🚘

الحلقة الثّالثة في أسلوبها الثّاني - ج ٣

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

الحلقة الثّالثة في أسلوبها الثّاني - ج ٣

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: المحبين للطباعة والنشر
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
ISBN: 964-8991-27-8
ISBN الدورة:
964-91029-7-3

الصفحات: ٥٢٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين. والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

وبعد :

نقدّم إلى اخواننا الأعزاء طلبة الحوزات العلمية شرح القسم الثاني من الحلقة الثالثة قاصدين به تقديم بعض الخدمة لهم بتذليل جملة من العقبات الثابتة في الكتاب المذكور ، وليبرز بذلك وبشكل متكامل على خط التدريس الحوزوي.

وكلّنا أمل في تحقق الغاية المنشودة. فإن وفقنا لذلك فهو بعنايته عزّ وجلّ وإلاّ ففي بقية الاخوة كامل الأمل في ملئ الفراغ.

باقر الايرواني

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

منهجة أبحاث القسم الثاني من الحلقة الثالثة

تكفّل القسم الثاني من الحلقة الثالثة البحث عن موضوعين هما : ـ

١ ـ الاصول العملية المعبّر عنها بالدليل الفقاهتي حيث انّه في القسم الأوّل بحث عن الدليل الاجتهادي بكلا قسميه الشرعي والعقلي. وفي هذا القسم يراد البحث عن الدليل الفقاهتي.

٢ ـ تعارض الأدلة الشرعية. وقد اشير إلى هذا البحث ص ٣٢١ تحت عنوان « خاتمة ».

وفي البحث الأوّل ـ الاصول العملية ـ نتكلّم في ثلاث نقاط هي : ـ

١ ـ البحث عن المقصود من مصطلح الأصل العملي والتفرقة بينه وبين مصطلح الامارة ، والبحث عن تقسيم الأصل العملي إلى الأصل الشرعي والأصل العقلي ، والبحث عن الفرق بين الأصل التنزيلي والأصل المحرز وتمييز هذين عن الأصل الذي لا يكون تنزيليا ولا محرزا ، والبحث عن موارد جريان الاصول.

وهذه الأبحاث الأربعة في هذه النقطة اشير لها في الكتاب تحت عنوان « تمهيد » ، فالبحث في التمهيد اذن يرجع إلى التحدّث عن هذه الأبحاث الأربعة.

٥

٢ ـ البحث عن حالة الشكّ في التكليف مع افتراض عدم وجود حالة سابقة متيقّنة. ويدخل تحت هذه الحالة أصل البراءة وأصل الاحتياط وأصل التخيير ، فإنّه في جميع هذه الاصول الثلاثة يفترض الشكّ في التكليف مع عدم وجود حالة سابقة متيقّنة.

٣ ـ البحث عن حالة الشك في التكليف مع افتراض وجود حالة سابقة التي هي مورد الاستصحاب والبحث عنها بحث عن الاستصحاب.

هذه هي منهجة الأبحاث في الاصول العملية.

ونتكلّم أوّلا عن أبحاث التمهيد الأربعة التي أوّلها بيان الفرق بين مصطلحي الامارة والأصل.

٦

الفارق بين

الامارات والاصول

٧
٨

خصائص الأصول العملية

قوله ص ١١ س ١ : عرفنا فيما تقدّم انّ الاصول العملية الخ : تقدّم في القسم الأوّل من الحلقة الثالثة ص ٣٢ ان الأحكام الظاهرية على قسمين قسم منها يتمثّل في باب الامارات وقسم آخر يتمثّل في باب الاصول العملية. والحكم الظاهري في باب الاصول العملية مجعول لتنجيز الحكم الواقعي المشكوك أو التعذير منه ، فالأصل العملي لا ينظر إلى الحكم الواقعي ولا يريد تشخيصه وإنّما يشخص الوظيفة العملية اتجاهه ، فأصل البراءة مثلا يقول انّ وجوب صلاة الجمعة ما دام مجهولا فوظيفتك العملية اتجاهه ليست هي الاحتياط بل البراءة ولا يقول انّ صلاة الجمعة حكمها واقعا هو الوجوب أو عدم الوجوب. هذا بالنسبة إلى الحكم الظاهري في باب الاصول العملية.

