🚘

أبعاد النهضة الحسينية

عبّاس الذهبي

أبعاد النهضة الحسينية

المؤلف:

عبّاس الذهبي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
ISBN: 964-8629-09-9
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

كلمة المركز

لا ينفصل الحديث عن نهضة الإمام الحسين عليه‌السلام عن المنعطفات الخطيرة التي شهدها تاريخ الإسلام السياسي بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ ليس من المعقول أن تحتضر المبادئ والقيم الإسلامية في زمان الإمام الحسين عليه‌السلام دون أن تكون هناك علاقة وثيقة بين حجم تلك المؤامرة على الإسلام وبين تلك المنعطفات السياسية التي ألمّت به من قبل ، ولو كانت الفترة ما بين الرسول وسبطه صلى‌الله‌عليه‌وآله مكرّسة لتعميق الخطّ المحمّدي في نفوس الأمّة لما حصل هذا الإنقلاب دون أن تنبس الأمّة ببنت شفة ، على أنّ هناك نقاط التقاء كثيرة بين أسباب نهضة الإمام الحسين عليه‌السلام والمنعطفات السياسية التي شهدها تاريخ الإسلام السياسي في حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعد رحيله أيضا.

فالسقيفة ـ مثلاً ـ لم تبعد أصحاب القرار الأموي الحاسم في التعايش نفاقا مع الإسلام بعد فتح مكّة عن السلطة ، بل عملت على الضدّ من ذلك إذ أتاحت لهم الفرصة السانحة إلى ما يبتغون يوم تجاوزت النصّ ، ولم تضع في حساباتها أيّا من العلم ، أو الاستقامة ، أو العدل ، أو السابقة ، أو القرابة ، أو الشورى كشروط للخلافة ، واكتفت بشرط واحد فقط وجعلته فوق كلّ اعتبار وهو أن لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد! وبهذا مهّدت الطريق لكلّ من دبّ وهب للوصول إلى الخلافة ، واستامها كلّ مفلس بما ذلك الطلقاء.

والعجيب في الأمر أنّ السقيفة لم تقف عند هذا الحدّ بل استمالت الطلقاء منذ اليوم الأوّل لانعقادها ، فرشت أبا سفيان وقلّدت أولاده مناصبَ خطيرةً في دولة الإسلام ، ولم تكتف بهذا حتى قلّدت الأمر ـ بحيلة مكشوفة ـ إلى الأموي عثمان!! وهكذا كانت تلك الفترة مليئة بالأحداث التي كانت تجري على نسق واحد وترتيب واحد إلى أن انتهت بنتائجها الحتمية بوصول الوغد معاوية بن أبي سفيان إلى الخلافة!!

وبدلاً من أن ينصهر معاوية وأسرته في الدين الجديد الذي حكم الأمّة باسمه ، وينسى ما كان يقوله لأبيه :

يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا

بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

خالي وعمي وعمّ الأمّ ثالثهم

وحنضل الخير قد أهدى لنا الأرقا

لا تركننّ إلى أمر يكلّفنا

والراقصات في مكّة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة : لقد

حاد ابن حرب عن العزّى إذا فَرَقا

فبدلاً من أن ينسى ذلك ظلّ وصف الطلقاء يلاحق مخيلته ، وقرار الاستسلام ماثلاً أمام عينيه ، متجسّدا في سلوكه وتصرّفاته ، وضلّ يواري ما تحمله الشجرة الملعونة في جوانحها من أحقاد على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله باعتباره المسؤول الأوّل عن هزائم أبي سفيان كلّها ، وعلى علي عليه‌السلام باعتباره فتى الإسلام الأوّل الذي أذاق تلك الأسرة المنافقة ما تقدّم في

٥

شعر معاوية نفسه ، ومن هنا جاء أمره بشتم الوصي عليه‌السلام على منابر المسلمين ، وانتهى الأمر بأخذه البيعة إلى مثل يزيد الفاسق الفاجر الملعون.

