منتقى الأصول - ج ٢

السيد عبد الصاحب الحكيم

منتقى الأصول - ج ٢

المؤلف:

السيد عبد الصاحب الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٢٦

١
٢

٣

الاجزاء

٤

مبحث الاجزاء

وهو من المباحث الجليلة القدر علما وعملا.

وموضوعه كما حرره في الكفاية ان الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو لا (١)؟. وعمدة البحث فيه هو الكلام عن إجزاء المأمور به بالأمر الواقعي الثانوي ـ الاضطراري ـ عن الأمر الواقعي الأولي ، وإجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن الأمر الواقعي.

ولكن صاحب الكفاية تعرض في بدء بحثه إلى الكلام عن بعض الجهات غير الدخيلة في أساس البحث المذكور والتي لا تغني ولا تسمن من جوع ، ناهجا في ذلك ما يعتاده القدماء من محاولة بيان المراد من موضوع الكلام بشرح ألفاظه (٢).

فمن هنا تعرض صاحب الكفاية إلى بيان المراد من كلمة : « وجهه ». والمراد من كلمة : « يقتضي ». وكلمة : « الاجزاء ». ونحن نقتصر في المقام على توضيح ما جاء

__________________

(١) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٨١ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

(٢) ذكر سيدنا الأستاذ ( دام ظله ) : ان بعض الأعلام أسهب في شرح ألفاظ قاعدة : « الجمع مهما أمكن أولى » بحيث يقرب عشرين صفحة بذكر احتمالات معاني الألفاظ ودفعها ونحو ذلك. ( منه عفي عنه ).

٥

في الكفاية ـ تبعا ـ فنقول :

اما : « وجهه ». قد ذكر : ان المراد منه هو الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا وعقلا ، وليس المراد منه الكيفية المعتبرة شرعا ، ولا المراد منه قصد الوجه الّذي قيل باعتباره في العبادة.

اما عدم إرادة الكيفية المعتبرة شرعا فلوجهين :

الأول : انه يلزم ان يكون قيدا توضيحيا ، لأن الكيفية المعتبرة شرعا يدل عليها عنوان المأمور به ، فلا يكون : « على وجهه » قيدا احترازيا بل توضيحا لعنوان : « المأمور به ».

الثاني : انه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع لدى من لا يرى إمكان أخذ قصد القربة ونحوه شرعا ، إذ لا إشكال لديه في أن الإتيان بالمأمور به العبادي على الكيفية المعتبرة شرعا. يعني بدون قصد القربة ـ لا يقتضي الإجزاء ولا نزاع في ذلك فيختص النزاع في التوصليات.

وامّا عدم إرادة قصد الوجه فلوجهين أيضا :

الأول : عدم اعتباره إلا من القليل ، فلا معنى لإرادته في عنوان يشترك في تحريره الجميع.

الثاني : خروج الواجبات التوصلية عن حريم النزاع ، لعدم اعتبار قصد الوجه ـ عند من يعتبره ـ في غير العباديات.

هذا مضافا إلى عدم الوجه في تخصيصه بالذكر دون سائر القيود المعتبرة لا ميزة له على غيره.

واما : « الاقتضاء » ، فقد ذكر : ان المراد منه هو العلّية والتأثير لا الكشف والدلالة ، ولا يخفى ان الاقتضاء مطلقا بمعنى العلية والتأثير ، إلا أنه تارة : يكون التأثير في الوجود الواقعي للشيء فيصطلح عليه بالعلية. وأخرى : يكون في الشيء بوجوده العلمي فيصطلح عليه بالكشف والدلالة. وإلاّ فهو في مقام

٦

الكشف بمعنى التأثير حقيقة لكنه تأثير في الوجود العلمي لا الواقعي.

وعلى كل المراد منه هاهنا هو العلية والتأثير لا الكشف والدلالة ، وأيد ما ذكره بأنه قد نسب في موضوع النزاع إلى الإتيان لا الأمر ، فانها تتناسب مع إرادة العلية منه ، إذ الكشف من شئون الألفاظ والأدلة لا من شئون الأفعال فانها مؤثرة واقعا.

وقد يورد عليه بوجهين :

أحدهما : بأنه لم يرد الاقتضاء في كلام القوم منسوبا إلى الإتيان ، بل ورد منسوبا إلى الأمر ـ وهو يتناسب مع إرادة الكشف والدلالة منه ـ. وعليه فالاستشهاد على ما ادعاه من إرادة العلية منه بنسبة الاقتضاء إلى الإتيان في غير محله ، لأن النسبة المذكورة لم يذكرها غيره ولا معنى لاستشهاده على إرادة شيء من كلام القوم أو من كلامه بما جاء في كلامه بخصوصه كما هو واضح.

