🚘

بحوث في علم الأصول - ج ٦

السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي

بحوث في علم الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: المجمع العلمي للشهيد الصدر
المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٨
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام محمد وآله البررة الكرام الطيبين الطاهرين ..

وبعد .. فهذا هو الجزء السادس من كتابنا في أصول الفقه الّذي الّذي يمثل الجزء الثالث من مباحث الحجج والأصول العملية المشتمل على مبحث الاستصحاب منها وحيث انا كنا قد أصدرنا الجزء السابع ـ تعارض الأدلة الشرعية ـ قبل اثني عشر عاما ، فقد تم بذلك تقرير دورة كاملة من بحوث هذا العلم والتي استفدناها من دروس أستاذنا الأعظم الإمام الشهيد السيد الصدر ( قدس‌سره الشريف ).

وقد قدر الله سبحانه وتعالى ان تخرج هذه الدورة إلى النشر بعد استشهاد ذلك الرّجل الرباني الصالح وفي ظروف الهجرة إلى بلاد إيران الإسلام في ظل الحكومة الإسلامية المباركة وبقيادة قائد الأمة وأمل المستضعفين في العالم الإمام الخميني « متع الله الإسلام والمسلمين بطول عمره الشريف ».

وكان من جراء ذلك ان بقيت جملة من كتاباتي لبحوث هذا الجزء في العراق لدى السيد الشهيد نفسه عند ما كان يكتب على ضوئها الحلقات الأصولية الدراسية الثلاث والتي ذهبت تلك الكتابات مع غيرها من مؤلفات السيد الشهيد الخطبة الثمينة وجملة معتد بها من كتاباتي لبحوثه الفقهية على العروة الوثقى ضمن ما سلبته يد الخيانة والطغيان البعثي الفاشي حيثما أقدمت على الجناية التاريخية العظمى في هذا العصر فاعتقلت أستاذنا إلى محراب شهادته

٥

وصارت مكتبة وكل ما كان فيها من نفائس الفكر والتراث ما أحوج الإسلام في عصرنا الحاضر إليها ومن أنفس ما كان ضمن تلك الكتابات دراسة حديثة تفصيلية عن الفلسفة الإسلامية المعمقة مقارنا مع أدق وأحدث نظريات الفكر الفلسفي القديم والمعاصر كان قد شرع في تحريرها في ضوء منطق الاستقراء الّذي أسس مناهجه وقواعده ، من أجل ذلك اضطررت في ملء نقاط الفراغ من بحوث هذا الجزء ان أستعين بجملة من كتابات إخواني وأحبتي من فضلاء تلاميذ سيدنا الشهيد الذين هيئوا لي هذه الفرصة الثمنية فأتحفوني بكتاباتهم في نقاط الفراغ ، وأخص بالذكر منهم أخي الكبر العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد كاظم الحائري « حفظه الله تعالى » وأخي العزيز العلامة حجة الإسلام الشيخ محمد الأصفهاني « حفظه الله تعالى » فجزاهم الله عنا وعن سيدنا الأستاذ الشهيد خيرا وحشرنا وإياهم مع صاحب هذه المدرسة العلمية والرسالية الفريدة في مستقر رحمته الواسعة مع الأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..

والحمد الله رب العالمين

السيد محمود الهاشمي

قم المقدسة ١٤٠٦ ه‍

٦

الاستصحاب

المقدمة

ـ شرح حقيقة الاستصحاب جعلا واستدلالا واصطلاحا.

ـ البحث عن الاستصحاب مسألة أصولية.

ـ الفرق بين الاستصحاب وقواعد أخرى مشابهة.

٧
٨

الاستصحاب

والبحث عن قاعدة الاستصحاب نورده ضمن مقدمة وفصول وخاتمة.

