الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم ISBN: 964-319-053-6
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل صلواته وأزكى تحياته على من اصطفاه من الأولين والآخرين وبعثه رحمة للعالمين محمّد وآله الكهف الحصين وغياث المضطر المستكين وعصمة المعتصمين واللعنة الدائمة على أعدائهم أبد الآبدين.

وبعد فيقول أفقر البرية إلى رحمة ربّه الغني « محمّد حسين الغروي النائيني » عفا الله تعالى عن جرائمه : إني كتبت في سالف الزمان في مسألة « الصلاة في المشكوك » ( رسالة أودعت فيها من تنقيح المباني المهمة وتحرير ضوابطها ما أدّى إليه قاصر نظري ، ولمّا انتهينا في الدورة الأصولية السابقة إلى البحث عن كبرى هذه المسألة استدركنا بعض ما فات عند تحرير هذه الرسالة ، فاختلفت نسخها السابقة واللاحقة ، والآن إذ انتهينا في كتاب الصلاة إلى البحث عن أصل المسألة رأينا أن نزيد في الرسالة أمورا أخر ومهمّات لم‌

٥

تحرّر وتوضيحات لبعض ما تضمّنته من الغوامض التي ألفيناها جارية على ألسنة وأقلام بغير صورتها وعلى غير وجهها أو محذوفة الإسناد إلى مبتكرها.

__________________

بسم الله الرحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل صلواته على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد ، فيقول العبد الفقير إلى الله الغني « جعفر » خلف العلاّمة المحقق الجليل الميرزا علي الغروي النائيني ـ طاب ثراه ـ : أن « رسالة الصلاة في المشكوك » ـ التي جاد بها يراع جدّنا المجدّد العظيم ، نادرة العصور وحسنة الدهور ، مؤصّل الأصول ومفرّع الفروع ، إمام المحققين ومثال التقوى واليقين ، حضرة الميرزا محمّد حسين الغروي النائيني ( أعلى الله في الجنان درجاته وحبانا من فيوضه وبركاته ) ـ لمّا كانت كنزا حاويا لدرر العرفان وعقدا منضودا من لآلئ الجمان ، فذّة في بابها فريدة لبابها ، وقد أصبحت في هذه الأواخر بعيدة المنال ، لا يبلغها إلاّ الأوحدي من أهل الكمال ، إذ لم تطبع سوى طبعة حجرية ملحقة بكتاب منية الطالب ـ تقرير بحثه قدس‌سره حول المكاسب ـ ، فسعيت جاهدا في تجديد طباعتها وتقديمها إلى الجامعة العلمية ـ خدمة للعلم وأداء لبعض الواجب من حقوقه قدس‌سره ـ ، ورأيت أنّ شرحها وتبيين مقاصدها خدمة اخرى يسعني أن أقدّمها في هذا المجال ، فشمّرت ـ مستعينا بالله تعالى ومستمدا من أوليائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ـ عن ساعد الجدّ لذلك ، ولم آل جهدا في إيضاح مطالبها وفكّ عبائرها وكشف رموزها وحلّ‌

٦

فنقول ـ مستعينا بالله سبحانه ومستمدا من وليّ أمره ( صلّى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين ) ـ : إنّ أصحابنا قد اختلفوا في جواز الصلاة فيما يشك أنه من أجزاء غير المأكول على أقوال أربعة : فالمحكي عن المشهور عدم الجواز مطلقا (١) بل في المدارك أنه المقطوع به بين الأصحاب (٢) ، وذهب جمع من محقّقي المتأخرين (٣) إلى الجواز كذلك ، لكنّه كان يعدّ من الشواذّ إلى أن بنى عليه سيدنا الأستاذ الأكبر (١) ـ نوّر ضريحه ـ وأفتى به ، فخرج عن الشذوذ بذلك ، بل انعكس الأمر. وفصّل في الجواهر بين نفس اللباس وما عليه من الفضلات والشعرات الملقاة والمحمول بعد الفراغ عن عموم المنع للجميع (٤) فبنى على المنع في الأول وعلى الجواز في‌

__________________

(١) هو فخر البشر ومجدد المذهب في رأس المائة الرابعة عشر حضرة السيد الميرزا محمّد حسن الحسيني العسكري نوّر ضريحه ( منه قدس‌سره ).