وأمّا الحكم الظاهري في باب الامارات فليس مجعولا بداعي التنجيز أو التعذير بل هو ناظر إلى الواقع ويريد تشخيص الحكم الواقعي المشكوك غاية الأمر قد يصيبه وقد يخطأه.

وبعد وجود امتياز بين الحكم الظاهري في باب الامارات عنه في باب الاصول العملية نريد التعرّف على الفرق بين حقيقة ذاك الحكم وحقيقة هذا فهل هناك فارق آخر غير المقدار الذي ذكرناه أو لا؟ وفي هذا المجال يمكن تقديم أربعة فروق هي : ـ

١ ـ [ الفرق الأول ] ما ذكره الميرزا قدس‌سره واختاره السيد الخوئي ( دام ظلّه ) (١) من انّ المجعول في

__________________

(١) تقدّم هذا الفرق في القسم الأوّل من الحلقة الثالثة ص ٣٣

٩

باب الامارات هو الطريقية والعلمية وتتميم الكشف (١) ، فحينما يقول الشارع جعلت خبر الثقة حجّة فالمقصود انّي جعلت خبر الثقة طريقا تاما إلى الواقع وجعلته علما بعد ما كان ظنا وجعلت كاشفيّته عن الواقع كاشفية تامة بعد ما كانت ناقصة ، وأمّا في باب الاصول العملية فالمجعول هو الوظيفة العملية أي التنجيز والتعذير.

ثمّ أضاف الميرزا قائلا : انّ جعل الوظيفة العملية في باب الاصول العملية تارة يكون بلسان جعل التنجيز والتعذير واخرى بلسان تنزيل المشكوك منزلة الواقع ، كما هو الحال في أصل الحلّ فإنّ قوله عليه‌السلام : « كل شيء لك حلال حتّى تعرف انّه حرام » يفهم منه انّ الشيء الذي يشكّ في حلّيته فهو بمنزلة الحلال الواقعي. واصطلح على الأصل في هذه الحالة بالأصل التنزيلي حيث نزّل المشكوك منزلة الواقع.

وهناك حالة ثالثة أشار لها الميرزا وهي أن يكون جعل الوظيفة العملية بلسان تنزيل الاحتمال منزلة اليقين كما هو الحال في الاستصحاب فإنّ المستفاد من دليل « لا تنقض اليقين بالشكّ » في نظره قدس‌سره تنزيل احتمال البقاء منزلة اليقين بالبقاء. ومثل هذا الأصل سماّه بالأصل المحرز حيث انّ احتمال البقاء ما دام قد نزّل منزلة اليقين فالشاكّ في بقاء الحالة السابقة يصير محرزا لبقاء الحالة السابقة.

وعلى هذا فالأصل في نظر الميرزا على ثلاثة أقسام : ـ

أ ـ أصل تنزيلي. وهو ما يكون جعل الوظيفة العملية فيه بلسان تنزيل

__________________

(١) الطريقيّة والعملية وتتميم الكشف ألفاظ مترادفة

١٠

المشكوك منزلة الواقع.

ب ـ أصل محرز. وهو ما يكون جعل الوظيفة العملية فيه بلسان تنزيل نفس الشكّ منزلة اليقين.

والفرق بين هذا وسابقه انّه في السابق ينزل المشكوك ـ دون الشكّ ـ منزلة الواقع دون اليقين بينما في هذا الأصل ينزّل نفس الشكّ ـ دون المشكوك ـ منزلة اليقين دون الواقع.

ج ـ أصل غير تنزيلي ولا محرز. وهو ما يكون جعل الوظيفة العملية فيه لا بلسان تنزيل المشكوك منزلة الواقع ولا بلسان تنزيل الشكّ منزلة اليقين بل بلسان جعل التنجيز والتعذير لا أكثر. ومثاله أصل البراءة فإنّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « رفع عن امّتي ما لا يعلمون » يدلّ على جعل المعذورية ، أي انّ امّتي معذورة من ناحية الحكم الذي لا يعلمونه ، فالمجعول هو الوظيفة العملية بلسان جعل المعذرية.