المقدمة

وتشتمل على مباحث ثلاثة :

المبحث الأول ـ في شرح حقيقة الاستصحاب جعلا واستدلالا واصطلاحا ، ويظهر من خلال البحث ما يراد بكل واحد من هذه العناوين ، فالحديث يقع ضمن ثلاث نقاط :

النقطة الأولى ـ في بيان الكيفية المعقولة ثبوتا لجعل الاستصحاب كحكم شرعي ظاهري ، وبهذا الصدد لا بد وان نستذكر حقيقة الحكم الظاهري إجمالا ضمن امرين :

١ ـ ان الحكم الظاهري حكم شرعي طريقي يجعله المولى نتيجة التزاحم الواقع بين الأحكام الإلزامية والأحكام الترخيصية الواقعية المشتبهة في مقام الحفظ التشريعي فيرجح المولى ما هو الأولى منها ملاكا وأهمية على غيره بجعل حكم ظاهري على طبقه إلزاما أو ترخيصا ، وقد سمينا هذا النحو من التزاحم بالتزاحم الحفظي في قبال التزاحم الامتثالي الّذي نقحه الميرزا ( قده ) ، والتزاحم الملاكي الّذي سار عليه المحقق الخراسانيّ ( قده ).

٢ ـ ان ترجيح الأحكام الواقعية المتزاحمة تارة يكون على أساس كيفي أي قوة نوع المحتمل وأهميته كما إذا كانت الأغراض الواقعية اللزومية أهم لدى

٩

المولى من أغراضه الترخيصية فيجعل إيجاب الاحتياط عند الشك ، وأخرى يكون على أساس كمي أي قوة الاحتمال بلحاظ مجموع الأحكام التي تتضمنها تلك الدائرة كما إذا كانت الأغراض اللزومية في دائرة الشبهات قبل الفحص أكثر من الترخيصية مثلا وان كانت نوع غرض لزومي واحد ليس بأهم من غرض ترخيص واحد فيجعل إيجاب الاحتياط فيها أيضا تحفظا على الكمية الأكبر من تلك الأغراض ، وثالثة يكون على أساس كمي أي قوة الاحتمال ولكن لا بلحاظ النّظر المجموعي إلى ما ضمن تلك الدائرة من الأحكام بل بلحاظ النّظر الاستغراقي إلى كل مورد فيرى ان هناك قوة لأحد الاحتمالين على الآخر فيجعل الحكم الظاهري على طبق ذلك الاحتمال والّذي قد يكون إلزاميا وقد يكون ترخيصيا كعنوان ما أخبر به الثقة ، وهذا القسم من جعل الحكم الظاهري هو الّذي تكون مثبتاته حجة على القاعدة كما سوف يأتي البحث عنه مفصلا في موضعه بخلاف القسمين السابقين.

ثم انه ربما لا يوجد مرجح كيفي ولا كمي في شبهة فحينئذ قد تصل النوبة إلى إعمال المولى لمرجحات ذاتية أي غير مربوطة بالواقع المشتبه بل لخصوصيات نفسية ونحوها فيرجح أحد الحكمين على أساس ذلك ولا محذور في ذلك ، ولا ينافي ذلك مع طريقية الحكم الظاهري كما لا يستلزم التصويب لأن هذا الترجيح كان في طول التساوي بين الحكمين الواقعيين المتزاحمين في مقام الحفظ.

وعلى ضوء ذلك نقول في المقام بان جملة من الأصحاب ذكروا ان الاستصحاب غير ناظر إلى الأحكام الواقعية وملاكاتها وانما هو مجرد تعبد ظاهري صرف كأصالة الإباحة.

وهذا الكلام غير صحيح لما عرفت من ان مثل أصالة الإباحة أيضا مجعول لحفظ الملاكات والأغراض الواقعية الترخيصية المتزاحمة مع الأغراض اللزومية ولكن لا على أساس قوة الاحتمال بل على أساس نوعية المحتمل ـ المرجح الكيفي ـ.

وذكر آخرون ان الاستصحاب كأصالة الاحتياط في التحفظ على الواقع بقطع النّظر عن مسألة الأمارية والكاشفية.

وهذا التعبير يرجع بحسب تعبيراتنا إلى ان الاستصحاب جعل على أساس المرجح الكيفي لا الكمي. وهذا أيضا غير صحيح ، لأن جعل حكم ظاهري على

١٠

أساس المرجح الكيفي انما يعقل في مثل أصالة الاحتياط أو الحل لا الاستصحاب الّذي لا يكون نوع المحتمل مشخصا فيه لأن الاستصحاب قد يكون استصحابا لحكم إلزاميّ وقد يكون استصحابا لحكم ترخيصي فلا تميز لنوع الحكم في موارد جريان الاستصحاب ليعقل ان يكون الترجيح على أساسه.

