المنجزية والمعذرية. وقيل : انه مفهوم الحجية نفسه.

فإذا قلنا بان المجعول هو الحكم الظاهري في حق من لا يعلم بالحكم الواقعي ، فقيام الخبر عند المجتهد على حكم الحائض غير العالمة بحكمها ، بضميمة دليل اعتباره الراجع إلى بيانه جعل مؤداه حكما ظاهرا ، يوجب حصول اليقين الوجداني للمجتهد بالحكم الظاهري الثابت في حق الحائض ، وليس في هذا أي محذور ، إذ لا محذور في حصول اليقين لشخص بحكم شخص آخر ، إذ ليس من التعبد في شيء كي يدعى استحالته لمن لم يكن له علاقة بالحكم عملا.

وإذا فرض ان يقين المجتهد المزبور حجة على الحائض بدليل التقليد ، جاز متابعته في يقينه.

واما إذا قلنا بان المجعول هو الحجية بأي معنى أريد منها ، فقد يشكل بان الحجية تتقوم بالوصول ، ولذا قيل : ان الشك فيها ملازم للقطع بعدمها. وعليه فهي غير مجعولة فعلا في حق الحائض ، لعدم وصول الخبر وحجيته إليها ، فلا يتحقق اليقين للمجتهد بحكمها. كما ان الحجية غير مجعولة في حقه لعدم ارتباط العمل به.

ولكن يندفع : بأنه وان سلم ما ادعي من ان الحجية متقومة بالوصول ـ إذ هو في نفسه محل إشكال كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى ـ. لكن الكل يلتزم بان هناك أمرا مجعولا في حد نفسه له ثبوت واقعي ووصوله يستلزم فعليته ، إذ يستحيل تعليق جعل الحجية على وصولها للزوم الخلف أو الدور ، كأخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم. وعليه يكون حال الحجية حال الحكم الظاهري ،

١٦

فيتعلق بها اليقين وان لم تصر فعلية في حق المتيقن والمقلد ، لعدم وصوله للمقلد ، وعدم الأثر للفعلية بالنسبة إلى المجتهد فيجري الكلام السابق الجاري على القول بجعل الحكم الظاهري ، بالنسبة إلى هذا

الاحتمال أيضا ، فقيام الخبر لدى المجتهد ، بضميمة دليل اعتباره ، يوجب له العلم بحكم مقلده المجعول في حقه وان لم يكن فعليا في حق المقلد لعدم وصوله ، لكنه يصير فعليا بعد اخبار المجتهد به لحجية يقينه في حق مقلده فيكون قوله وصولا للحجية الإنشائية.

وقد عرفت ان تحقق العلم بحكم الغير لا محذور فيه.

والمتحصل : انه لا مورد للإشكال المزبور في موارد الأمارات ، لأن ما يحصل لدى المجتهد أمر واقعي وهو اليقين بحكم مقلده الثابت له في ظرف عدم العلم بالواقع ، لا أثر تعبدي كي يدعى أنه ليس موضوع التعبد لعدم الأثر العملي بالنسبة إليه.

ومنه ظهر انه لا حاجة في مقام دفع الإشكال إلى دعوى ان المجتهد ـ بمقتضى أدلة الفتوى ـ بمنزلة المقلد ، فقيام الخبر لديه قيام لدى المقلد ، لعدم وصول النوبة إليه لاندفاع الإشكال ولو لم يكن المجتهد منزلا منزلة المقلد.

هذا مع ان التنزيل المدعى لا يتلاءم مع دعوى حصر دليل التقليد بدليل الانسداد ، لإنكار جميع أدلته المذكورة له غيره. إذ لا اقتضاء لدليل الانسداد للتنزيل المزبور المستفاد من دلالة الاقتضاء ، وهي أجنبية عن مثل دليل الانسداد العقلي.

وعلى أي حال فقد عرفت خروج موارد الأمارات عن الإشكال المزبور وعدم تأتيه فيها.

واما موارد الاستصحاب ، فقد يتخيل عدم تأتى هذا الحلّ فيها ، بدعوى ان موضوع الحكم الاستصحابي هو اليقين السابق والشك اللاحق لا مطلق عدم العلم. وهو غير متحقق بالنسبة إلى المقلد ، لعدم يقينه السابق بالحكم فلا يتحقق

١٧

للمجتهد العلم بحكمه بمقتضى الاستصحاب. لأن يقين المجتهد وشكه لا ينفعان ، ولا يقين ولا شك للمقلد كي يثبت في حقه الحكم الظاهري. وبعبارة أخرى : الحكم الثابت للمقلد الّذي يحاول المجتهد الوصول إليه مقيد موضوعه بما لا يتحقق له في المقلد ، فلا يكون حكما للمقلد لعدم موضوعه. فلا يتحقق للمجتهد علم بحكم المقلد الظاهري الفعلي ، ولذا لا يكون الاستصحاب الجاري في حق شخص إذا حصل له اليقين والشك ، جاريا في حق غيره إذا لم يحصل له اليقين والشك ، ولا تترتب عليه آثاره.