ثمرة التقسيم

وثمرة هذا التقسيم الثلاثي للأصل العملي تأتي الإشارة لها إنشاء الله ص ١٧ من الحلقة.

التعليق على الفرق الأوّل

ويمكن التعليق على التفرقة الميرزائية بما تقدّم في القسم الأوّل من الحلقة ص ٣٤ من أنّ ما ذكر ليس هو الفرق الحقيقي بين الأصل والامارة فإنّ كلمة

١١

الأصل والأمارة لم تردا في آية أو رواية لنأخذ بتفسيرهما بأي شكل كان بل هما مصطلح اصولي ، فالأصل مصطلح يراد به كل دليل لا يصلح أن يثبت اللوازم الشرعية (١) ، والامارة مصطلح يراد به كل دليل يصلح لإثبات ذلك ، وما دام الأمر كذلك فلا بدّ من تفسير الأصل والامارة بشكل يوضح لنا نكتة صيرورة الامارة صالحة لاثبات اللوازم غير الشرعية دون الأصل.

والميرزا وإن اعتقد أنّ الفرق الذي تقدّم به يصلح أن يكون وجها لحجّيّة الامارة في إثبات اللوازم غير الشرعية بخلاف الأصل ـ حيث ذكر في وجه ذلك انّ المجعول في خبر الثقة إذا كان هو العلمية فالثقة متى ما أخبرنا بشيء صرنا وكأنّنا عالمون به ، وإذا صرنا عالمين به ثبتت اللوازم غير الشرعية لأنّ من علم شيئا فقد علم بلوازمه ، فمن علم بحياة ولده فقد علم بنبات لحيته ، وهذا بخلافه في الاصول العملية فإنّه ليس المجعول فيها العلمية حتّى يلزم فيها ثبوت اللوازم ـ ولكنّه باطل لما مرّ في القسم الأوّل من الحلقة ص ٧٢ من انّ قاعدة من علم بشيء

__________________

(١) فمثلا إذا كان لك ولد غاب عنك وعمره عشر سنوات ونذرت ان لحيته متى ما نبتت تصدّقت على الفقير بدرهم فإذا مضى على غيبته عشرون سنة ثمّ شككت في بقائه على قيد الحياة وبالتالي شككت في نبات لحيته ففي هذه الحالة لو أخبرك الثقة بعد عشرين سنة ببقائه على قيد الحياة ثبت بإخباره حياة الولد وثبتت بذلك اللوازم غير الشرعية وهي نبات اللحية ومن ثمّ يثبت وجوب التصدّق. هذا كلّه في حالة إخبار الثقة بحياة الولد.

وأمّا لو أجريت استصحاب الحياة فلا يثبت بذلك نبات اللحية ومن ثمّ لا يجب التصدّق.

اذن الامارة حجّة في إثبات الحياة وفي إثبات نبات اللحية الذي هو لازم غير شرعي ـ وإنّما لم يكن نبات اللحية لازما شرعيا لأنّه لا توجد آية ولا رواية تقول إذا بقي الولد حيّا بعد عشرين سنة فلحيته نابتة ـ بينما الأصل ليس حجّة في إثبات نبات اللحية

١٢

فقد علم بلوازمه تتمّ في العلم الوجداني دون التعبّدي ، فالعالم حقيقة ووجدانا بحياة الولد يلزم أن يصير عالما باللوازم وأمّا العالم تعبّدا بحياة الولد فلا يلزم أن يصير عالما باللوازم بل التعبّد يقتصر فيه على حدوده ولا يتجاوزها ، فمثلا لو قلت للرجل الشجاع أنت كالأسد فلا يحقّ له افتراسك بحجّة انّك اعتبرته أسدا فإنّ ذلك إنّما يتمّ في الأسد الحقيقي دون من اعتبر أسدا وليس هو بأسد حقيقة ، ونفس هذا يجري في مقامنا أيضا فإنّ العلم بالشيء إنّما يستلزم العلم باللوازم في خصوص العلم الوجداني دون التعبّدي ، ومن الواضح انّ العلم الحاصل في باب الامارة هو علم تعبّدي لا وجداني فإنّ الشارع يعبّدنا ويجعلنا كأنّنا عالمون من دون أن نكون عالمين حقيقة ووجدانا حتّى يلزم من العلم بالشيء العلم باللوازم.