والصحيح : انه يمكن ان يكون جعل الاستصحاب كحكم ظاهري على أساس الترجيح بقوة الاحتمال بالنظر المجموعي بان يكون المولى معتقدا بقاء أكثر الحالات السابقة المتيقنة في دائرة اليقين السابق والشك اللاحق. ويمكن ان يكون على أساس الترجيح بقوة الاحتمال بالنظر الاستغراقي أي أمارية الحالة السابقة أو اليقين السابق على البقاء في نفسه. ويمكن ان يكون على أساس الترجيح بعامل ذاتي لا موضوعي بعد فرض التساوي في المرجحات الموضوعية الكيفية والكمية في موارد اليقين السابق والشك اللاحق ولتكن النكتة الذاتيّة للترجيح هي الانسجام مع الميل والرغبة الشخصية للمكلف للسير على وقف يقينه السابق.

النقطة الثانية ـ اعتاد الأصحاب على جعل الحجة في مقام الاستدلال بالاستصحاب نفس الاستصحاب كما يجعل خبر الثقة دليلا في مقام الاستدلال على حكم ولم يجعلوا صحيحة زرارة الدالة على الاستصحاب مثلا دليلا على الحكم.

وهذا التعبير ليس جزافا بل قد يرتب عليه أثر عملي هو انه عند ما يكون الدليل نفس خبر الثقة فإذا وجد في قباله معارض فلا بد وان تلحظ النسبة بينه وبين الخبر لا دليل حجيته كآية النبأ فإذا كان الخبر أخص منه قدم عليه ولو كانت النسبة بينه وبين آية النبأ العموم من وجه مع انه لا يكون الأمر كذلك في باب الاستصحاب فان المعارض تلاحظ نسبته إلى صحيحة زرارة لا إلى نفس الاستصحاب الّذي جعل دليلا على الحكم.

ونقل عن السيد بحر العلوم ( قده ) انه لا وجه للتفكيك بين خبر الواحد والاستصحاب بل اللازم فيه أيضا اعتبار الاستصحاب معارضا مع الدليل الاخر فنخصص قاعدة الحل بالاستصحاب ولا نلحظ النسبة بين كل شيء حلال وبين صحيحة زرارة. وكأنه يرى إلحاق خصوص الاستصحاب بخبر الثقة دون الأصول

١١

العملية الأخرى وقد يكون بارتكازه يرى فرقا بينهما سوف يأتي شرحه عن بعض المتأخرين.

واعترض الشيخ الأعظم ( قده ) على كلام السيد بحر العلوم ( قده ) بان قياس الاستصحاب بخبر الواحد غير سديد ، لأن الاستصحاب بنفسه الحكم ببقاء ما كان لا الدليل على الحكم وهذا بخلاف خبر الثقة (١).

وهذا الكلام بهذا المقدار لا يكفي لحل الإشكال إذ يمكن للسيد ان يجعل اليقين السابق دليلا على الحكم ومخصصا للقاعدة فيكون بمثابة خبر الثقة.

وذهب بعض الاعلام من المتأخرين إلى ان الاستصحاب ان كان فيه شوب أمارية كان حاله حال خبر الثقة فلا بد وأن تلاحظ النسبة بينه وبين معارضه ، وان جردناه عن الأمارية وكان أصلا صرفا كأصالة الحل لم يكن حاله حال خبر الثقة لأنه حكم صرف وليس كاشفا ودليلا على الحكم لتلحظ نسبته إلى دليل حكم آخر ، وحيث ان الاستصحاب فيه نحو كاشفية ولو بنحو التنزيل فهو كخبر الثقة يكون دليلا على الحكم وبهذا حاول ان يوافق السيد بحر العلوم ( قده ) في كلامه (٢).

أقول : تقديم خبر الثقة على العام المعارض له ليس على أساس كونه أمارة فحسب ، كيف وهناك أمارات لا تتقدم على معارضاتها كما إذا تعارضت بينتان إحداهما أخص من الأخرى فانه لا يقدم الأخص منهما على الأعم. وانما الملاك في التقديم ان الخبر الواحد ينقل كلام المعصوم الصادر منه العام وكل كلامين صادرين عن شخص واحد يكون الأخص منهما قرينة على المراد من الأعم فيقدم عليه ، وهذه النكتة لا تكون محفوظة في البينتين ولا في الاستصحاب إذا تعارض مع دليل اخر.