وأجيب عن هذا الوجه : بأنه قدس‌سره ليس في مقام بيان كون المراد من الاقتضاء في كلام القوم هو العلية ، بل في مقام بيان ان الأنسب في تحرير البحث هو جعل الاقتضاء بمعنى العلية والتأثير لا بمعنى الكشف والدلالة (١).

نعم يبقى سؤال وهو : انه إذا كان الملحوظ في كلامه هذه الجهة ، فما هو معنى التعليل بنسبة الاقتضاء إلى الإتيان مع انه وارد في كلامه بالخصوص؟.

ويمكن الجواب عنه : بأنه يمكن ان يكون نظر صاحب الكفاية إلى تصحيح نسبة الاقتضاء إلى الإتيان بهذه الجهة ، فيكون المعنى انه من أجل ان البحث ينبغي ان يكون عن الاقتضاء بمعنى العلية نسبنا الاقتضاء إلى الإتيان لملاءمته معه. وليس نظره ـ كما قد يظهر بدوا ـ إلى تعليل كون البحث عن الاقتضاء بمعنى العلية بنسبة الاقتضاء إلى الإتيان كي يرد عليه ما ذكر.

__________________

(١) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ١ ـ ١٤٦ ـ الطبعة الأولى.

٧

وبالجملة : النّظر إلى تعليل نسبة الاقتضاء إلى الإتيان بإرادة العلية من الاقتضاء ، لا إلى تعليل إرادة العلية من الاقتضاء بنسبته إلى الإتيان. فتدبر.

الثاني : وهو الّذي أشار إليه تحت عنوان : « ان قلت ». وتوضيحه : ان الكلام لا ينحصر في اقتضاء الإتيان بالمأمور به للإجزاء ، بل يقع النزاع في بعض الصور في دلالة الدليل على الإجزاء ، فلا معنى لفرض النزاع مطلقا في الاقتضاء بمعنى العلية. بيان ذلك : ان موضوع الكلام تارة : يكون إجزاء المأمور به عن أمره كإجزاء المأمور به بالأمر الواقعي الأولي عن أمره ، وإجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري عن أمره ، واجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن أمره. وأخرى : يكون في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري عن الأمر الواقعي.

فالكلام في الأول ـ لو فرض ـ يكون في الاقتضاء بمعنى العلية ، إذ لا تلحظ دلالة الدليل في هذا المقام.

واما في الثاني : فالنزاع في الحقيقة في دلالة الدليل على إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري ـ كل بحسب دليله ـ عن الأمر الواقعي ، فالمناسب في هذا النحو إرادة الكشف والدلالة من الاقتضاء.

وأجاب عنه قدس‌سره : بان وقوع النزاع في هذا النحو في دلالة الدليل مسلم لا ينكر ، لكنه لا يتنافى مع كون النزاع الأساسي في ان نفس الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري يؤثر في الإجزاء ، بلحاظ وفائه بالملاك وعدم وفائه ، وينضم إليه النزاع المزبور ـ أعني النزاع فيما هو مقتضى الدليل ـ ، وهو منشأ الخلاف في النزاع الأول ، بمعنى ان النزاع في الإجزاء الإتيان وعدمه للخلاف في دلالة الدليل على الوفاء بالملاك وعدمه أو مقدار الوفاء. فيكون هناك نزاعان كبروي وصغروي ، كما انه في النحو الأول يكون نزاع واحد كبروي لو فرض نزاع ، إذ لا كلام في إجزاء المأمور به عن نفس أمره لوفائه بملاك أمره وتحصيله غرضه.

٨

وقد استشكل في الجواب : بان فرض وقوع النزاع في الصغرى ـ أعني في دلالة الدليل ـ لا يتناسب مع المسألة الأصولية ، إذ من شرائط المسألة الأصولية كما تقدم ان تكون نتيجتها كلية جارية في جميع الموارد ، ولذا قيل بخروج قاعدة الطهارة عن الأصول لاختصاصها بباب الطهارة ، مع كون مفادها مفاد قاعدة الحلّ والبراءة. ولا يخفى ان الكلام في دلالة كل دليل كدليل : « التراب أحد الطهورين » (١) ونحوه لا ينتهي بنا إلى نتيجة عامة ، بل نتيجتها خاصة بمورد الدليل كالطهارة أو الصلاة أو غيرهما.