الفرق الثاني

٢ ـ والفرق الثاني بين الأصل والامارة : ان الأصل يفترق عن الامارة في مقام الجعل ففي مقام الجعل والتشريع جعل الأصل حجّة في حالة الشكّ في الحكم الواقعي ، فالشاكّ في الحكم الواقعي هو الذي جعل الأصل في حقّه حجّة بينما حجّية الامارة لم تجعل في حقّ الشاكّ في الحكم الواقعي بل هي منصبّة على ذات المكلّف. وبكلمة اخرى : الشكّ في الحكم الواقعي أخذ موضوعا في حجّية الأصل دون حجية الامارة.

ويمكن مناقشة ذلك بما يلي : ـ

أ ـ نفس ما أورد على الفرق الأوّل من أنّ مجرّد أخذ الشكّ في موضوع حجّية الأصل وعدم أخذه في موضوع حجية الامارة لا يوضح لماذا صارت

١٣

الامارة حجّة في لوازمها غير الشرعية ولم يصر الأصل حجّة في ذلك.

ب ـ ان لازم عدم أخذ الشكّ في موضوع حجية الامارة كون الامارة حجّة في حقّ كل مكلّف ولو كان عالما بالحكم الواقعي ـ إذ المفروض عدم تخصيص حجية الامارة بالشاك ـ مع انّ من الواضح ان الامارة لا يمكن أن تجعل حجّة في حقّ العالم بالحكم الواقعي إذ بعد انكشاف الواقع لا معنى لجعل خبر الثقة مثلا حجّة كما هو واضح. ومن أجل الفرار من هذا المحذور ذهب البعض إلى أنّ حجية الامارة وإن لم تجعل مقيّدة بالشكّ ولكنّها مجعولة في ظرف الشكّ فالشكّ ظرف لجعل حجّية الامارة وليس قيدا لها ، وهذا كما لو فرض ان زيدا موجود في الدار فان الدار ظرف لوجوده ومكان له وليست قيدا له وإلاّ يلزم صيرورة زيد بعد خروجه من الدار مغايرا له حالة وجوده في الدار لأنّ زيدا المقيد بالدار مغاير لزيد المقيد بعدم الدار ، وهذا بخلاف ما لو كانت الدار ظرفا لوجود زيد فإنّ الشيء لا يتغير بتغير ظرفه.

ويردّه : ان الشكّ لو كان ظرفا لا قيدا فنحن نسأل هل حجّية الامارة ثابتة للمكلّف الشاكّ فقط أو هي ثابتة في حقّ غيره أيضا؟ فإن كانت ثابتة في حقّ الشاكّ فقط فلازمه صيرورة الشكّ قيدا وموضوعا لحجّيّة الامارة وليس ظرفا. وإن كانت الحجّية ثابتة في حقّ غير الشاك أيضا فلازمه صيرورة الامارة حجّة في حقّ العالم بالحكم الواقعي ، أي يلزم الكر على ما فرّ منه فإنّه قد قصد بتحويل الشكّ من كونه موضوعا لحجّية الامارة إلى كونه ظرفا الفرار من محذور شمول حجية الامارة للعالم بالحكم الواقعي وقد لزم العود إليه.

وإن شئت قلت : انّا لا نتعقل أخذ الشكّ في مقام الجعل بشكلين : بشكل

١٤

القيدية تارة وبشكل الظرفية اخرى ، فانّ الحجية إن كانت ثابتة في حقّ الشاك فقط فلازمه صيرورة الشكّ قيدا وموضوعا ، وإن لم تكن ثابتة في حقّ الشاك فقط فلازمه ثبوت حجّية الامارة في حق العالم أيضا.