وليس كذلك الحال في الحكم الثابت في باب الأمارة ، إذ لم يؤخذ في موضوعه اليقين السابق كي يدعى انتفاؤه لدى المقلد ، بل لم يؤخذ في موضوعه إلا عدم العلم بالواقع ، وهو متحقق لديه ـ على الفرض وإلاّ لم يكن مقلدا ـ فيثبت الحكم الظاهري في حقه ، فيمكن للمجتهد العلم به.

ولكن نقول : انه تارة نلتزم في باب الاستصحاب بما هو صريح صاحب الكفاية وظاهر الشيخ في بعض المواطن ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ من ان اليقين والشك مستعملان في أدلة الاستصحاب بنحو الاستعمال الكنائي من دون مدخلية لهما أصلا. فيراد بهما المتيقن والمشكوك ، ويكون مفاد أدلة الاستصحاب هو اعتبار بقاء الحادث. وبعبارة أخرى : مفادها اعتبار الملازمة بين الحدوث والبقاء وبذلك دفع صاحب الكفاية الإشكال في جريان الاستصحاب في الأحكام الثابتة حدوثا بدليل تعبدي ، من جهة عدم اليقين بالحدوث ، إذ لا يحتاج مع هذا إلى وجود اليقين بالحدوث ، بل ثبوت الحدوث بأي دليل يكفي لإثبات البقاء بعد كون مفاد دليل الاستصحاب هو الملازمة بين الحدوث والبقاء ، فما يدل على الحدوث يدل على البقاء بالملازمة بعد ضميمة الحكم بالملازمة بمقتضى الاستصحاب.

وبالجملة : تارة نقول بإلغاء صفة اليقين والشك عن الموضوعية بالمرة

١٨

بتاتا. وأخرى نلتزم بان لليقين والشك دخالة في ثبوت الحكم الاستصحابي ، أي شيء كان مفاد الاستصحاب ـ كما سيأتي التنبيه على اختلاف المسالك فيه ان شاء الله تعالى ـ.

فعلى الأول : لا إشكال أيضا ، بل حال الحكم المستصحب حال مؤدّى الأمارة. وذلك لأن أدلة الاستصحاب تفيد الملازمة بين الحدوث والبقاء ، من دون دخل لليقين بالحدوث. فإذا ثبت الحدوث لدى المجتهد ثبت لديه البقاء بمقتضى أدلة الاستصحاب ، فيحصل له اليقين بحكم المقلد الظاهري ، وهو لا محذور فيه كما عرفت ، فلا فرق بين الاستصحاب والأمارة على هذا المبنى.

وعلى الثاني : يكون للإشكال وجه ، لقوام الحكم الاستصحابي باليقين وهو غير حاصل للمقلد فلا يحصل للمجتهد اليقين بحكم المقلد.

ولكن يندفع : بان المجتهد ذو يقين وشك فموضوع الاستصحاب متوفر فيه ، لأنه كان على يقين بان حكم المقلد كان كذا وهو الآن يشك في بقاء حكم المقلد ، غاية الأمر دعوى ان الاستصحاب بالنسبة إليه ليس بذي أثر عملي فلا يصح ، إذ الحكم لا يرتبط به.

وتنحل هذه الدعوى بتصور أثر علمي لإجراء الاستصحاب بالنسبة إلى المجتهد ، وهو موجود ، إذ يترتب على إجراء الاستصحاب وثبوت الحكم ظاهرا به جواز الإفتاء به واسناده إلى المولى ، إذ بدونه يكون إسناده محرما لأنه تشريع وهذا أثر عملي يصحح إجراء الاستصحاب من قبل المجتهد نظير إجراء الاستصحاب في الأمور الموضوعية لترتب آثارها الشرعية ، وإجراء الحاكم الاستصحاب في بقاء ملكية زيد ـ مثلا ـ أو غيرها من الأحكام التي تكون موضوع الدعوى مع عدم ارتباطها به عملا أصلا ، لأجل ترتيب جواز الحكم بها لزيد.

وجملة القول : يجوز إجراء المجتهد الاستصحاب لترتيب أثره العملي

١٩

الثابت في حق نفسه وهو جواز الإفتاء به لا في حق مقلده ، كي يقال : انه لا يقين له ولا شك فلا حكم استصحابي في حقه ، فيستصحب المجتهد حكم المقلد الّذي كان على يقين منه ويبني على بقائه ليترتب عليه جواز الإفتاء به. وإذا أفتى به المجتهد ، جاز للمقلد بأدلة التقليد الأخذ به.

وخلاصة ما ذكرناه : ان عمدة الإشكال في باب الاستصحاب على المبنى الثاني فيه ، وقد عرفت عدم وصول النوبة في جميع الموارد إلى دعوى كون المجتهد بمنزلة المقلد بمقتضى أدلة التقليد ، كي يشكل الأمر فيما لم نقل بجواز التقليد من طريق الأدلة اللفظية ، بل من طريق دليل الانسداد الّذي هو ظاهر الشيخ قدس‌سره ، إذ لا مجال لحديث دلالة الاقتضاء في دليل الانسداد فتدبر جيدا.

هذا تمام الكلام فيما يرتبط بالتقسيم ، ويقع الكلام فعلا في كل قسم من الأقسام الثلاثة :

٢٠