منتقى الأصول - ج ١

السيد عبد الصاحب الحكيم

منتقى الأصول - ج ١

المؤلف:

السيد عبد الصاحب الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٢٨

١
٢

٣
٤

٥
٦

بسم الله الرحمن الرحيم

طلب إلي ـ ولعل الأصح كان من المفروض علي ـ تقديم الكتاب ، علما بأن ذلك من الصعب جدا ، إذ كان المعني به : تقويم الكتاب ، وتقييم مؤلفه .. وهذا ما يعوزني ـ جدا ـ متطلباته ، وأراني فاقدا للصلاحيات المفروضة فيه. ولكن حيث لم يكن الامر بالخيار ، فلا مبرر للاعتذار.

١ ـ تمهيد :

١

ان علم ( أصول الفقه ) في المصطلح الحوزوي يعنى به : مجموعة من المسائل يقع عليها ـ بالدرجة الأولى ـ ثقل علم ( الفقه ) ، أي : اثبات الوظائف الشرعية العملية للمكلفين. ولا ضير إذا اكتفينا ـ في هذا المجال ـ بهذا المقدار في تعريف العلم ، حيث لا يتطلب منا الموقف تحديده بالدقة ، بل هو ما يتكفله الكتاب نفسه اذن فعلم ( أصول الفقه ) ـ في الحقيقة ـ من العلوم الالية لعلم ( الفقه ) ، رغم أنه ـ في نفسه ـ يمثل مرتبة سامية من المعرفة بلغها الادراك البشري عبر تاريخه الطويل.

وقد مر على هذا العلم ـ شأن لداته من سائر العلوم والفنون ـ أدوار ومراحل ، دور الابداع والتأسيس ، دور التطور والتكامل ، السريع منهما والمتلكئ

٧

القريب من الجمود في بعض الأحايين. كما كان له ـ إلى جانب ذلك ـ نصيبه من التوسع والانكماش حسب تبائن الاتجاهات والنزعات ، ونتيجة اختلاف الظروف والأحوال السائدة في الحوزات والمعاهد العلمية.

٢

جرت العادة في التقديم لأمثال علم ( أصول الفقه ) على تحديد المراحل التي مر بها العلم منذ فجر تأسيسه ، وحتى عصر المؤلف ، معتبرين له دور التأسيس والابداع ، ودور النضج والكمال .. ومحددين كل ذلك بزمان خاص ، وعصر أحد أعلام ذلك العلم .. واعتبار كل ذلك بوجه الدقة ، مدعوما بشواهد وأدلة لا ترضخ للنقد والتمحيص ، ويكون بعيدا كل البعد عن ذهنيات الكاتب وميوله ، واتجاهاته الموافقة أو المعاكسة لأولئك الاعلام شئ يصعب المصادقة عليه. وهي سبيل ترتكز ـ على أغلب الظن ـ على الحدس والاجتهاد أكثر مما تعتمد الحقائق والواقعيات ، بالإضافة إلى ما قد يستلزمه ذلك من البخس بحق بعض ، والايفاء فوق اللازم لحق الآخرين.

فارتأيت لذلك ـ وانا لا بد لي من تقديم الكتاب ـ تجنب الطريقة الكلاسيكية المتبعة من أغلبية الكتبة ، وأن ألج الموضوع من باب آخر ، كي لا أرمى بالاندفاع العاطفي ، وليأتي حديثي أبعد ما يكون من التخرص بالغيب ولذلك أعرضت عن تحديق إلى الزمن البعيد ، وتجنبت الكلام عن العصور الساحقة الضاربة في القدم ، واعتبرت موضوع حديثي عن سير هذا العلم في العصر القريب من عصرنا الحاضر ، المشهود حاله أو بالامكان التعرف عليه ـ لكل أحد ـ علما بان هذا العلم مدين بالكثير للمساعي المشكورة التي بذلها أئمة هذا الفن الأقدمون ، كشيخنا المفيد ( ٣٣٦ ـ ٩٤٨ / ٤١٣ ـ ١٠٢٢ ) والشريف علم الهدى ، المرتضى ( ٣٥٥ ـ ٩٦٦ / ٤٣٦ ـ ١٠٤٤ ) وشيخ الطائفة ، الشيخ الطوسي ( ٣٨٥ ـ ٩٩٥ / ٤٦٠ ـ ١٠٦٧ ) وآية الله على الاطلاق ، العلامة الحلي