__________________

معضلاتها ، ببيان موجز غير مخلّ وأسلوب طريف غير مملّ ، معترفا بقصر الباع وقلة الاطلاع ، وإنه تعالى هو الموفق والمسدّد والمعين ، فهو حسبي نعم المولى ونعم النصير.

(١) إذ قالوا : إذا صلّى فيما لا يعلم أنّه من جنس ما يصلّى فيه أعاد.

(٢) راجع المدارك ( ٣ : ٢١٤ ).

(٣) كالمحقق الأردبيلي وصاحب المدارك والمحقق الخونساري والشيخ البهائي وصاحبي البحار والحدائق والنراقيين والمحقق القمي ـ قدس الله أسرارهم.

(٤) يعني به عموم مانعيّة غير المأكول ، وسيأتي أنّه قدس‌سره اختار عموم المانعية للجميع واختصاص شرطية المأكولية باللباس.

٧

الثاني (١) ، وأفتى في النجاة أيضا كذلك ، وأمضاه شيخنا أستاذ الأساتيذ قدس‌سره ، وإن كان لا ينطبق على ما هو المعهود من مسلكه ـ كما ستعرفه (٢) ـ ، واختار غير واحد ممن عاصرناهم تفصيلا آخر فبنوا على المنع فيما إذا علم أنّه من أجزاء الحيوان وشكّ في مأكوليّته وعدمها وعلى الجواز فيما إذا لم يعلم ذلك وكانت النباتية أيضا محتملة. وهذه الأربعة هي جملة ما وقفنا عليه من الأقوال. وأمّا ما أفاده في الجواهر من بناء المنع أو الجواز على القول بشرطية المأكولية أو مانعيّة غير المأكول فليس هو تفصيلا في المسألة باعتبار أنواع المشتبهات (٣) أو الاشتباه فيها (٤) وإنما هو تحرير لما بنى عليه المنع في محكيّ المنتهى والجواز في المدارك (٥) وتنقيح لما زعمه مبنى‌

__________________

(١) المراد بالأول نفس اللباس وبالثاني ما عليه من الفضلات والشعرات والمحمول ( الجواهر ٨ : ٨٢ ) ، ( نجاة العباد ٩١ ).

(٢) لا تعرّض في كلماته قدس‌سره الآتية لما هو المعهود من مسلك شيخنا الأعظم قدس‌سره ، ولا يبعد أن يكون المعهود من مسلكه هو القول المشهور وهو المانعية المطلقة في اللباس وما عليه ، وعدم انطباق التفصيل المذكور على هذا القول واضح ، هذا. وفي رسالته قدس‌سره في الخلل (٣٧) إطلاق القول بالمنع.

(٣) كما هو الشأن في التفصيل الأول.

(٤) كما هو الشأن في التفصيل الثاني.

(٥) ما بنى عليه المنع في الأول هو الشرطية والجواز في الثاني هو المانعيّة ، قال في المنتهى ( ١ : ٢٣١ ) : لو شك في كون الصوف أو الشعر‌

٨

للقولين. وهو بالنسبة إلى بناء الجواز على المانعية كما أفاده (١) إذ لا سبيل إلى إطلاق القول به إلاّ على هذا المبنى ، وكذا بالنسبة إلى بناء المنع أيضا على الشرطيّة لكن في خصوص عقده الإيجابيّ وهو استلزام القول بالشرطيّة لعدم الجواز إما مطلقا أو في الجملة ـ كما ستعرفه (٢) ـ

__________________

أو الوبر من مأكول اللحم لم تجز الصلاة فيه لأنها مشروطة بستر العورة بما يؤكل لحمه ، والشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط ، وقال في المدارك ( ٣ : ١٦٧ ) بعد نقله عبارة المنتهى : ويمكن أن يقال إن الشرط ستر العورة والنهي إنما تعلق بالصلاة في غير المأكول ، فلا يثبت إلاّ مع العلم بكون الساتر كذلك ، انتهى موضع الحاجة.