وهكذا يتضح ان المسألة غير مرتبطة بكون الدليل أصلا أو أمارة ، بل مرتبطة بما إذا كان هناك كلامان صادران من متكلم واحد وكان الدليلان ينقلان ذلك ، فالصحيح ما مشى عليه الأصحاب بحسب ارتكازهم من عدم ملاحظة النسبة بين الاستصحاب وبين معارضة العام بل بين صحيحة زرارة وبين العام كما هو الحال

__________________

(١) فرائد الأصول ص ٣٢٠

(٢) الرسائل ج ١ ، ص ٧٤

١٢

أيضا في أدلة سائر الأصول والأمارات بعضها مع البعض ، وأما التعبير عن الاستصحاب بالدليل فباعتبار كاشفيته أو منجزيته ومعذوريته للحكم الواقعي المحفوظ في مورده فانه دليل عليه ومثبت له ولو إثباتا تنجيزيا أو تعذيريا.

النقطة الثالثة ـ عرف الاستصحاب اصطلاحا بأنه إبقاء ما كان أي الحكم ببقائه ، وقد أثير حول هذا التعريف إشكالات عديدة نشير إلى أهمها وهو اثنان :

١ ـ ما أفاده السيد الأستاذ من ان تعريف الاستصحاب يختلف باختلاف المباني في حجيته فلا وجه لإعطاء تعريف عام ، والتعريف المذكور ينسجم مع مبنى كون الاستصحاب أصلا عمليا ولا ينسجم مع كونه أمارة ، فانه حينئذ ليس حكما شرعيا ببقاء ما كان بل ينبغي تعريفه بأنه اليقين السابق والشك اللاحق.

وفيه : أولا ـ كان ينبغي له على هذا المنهج ان يعرف الاستصحاب بناء على الأمارية بالحدوث أو الثبوت في الحالة السابقة ، لأنه الملازم غالبا مع البقاء ، واليقين كاشف عنه كاليقين بخبر الثقة ، واما الشك اللاحق فهو موضوع لكل حكم ظاهري.

وثانيا ـ ان أريد بهذا الكلام دعوى ان مبنى الأمارية يستلزم جعل الاستصحاب اسما لليقين السابق ومبنى الأصلية يستلزم جعله اسما للحكم بالبقاء فمن الواضح عدم وجود مثل هذه الملازمة ، فانه يمكن ان يجعل اليقين السابق أمارة على البقاء ومع ذلك يسمى نفس الحكم بالبقاء ظاهرا بالاستصحاب ويمكن ان يجعل الحكم بالبقاء في مورد اليقين السابق ومع ذلك يسمى اليقين السابق بالاستصحاب. وان أريد بهذا الكلام استظهاره من كلام الأصحاب الذين قالوا مثلا ان الاستصحاب أمارة فتعبيراتهم لا يترتب عليها أثر مهم في المقام على انه قد يكون تعبيرهم بالاستصحاب عن حرمة النقض والحكم بالبقاء وقد يكون تعبيرهم به عن اليقين السابق حتى عند النافين لأماريته.

٢ ـ ما اعترضه المحقق الأصفهاني من ان المراد بالإبقاء ان كان هو الإبقاء العملي فهذا لا ينسجم مع حكم العقل الّذي هو أحد مدارك الاستصحاب لأنه يدرك البقاء ظنا مثلا وليس للعقل أحكام عملية ، وان كان المراد الإبقاء الحكمي التشريعي فهو لا ينسجم مع البناء العقلائي الّذي هو مدرك اخر من مدارك الاستصحاب فانهم انما يبنون عمليا على البقاء ويسيرون عليه.

١٣

والجواب : إمكان اختيار الإبقاء العملي وافتراض ان العقل يدرك لزوم الإبقاء العملي بمعنى حق الطاعة والمولوية في مورد الاستصحاب الإلزامي وإمكان اختيار الإبقاء الحكمي التشريعي ومع ذلك يستدل عليه بالبناء العقلائي لأن المقصود من بنائهم العملي بناؤهم بما هم موالي فيكون لهم أحكام وتشريعات ، عملي ان الحجة عندنا ليس هو نفس البناء العملي العقلائي بل إمضاؤه من قبل الشارع وهو يستبطن الحكم الشرعي لا محالة.