وهكذا كانت السقيفة البوّابة الطبيعية التي نفذ منها يزيد إلى الملك العضوض. وما كان الإمام الحسين عليه‌السلام ليقف مكتوف الأيدي أمام هذا التحدّي الخطير الذي أطاح بكلّ ما تبقى من قيم الإسلام ومثله ، وما كان عليه‌السلام ليستسلم أمام محاولة معاوية بجعل المنهج الأموي بديلاً عن الإسلام ، ومن هنا ولدت نهضة الحسين عليه‌السلام لتدين لها كلّ المواقع المشرقة في تاريخ الإسلام لأنّها هي التي صنعت بالدماء الزاكيات تاريخا جديدا له.

لقد تجسّد الإسلام كلّه في نهضة الحسين ، واجتمع الحقّ كلّه في ثورته على الطغاة المردة ، حتى صارت تلك الثورة الحمراء القانية رمزا لكلّ حركة حرّة ترفض الضيم والخضوع للظلم والاستعباد والاضطهاد ، وصارت شعارا لكلّ الثورات الإسلامية التي لا ترى حرمة وقدسية لكلّ حاكم مستبد مزيّف ما لم يلتزم الإسلام عقيدة ونظاما ، وكانت فتحا جديدا بكلّ مقاييس الرسالة ، ولهذا قال مفجّرها العظيم : ومن تخلّف عني لم يبلغ الفتح.

وهكذا استطاعت تلك الملحمة الحسينية أن تحقّق أهدافها الرسالية وبأكثر من اتّجاه وصعيد ، حيث أيقضت روح المقاومة لدى المسلمين فكانت الثورات والانتفاضات الشعبية التي قادها العلويون تترى للإطاحة بعرش الطاغوت.

كما بعثت نهضة سيد الشهداء عليه‌السلام من جديد قيم الرسالة ومفاهيم الإسلام التي طُمِست وطواها النسيان ، وماكان الإسلام ليصل موقعه الذي نرى لولا تلك النهضة ، حيث أعادت للدين الحنيف قوّته بعد احتضاره ، واستطاعت بكلّ فخر أن تعرّي الواقع التاريخي المزيّف المتخم بالمؤامرات ضدّ آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله والخطط المتراكمة في إقصائهم ما سالموا ، وتصفيتهم ما قاوموا باعتبارهم قطب الدين الأوحد وقادته وحماته ، وأيقضت الأمّة من سباتها ونبّهتها على أنّه لا حرمة في القاموس الأموي لأي دم في الإسلام ولو كان الدم دم الحسين عليه‌السلام ، على أنّ الشجرة الملعونة قد حاولت ـ قبل ذلك ـ سفك دم الوصي علي عليه‌السلام ، وسعت ـ من قبل ـ إلى إراقة دم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

والكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ قد جاء مبيّنا لبعض أبعاد النهضة الحسينية وأسبابها ونتائجها بعبارة مشرقة ، ومنهج علمي ، متضمّنا الكثير من المواقف النادرة والحقائق التاريخية سواء تلك التي سبقت النهضة أو تزامنت معها.

آملين أن يزيد في وعي الأمّة بتاريخها ، وما يتطلّبه حاضرها من السير في ركب الحسين وآل الحسين عليهم‌السلام لبناء مستقبلها بناء إسلاميا بعيدا عن الذلّ والهوان وقدسية الحاكم المستبد.

واللّه الهادي إلى سواء السبيل

مركز الرسالة

٦

المقدَّمة

إن ثورة الحسين عليه‌السلام ليست مجرّد حادثة تاريخية وقعت في تاريخ المسلمين ثم انتهت ، وحينئذ فلا نحتاج إلاّ أن نقيّم نهضة الإمام الحسين عليه‌السلام للإطاحة بعرش الطاغوت من ناحية مسؤوليته ونقف عند ذلك ، وإنّما نعتقد أن ثورة الحسين عليه‌السلام وحركته قضية تتجدد على مرّ العصور والأيام ، ولا زالت هذه القضية ـ إلى يومنا هذا ـ تمدنا بالعطاء والقوة والعزيمة والقدرة. وشأن قضية الحسين عليه‌السلام شأن القرآن الكريم الذي لا يختص مضمونه بعصر نزوله ، وإنما يتجدد في كل عصر ويعالج قضايا كل عصر ، فهو حي متجدد كالشمس والقمر ، كما ورد في روايات أهل البيت عليهم‌السلام. والحسين عليه‌السلام هو قرآن ناطق لذا فإنّ قضيته وحركته لابدّ من أن نفهمها في كل عصر.