(١) فإن مفهوم البناء يقتضي إناطة المبني بالمبنى ودورانه مداره وجودا وعدما فله عقدان إيجابيّ وسلبيّ ، وهذا في المقام إنما يتم بالنسبة إلى بناء الجواز على المانعية فإنه إن بني عليها أمكن القول بالجواز مطلقا ، وإن لم يبن عليها بل على الشرطية لم يمكن وتعيّن القول بعدم الجواز ولو في الجملة ، أما بالنسبة إلى بناء المنع على الشرطية فلا يتم إلاّ بعقده الإيجابي ـ وهو أنه إن بني على الشرطية أمكن القول بعدم الجواز مطلقا أو في الجملة وقد ذكر آنفا ـ دون عقده السلبي ـ وهو أنه إن لم يبن عليها لم يمكن وتعيّن القول بالجواز مطلقا ـ وذلك لذهاب المشهور إلى عدم الجواز مع ظهور كلماتهم في المانعية.

(٢) ستعرف في مطاوي الأبحاث القادمة ـ ان شاء الله ـ أن القائلين بالشرطية بين من جعل موضوع الشرط هو القدر المشترك بين المأكول وما أنبتته الأرض ، وبين من قيّد شرطية المأكولية بما إذا كان اللباس حيوانيا ، وأنه على الأول يتّجه المنع مطلقا ـ وهو ثاني الأقوال الأربعة المتقدّمة ـ

٩

دون العكس (١) ، كيف وظاهر الأكثر هو المانعيّة ـ كما سنوضحه ـ ، ومع هذا فالقول بعدم الجواز هو المشهور بين الأصحاب ـ كما تقدم نقله.

وكيف كان فلا ينبغي أن يعدّ ما أفاده في تحرير مبنى القولين تفصيلا في المسألة ويذكر في عداد أقوالها ، فضلا عن أن يعدّ إطلاق القول بالجواز مقابلا لهذا التفصيل ، وينسب على كلّ من تقديري القول بالمانعيّة أو الشرطيّة إلى أحد من القائلين به (٢).

وكيف كان ، فالمختار عندنا هو الجواز مطلقا. ولا بدّ في تنقيحه من تقديم أمور : ـ

الأول : جواز الشي‌ء عبارة عن كونه ماضيا غير واقف (٣) ، ويطلق على ما يقابل الامتناع العقلي أو اللغوي (٤) أو العادي أو‌

__________________

وعلى الثاني يتّجه تخصيص المنع بما إذا علم بالحيوانية وشك في المأكولية وعدمها ـ وهو القول الرابع.

(١) الظاهر أن كلمة العكس مصحّفة عن السلبي ، أي دون العقد السلبي.

(٢) العبارة توضيح لسابقتها ، أي : وينسب القول بالجواز على كلّ من التقديرين إلى بعض القائلين بهذا القول ، وبعبارة أخرى : ينسب إلى بعضهم القول بالجواز مطلقا ولو على تقدير الشرطية في قبال القول بالتفصيل بين الشرطيّة والمانعيّة.

(٣) ذكر غير واحد من اللغويين أنه يقال : جاز الموضع ، أي سار فيه وسلكه وقطعه وتركه خلفه ، ويقابله الوقوف.

(٤) المراد بالامتناع اللغوي حكم اللغة بامتناع الاستعمال في مورد وعدم جوازه.

١٠

الشرعي أيضا (١) إمّا لأعميّة حاقّ المعنى ممّا يقابل الوقوف الحسّي (٢) أو بعناية التجريد (٣).

ولا يخفى أنّ الجواز الشرعيّ يطلق تارة على ما يقابل المنع عنه تكليفا ، واخرى على ما يساوق الصحة والنفوذ وضعا. وهذا هو الشائع في أبواب العبادات والمعاملات (٤) والمبحوث عنه فيما نحن فيه ، دون ما يقابل الحرمة التكليفية ، وهو ظاهر.

ثمّ البحث عنه في المقام إن رجع إلى البحث عن إطلاق المانعيّة الواقعيّة أو قصرها بصورة العلم بموضوعها كان المبحوث عنه هو الجواز الواقعيّ الذي لا يؤثّر فيه انكشاف عدم المأكوليّة إلاّ التبدّل من حينه (٥). وإن رجع إلى البحث عمّا هو المعوّل عليه عند الشكّ بعد الفراغ عن إطلاقها النفس الأمري كان المبحوث عنه‌

__________________

(١) يعني مضافا إلى إطلاقه على ما يقابل الوقوف الحسّي.