والتحقيق : انه ان أريد بتعريف الاستصحاب تعريف ما اصطلح عليه الأصحاب بالاستصحاب فهذا يتوقف على تتبع كلماتهم وهي مختلفة ومتطورة تدريجا حسب تطور تاريخ هذا البحث الأصولي. وان أريد بذلك تحديد ما يصلح ان يكون محورا للبحث وموردا للنفي والإثبات على اختلاف المباني والمشارب في فهم الأدلة المستدل بها في هذا البحث فأفضل تعبير يصلح لذلك هو مرجعية الحالة السابقة ولعله المراد أيضا من التعبير بإبقاء ما كان (١).

المبحث الثاني : وقع البحث بينهم في أصولية هذه المسألة ، والواقع ان هذه النقطة ترتبط بالتعريف الّذي يتبنى في تعريف علم الأصول وقواعدها فبناء على تعريفها بما يقع كبرى في طريق الاستنباط يكون الاستصحاب قاعدة أصولية لأنه في الشبهات الحكمية تقع كبرى لذلك. كما انه بناء على مختارنا في تعريف علم الأصول من انه العلم بالقواعد المشتركة في الأبواب الفقهية المتنوعة يكون الاستصحاب منها أيضا لعدم تقييده بباب فقهي خاص بل يجري في تمام الأبواب ، وعليه فلا ينبغي الإشكال في أصولية هذا البحث.

المبحث الثالث : في الفرق بين الاستصحاب وقواعد أخرى مشابهة له وهي قاعدة الاستصحاب القهقرائي المسمى بأصالة الثبات في اللغة وقاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع.

اما الاستصحاب القهقرائي ـ أصالة الثبات ـ والّذي هو أصل عقلائي في

__________________

(١) وان كان المقصود تعريف ما هو المجعول في مورد الاستصحاب من حقيقة الحكم الظاهري ثبوتا فلا بد من الرجوع إلى ما بيناه في النقطة الأولى من هذا المبحث والتي عقدناها لشرح حقيقة الاستصحاب جعلا. وان كان المقصود تعريف ما هو المجعول في الاستصحاب بحسب مقام الإثبات ولسان الأخبار فالأنسب التعبير بحرمة النقض العملي لليقين أو التعبد ببقائه على ما سوف يأتي في شرح مفاد الأخبار.

١٤

اللغة فقد ذكروا في وجه الفرق بينه وبين الاستصحاب بان المتيقن في الاستصحاب سابق على المشكوك بينما يكون المشكوك هو المتقدم زمانا على المتيقن في أصالة الثبات حيث يعلم بالمدلول اللغوي في الحال ويشك فيه في زمان صدور النص فيبنى على الثبات وان هذا المعنى بنفسه كان ثابتا في السابق.

والواقع ان هذا الأصل العقلائي مرجعه إلى أصالة الثبات وغلبة بقاء اللغة على معناها ولو من جهة بطء تغير المداليل اللغوية عبر الحياة المنظورة لإنسان واحد ، فمرجع هذا الاستصحاب إلى استصحاب بقاء الحالة السابقة غاية الأمر باعتبار أمارية ذلك عند العقلاء وثبوت لوازمها إذا كان المدلول اللغوي معلوما اليوم وشك في مدلوله في الزمن السابق ثبت بالملازمة انه كان نفس المدلول والا لزم وقوع النقل والتغيير في اللغة.

واما قاعدة اليقين فقد ذكروا ان فرقها عن الاستصحاب ان الأخير متقوم بالشك في البقاء بعد القطع بالحدوث واما قاعدة اليقين فيسري الشك فيها إلى نفس ما تعلق به اليقين أي المتيقن السابق ويصيره مشكوكا.

وهذا الفرق صحيح وان كان ينبغي تمحيصه بان الاستصحاب لا يتقوم بالشك في البقاء بل بالشك في شيء فرغ عن ثبوته ، وثمرته تظهر فيما إذا علمنا إجمالا بحدوث شيء اما الآن أو قبل ساعة وعلى تقدير حدوثه قبل ساعة يحتمل بقاؤه فانه هنا يجري الاستصحاب رغم ان الشك في البقاء ليس فعليا على كل تقدير ، لأنه شك في ثبوت شيء فرغ عن ثبوته وهو يكفي لصدق نقض اليقين بالشك ، نعم لو كان الشيء اما ثابتا في الزمن الأول فقط أو في الزمن الثاني لم يمكن إجراء الاستصحاب لإثبات وجوده في الزمن الثاني لأن هذا الشك يرى عرفا مقوما للعلم الإجمالي حيث ان أحد طرفي العلم الإجمالي ثبوته في الآن الأول المساوق بالفرض لعدم ثبوته في الآن الثاني فلا يصدق نقض اليقين بالشك إذا ما رفع يده عن ذلك (١).