هذا مضافا إلى انه إذا كان منشأ الخلاف الكبروي هو النزاع في دلالة الدليل ، فالمناسب هو تحرير النزاع في دلالة الدليل وتشخيص مفاده لتحسم به مادة النزاع الكبروي وينتهى منه إلى النتيجة الكبروية ، لأن الأولى هو تحرير الكلام فيما هو سر الخلاف وتنقيحه فيه كما لا يخفى.

مع ان فرض تحقق النزاع الكبروي مشكل ، كالإشكال في فرضه بالنسبة إلى إجزاء المأمور به عن أمره ، إذ إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري عن الأمر الواقعي وعدمه يبتني على أمور توجب التسليم به لو ثبتت ، وهي الوفاء بالملاك ، أو عدم وفائه ، أو عدم إمكان تدارك المصلحة الفائتة كما سيجيء إن شاء الله تعالى ، وعليه فالنزاع في الحقيقة ليس في أصل الكبرى وانما في ما تثبت به وهي مقدار الوفاء بالملاك وتحديده ، وهذا يستكشف من دليل الحكم الاضطراري أو الظاهري.

وبالجملة : لا نزاع في أصل الكبرى بما هي هي ، بل بما تبتني عليه الكبرى فيرجع النزاع صغرويا فينبغي ان يكون في دلالة الدليل ومقتضاه (٢).

__________________

(١) عن أبي جعفر عليه‌السلام : « فان التيمم أحد الطهورين ».

وسائل الشيعة ٢ ـ ٩٩١ باب : ٢١ من أبواب التيمم حديث : ١.

(٢) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ١ ـ ١٤٦ ـ الطبعة الأولى.

٩

وقد يجاب : بان النزاع ليس في دلالة كل دليل في مورده الخاصّ كي يدعى ان نتيجة ذلك النزاع خاصة بمورد الدليل ولا تتعداه إلى غيره ، وانما يفرض في أمر كلي ينطبق على جميع الأدلة ، وهو ان الدليل ـ أي دليل كان ـ في أي حال وعلى أي نحو يكون دالا على وفاء المأمور به بالملاك الواقعي فيكون مجزيا. وعدم وفائه به فلا يكون مجزيا؟. فهل إطلاقه يقتضي وفاء المأمور به بالملاك أولا؟. فالبحث إنما هو في الملازمة بين الإطلاق ووفاء المأمور به بالملاك. ولا يخفى ان نتيجتها قاعدة كلية تنطبق على كل مورد من دون خصوصية لمورد على آخر.

وعلى هذا فالبحث فيها يتلاءم مع كون المسألة أصولية.

ولا يخفى ان هذا الجواب تصحيح لأصولية البحث في الإجزاء وكون مسألته من المسائل الأصولية ، ولا يصحح كلام الكفاية ، فان الاقتضاء عليه وان لم يكن بمعنى الدلالة والكشف. ولكنه ليس بمعنى العلّية والتأثير أيضا ، بل البحث أجنبي عن الاقتضاء ، فانه عن الملازمة بين الإطلاق والوفاء بالملاك. وعلى كل فالأمر سهل.

واما : « الإجزاء » فقد أفاد : بان المراد به معناه اللغوي والعرفي ، وهو الكفاية ، غاية الأمر ان المكفي عنه يختلف ، فتارة : يكون إسقاط القضاء. وأخرى : يكون إسقاط الإعادة. ومع إمكان حمله على المراد العرفي اللغوي لا يتجه جعل معناه اصطلاحيا ، بمعنى إسقاط القضاء أو إسقاط الإعادة.

وبعد ان فرغ من ذلك تعرض إلى جهة الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة دلالة الأمر على المرة أو التكرار ، إذ قد يتوهم عدم الفرق بينهما ، حيث انه على القول بعدم الاجزاء لا بد من تكرار الفعل ، كما انه بناء على دلالته على التكرار لا بد من تكرار العمل. ببيان : ان المبحوث عنه في تلك المسألة يختلف عنه في هذه المسألة ، فان المبحوث عنه في تلك هو تشخيص المأمور به وتعيينه ،

١٠

وانه هل الوجودات المتعددة أو الوجود الواحد ، والبحث في هذه عن ان الإتيان بما هو المأمور به هل يجزي أو لا ، فهو في طول تعيين المأمور به؟.