ونهضة الحسين عليه‌السلام سجلت فخرا للمسلمين ، وقد عنى بها العلماء والكُتاب من مختلف الطوائف ، واحتلت مكان الصدارة في الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ ، وستبقى بمُثلها وقيمها ومواقفها مدرسة للاجيال تضيء لها الطريق ، وتوفر لها العطاء ، وهي ندية تتفجر بينابيع الخير والاصلاح حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها.

علما بان هذه النهضة قد تغلغلت في أعماق الوجدان الشعبي للأمة بوجه عام وللمسلمين الشيعة بوجه خاص ، بحيث غدت جزءا من الجو الثقافي العام للإنسان الشيعي ، وأسهمت ، ولاتزال تُسهم حتى الآن ، بدور

٧

هام في تكوين شخصيته الثقافية ، وأخلاقياته الإجتماعية والسياسية. ويلاحظ أن نهضة الحسين من بين جميع الثورات في تاريخ الإسلام الحافل بالثورات ، هي النهضة الوحيدة التي لا تزال ذكراها حيَّة غضَّة في حاضر المسلمين كما كانت كذلك في ماضيهم ، وهي الوحيدة من بين الثورات ، الثورة التي دخلت في أعماق الوجدان الشعبي وكانت واعزا وحافزا لما تلاها من ثورات ، يقول الكاتب والأديب :

« لم تنقضِ ستّ سنوات على مصرع الحسين حتى حاق الجزاء بكل رجل أصابه في كربلاء ، فلم يكد يسلم منهم أحد من القتل والتنكيل مع سوء السمعة ووسواس الضمير. ولم تعمر دولة بني أمية بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل ، فلم يتم لها بعد مصرع الحسين نيف وستون سنة! وكان مصرع الحسين هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتى قضى عليها ، وأصبحت ثارات الحسين نداء كل دولة تفتح لها طريقاً إلى الأسماع والقلوب » (١).

جدير بالذكر يركز البعض من الكُتاب والباحثين على بُعد واحد من أبعاد نهضة الحسين عليه‌السلام ، فيتناولونه بالبحث والتحقيق وكأنه البعد الفريد في النهضة المباركة ، وفات هؤلاء خطأ النظرة الاحادية الجانب ، التي تسهب في جانب أو بُعد واحد على حساب باقي الأبعاد العديدة.

ونحن في هذا الكتيب قد تناولنا بصورة مختصرة ولكن مركزة عدة أبعاد أساسية من نهضة الحسين عليه‌السلام ، وسلطنا الأضواء المعرفية على أبعاد لم

__________________

(١) المجموعة الكاملة لأعمال العقاد ـ الحسين عليه‌السلام أبو الشهداء ٢ : ٢٣٠.

٨

تتناولها الأبحاث والدراسات الحسينية بصورة واسعة كالبعد العسكري والاعلامي.

ومن اللّه تعالى نستمد العون والتوفيق.

٩

أولاً : البعد الغيبي

الإمام الحسين عليه‌السلام إنسانٌ سماوي ، متصل بالغيب اتصالاً وثيقا ، فقد رسم له الغيب دورا رساليا ، وحدد له خطوات المسير فنفذها ـ بدقة ـ على الرغم من طابعها المأساوي. يقول الشهرستاني : « تلوح من السيرة الحسينية المثلى انه مسبوق العلم بأنباء من جده وأبيه وأمه وأخيه وحاشيته وذويه بأنه مقتول بسيف البغي ـ خضع أو لم يخضع ، وبايع أو لم يبايع ـ فهلا يرسم العقل الناضج لمثل هذا الفتى المستميت خطة غير الخطة التي مشى عليها حسين الفضيلة ، قوامها الشرع وزمامها النبل » (١).