كما ان هناك فرقا بين قاعدة اليقين والاستصحاب في ملاك الاعتبار

__________________

(١) سوف يأتي في استصحاب اليوم الأول من الشهر كفاية هذا المقدار أيضا في جريان الاستصحاب وصدق نقض اليقين بالشك فلا يحتاج إلى البقاء على أحد التقديرين.

١٥

والحجية ، فان الملاك في الاستصحاب فان الملاك في الاستصحاب بناء على أماريته هو الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث والبقاء بينما الملاك في قاعدة اليقين غلبة مطابقة اليقين السابق للواقع وعدم الاعتناء بالتشكيكات اللاحقة الطارئة عليه.

واما قاعدة المقتضي والمانع فذكروا ان الفرق بينها وبين الاستصحاب وحدة متعلق اليقين والشك ذاتا في الاستصحاب وانما الاختلاف في الحدوث والبقاء وتعدده في القاعدة ، حيث ان اليقين فيها يتعلق بالمقتضي للحكم والشك في اقترانه بالمانع عن تأثيره في إيجاد المقتضى ـ بالفتح ـ.

وهذه التفرقة صحيحة أيضا وان كانت بحاجة إلى تعميق من ناحية انه قد يتصور عدم الفرق بين القاعدة وبين استصحاب عدم المانع عند الشك فيه المثبت للحكم بعد إحراز مقتضية ـ بناء على الأمارية ـ.

والصحيح في الإجابة عن ذلك بان ملاك الحجية في قاعدة المقتضي والمانع على القول بها أمارية ثبوت المقتضي بنفسه على ثبوت الحكم ولو لغلبة عدم اقتران المقتضيات مع موانعها بينما ملاك حجية الاستصحاب غلبة البقاء على تقدير الثبوت وحينئذ إذا لاحظنا القاعدة مع استصحاب عدم المانع أو استصحاب بقاء الممنوع عند الشك في انقطاعه بالمانع بعد سبق وجوده بوجود مقتضية من دون مانع فهما متوافقان وان كانا بنكتتين ، واما إذا لاحظنا استصحاب عدم الممنوع المسبوق بالعدم وقسناه بقاعدة المقتضي والمانع فيما إذا وجد مقتضية ولكن احتمل اقتران المانع معه فسوف يكونان متعارضين ولكنه تقدم القاعدة على الاستصحاب لكونها في طرف العلة وحسابها مقدم على حساب المعلول وحاكم عليه.

وبهذا ينتهي البحث عن المقدمة ونشرع في صلب الموضوع من خلال ما يلي :

١ ـ الفصل الأول ـ في استعراض الأدلة على حجية الاستصحاب.

٢ ـ الفصل الثاني ـ الأقوال في حجية بالاستصحاب.

٣ ـ الفصل الثالث ـ مقدار ما يثبت بالاستصحاب.

٤ ـ الفصل الرابع ـ تطبيقات للاستصحاب وقع البحث فيها.

٥ ـ خاتمة ـ في النسبة بين الأمارات والأصول العملية

١٦

الاستصحاب

أدلة حجية الاستصحاب

١ ـ حجيته على أساس افادته للظن.

٢ ـ حجيته على أساس السيرة العقلائية.

٣ ـ حجيته على أساس الاخبار المعتبرة.

ـ صحيحة زرارة الأولى وكيفية الاستدلال بها ـ صحيحته الثانية وكيفية الاستدلال بها.

ـ جهات من البحث حول هذه الصحيحة وما يستفاد منها في باب الطهارة الخبثية.

ـ صحيحة زرارة الثالثة وكيفية الاستدلال بها.

ـ جريان الاستصحاب في الشك في الركعات ـ الاستدلال برواية محمد بن مسلم وأبي بصير في الخصال على الاستصحاب.

ـ الاستدلال بمكاتبة القاساني على الاستصحاب.

ـ الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان على الاستصحاب.