كما تعرض إلى بيان الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة تبعية القضاء للأداء التي يبحث فيها عن ان القضاء هل هو بأمر جديد أو يثبت بنفس الأمر الأدائي؟ ، ولكن لم يظهر الوجه في تعرضه لذلك بعد عدم وجود القدر الجامع بين المسألتين الموجب لتوهم كونهما راجعتين إلى بحث واحد ، كيف؟ وموضوع تبعية القضاء للأداء عدم الإتيان بالفعل المأمور به ، وموضوع هذه المسألة هو الإتيان بالمأمور به ، وكان عليه قبل بيان الفرق الإشارة إلى ما به الاشتراك الموهم للاتحاد ، لا التعرض رأسا إلى بيان ما به الامتياز. فلاحظ. وعلى كل فالفرق واضح بين جهة البحث في هذه المسألة وجهة البحث في مسألة التبعية.

وبعد ان أنهى الكلام في هذه المقدمات تطرق إلى البحث فيما هو موضوع الكلام ـ أعني اجزاء الإتيان بالمأمور به وعدمه ـ. وأوقع الكلام في مقامين :

المقام الأول : في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالنسبة إلى أمره ، كأجزاء الإتيان المأمور به بالأمر الواقعي عن الأمر الواقعي ، أو المأمور به بالأمر الظاهري بالنسبة إلى الأمر الظاهري ، والمأمور به بالأمر الاضطراري بالنسبة إلى الأمر الاضطراري.

وهو مما لا إشكال فيه ، وذلك لأن المأمور به المأتي به اما ان يكون وافيا بالملاك الباعث نحو الأمر. أو لا يكون وافيا به.

فالثاني خلف كونه مأمورا به ، لأن الأمر لا يتعلق إلا بما هو واف بملاكه ، ولزم ان يكون غيره هو المأمور به لا هو لعدم وفائه بملاك الأمر.

والأول يلزمه سقوط الأمر لحصول الغرض ، والأمر تابع لحصول الغرض ، فإذا حصل سقط الأمر وإلاّ لم يكن تحصيله غرضا للأمر وغاية له.

وبالجملة : تحقق امتثال الأمر بإتيان المأمور به بذلك الأمر لا كلام فيه

١١

ولا خلاف.

انما الكلام في جواز تبديل الامتثال بالإتيان بفرد آخر للمأمور به يكون هو امتثالا للأمر وعدم جوازه.

ادعى صاحب الكفاية جوازه في بعض الموارد ، وهي ما إذا لم يكن المأمور به علة تامة لحصول الغرض.

بيان ذلك : ان المأمور به تارة : يكون علة تامة لحصول الغرض ، كما لو أمر المولى عبده بإهراق الماء في فمه لأجل رفع العطش ، فأهرق العبد الماء في فيه ، فان المأمور به علة تامة لحصول الغرض وهو رفع العطش ، ففي هذا الفرض لا يجوز تبديل الامتثال عقلا لسقوط الأمر بمجرد الإتيان بالفعل ، فلا يبقى مجال لامتثاله ثانيا. وأخرى : لا يكون علة تامة لحصول الغرض ، بل تكون نسبته إليه نسبة المقتضي أو المعد ، كما لو كان حصول الغرض يتوقف على فعل اختياري للمولى نفسه مثل ما لو أمره بإحضار الماء لرفع العطش ، فإن مجرد إحضار الماء لا يحصّل الغرض ، بل يتوقف حصوله على انضمام شرب المولى للماء ، ففي هذا الفرض يجوز عقلا تبديل الامتثال والإتيان بفرد آخر أفضل منه ـ مثلا ـ ليكون هو امتثالا عن الأمر ، لعدم حصول الغرض بالفعل الأول كما هو الفرض.

وأيد هذه الدعوى ، بل دلل عليها بما جاء في النصوص (١) من الأمر بالصلاة جماعة لمن كان قد صلّى فرادى وان الله يختار أحبّهما إليه (٢).

وقد استشكل في هذه الدعوى : بأنه يستحيل ان لا يكون المأمور به علة

__________________

(١) الكافي : ٣ ـ ٣٧٩ ـ باب الرّجل يصلي وحده من كتاب الصلاة.

تهذيب الأحكام : ٣ ـ ٢٦٩ ـ الحديث : ٩٤.

الفقيه : ١ ـ ٢٥١ ـ الحديث : ٤١ إلى ٤٣.

(٢) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٨٣ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٢

تامة لحصول الغرض لتبعية الأمر لتحصيل الغرض من المأمور به : فيستحيل ان يتوسط بين الفعل وحصول الغرض مقدمة غير اختيارية للمكلف ، بل المأمور به لا ينفك عن الغرض من الأمر ، واما ما ذكر من مثال الأمر بإحضار الماء للشرب ، فالغرض من الأمر هاهنا ليس هو نفس الشرب ، فإنه أمر اختياري للمولى لا يرتبط بالعبد ، فلا معنى لانبعاث الأمر عنه ، بل الغرض منه هو التمكن من الشرب وهو لا ينفك عن المأمور به كما لا يخفى.