ومن أجل ذلك فقد رفض كل الدعوات والنصائح التي تدعوه إلى عدم الخروج من مكة ، وتحذره من مغبة التوجه إلى العراق. وهذا الفهم لايتنافى ـ بطبيعة الحال ـ مع الحسابات الواقعية التي كانت تحتم على الإمام عليه‌السلام بأن يأخذ زمام المبادرة ، بعد أن استأثر الأمويون بالسلطة ، وطمسوا معالم الدين ، واتخذوا مال اللّه دولاً وعباده خِولاً. اجل لقد تحرك الإمام عليه‌السلام على ضوء المعطيات العملية ، ومنها : وصول يزيد الفاسق إلى سدة الحكم ، واكراهه الحسين عليه‌السلام على لزوم البيعة له ، ولكن كان هذا

__________________

(١) نهضة الحسين / الشهرستاني : ١٨.

١٠

التحرك ـ مع ذلك ـ بمشيئة وارادة إلهية.

وكشف عن هذه الرغبة الإلهية في عدة مواقف ، منها : « جاء عبداللّه ابن عباس رضى الله عنه وعبداللّه بن الزبير فأشارا إليه بالإمساك. فقال لهما إنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرني بأمر وأنا ماضٍ فيه. قال : فخرج ابن عباس وهو يقول : واحسيناه » (١).

فهنا تتطابق الحقائق الواقعية مع الأوامر النبوية الصادرة عن عالم الغيب ، فالحسين عليه‌السلام يدرك بصورة لايشوبها الشك أنه بين خيارين أحلاهما مرّ : إما البيعة قسرا ، أو القتل حتما. وليس أمامه إلا المسير حسب أوامر الغيب ، المتمثلة بأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله له بالتحرك. وإذا كان الحسين عليه‌السلام هنا يفسر المسير بالأهل والنساء والأطفال إلى كونهم ودائع رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عنده وخوفه عليهم من أزلام يزيد ، لا سيما وهو يعلم بأنهم لا يتورّعون عن فعل شيء ، فليس من المستبعد أن يستخدمهم هؤلاء كرهائن لثني الحسين عليه‌السلام عن المسير إلى العراق. وهناك دلالة عميقة استنبطتها العقول الكبيرة لتثبت من خلالها أن الحسين عليه‌السلام ضحى بعياله من أجل الدين ، يقول « جارلس ديكنز » ، الكاتب الانكليزي المعروف : « إن كان الإمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية ، فانني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال؟ إذن العقل يحكم انه ضحى فقط لأجل الإسلام » (٢).

__________________

(١) اللهوف : ٢١ ـ ٢٢.

(٢) موسوعة عاشوراء / جواد محدثي : ٢٩٠.

١١

ولكن الحسين عليه‌السلام في موقف آخر يعزو أخذ العيال معه وفق نظرة غيبية بحتة ، وفقا للمشيئة الإلهية ، وذلك لما «أراد العراق قالت له أمّ سلمة : لا تخرج إلى العراق ، فقد سمعت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يقتل ابني الحسين بأرض العراق وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة. فقال : « واللّه إنّي مقتول كذلك ، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضا ، وإن أحببت أن أُريك مضجعي ومصرع أصحابي. ثمّ مسح على وجهها ، ففسح اللّه في بصرها حتى أراها ذلك كلّه ، وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضا في قارورة أخرى ، وقال عليه‌السلام : فإذا فاضتا دما ، فاعلمي أنّي قد قتلت. فقالت أمّ سلمة : فلمّا كان يوم عاشوراء نظرت إلى القارورتين بعد الظهر فإذا هما قد فاضتا دما ، فصاحت » (١).

وبطبيعة الحال لا تكون الإرادة والمشيئة الإلهية بدون حِكم بالغة ، بعضها يتصل بالحسين عليه‌السلام من أجل تكريمه ، ورفعه إلى الدّرجات السامية التي لا تنال إلاّ بالشهادة الدامية ، والبعض الآخر منها لكشف معدن أعدائه ، ولكي يدرك القاصي والداني بأن هؤلاء من أهل الأهواء والمصالح ، وبعيدون ـ كل البعد ـ عن جوهر الدّين.

ولعلّنا لا نغالي إذا قلنا بأن الحسين عليه‌السلام ـ بعد أن استلم الأمر الإلهي ـ أصبح شعلةً من حركة لا تخمد ، ولم يلتفت إلى النصائح والدعوات التي انهالت عليه من القريب والبعيد ، محاولةً ثنيه عن عزمه ، وكانت بالحسابات الدنيوية قد تتّصف بشيء من الواقعية ، فهو يتحرّك مع قلّة

__________________

(١) الخرائج والجرائح / الراوندي ١ : ٢٥٤ / الباب الرابع.