٨

( ٦٤٨ ـ ١٢٥٠ / ٧٢٦ ـ ١٣٢٥ ) وغيرهم ، شكر الله مساعيهم الجميلة.

٣

لقد طرء على علم ( أصول الفقه ) منذ عهد المرحوم ، الشيخ محمد تقي الأصفهاني ( ـ / ١٣٤٨ ه‍ ـ ١٨٣٣ م ) في جلساته على كتاب ( معالم الأصول ) للشيخ حسن ، بن زين الدين ، الشهيد الثاني ( قدهما ) ( ٩٥٩ ه‍ ـ ١٥٥٣ م / ١٠١١ ه‍ ـ ١٦٠٢ م ) تطور ملحوظ ، سواء أكان ذلك في بحوثه ومسائله ، أم في نوعية التدليل والبرهنة عليها. وهذا شئ لا ينكره كل من لاحظ الكتاب المذكور ، وقارنه بما سبقه من كتب الأصول.

ثم بدى ـ وهو أكثر جدة ، وتهذيبا ، وتنقيحا في البحوث والأدلة ـ فيما كتبه شيخنا العلامة الأنصاري ( قده ) ( ١٢١٤ ه‍ ـ ١٨٠٠ م / ١٢٨١ ه‍ ـ ١٨٦٤ م ) في ( فرائد الأصول ) المشتهر في الأوساط الحوزوية باسم ال‍ ( رسائل ).

ويجدر بنا في هذا المجال أن لا ننسى دور جملة من أفاضل تلامذة الشيخ الأنصاري ( قده ) ممن كان لهم الدور الفعال ، والاسهام المشكور في تطوير العلم ، كالمحقق الرشتي ، المرحوم ميرزا حبيب الله ( ١٢٣٤ ه‍ ـ ١٨١٩ م / ١٣١٢ ه‍ ـ ١٨٩٤ م ) والسيد المجدد ، ميرزا حسن الشيرازي ( ١٣٢٠ ه‍ ـ ١٨١٥ م / ١٣١٢ ه‍ ـ ١٨٩٥ م ) وغيرهم. جزاهم الله تعالى عن العلم وأهله خير الجزاء.

ثم جاء دور المحقق ، الآخوند ، ملا محمد كاظم الخراساني ( ١٢٥٥ ه‍ ـ ١٨٣ م / ١٣٢٩ ه‍ ـ ١٩١١ م ) المشتهر في العرف الحوزوي باسم كتابه ( كفاية الأصول ) بالمحقق صاحب الكفاية. فقد قطع علم ( أصول الفقه ) على عهده شوطا كبيرا في مجال التطوير والتقدم ، بالإضافة إلى ما امتاز به المحقق المذكور ( قده ) من القدرة على التلخيص والتهذيب.

ومن هنا أصبح كتابه ( كفاية الأصول ) بجزئيه ، مع كتاب ( فرائد الأصول ) لشيخنا الأنصاري ( قده ) محور الدراسات الأصولية في كافة الحوزات العلمية ،

٩

في المرحلة الأخيرة من الدراسة التمهيدية ، المصطلح عليها في العرف الحوزوي باسم : ( دراسة السطح العالي ). ولا يزال هذا الامر قائما حتى يومنا هذا في كل الحوزات العلمية بلا استثناء.