الفرق الثالث

٣ ـ [ الفرق الثالث انّه بحسب عالم الجعل لا فرق بين الأصل والامارة ففي كليهما أخذ الشكّ في الموضوع ] وقبل توضيح الفرق الثالث نذكر مقدّمة حاصلها ان السيد الخوئي ( دام ظلّه ) يرى ـ كشيخه الميرزا ـ انّ المجعول في باب الامارة هو الطريقية والعلمية حسبما تقدّم سابقا ، ولكن ما هو المجعول عنده في باب الاستصحاب؟ انّ المجعول في نظره في باب الاستصحاب هو الطريقية والعلمية أيضا (١). وعلى أساس هذا الرأي لا يبقى فرق بين الامارة والاستصحاب في المجعول ، فالمجعول في كليهما شيء واحد وهو الطريقية والعلمية فيصير الاستصحاب واحدا من الامارات كخبر الثقة تماما. أجل يبقى فرق واحد بينهما وهو أنّ دليل حجّية خبر الثقة لم يؤخذ في لسانه وألفاظه الشكّ ـ فمثلا قوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) الذي هو من أحد أدلّة حجّية الخبر لم يذكر فيه لفظ الشكّ وعدم العلم ـ بخلافه في الاستصحاب فإنّ لسان دليله أخذ فيه الشكّ حيث قيل لا تنقض اليقين بالشكّ ، أي ما دمت شاكا ولا تعلم ببقاء الحالة السابقة فلا تنقض يقينك السابق.

وبعد هذه المقدّمة نقول في بيان الفرق الثالث : انّه بحسب عالم الجعل

__________________

(١) وستأتي الإشارة إلى ذلك ص ١٧ من الحلقة

١٥

لا فرق بين الأصل والامارة ففي كليهما أخذ الشكّ في الموضوع ، فالمولى بحسب عالم الجعل صبّ الحجّية في الأصل والامارة على الشاك بيد أنّ الدليل الذي يصل إلينا تارة يكون قد أخذ في لسانه وألفاظه الشكّ فيكون الحكم الظاهري حينذاك أصلا واخرى لم يؤخذ في لسانه وألفاظه الشكّ فيكون الحكم الظاهري امارة.

ويرد عليه : ـ

أ ـ نفس ما تقدّم من أنّ مجرّد أخذ الشكّ في لسان الدليل وألفاظه وعدم أخذه لا يوضح لنا لماذا صارت الامارة حجة في لوازمها غير الشرعية ولم يصر الأصل كذلك. وعليه فأخذ الشكّ في لسان الدليل وعدم أخذه لا ثمرة له من هذه الناحية ، ولئن كانت له ثمرة فثمرته تظهر على رأي السيد الخوئي ـ القائل بأنّ الاستصحاب امارة كخبر الثقة لا فرق بينهما فكلاهما امارة إذ المجعول في كليهما هو الطريقية والعلمية ـ حيث انّه قد يشكل على رأيه بأنّ الاستصحاب إذا كان امارة كخبر الثقة تماما فلماذا عند التعارض بين خبر الثقة والاستصحاب يقدّم خبر الثقة بالرغم من كون الاستصحاب امارة مثله. هنا أجاب السيد الخوئي ( دام ظلّه ) قائلا ان لسان دليل خبر الثقة حيث لم يؤخذ فيه الشكّ فيكون حجّة في جميع الحالات ـ ولا ترفع اليد عن حجّيته إلاّ في حالة واحدة يحكم فيها العقل بلزوم ذلك وهي حالة حصول العلم الوجداني بالواقع فإنّه عند حصول العلم الوجداني بالحكم الواقعي يحكم العقل بلزوم رفع اليد عن حجّية خبر الثقة إذ مع اتضاح الواقع لا معنى لجعل الخبر حجّة ـ وواحدة من تلك الحالات هي حالة اجتماع خبر الثقة مع الاستصحاب ، فإنّه في هذه الحالة يكون خبر الثقة حجّة أيضا ، وإذا كان حجّة فلازم ذلك أنّه لو أخذنا به فسوف يحصل لنا العلم