(٢) بأن يكون اللفظ موضوعا بإزاء الجواز الأعم من الحسّي وغيره ، وعليه فلا تجوّز في إطلاق الجواز على ما يقابل الامتناع بأقسامه المتقدّمة.

(٣) يعني عن قيد الحسّيّة تجوّزا بناء على وضع اللفظ بإزاء خصوص الحسّي.

(٤) نحو ( لا تجوز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ) ، و ( الصلح جائز بين المسلمين ).

(٥) فإذا صلّى في غير المأكول جاهلا صحت صلاته واقعا إن قلنا بتعلّق المانعيّة بما علم كونه غير مأكول ولا أثر لانكشاف الخلاف بعد ذلك الاّ تبدّل الحكم من حينه لتبدّل موضوعه ، وبطلت كذلك إن قلنا بتعلّق المانعيّة بغير المأكول واقعا ـ علم به أم لا.

١١

حينئذ هو الجواز الظاهري (١) المتقوّم في بقائه أيضا بعدم انكشاف الخلاف ـ كحدوثه ـ (٢) ، إلاّ أن يقوم دليل آخر (٣) بالاجتزاء عن الواقع بما وقع امتثالا له ـ كما حرّر في محله. والمجوّزون وإن تشتّتت مسالكهم في المقام (٤) لكنّك ستعرف (٥) أنّ إطلاق المانعيّة الواقعيّة من الجهة التي نحن فيها (٦) ممّا لا سبيل إلى الخدشة فيه ، وأنّ ما يليق بالبحث عنه هو تعيين المرجع (٧) لهذه الشبهة.

__________________

(١) فإن كان المعوّل عليه في الشبهة المبحوث عنها هو أصالة البراءة أو الحل أو استصحاب عدم المانع حكم بصحّة الصلاة فيه ظاهرا ، وإن كان المرجع قاعدة الاحتياط حكم ببطلانها كذلك ، وأمّا الصحّة الواقعية فمنوطة بعدم كونه من غير المأكول واقعا.

(٢) فإن الجواز الظاهري ـ على القول به ـ كما يتقوّم حدوثا بعدم العلم بالخلاف كذلك يتقوّم بقاء بعدم انكشاف الخلاف ، إذ لا مجال لجعل الحكم الظاهري حدوثا ولا بقاء مع العلم بالواقع ، فإنّ موضوعه الشكّ فينتفي بانتفائه.

(٣) يعني فإذا انكشف الخلاف لزمه الإعادة لاقتضاء القاعدة عدم إجزاء امتثال الأمر الظاهري عن الواقعيّ إلاّ إذا قام دليل ثانويّ على الإجزاء من إجماع ونحوه.

(٤) فمنهم من ادّعى قصر المانعيّة بصورة العلم بموضوعها ، ومنهم من بنى على الإطلاق وتشبّث للجواز في المشتبه ببعض الأدلة الاجتهادية ، ومنهم من سلك المسلك المختار المشار إليه هنا في المتن.

(٥) في الأمر الرابع.

(٦) وهي جهة وقوع الصلاة في غير المأكول.

(٧) أي الأصل العملي المعوّل عليه لدى الشكّ بعد الفراغ عن إطلاق المانعيّة الواقعيّة.

١٢

الثاني : إنّ التلازم بين حرمة أكل الحيوان وفساد الصلاة في أجزائه ـ عدا ما ثبتت الرخصة فيه (١) ـ ممّا تسالمت عليه كلمة الأصحاب واستفاضت النصوص به ، ففي موثّقة ابن بكير (٢) قال : سأل زرارة أبا عبد الله عليه‌السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر (٣) فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الصلاة في كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في شعره ووبره وروثه وألبانه وكلّ شي‌ء منه فاسدة لا يقبل الله تلك الصلاة حتى يصلّيها في غيره ممّا أحلّ الله أكله » ، ثم قال : « يا زرارة هذا عن‌

__________________

(١) كالخزّ.