وعليه ، فالإتيان بالفعل مطلقا يكون موجبا لحصول الغرض لأنه علة تامة له المستلزم لسقوط الأمر المانع من جواز تبديل الامتثال (١).

والعجيب من صاحب الكفاية استدلاله على المدعى بالنصوص المزبورة ، مع ان الكلام في تبديل الامتثال ثبوتي يحرر لأجل معرفة المراد بهذه النصوص.

ولا يخفى ان الكلام يدور بين الجواز عقلا والمنع عقلا ، فلا معنى للاستدلال على الجواز بالروايات وبالدليل في مقام الإثبات ، إذ لو ثبت المنع عقلا يعلم بعدم إرادة ما هو ظاهر الدليل الإثباتي وان المراد به خلاف ظاهره ، فيصرف عن ظاهره ، فلا يتوصل إلى إثبات الجواز بالدليل في مقام الإثبات. نعم لو وصلت المرحلة إلى التشكيك في الجواز والامتناع أمكن التمسك بالدليل الإثباتي في إثبات الجواز ويكون دليل الوقوع دليلا على الإمكان ، ولكن النوبة لا تصل إلى ذلك بل الأمر دائر بين النفي والإثبات.

فلا معنى للاستدلال بالدليل الإثباتي على عدم المنع.

وبالجملة : الكلام فيما نحن فيه انما هو في مرحلة الثبوت لمعرفة امتناع تبديل الامتثال وجوازه تمهيدا وتوطئة لتشخيص المراد من هذه النصوص ونظائرها. فلا يتجه الاستدلال بها على أحد الطرفين ثبوتا كما هو ظاهر جدا.

__________________

(١) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ١ ـ ١٤٨ ـ الطبعة الأولى.

١٣

وعلى أي حال فهذا نقاش أشبه باللفظي ، فلا أثر لتطويل الكلام فيه.

وانما المهم تحقيق أصل الدعوى. فنقول : الكلام ..

تارة : يقع في تحقيق جواز تبديل الامتثال وعدم جوازه بالمعنى اللفظي لتبديل الامتثال ، الراجع إلى البحث في جواز رفع عنوان الامتثال الصادق على فعل وتطبيقه على فعل آخر وجعله هو الامتثال دون ذلك الفعل الأول.

وأخرى : لا يقع في مؤدى هذا اللفظ ، بل يبحث في جواز الإتيان بفرد آخر ـ بعد الإتيان بما يكون امتثالا لو اكتفي به ـ بنحو عبادي قربي يقصد به تحصيل ما هو ملاك الأمر الأقصى فيكون امتثالا واقعيا. ولا يتعين الأول لأن يكون امتثالا وان تعين على تقدير الاكتفاء به.

ولا يخفى ان البحث فيما لم يكن الفعل علة تامة لحصول الغرض كما لو كان هناك غرض أقصى من الفعل يحصل باختيار المولى ، إذ لو كان الفعل علة تامة لحصول الغرض يسقط به الأمر ويحصل به الغرض فلا مجال للتعبد بالفعل ثانيا ولا تجري فيه وجوه الجواز الآتية كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

ويتضح الفرق جليا بين نحوي الكلام في ضمن البحث.

ولنوقع البحث على النحو الثاني. فنقول : انه قد يذكر لجواز الإتيان بالفعل ثانيا بنحو عبادي وقابل لانطباق عنوان الامتثال الواقعي عليه وانصرافه عن الآخر وجوه ثلاثة :

الوجه الأول : الالتزام بان الواجب ـ فيما لو كان هناك غرض أقصى يتوسط بينه وبين الفعل ما لا اختيار للمكلف فيه كفعل المولى ـ هو الحصة المقارنة لترتب الغرض الأقصى عليها ، فما لم يترتب عليها الغرض الأقصى لا تكون واجبة ولا يشملها الوجوب ، كما يقال في ان الوجوب المقدمي إنما يترشح على المقدمة الموصلة دون غيرها ، بمعنى ان الواجب من المقدمات هو المقدمة التي يترتب عليها الواجب دون ما لا يترتب عليه ، وفي مقابله القول بان الواجب

١٤

مطلق المقدمة الموصلة وغيرها.