وان من الاعتراف بالجميل : الإشادة بدور المحقق الكبير ، المرحوم ، السيد محمد الفشاركي الأصفهاني ( ١٢٥٣ ه‍ ـ ١٨٣٧ م / ١٣١٦ ه‍ ـ ١٨٩٩ م ) الذي لا ينكر اسهامه الوافر في هذا المجال. جزاه الله سبحانه وتعالى خير الجزاء.

٤

لقد برز على الساحة ـ بعد انتهاء دور المحقق صاحب الكفاية ( قده ) ـ بمستوى الدراسات الأصولية العليا ، ثلاثة من الاعلام ، يعدون بحق العصب الرئيس لعلم الأصول في عصرنا الحاضر ، وهم :

المحقق ، الميرزا ، حسين ، النائيني ( قده ) ( ١٢٧٧ ه‍ ـ ١٨٦٠ م / ١٣٥٥ ه‍ ـ ١٩٣٦ م ) والمحقق ، الشيخ ، محمد حسين ، الأصفهاني ، المعروف ب‍ ( الكمپاني ) ( قده ) ( ١٢٩٦ ه‍ ـ ١٨٧٨ م / ١٣٦١ ه‍ ـ ١٩٤٢ م ) فقد أسهموا ـ بجد وجهد ـ في تطوير العلم ، ونضجه ، وتعميقه .. كما كان لهم الفضل في تكوين الصفوة القيادية للحوزات العلمية ، سواء أكانوا بمستوى المرجعية العامة ، أم كانوا بمستوى أساتذة للدراسات العليا ـ وقد خلفوا للأجيال القادمة ثروة علمية طائلة ، لا ينضب معينها.

٢ ـ الكتاب!

دورة كاملة محاضرات في ( أصول الفقه ) بكلا قسميه الرئيسيين : اللفظي والعقلي ـ حسب التجزئة الكلاسيكية ـ ألقاها ، سماحة آية الله العظمى ، الأستاذ

١٠

الأعظم ، المحقق العبقري ، السيد محمد الروحاني ، دام ظله الوارف ، من دورات محاضراته الأصولية ، بالإضافة إلى ما تجدد له ـ دام ظله ـ من نظريات علمية ، وأبانه من دقائق لم تسبق إليها الفكر ، وأجلاه من غوامض وتحقيقات رشيقة لم يهتد إليها النظر من الدورة الثالثة. وندعو الله العلي القدير أن يتفضل على سيدنا ـ دام ظله ـ بالدوام والاستمرارية في إفاداته ، وإتمام الدورة الحاضرة من بحوثه ـ وهي الدورة الرابعة ـ وأن يليها دورات مقبلة ، ان شاء الله تعالى.

وأرى نفسي في غنى من الإفاضة في الحديث حول الكتاب ، وحول شخصية الأستاذ الأعظم ـ دام ظله ـ فسطور الكتاب ـ بل كلماته ـ تنطق كلها بذلك ، وتصدق ما كان هو المعتقد والمعترف به في الأوساط العلمية من عد درس هذا الأستاذ العظيم مجالا خصبا للنمو العلمي بمستوى الدراسات الحوزوية العليا فلا غرو ـ إذن ـ إذا كان قد التف حوله ـ دام ظله ـ في مختلف بحوثه ومحاضراته سواء أكانت بمستوى الدراسة التمهيدية العالية ـ السطح العالي حسب المصطلح الحوزوي ـ أم كانت بمستوى الدراسات العليا ـ بحث الخارج ـ بالاصطلاح المشار إليه. لا غرو ، إذا ما التف حوله ذوو الذكاء المتوقد ، والنشاط العلمي المتوثب ...

هذا ، ومن فروض القول علي انه ليس لي الاسترسال في الحديث بأكثر من هذا فقد عرفته ـ دام ظله ـ بعيدا كل البعد عن السماح بذكر ما يرجع إليه أو يخصه .. ولكنني وجدت الاغضاء عن هذا اليسير جفاء بحق هذا الأستاذ العظيم. فليمنحني عفوه ودعاءه ، كما منحني من ذي قبل رشحات من سحاب علمه الماطر ، وغيظا من فيض فضله الهاطل .. أمد الله تعالى في عمره الشريف.