(٢) رواها الشيخان في الكافي والتهذيبين ، راجع الوسائل أول حديث من أحاديث الباب الثاني من أبواب لباس المصلي. ومتن الرواية هنا يخالف المصادر الثلاثة فإن فيها ( إن الصلاة في وبر كل شي‌ء ) وليس هنا كلمة الوبر ، وأيضا الموجود في الثلاثة بطبعاتها الحديثة هكذا ( فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه ـ وفي الكافي زيادة ( وألبانه ) ـ وكل شي‌ء منه فاسدة ) ، نعم في الفقرة الثانية متطابقان عدا إضافة ( وألبانه ) بعد ( روثه ) فيها وعدمها هنا‌

(٣) يحتمل أن يكون الوبر بفتح الباء والتقدير : عن الصلاة في وبر الثعالب ووبر الفنك ووبر السنجاب وغيره ـ أي غير وبر السنجاب ـ من وبر سائر الحيوانات ، ويحتمل أن يكون بكسر الباء بمعنى الكثير الوبر ، كما يحتمل أن يكون بالسكون وهو حيوان بحجم القطّ فروة ثمين. ولا يخفى بعد الأخير عن السياق إذ لو كان هو المراد لعطف الوبر على المذكورات قبله ، والثاني أقرب من الأول لكونه أنسب إلى تركيب الكلام ولعدم حاجته إلى الإضمار بخلاف الأول.

١٣

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحفظ ذلك يا زرارة ، فإن كان ما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وكلّ شي‌ء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكيّ وقد ذكّاه الذبح ، وإن كان غير ذلك ممّا نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسدة ، ذكّاه الذبح أو لم يذكّه ».

وعنه عن آبائه عليهم‌السلام في وصيّة النبيّ لعليّ ـ صلوات الله عليهما وعلى آلهما الطاهرين ـ : « يا عليّ لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه » (١) ، وعنه عليه‌السلام أيضا قال : « لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه لأنّ أكثرها مسوخ » (٢) ، وعن عليّ بن أبي حمزة قال : سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عليهما‌السلام عن لباس الفراء والصلاة فيها ، قال : « لا تصلّ إلاّ فيما كان ذكيّا ، قال : قلت : أو ليس الذكي ما ذكّي بالحديد ، قال : بلى إذا كان مما يؤكل لحمه ، قلت : وما يؤكل لحمه من غير الغنم ، قال : لا بأس بالسنجاب فإنه دابّة لا يأكل اللحم وليس هو ممّا نهى عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا نهى عن كلّ ذي ناب ومخلب » (٣) ، الى غير ذلك ممّا يدلّ على التلازم بين الحكمين من‌

__________________

(١) فقرة قصيرة من وصيّة طويلة منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عليّ عليه‌السلام رواها الصدوق رحمه‌الله في آخر أبواب الفقيه ، في باب النوادر ( ٤ : ٢٦٥ ) ، لكنّ السند ضعيف ، راجع الحديث السادس من الباب المتقدم من الوسائل.

(٢) رواها في العلل لكنّها مرفوعة ، راجع الحديث السابع من نفس الباب من الوسائل.

(٣) رواها الشيخان ـ رحمهما الله ـ في الكافي والتهذيب لكنّ في سندها‌

١٤

الأدلّة العامّة (١) أو الخاصّة الواردة في السباع (٢) وغيرها (٣).

ويستفاد من مجموعها أنّ التلازم المذكور هو المناط في الجميع.

ولا يخفى أن المتحصّل ممّا ورد في باب الأطعمة والأشربة هو أنّ حرمة أكل الحيوان يدور بحسب أصول أنواعه مدار أحد أمور ثلاثة : إمّا كونه من المسوخ أو من السباع أو الحشرات (٤) ،

__________________

ضعفا ، راجع الحديث الثاني من نفس الباب والحديث الثالث من الباب الثالث ، وفيهما : ( فقال لا تصلّ فيها إلاّ فيما كان منه ذكيا ).

(١) كرواية إبراهيم بن محمّد الهمداني قال : كتبت إليه يسقط على ثوبي الوبر والشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقيّة ولا ضرورة ، فكتب عليه‌السلام « لا تجوز الصلاة فيه » ، راجع الحديث الرابع من الباب الثاني.