وبالجملة : إذا التزم بمبنى المقدمة الموصلة فيما نحن فيه وقيل ان الوجوب المترشح عن تحصيل الغرض والناشئ عنه انما يثبت للفعل الموصل للغرض بمعنى الحصة الملازمة لترتب الغرض فغيرها لا تتصف بالوجوب المقدمي للغرض ، أمكن الإتيان بفعل آخر بعد الإتيان بأول مع فرض عدم حصول الغرض الأقصى بالأول فعلا ، فيمكن الإتيان بفعل آخر برجاء تحصيل غرض المولى به ليكون مصداقا للامتثال ، فإذا حصل غرض المولى به كان هو الواجب وما به الامتثال لأنه هو الموصل دون الأول.

وبعبارة أخرى : حيث انه بعد لم يسقط الأمر بالأول وعدم العلم بكونه هو الامتثال ، أمكن الإتيان بفرد برجاء الأمر وتحصيل غرض المولى ، فيكون امتثالا وواجبا لو حصل به غرض المولى. فالإتيان بفرد آخر يمكن ان يكون امتثالا وبرجاء الأمر جائز بلا كلام على الالتزام بالمقدمة الموصلة.

الوجه الثاني : انه لو لم يلتزم بالمقدمة الموصلة وان الواجب ما يصلح للإيصال ومطلق ما هو مقدمة موصلا كان أولا ، فيكون الفعل الأول امتثالا جزميا ويسقط به الأمر للامتثال به لكنه مع هذا يمكن الإتيان بفرد آخر بداعي تحصيل ما هو محبوب للمولى والوصول إلى ما هو ملاك الأمر. فانه إذا كان للمولى غرض أقصى مرغوب فيه ـ كالشرب في مثال الأمر بإحضار الماء ـ ولم يتحقق بالفرد الأول وان سقط به الأمر ، أمكن ان يؤتى بفرد آخر برجاء تحصيل ما هو محبوب المولى به وهو الشرب ، فإذا جاء بإناء ثان بهذا القصد كان الفعل عباديا صحيحا ـ نظير الاحتياط ـ ، فإذا تحقق الغرض الأقصى به كان موضوع آثار الامتثال ، بمعنى يكون حاويا لملاك الامتثال فيكون امتثالا واقعيا يترتب عليه أثر الامتثال دون الأول.

الوجه الثالث : ـ وهو المنسوب إلى المرحوم المحقق الشيخ كاظم

١٥

الشيرازي قدس‌سره ـ وهو وجه عرفي محصله : انه إذا كان للمولى غرض أقصى لا يحصل بمجرد الإتيان بالفعل ، فالعرف يرى في مثل الحال ان المكلف مخير بين إبقاء الفرد الأول وبين إتلافه والإتيان بفرد جديد آخر ، فهناك وجوب تخييري متعلق بإبقاء الفرد الأول والإتيان بفرد آخر بنحو التخيير.

ولا يخفى انه من المقرر في مورد الوجوب التخييري جواز الإتيان بكلا فردي الوجوب دفعة ويكون كل منهما امتثالا للأمر.

وعليه ، فيمكن للمكلف أن يأتي بفرد آخر جديد في عرض إبقاء الفرد الأول الّذي هو طرف التخيير ، فيأتي ـ في مثال الأمر بالماء ـ بإناء ثان في حال إبقاء الإناء الأول ، فيكون كل من الإبقاء والإتيان بإناء ثان امتثالا للأمر التخييري ، فالفرد الثاني يقع امتثالا للأمر. وهذا امر عرفي واضح.

ومن الظاهر ان هذا الوجه إنما يتم في المورد الّذي يكون الإبقاء اختياريا للمكلف كما في الإتيان بالإناء الّذي فيه ماء ، إذ يتمكن المكلف من إراقة الماء فينعدم الفرد. واما المورد الّذي لا يكون الإبقاء اختياريا للمكلف ، فلا يتم ذلك ، إذ لا يكون الإبقاء حينئذ طرف الوجوب التخييري كما في مورد الأمر بالصلاة ، فان إبقاء المكلف للصلاة التي جاء بها ليس اختياريا له ، إذ لا يتمكن من رفعها وإعدامها بأي طريقة ، فان الفعل قد وقع فلا يرتفع كما هو ظاهر جدا.

وعلى أي حال فهو وجه لا بأس به.

والمتحصل : ان هذا المعنى من تبديل الامتثال أمر معقول ولا محذور فيه.

وقد ذهب المحقق العراقي ـ كما في تقريرات بحثه ـ إلى عدم معقولية تبديل الامتثال ، ببيان : انه ان التزمنا بالمقدمة الموصلة صح الإتيان بفرد آخر برجاء امتثال الأمر به وتحصيل غرض المولى ، وحينئذ إذا اختاره المولى في تحصيل غرضه كان هو مصداق الامتثال دون الأول ، فلا يكون من باب تبديل الامتثال ، لأن الفرد الأول غير امتثال. وان لم نلتزم بالمقدمة الموصلة كان الإتيان

١٦

بالفرد الأول مسقطا للأمر لكونه امتثالا ، فلا مجال للإتيان بفرد آخر ثانيا ليصير امتثالا لعدم الأمر (١).