ـ الاستدلال بروايات الظهار الطهارة والحل الظاهريتين على الاستصحاب.

٤ ـ أركان قاعدة الاستصحاب.

١٧
١٨

الفصل الأول

« أدلة حجية الاستصحاب »

ويمكن تصنيف الأدلة التي يستدل بها على حجية الاستصحاب إلى ثلاثة أنواع كما يلي :

١ ـ حجيته على أساس إفادة الظن.

٢ ـ حجيته على أساس السيرة العقلائية.

٣ ـ حجيته على أساس الاخبار المعتبرة.

الدليل الأول ـ وتقريبه ان الحالة السابقة تورث الظن بالبقاء فيكون حجة اما من باب حجية الظن الشخصي أو الظن النوعيّ فيكون معتبرا حتى إذا لم يورث الظن في مورد لمانع.

ونقطة الفراغ الواضحة في هذا الاستدلال هي كبرى حجية مثل هذا الظن فانها بحاجة إلى دليل فلا بد اما من ضم دليل الانسداد على حجية كل ظن أو ضم أحد الأدلة القادمة ، واما صغرى حصول الظن من الحالة السابقة فقد يستشهد عليها بالسيرة العقلائية القادمة فانهم لا يبنون عادة على شيء من باب التعبد الصرف بل من باب الأمارية والكاشفية ولو النوعية فتكون شاهدا على إفادة الاستصحاب للظن ولو النوعيّ.

١٩

ويرد على هذا الاستدلال منع الصغرى والكبرى معا.

اما الصغرى فلعدم كون الحالة السابقة لو خليت وطبعها مورثة للظن ، فان هذا الظن ينشأ من حساب احتمالات مختلفة جدا باختلاف الموارد والأشخاص ومقدار البقاء وغير ذلك من الأمور على ما تقدم في بحوث سابقة عن كيفية نشوء الظن في الأمارات وملاكه واما الاستدلال بالسيرة العقلائية على حصول الظن فغير سديد ، لأن ذلك لا يعلم كونه على أساس الكاشفية الموضوعية وحصول الظن بل من المحتمل قويا ان يكون على أساس الحالة الذاتيّة الوهمية والأنس الذهني ببقاء الحالة السابقة ولهذا قيل بثبوت الجري على الحالة السابقة حتى في الحيوانات ولهذا أيضا تتأكد هذه الحالة الذاتيّة كلما كانت الحالة السابقة أكثر التصاقا بالإنسان وكان أكثر ابتلاء بها وممارسة لها.

واما الكبرى فلعدم دليل على حجية مثل هذا الظن لو سلم حصوله لا بدليل الانسداد العام لعدم تماميته ولا بدليل خاص لعدم ثبوته ، اللهم الا ان يراد الرجوع إلى أحد الأدلة القادمة وهي غير متوقفة على الظن.

الدليل الثاني : التمسك بالسيرة وبناء العقلاء عملا على بقاء الحالة السابقة. وقد ناقش في ذلك جملة من المحققين بان هذه السيرة ليست على أساس مرجعية الحالة السابقة واعتبارها بل يكون العمل والبناء على الحالة السابقة لو فرض على أساس نكتة أخرى كالاطمئنان بالبقاء كما في التاجر الّذي يرسل الأموال إلى وكيله في بلاد بعيدة فانه مطمئن عادة ببقائه ولهذا لو شكك في ذلك لما أرسلها أو الرجاء والاحتياط في بعض الموارد أو الغفلة عن انتقاض الحالة السابقة رأسا كالخارج من داره حيث يرجع إليه من غير توجه منه إلى احتمال خرابه أصلا.

ولكن الصحيح ثبوت أصل السيرة والبناء العقلائي على العمل طبق الحالة السابقة في الجملة ولو على أساس الوهم والأنس الذهني الّذي يميل الإنسان على أساسه إلى افتراض بقاء الحالة السابقة ، بل نفس ما ذكروه من الغفلة يكون منشئها عادة ذلك الوهم والأنس الذهني ، ولهذا نجد انهم يجرون على طبق الحالة السابقة في موارد قد لا يكتفي فيها حتى بالظن فكأن ذلك الأنس الذهني أوجب سكون النّفس وعدم اعتنائها باحتمال الخلاف ، ويشهد على ثبوت أصل البناء العقلائي ذكر كثير من

٢٠