١٢

العدد والعدّة ، ويأخذ ـ مع ذلك ـ معه أطفاله وعياله ، ويتّجه إلى بلد كالعراق متعدّد الأعراق والفِرق ، ويتكوّن من فسيفساء عجيبة من الاتجاهات المتناقضة والمتنافرة ، وأهله ـ أهل الكوفة ـ كانوا آنذاك خليطاً عجيباً متناثراً من البشر ، يُوصمون ـ من قبل الغير ـ بالغدر ، وقد غدروا بأبيه وأخيه من قبل ، وإن كانوا ـ على وجه العموم ـ من أعوان أهل البيت ومواليهم. زد على ذلك فان العراق بلد تتشكّل جغرافيته من سهول ممتدة ، وليس فيه جبال وعرة ، ونتيجة لذلك ، فلا يمتاز بالأمن والمنعة للحسين عليه‌السلام ، فهو لا يصلح لحرب العصابات كبلاد اليمن. كل هذه الأسباب قد تضفي بعض المصداقية على تلك الدعوات المخلصة التي حثّت الإمام الحسين عليه‌السلام على استكشاف خياراته على ضوء معطيات الواقع. ولكن الإمام عليه‌السلام خرج بوعيه من قفص الواقع وحساباته المادية البحتة ، التي يدركها جيدا ، ولكنه استشف آفاق أوسع من كل ذلك ، هي آفاق الغيب والشهادة التي تسمو على الحسابات المادية الآنية.

ومن مصاديق ذلك : « أنّ محمّد بن الحنفية لما بلغه أن أخاه عازم على الخروج من مكّة إلى العراق ... صار إلى أخيه الحسين عليه‌السلام في الليلة التي أراد الحسين عليه‌السلام الخروج في صبيحتها عن مكّة. فقال له : يا أخي ، إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خِفتُ أن يكون حالك كحال من مضى ، فإن رأيت أن تُقيم ، فانّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه. فقال الحسين : يا أخي ، قد خِفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون الذي يُستباح به حرمةُ هذا البيت. فقال له ابنُ الحنفية : فان خِفتَ ذلك فصِرْ الى اليمن أو بعض نواحي البرّ ، فإنك أمنع الناس به ، ولايقدر عليك

١٣

أحد. فقال : أنظر فيما قلت.

فلما كان السحر ارتحل الحسين عليه‌السلام فبلغ ذلك ابنَ الحنفية فأتاه ، فأخذ بزمام ناقته ، وقد ركبها ، فقال له : يا أخي ، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال : بلى. قال ابنُ الحنفية : فما حداك على الخروج عاجلاً؟ قال : أتاني رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بعدما فارقتُك ، فقال : يا حسين أخرج ، فان اللّه قد شاء أن يراك قتيلاً. فقال ابنُ الحنفية : إنا للّه وإنا اليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النسوة معك ، وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟ فقال الحسين عليه‌السلام : إن اللّه قد شاء أن يراهنّ سبايا. فسلّم عليه ومضى » (١).

إذن فالمشيئة الإلهية تسمو فوق الحسابات السياسية والقناعات الذاتية ، ولم يكن الحسين عليه‌السلام خائفا على نفسه ـ مع تيقّنه بأن هؤلاء لا يتركوه وشأنه ـ بل كان خائفا على رسالته ودينه. فقد تعهّد له « عبداللّه بن جعفر » بأخذ الأمان له ولأمواله ولأهله ، مع ذلك أصغى الحسين عليه‌السلام لنداء الغيب ، ولم يركن للأسباب. يقول الرّواة : « حاول عبداللّه بن جعفر إرجاع الحسين عليه‌السلام إلى مكّة ، فقد كتب مع ولديه عون ومحمّد كتابا يقول فيه : أمّا بعدُ : فإنِّي أسألك باللّه لمّا انصرفت حين تنظرُ في كتابي ، فإنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكُك واستئصال أهلِ بيتك ، إن هلكت اليوم طفئَ نورُ الأرض ، فإنّك عَلَمُ المهتدينَ ورجاءُ المؤمنينَ ، فلا تستعجلْ بالمسير فإنّي في أثر كتابي ، والسلامُ. وصار عبداللّه بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فسأله أن يكتب للحسين أمانا ويُمنِّيَه ليرجع عن وجهه ،

__________________

(١) اللهوف في قتلى الطفوف : ٣٩ ـ ٤٠ ـ ط١ ، أنوار الهدى ، قم.