١٦

التعبّدي بالواقع ـ إذ المفروض أنّ المجعول في خبر الثقة هو العلمية ـ ويرتفع بذلك الشكّ الذي هو موضوع الاستصحاب ، وهذا بخلافه لو أخذنا بالاستصحاب فإن المجعول في الاستصحاب وإن كان هو العلمية فلو أخذنا به حصل العلم وارتفع الشكّ إلاّ أنّه قد فرضنا أنّ الشكّ لم يؤخذ في موضوع دليل حجّية خبر الثقة ليلزم من ذلك عدم حجّية خبر الثقة بل المفروض أنّ خبر الثقة حجّة في جميع الحالات ولم يشذ عن حجّيته سوى حالة واحدة وهي حالة العلم الوجداني بالواقع والمفروض أنّ الاستصحاب لو جرى فأقصى ما يحصّله لنا هو العلم التعبّدي دون العلم الوجداني.

والخلاصة : انّ أخذ الشكّ في لسان دليل الأصل وعدم أخذه في لسان دليل الامارة لئن كان يثمر فهو يثمر هنا حيث يوضح لماذا نقدّم خبر الثقة على الاستصحاب عند التعارض بينهما بالرغم من أنّ كليهما امارة (١).

ب ـ انّه لو كان المدار على لسان الدليل وألفاظه فلازم ذلك صيرورة خبر الثقة امارة تارة وأصلا عمليا اخرى فانّه لو جعلنا الدليل على حجّية الخبر آية السؤال من أهل الذكر ـ أي قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* ) ـ صار الخبر أصلا لأنّ هذه الآية الكريمة أخذ في لسانها الشكّ وعدم العلم حيث قيل اسألوا وخذوا بالخبر إن كنتم شاكّين ولا تعلمون ، بينما لو جعلنا الدليل على حجّية الخبر مفهوم آية النبأ ـ أي قوله تعالى : وإن لم يجىء فاسق فلا تتبيّنوا ـ صار الخبر امارة حيث لم يؤخذ في اللسان المذكور الشكّ وعدم العلم ، وهذا باطل إذ

__________________

(١) اشير إلى إيضاح هذا المطلب ص ٣٦٢ من الحلقة

١٧

من الواضح انّ خبر الثقة امارة مهما كان لسان دليله.

الفرق الرابع

٤ ـ [ الفرق الرابع ] ما يتبنّاه السيد الشهيد والذي تقدّم توضيحه في القسم الأوّل من الحلقة الثالثة ص ٧٣ ـ ٧٤ ، وحاصله انّ المولى بعد أن شرّع الإباحة لشرب الماء والحرمة لشرب الخمر مثلا تقف أمامه مشكلة وهي أنّه أحيانا قد يشتبه حال المائع فلا يدرى أنّه خمر أو ماء ففي مثل هذه الحالة ماذا يقول المولى للمكلّف فهل يقول له احكم بأنّه حلال بالرغم من احتمال كونه خمرا أو يقول له احكم بأنّه حرام بالرغم من احتمال حليته؟ هنا يلاحظ المولى مصلحة شرب الماء ويقيسها إلى مفسدة شرب الخمر فإن وجد أنّ الاولى أهمّ من الثانية حكم بالإباحة على كل سائل مشكوك ويضحّي بالمفسدة في سبيل تحصيل مصلحة شرب الماء التي فرض أنّها أهم ويصدر حينذاك قرارا عاما بمثل لسان « كل شيء لك حلال حتّى تعرف انّه حرام ». هذا لو كانت المصلحة أهم ، وأمّا لو فرض العكس بأن كانت المفسدة هي الأهم أصدر قرارا على العكس فيقول مثلا : « أخوك دينك فاحتط لدينك ». اذن أصل الإباحة على هذا الأساس حكم ظاهري نشأ من الحفاظ على الملاك الأهم عند حصول الاختلاط والاشتباه. وهكذا الحال في أصل الاحتياط.

ثم ان ههنا شيئا آخر لا بدّ من الالتفات إليه وهو أنّ أهمية الملاك من أين تنشأ؟ هذا سؤال قد يطرح.