١١

٣ ـ المؤلف!

١

العلامة ، الحجة ، فقيد الفضيلة ، والعلم ، والتقى ، الشهيد ، السعيد آية الله ، السيد عبد الصاحب الحكيم ، نجل سماحة آية العظمى ، الفقيد الراحل ، السيد محسن الطباطبائي ، الحكيم ، طيب الله ثراهما.

( ١٣٦٠ ه‍ ١٩٤١ م / ١٤٠٣ ه‍ ١٩٨٣ م )

٢

إذا كان من مقومات الشخصية ، والتي ترسم معالمها وتخطط لها : الأسرة ، البيئة. التربية والتعليم. فان المترجم له ـ تغمده الله تعالى بوافر رحمته ـ كان قد حظي من ذلك كله بالنصيب الأوفى ، ونال منها الحظ الأوفر :

الف ـ الأسرة!

انحدر المترجم له من أسرة ، شريفة ، علمية ، تتمتع بالكثير من أعلام الأمة ورجالاتها ولعل في القمة منهم : والده ، الفقيد الراحل ، آية الله العظمى ، السيد محسن الطباطبائي الحكيم ، طاب ثراه ، الذي أشغل دست المرجعية العليا للطائفة لمدة ربع قرن من الزمن تقريبا.

وقد نشأ المترجم له من أحضان هذه الأسرة العريقة بشرفها ، المتميزة بتاريخها والمحافظة على أصالتها ، وقد تجلت فيه كل الدوافع الخيرة والعواطف النبيلة التي كانت تحملها الأسرة ، كما تمثلت فيه المواهب العقلية والنفسية التي كانت تتمتع بها أعيان الأسرة ورجالاتها.

ب ـ البيئة!

هي : النجف الأشرف ، مثوى باب مدينة علم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، رباني الأمة ، وامام الأئمة ، امام المتقين ، وقدوة أهل النهى واليقين ، أمير

١٢

المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، صلوات الله وسلامه عليه. حاضرة الشيعة العلمية الكبرى ما يربو على الألف سنة. تلك المدينة التي أنجبت الألوف من العلماء ، والأدباء .. وأنتجت الألوف ضعف الألوف من الكتب العلمية ، والأدبية ، والتاريخية .. وساهمت مساهمة قيادية في ما لا تعد ولا تحصى من الحوادث والقضايا الاسلامية ، التي كانت بحق نقطة عطف في تاريخ الأمة الاسلامية جمعاء.

ولد المترجم له في هذه المدينة المقدسة ، ونشأ وتعلم بها ، والتحق بحوزتها العلمية ، التي هي ـ بحق ـ حوزة الاسلام العلمية الكبرى. وتدرج فيها من دور النشئ الصالح ، إلى مرحلة التلميذ الذكي اليقظ ، ومن مرحلة الطالب الحوزوي إلى دور الأستاذ للدراسات التمهيدية العليا ( تدريس السطح العالي ) إلى أستاذ الدراسات العليا ( تدريس الخارج ).

ج ـ التربية والتعليم!

حظي المترجم له بتربية وثقافة اسلاميتين ، منذ الطفولة وحتى أخريات أيام دراسته. فقد استهل حياته في رعاية أبوين حريصين على اشباع وليدهما بالتربية الاسلامية ، ضمن مراعاتهما لمتطلبات دور الطفولة وحداثة السن. ثم بقي يتقلب في أدوار تالية من حياته خاضعا لاشراف معلمين أكفاء ، وأساتذة هم قدوة في تطبيق مناهج التربية الاسلامية فيما كان يبدو عليه ( قده ) معالم تلك التربية الصالحة حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

٣

تتمثل شخصية الفقيد ـ ره ـ في ثلاث معالم.

١ ـ شخصيته الخلقية!