١٤

فكتب إليه عمرو بن سعيد كتابا يُمنّيه فيه الصلة ويؤمنه على نفسه ، وأنفذه مع أخيه يحيى بن سعيد ، فلحقه يحيى وعبداللّه بن جعفر بعد نفوذ ابنيه ، ودفعا إليه الكتاب ، وجهدا به في الرجوع ، فقال : إني رأيت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام ، وأمرني بما أنا ماضٍ له ، فقالا له : فما تلك الرؤيا؟ قال : ما حدّثت أحدا بها ، ولا أنا محدِّث أحدا حتى ألقى ربي جلّ وعزّ. فلما أيس منه عبداللّه بن جعفر أمرَ ابنيه عونا ومحمّدا بلزومه والمسير معه والجهاد دونه ، ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكّه (١).

وكان الإمام يصغي بإذن متعاطفة مع الذين نصحوه وأشاروا عليه بعدم الخروج أو بتغيير وجهة المسير ، كان يريد أن يسمع إلى ما يريد الآخرون قوله ، ومن هذه الأقوال انطلقت آراء اتصفت بالحكمة وبعد النظر ، منها رأي ذلك الشيخ الذي أشار عليه بالانصراف عن المسير إلى الكوفة ، وحذّره من النتيجة المأساوية المتوقّعة ، وتساءل ـ محقا ـ لماذا لم يقم أهل الكوفة بالمقدمات المطلوبة ، كالتمرّد على أتباع يزيد ، وتمهيد الأرضية المناسبة للثورة؟! وبذلك يكفوه مؤنة القتال ، يروى أنه « لما سار عليه‌السلام من زبالة (٢) حتى مرّ ببطن العقبة ، فنزل فيها ، فلقيه شيخ من بني عِكرمة يقال له عمرو بن لوذان ، فسأله : أين تُريد؟ قال الحسين عليه‌السلام :

__________________

(١) الإرشاد / الشيخ المفيد ٢ : ٦٨ ـ ٦٩ ، تحقيق : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لتحقيق التراث ، الناشر : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، الطبعة الأولى ـ رجب ١٤١٣ ه.

(٢) زبالة : اسم لأحد المنازل على الطريق بين مكّة والمدينة ، نزل فيه الحسين عليه‌السلام.

١٥

الكوفة. فقال له الشيخ : أنشدك اللّه لما انصرفت ، فواللّه ما تقدم إلاّ على الأسنة وحدّ السيوف ، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطّؤوا لك الأشياء ، فقدمت عليهم كان ذلك رأيا ، فأما على هذه الحال التي تذكر ، فاني لا أرى لك أن تفعل. فقال له : يا عبد اللّه ، ليس يخفى عليّ الرأي ، ولكن اللّه لا يُغلب على أمره ، ثم قال : واللّه لا يَدَعُونني حتى يستخرجوا هذه العَلقةَ من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط اللّه عليهم من يُذلّهم حتى يكونوا أذلّ فِرَق الأمم » (١).

كان الحسين عليه‌السلام ينظر للغيب من وراء ستر رقيق ، ويعلم أن القدر قد رسم له دورا لابد له من القيام به ، ومواجهة الحقيقة المرّة وهي الموت المحقق. يروي الدَّينوري أنّه « لما سار الحسين عليه‌السلام من بطن الرمّة (٢) ، لقيه عبداللّه بن مطيع ، وهو منصرف من العراق ، فسلم على الحسين ، وقال له : بأبي أنت وأمي يا بن رسول اللّه ، ما أخرجك من حرم اللّه وحرم جدّك؟ فقال : إنّ أهل الكوفة كتبوا إليَّ يسألوني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحقّ ، وإماتة البدع. قال له ابن مطيع : أنشدك اللّه أن لا تأتي الكوفة ، فواللّه لئن أتيتها لتقتلن. فقال الحسين عليه‌السلام : لن يصيبنا إلاّ ما كتب اللّه لنا. ثمّ ودّعه ومضى » (٣).