والجواب عنه انّ الأهمية لها شكلان فتارة تنشأ من قوة الاحتمال

١٨

والكشف ، ويسمّى الحكم الظاهري في هذه الحالة بالامارة ـ فالثقة إذا أخبر عن حرمة شيء تثبت الحرمة ، وهكذا كل ما يشهد به يثبت ، وما ذاك إلاّ لأنّ درجة كاشفية خبر الثقة عن القضية التي يخبر بها كاشفية قوية وبدرجة ٧٠% مثلا ـ واخرى تنشأ الأهمية من قوة المحتمل لا من قوّة الاحتمال ، ويسمّى الحكم الظاهري في هذه الحالة بالأصل العملي ، فأصل الإباحة مثلا يقول انّه كلّما دار الأمر بين محتملين : الإباحة والحرمة فقدّم الاباحة لا لأنّ درجة كاشفية أصل الإباحة عن الإباحة أقوى بل لأنّ الإباحة في نفسها أهم في نظر المولى من الحرمة. وعليه فحجّية الامارة حكم ظاهري نشأ من أهمية وقوّة الاحتمال بينما حجّية الأصل حكم ظاهري نشأ من أهمية وقوة المحتمل في نفسه.

وإذا اتضح ان حجّية الامارة ناشئة من القوة في الاحتمال والكشف يتضح ان الامارة حجّة في إثبات لوازمها غير الشرعية أيضا لأنّ كاشفية خبر الثقة عن حياة الولد إذا كانت بدرجة معينة فكاشفيّته عن نبات اللحية تكون بتلك الدرجة أيضا فإنّ درجة كاشفية الشيء عن مدلوله الالتزامي تتساوى ودرجة كاشفيّته عن مدلوله المطابقي. وإذا كانت كاشفية خبر الثقة عن حياة الولد موجبة لحجّية خبر الثقة في حياة الولد فتلك الكاشفية توجب حجّية خبر الثقة أيضا في نبات اللحية لعدم الفرق بين الكاشفيتين من حيث الدرجة.

قوله ص ١١ س ١ : فيما تقدم : أي في القسم الأوّل ص ٣٢.

قوله ص ١١ س ٢ : الطريقية : أي لم تنشأ عن مصلحة في نفسها بل للتحفظ على الملاكات الواقعية. وفي مقابل الحكم الطريقي الحكم النفسي وهو ما نشأ عن مصلحة في نفسه.

١٩

قوله ص ١١ س ٣ : عن الأحكام الظاهرية في باب الامارات : الحكم الظاهري في باب الامارات هو حجّية الامارة وفي باب الاصول هو حجّية الأصل.

قوله ص ١١ س ٧ : مثلا : أي ذكر الطريقية من باب المثال وإلاّ فيمكن تبديل الطريقية بالعلمية أو تتميم الكشف فإنّ الجميع يؤدي معنى واحدا.

قوله ص ١١ س ٧ : الوظيفة العملية : هذا ناظر إلى الأصل الذي لا يكون محرزا ولا تنزيليا. وقوله : « أو التنزيل منزلة اليقين » ناظر إلى الأصل المحرز. وكان من المناسب الإشارة إلى الأصل التنزيلي أيضا بأن يعبّر هكذا : وفي الثاني : الوظيفة العملية أو التنزيل منزلة اليقين أو الواقع.

قوله ص ١١ س ٨ : بلحاظ الجري العملي : هذا إشارة إلى دفع إشكال حاصله : انّ الأصل المحرز إذا كان ينزل فيه احتمال البقاء منزلة اليقين بالبقاء فما الفرق بعد هذا بين الامارة والأصل المحرز إذ كل منهما نزّل منزلة اليقين.

وحاصل الدفع : ان الميرزا ذكر أنّ اليقين له أربع خصوصيات نذكر اثنتين منها : ـ

أ ـ الكاشفية والطريقية فكل يقين له كاشفية وطريقية إلى الواقع.

ب ـ الجري العملي ، فإنّ من علم بوجود الأسد في مكان معين فرّ بسرعة فالفرار جري عملي يقتضيه اليقين بوجود الأسد.

ثمّ أضاف قائلا : ان الامارة منزلة منزلة اليقين من حيث الخصوصية الاولى ، أي من حيث الكاشفية بينما الأصل المحرز منزل منزلة اليقين من حيث الخصوصية الثانية ، أي من حيث الجري العملي لا من حيث الكاشفية فالفرق

٢٠