كان ـ رحمه الله ـ خلقيا ـ أو متخلفا ، وهو لا يقصر به عن الفضيلة في

١٣

شئ ـ بالمعني الذي تحبذه الشريعة ، وتهيب بالناس إليه حليما ، صبورا ، يدارى الناس ويحسن صحبتهم ، بعيدا عن الأنانية الظاهرة المنفرة ، متميزا بين أقرانه بالجدية والابتعاد عن الانشغالية بالأمور التي لا تهمه ولا تمس هدفه ، مثابرا على وظائفه وأعماله وقورا ، رزينا ، لم تحرجه معاكسات الحياة عن وقاره ورزانته ، محافظا على ظواهر الشريعة في سلوكه ، متفانيا في طلب العلم ، مع عزة النفس وعلو الهمة. متحرجا عما يراه ترفعا على الغير رغم ما كان يفرضه منطق المجتمع الذي كان يعيشه بحكم انتمائه إلى المرجعية ، متباعدا ـ كل البعد ـ عن معطيات الزعامة الدينية المتمثلة في عميد بيته وسيد الأسرة.

دع عنك حديث مواظبته التامة على التقيد بالاتيان بالفرائض اليومية في أوقاتها والاستغفار بالاسحار ( صلاة الليل ) ، وقراءة القرآن الكريم كل يوم ... هذا بعض من كل لمسته منه ـ رحمه الله ـ خلال صلتي به فترة تتجاوز الربع قرن : كزميل لا يدانيه في مجلس الدرس ، وشريك لا يجاريه في مجلس البحث وصديق لا يحاكي ما كان فيه من فضائل وفواضل.

شخصيته العلمية!

الف ـ درس المقدمات : العلوم العربية والأدبية ، والمنطق ، على أساتذة الحوزة كما وحضر في الدراسة التمهيدية العليا ( أو دراسة السطح العالي في المصطلح الحوزوي ) على أساتذة ، بعضهم من أفاضل أسرته ، كالعلامة ، الحجة ، آية الله السيد محمد علي الحكيم والعلامة الحجة ، السيد محمد باقر الحكيم.

واختص في الدراسات العليا ( أو دراسة الخارج ) بآية الله العظمى السيد الروحاني ، دام ظله ، فقها ، وأصولا. وحضر قليلا ـ في الفقه ـ على آية الله العظمى ، السيد الخوئي ، دام ظله ، تقريبا منذ سنة ١٩٧٥.

ب ـ قام بتدريس السطح العالي : الرسائل ، والمكاسب ، والكفاية سبع

١٤

دورات. كما وبدء بتدريس الخارج ـ فقها وأصولا ـ منذ : ( ١٣٩٩ ه‍ ـ ١٩٧٩ م ) وحتى قبض عليه ـ رحمه الله ـ من قبل السلطة الظالمة. فبلغ في الأصول إلى مسألة حجية الخبر الواحد وأتم من الفقه كتابي الاجتهاد والتقليد والطهارة ، وكان موضوع بحثه الفقهي ، كتاب ( منهاج الصالحين ) لوالده آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم طاب ثراه ( ١٣٠٦ ه‍ ـ ١٨٨٦. / ١٣٩٠ ه‍ ـ ١٩٧٠ م ).

وكان ـ رحمه الله ـ إلى جانب ذلك كله يقوم بالقاء محاضرات توجيهية أسبوعية ـ في العقائد والاخلاق ـ على جملة من أفاضل طلبة الحوزة العلمية ، والشباب المثقف ، وكان دأبه تحرير كل ما يقوم بتدريسه أو القاء محاضرة بشأنه.

ج ـ آثاره ومؤلفاته :

١ ـ تقريرات بحث أستاذه ، آية الله العظمى الروحاني ، دام ظله ، فقها وأصولا. وبهذه المناسبة نؤكد على أملنا في التوفيق لنشر سائر كتبه ـ رحمه الله ـ تقريرا لمباحث الخيارات ، والصوم ، والزكاة ، والخمس ، والحج ، وغير ذلك ، إن شاء الله تعالى.