وهو كما لا يخفى يبتني على إرادة تبديل الامتثال بالمعنى الأول ، فيرجع النقاش لفظيا ، لا بالمعنى الّذي عرفت معقوليته ، وعليه يمكن حمل النصوص الواردة في أمر من صلى فرادى بالصلاة جماعة. اما بناء على المقدمة الموصلة فواضح ، فانه يستكشف من هذا الدليل ان للصلاة غرضا أقصى يمكن ان يحصل بكلا الفردين ، فما هو الأفضل لدى الله هو الّذي يكون محصلا للغرض باختياره ، فيقع امتثالا دون الآخر. وهكذا بناء على الوجه الثاني ، إذ للمولى ان يختار في تحصيل غرضه ما هو الأفضل منهما فيكون في الحقيقة هو مصداق الامتثال وان لم يكن أمر بعد الإتيان بالفرد الأول. واما بناء على الوجه الثالث ، فالأمر فيه كذلك ، فانه وان وقع كل من الفردين امتثالا للأمر ، لكن يمكن ان يختار أحبهما في مقام استحقاق الثواب باعتبار تحصيل الغرض الأقصى به ، ولا يتعدد الثواب لوحدة الملاك والغرض الباعث للأمر التخييري ، إلا انه يلزم الاقتصار على مورده ، أعني الصلاة جماعة أو مطلق الصلاة ، إذ لا بد في جواز تبديل الامتثال بالمعنى الّذي عرفته من إحراز وجود غرض أقصى للمولى ، فمع عدم الدليل عليه لا يتجه الإتيان بالفعل ثانيا لعدم وجود ملاك المقربية والامتثال فيه. والدليل فيما نحن فيه مختص بالصلاة ، فيستكشف منه وجود غرض أقصى في الصلاة فقط اما بنحو العموم ، أو في خصوص صلاة الجماعة.

ولا يخفى انه مع عدم الالتزام بجواز تبديل الامتثال بأي معنى كان والالتزام بمنعه عقلا يشكل الأمر في هذه النصوص من حيث مفادها. وتقريب الإشكال : انه اما ان يلتزم بان الصلاة الأخرى المعادة متعلقة للأمر ـ الوجوبيّ

__________________

(١) الآملي الشيخ ميرزا هاشم. بدائع الأفكار ١ ـ ٢٦٣ ـ الطبعة الأولى.

١٧

أو الاستحبابي ـ أو لا يلتزم بذلك. فعلى الأول تكون امتثالا آخرا لأمر آخر فلا معنى لاختيار إحداهما ، إذ كل منهما مأمور به وقد وقعت امتثالا لأمرها فيستحق العبد ثوابين. وان لم يلتزم بوجود امر آخر متعلق بها ، فيشكل الإتيان بها مع عدم الأمر بها وسقوط الأمر الأول وعدم جواز تبديل الامتثال.

والتخلص من هذا الإشكال : بان اختيار أحبهما إليه انما هو راجع إلى مقام الثواب الّذي هو تفضل منه سبحانه ، أجنبي بالمرة عن مفاد الإشكال كما لا يخفى بأدنى تأمل.

وقد التزم المحقق الأصفهاني بتعدد الأمر ، ووجّه وحدة الثواب باختيار أحبهما بوجهين :

الأول : ان الثواب حيث انه من توابع القرب فإذا اجتمع مؤثران في القرب وكان تأثير أحدهما أكثر من الآخر ، كانا مشتركين في القدر المشترك بمعنى انه لا يحسب لكل منهما القدر المشترك بينهما ، بل القدر المشترك يجعل لهما كليهما ويضاف إليه الزائد الّذي يؤثر فيه أحدهما خاصة وهو معنى اختيار أحبهما.

الثاني : ان اجتماع المثلين في شيء واحد ممتنع كاجتماع الضدين ، فإذا كان هناك مؤثران في القرب لم يؤثر كل منهما على حدة ، لاستلزامه اجتماع فردين من القرب وهو من اجتماع المثلين ، بل المؤثر أحدهما فيمكن ان يختار الله في مقام التأثير ما هو الأكثر تأثيرا (١).