وروى في مورد آخر : « إنّ عبداللّه بن مطيع استقبل الحسين عليه‌السلام ، وهو

__________________

(١) الإرشاد / الشيخ المفيد ٢ : ٧٦ ، تحقيق : مؤسسة أهل البيت لتحقيق التراث.

(٢) مكان قريب من البصرة.

(٣) الأخبار الطوال : ١٨٥ ، دار الفكر الحديث.

١٦

منصرف من مكّة يريد المدينة ، فقال له : أين تريد؟. قال الحسين : أمّا الآن فمكة ، قال : خار اللّه لك ، غير أنّي أحبّ أن أشير عليك برأي. قال الحسين عليه‌السلام : وما هو؟. قال : إذا أتيت مكة فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان ، فإيّاك والكوفة ، فإنّها بلدة مشؤومة ، بها قتل أبوك ، وبها خذل أخوك ، واغتيل بطعنة كادت أن تأتي على نفسه ، بل الزم الحرم ، فإنّ أهل الحجاز لا يعدلون بك أحدا ، ثمّ ادع إليك شيعتك من كلّ أرض ، فسيأتونك جميعا. قال له الحسين : يقضي اللّه ما أحب » (١). وبذلك يظهر أنّه عليه‌السلام استسلم ـ بالكامل ـ للمشيئة الإلهيّة.

وهذا الموقف لا يفسر بمعزل عن الظروف الواقعية الصعبة المحيطه به ، التي تعصف مثل ريح السّموم ، وموقفه هذا ليس قفزا على الواقع والوقائع بل ينسجم معها تمام الإنسجام ، فبنو أمية لايتركوه حيا حتى يوقع لهم على صك العبودية والاستسلام ، من هنا أدرك أنه لابد من تقديم نفسه كبش فداء خدمة للدّين والقيم ، لذلك اتخذ موقفا نهائيا بالمواجهة مع علمه المسبق بالنتيجة ، ومن الشواهد على ذلك أنه قبل أن يخرج قام خطيبا في الناس ـ بعد أن صلّى بين الرّكن والمقام ركعتين ـ فقال : « الحمدُ للّه ، وما شاءَ اللّه ، ولا قوّةَ إلاّ باللّه ، وصلّى اللّه على رسوله. خُطّ الموتُ على وُلد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه. كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأنّ مني أكراشا جوفا ، وأجربة سغبا

__________________

(١) المصدر السابق : ١٧٤.

١٧

لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضى اللّه رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويُوفّينا أجور الصّابرين ، لن تشذّ عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله لُحمتُه ، وهي مجموعة له في حَظيرة القُدس ، تقرّ بهم عينُه ، ويُنجز بهم وعده. من كان باذلاً فينا مهجته ، وموطّنا على لقاء اللّه نفسه ، فليرحل معنا ، فإنّني راحلٌ مصبحا إن شاء اللّه تعالى » (١).

وتابعت السماء اتصالها برجل الفداء ، وكانت الإشارات التي ترد عليه واضحة بلجاء بيضاء كوضح النهار ، لا تحمل في طياتها سوى النذر بأنه على موعد مع القدر ، قال أبو مخنف : حدَّثني عبدالرحمن بن جُندُب ، عن عقبة بن سمعان قال : «لمّا كان في آخر الليل أمر الحُسين عليه‌السلام بالاستسقاء من الماء ، ثمّ أمرنا بالرحيل ، ففعلنا. قال : فلمّا ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا ساعة خفق الحسين عليه‌السلام برأسه خفقة ، ثمّ انتبه وهو يقول : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، والحمد للّه ربّ العالمين. قال : ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثا ، قال : فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين على فرس له فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، والحمد للّه ربّ العالمين. يا أبت ، جعلت فداك! ممّا حمدت اللّه واسترجعت؟ قال : يا بني ، إنّي خفقت برأسي خفقة ، فعنّ لي فارس على فرس فقال : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا ، قال له : يا أبت ، لا أراك اللّه سوءا ، ألسنا على الحقّ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد. قال : يا أبت ، إذا لا نُبالي ، نموت محقّين. فقال له : جزاك اللّه من

__________________

(١) اللهوف : ٣٨.