٢ ـ محاضراته ـ رحمه الله ـ في ( أصول الفقه ) من أوله إلى مسألة حجية الخبر الواحد ، وكتاب الطهارة من الفقه.

٣ ـ رسالة في طهارة الخمر ، كتبها بارشاد من سماحة والده ، المرحوم آية الله العظمى الطباطبائي الحكيم ( قده ).

٤ ـ محاضراته التوجيهية في العقائد والاخلاق.

٣ ـ شخصيته الاجتماعية!

كان ـ رحمه الله ـ بحكم ابتعاده عن مظاهر الحياة المادية ومتطلباتها ، إلا ما اقتضته الضرورة ومست به الحاجة إليه منها في استمرارية المعيشة. وبحكم

١٥

عزوفه عن أعراف الذي كان يعيشه ، حسبما تتطلبه موقعيته الاجتماعية ـ ولا أعني بذلك العزوف الشاذ ، بل عزوف الزهد والرغبة عنه ـ لا يهمه سوى طلب العلم والتزود منه بما أوتي من حول وطول ، فكان مغداه بهذا الامل وممساه على هذه النية. وحينما وجد لنفسه من ذلك الرصيد الكافي واللازم كان همه الانفاق بما اكتسبه وتزود منه على أهله ، وفي سبيل رضاه تعالى. وكأنه كان بعمله هذا يهدف إلى ما أرشدت إليه الحكمة المأثورة ، عن امام الأئمة ، أمير المؤمنين ، عليه الصلاة والسلام : ( المال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الانفاق ).

ولو شئنا أن نوجز حياة الفقيد طاب ثراه ، لحق أن يقال : إنه ـ رحمه الله ـ في ابتغائه العلم كان أحد المنهومين اللذين عنتهما الكلمة المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام ( منهومان لا يشبعان : طالب علم ... ) ، وكان في حياته الاجتماعية ، مصداقا حيا لقوله عليه السلام : ( خالطوا الناس مخالطة ، إن متم معها بكوا عليكم وان عشتم حنوا إليكم ). طيب الله مثواه.

خاتمة المطاف :

لقد قضي ـ وللأسف ـ على حياة الفقيد ـ رحمه الله ـ التي كانت معقد الآمال في الحوزة العلمية ، بقيام الفئة الباغية المجرمة باعتقال الذكور من أسرة آية الله العظمى الحكيم طاب ثراه ، كهولا ، وشيوخا ، وشبانا ، وأطفالا منذ العاشرة من العمر ، ومن بينهم سيدنا الفقيد ، في ليلة الثلاثاء ٢٦ رجب ١٤٠٣.

وقتل مظلوما صابرا مع اثنين من اخوته وثلاثة من أبناء اخوته في ( ٧ / شعبان / ١٤٠٣ ه‍ ـ ٢٠ / ٥ / ١٩٨٣ ) ثم تلى ذلك وجبات أخرى من الاعدامات بحق أنجال ، وأحفاد .. آية الله العظمى الحكيم ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون * ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين

١٦

جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد * ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) صدق الله العلي العظيم.

هذا ، وان قضى الظالمون بعملهم الاجرامي على معقد آمال الأمة ، لكنهم لم يقضوا على آمالها وأمانيها ، ففي أنجال سيدنا الفقيد الشهيد ، طاب ثراه الأفاضل الاعلام : السيد علي ، والسيد جعفر ، والسيد أحمد ، كل أمل ورجاء. أمد الله تعالى في أعمارهم ، وجعلهم عند آمال الأمة وأمانيها والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين ، وجميع الشهداء والصديقين ، وعباد الله الصالحين ، ورحمة الله وبركاته.

محمد صادق الجعفري

٢٢ / شهر رمضان المبارك / ١٤١٢ ه‍

* * *

١٧
١٨

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الميامين واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

« رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدة من لساني ، يفقهوا قولي ».

١٩
٢٠