ولا يخفى عليك ان كلا الوجهين مخدوشان :

اما الأول : فدعوى اتحاد المؤثرين في القدر المشترك دعوى بلا دليل ، فان العقل يحكم باستحقاق الثواب ـ بأي معنى كان الثواب بفعل ما يوجبه ،

__________________

(١) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ١ ـ ١٤٨ ـ الطبعة الأولى.

١٨

فإذا تعدد الموجب تعدد الثواب أيضا بحكم العقل ، ولا وجه لاتحاد التأثير بعد كون كل منهما قابلا في نفسه وذاته للمؤثرية.

واما الثاني : فهو أجنبي بالمرة عن مقام اتحاد المثلين ، فان مقامه الوجودات الخارجية لا النّفس ، والقرب والبعد من صفات النّفس. وقد تكرر منه إمكان اجتماع المتضادين في النّفس كالكراهة والإرادة.

وعلى كل ، فما ذكره لم يتضح وجهه ، فانه لا يمتنع ان يأتي العبد في حين واحد بفعلين مقربين يكون كل منهما موجبا للقرب ومستلزما للثواب ، وإلاّ لجرى ما ذكره في جميع الواجبات والمستحبات ولا يلتزم به.

والمتحصل : انه مع تعدد الأمر لم يظهر وجه اتحاد الثواب واختيار أحدهما في مقام الثواب ، فمع عدم الالتزام بإمكان تبديل الامتثال بالمعنى الّذي ذكرناه ، يبقى الإشكال في مفاد الرواية على حاله. فلاحظ.

المقام الثاني : في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري عن الأمر الواقعي.

والكلام في موقعين :

الموقع الأول : في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي ، كما لو كان مأمورا بالصلاة مع التيمم ثم ارتفع العذر ، فهل يجب عليه الإتيان بالصلاة مع الوضوء أو لا يجب ، بل يكون الإتيان بالصلاة مع التيمم مجزيا عنه؟.

ولا بد قبل الخوض في البحث من التعرض إلى جهتين :

الجهة الأولى : في بيان موضوع الكلام ، وهو ما كان موضوع الأمر الاضطراري متحققا في الواقع بحيث يكون للأمر الاضطراري ثبوت واقعي في حين الإتيان بالعمل ، وذلك كما إذا أخذ في موضوعه الاضطرار آناً ما ، فتحقق كذلك ، أو كان موضوعه الاضطرار المستمر إلى نهاية الوقت فتحقق كذلك أيضا.

١٩

فانه في كلا الفرضين يكون للأمر الاضطراري ثبوت واقعي.

واما إذا لم يكن الأمر الاضطراري ثابتا واقعا لعدم تحقق موضوعه واقعا. وانما جيء بالعمل استنادا إلى إحراز تحقق الموضوع وجدانا ، أو بالاستصحاب ـ لو سلم جريانه في مثل الفرض ـ ، ثم انكشف الخلاف وعدم تحققه واقعا ـ كما لو كان موضوع الأمر هو الاضطرار تمام الوقت ، فتخيل انه يستمر الاضطرار معه إلى نهاية الوقت ، أو قيل بصحة إجراء الاستصحاب في أمر استقبالي.

فاستصحب بقاء الاضطرار إلى نهاية الوقت ، فجاء بالعمل الاضطراري ثم انكشف الخلاف بارتفاع الاضطرار في أثناء الوقت ـ.

فليس هذا الفرض موضوع الكلام ، إذ لا مأمور بالأمر الاضطراري لعدم وجود الأمر الاضطراري ، كي يقع الكلام في إجزائه ، بل فرض الاستصحاب يكون من باب الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري ، والكلام في إجزائه يقع في الموقع الثاني.

وجملة القول : ان موضوع الكلام انما هو الإتيان بما هو مأمور به بالأمر الاضطراري واقعا ، بحيث يكون الملاك وموضوع الأمر الاضطراري ثابتا في الواقع فيثبت الأمر بتبعه.

الجهة الثانية : في تأسيس الأصل ومعرفة القاعدة الأولية في الكلام ، بمعنى انه لا بد من معرفة ان مقتضى القاعدة والأصل الأولي ـ لو لم يتكفل دليل الأمر الاضطراري الإجزاء ـ هل هو الإجزاء أو عدمه؟ ، بحيث يرجع اليد مع قصور الدليل المتكفل للأمر الاضطراري للاجزاء. ولا يخفى انه إذا كان مقتضى الأصل الأولي هو الإجزاء ، لم يكن البحث في تكفل دليل الأمر الاضطراري الإجزاء وعدمه بذي أهمية وأثر عملي مهم ، إذ الإجزاء ثابت على كلا التقديرين اما باعتبار دلالة دليل الأمر الاضطراري أو باعتبار الأصل

٢٠