١٨

ولد خير ما جزى ولدا عن والده (١).

والأغرب من كل ذلك أنه كان يعلم مكان مصرعه ومصرع أصحابه ، في كربلاء ، وأنه سيكون محلاً لقبره وقبور أهل بيته وأصحابه ، مع أن النتائج كانت في رحم الغيب!! كل ذلك بفضل أخبار الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله له ، ومن الشواهد التاريخية على ذلك أنه « لما سار عليه‌السلام والحُرّ يسايره ويُمانعه ، حتى إذا وصلوا كربلاء ، قال : ما اسم هذه الأرض؟ فقيل : كربلاء ، فقال عليه‌السلام : اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء. ثمّ قال : هذا موضع كرب وبلاء ، إنزلوا ، هاهنا محطّ رحالنا ، ومسفك دمائنا ، وهنا محلّ قبورنا ، بهذا حدثني جدي رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله » (٢). وفي رواية أخرى اكتفى بالقول : « هذا موضع الكرب والبلاء ، هذا مناخ ركابنا ، ومحطّ رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا » (٣)

لقد أخذت إشارات الغيب تتوارد على الإمام عليه‌السلام في حلّه وترحاله ، وفي يقظته ومنامه ، فكثيرا ما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يترائى لسبطه ، فمرّة يصدر له الأوامر بالنهوض ، وأخرى يحمل له بشائر الشهادة وقرب اللِّحاق به ، وقد كشف الإمام عليه‌السلام عن بعض تلك الاتصالات التي تحدث خلف ستار الغيب ، وقد أشرنا إلى البعض منها فيما سبق ومنها : « لما زحف ابنُ سعد على مُخيَّم الحسين عصر اليوم التاسع من المحرم. نادى : ياخيل اللّه اركبي

__________________

(١) تاريخ الطبري ٦ : ٢١٧ ، حوادث سنة إحدى وستين ، دار الفكر ، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه / ١٩٩٨ م.

(٢) اللهوف : ٤٩.

(٣) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب ٤ : ٩٧ ، دار الأضواء ، بيروت.

١٩

وأبشري. وكان الحسين محتبيا بسيفه ، وقد خفق برأسه ، فسمعت أختهُ الصيحة ، فدنتْ من أخيها ، فقالت : يا أخي ، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين عليه‌السلام رأسه ، فقال : إنّي رأيتُ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله الساعةَ في المنام ، فقال لي : إنّك تروح إلينا. فلطمت أخته وجهها ، ونادت : بالويل!! فقال عليه‌السلام : ليس لك الويل يا أخية. اسكتي رحمك اللّه » (١).

علما بأن الحسين عليه‌السلام جاء ـ قبل خروجه إلى مكّة ـ إلى قبر جدّه رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّى عند القبر ركعات ، ثم قال : « اللّهم إنّ هذا قبر نبيّك محمّد ، وأنا ابنُ بنت نبيّك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللّهم ، إنّي أُحبّ المعروف وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومن فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رضا ولرسولك رضا ». وجعل يبكي حتى إذا كان قريب الصباح وضع رأسه على القبر ، فأغفى ، فاذا هو برسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه ، فضمّ الحسين عليه‌السلام إلى صدره ، وقبّل مابين عينيه وقال : « حبيبي يا حسين ، كأني أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك مذبوحا بأرض كربٍ وبلاء من عصابةٍ من أُمتي ، وأنت مع ذلك عطشانُ لا تُسقى ، وظمآنُ لا تُروى ، وهم مع ذلك يرجُونَ شفاعتي يوم القيامة ، وما لهم عند اللّه من خَلاق. حبيبي يا حسين ، إنَّ أباك وأمك وأخاك قدموا عليّ ، وهم مشتاقون إليك ، وإنّ لك في الجِنان لدرجاتٍ لن تنالها إلاّ بالشهادة ».

فانتبه الحسين عليه‌السلام من نومه فزعا مرعوبا ، وقصّ رؤياه على أهل بيته

__________________

(١) الارشاد ٢ : ٨٩ ـ ٩٠.

٢٠