(٢) كصحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن الصلاة في جلود السباع ، فقال : « لا تصلّ فيها » وموثّقة سماعة قال :

سئل أبو عبد الله عليه‌السلام عن جلود السباع فقال : « اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلّون فيه » ونحوهما غيرهما. راجع البابين الخامس والسادس من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

(٣) كالروايات الناهية عن الصلاة في الثعالب والأرانب والسمور ونحوها والمنتشرة في الثالث والرابع والسابع من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

(٤) يدلّ على حرمة أكل المسوخ روايات الباب الثاني من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل ، وعلى حرمة أكل السباع روايات الباب الثالث منها ، ويستفاد حرمة أكل بعض الحشرات من بعض روايات الباب السادس عشر ، لكن العمدة في حرمة هذا النوع هو الإجماع.

١٥

وهذه الأدلّة ظاهرة في ثبوت التلازم المذكور في الجميع (١) ويكشف كشفا إنيّا عن اتّحاد مناط الحكمين أو تلازمهما (٢) وأنّ ما هو مناط حرمة الأكل في كلّ واحد منها هو مناط المنع عن الصلاة في أجزائه أو أنّه يلازم مناطه.

والاكتفاء (٣) في التعليل الوارد في الرواية الثالثة بمسوخيّة أكثرها قاصرة عن الدلالة على انحصار المناط بها وأنّ عدم صلاحيّة المسوخ لوقوع الصلاة فيه أوجب تشريع المنع عن الجميع.

كيف (٤) ومع الغضّ عمّا في نفس التعليل بمسوخيّة الأكثر من‌

__________________

(١) فإنه مقتضى عموم بعضها وإطلاق بعضها الآخر.

(٢) أي تلازم مناطيهما على تقدير التعدد.

(٣) دفع لما قد يورد على ما أفاده قدس‌سره من اتحاد مناط الحكمين أو تلازم مناطيهما ، وحاصل الإيراد أنّه يظهر من التعليل ـ بأنّ أكثر ما لا يؤكل مسوخ ـ خلاف ذلك ، بتقريب أنّ مناط الحكم بحرمة الأكل وإن كان متحقّقا في كلّ واحد من الأنواع الثلاثة إلاّ أنّ ظاهر التعليل أنّ مناط الحكم بالمنع عن الصلاة فيها منحصر في المسوخ وأنّه لمّا كان أكثر الحيوانات المحرّمة الأكل من قسم المسوخ وهو لا يصلح للصلاة فيه لمناط خاصّ به أصبح هذا المناط هو الحكمة لتشريع المنع عن الصلاة في كلّ ما لا يؤكل إلحاقا للأقلّ بالأكثر.

(٤) شروع في دفع الإيراد المذكور من كلتا ناحيتي الإثبات والثبوت ، ومحصّله من الناحية الاولى قصور دلالة التعليل في نفسه على كونه بيانا لحكمة التشريع بالنسبة الى غير المسوخ واقتصاره على بيان الحكمة في المسوخ ، نظرا إلى كثرة الابتلاء بالملابس المتخذة منه ، ومآل التعليل الى أن المسوخية نوع قذارة منفرة للطباع فلا تصلح لاتخاذها ملابس للصلاة.

١٦

عدم الظهور في كونه مسوقا لبيان المناط بالنسبة الى ما عدا الأكثر المسوخ ، وأنّ شيوع اتّخاذ الملابس من جلده ووبره أوجب مزيد الاهتمام بالردع عن الصلاة فيها وتعليله بما يوجب تنفّر الطباع عنها.

فلا يخفى أنّ الجهة الغير المطّردة (١) إنما تصلح حكمة لتشريع حكم مطّرد إذا كانت بأحد وجهين : إمّا بأن تكون نوعيّة ويكون اشتمال شي‌ء في نوعه (٢) على تلك الجهة مقتضيا لتشريع حكم على ذلك النوع (٣) ـ كما لو فرض كون النبيذ مسكرا في نوعه موجبا لتحريمه (٤) ـ ، أو يكون ما يشتمل على تلك الجهة بحيث لا يتميّز عمّا لا يشتمل عليها في نفس الأمر ولا ينضبط في نوعه ويكون كالاحتياط في موارد الشبهة مصادفا تارة وغير مصادف اخرى بلا ضابط في البين ـ كما في تداخل الأنساب بالنسبة إلى تشريع العدة ونحو ذلك ـ ، فتصلح الجهة الغير المطّردة ملاكا لتشريع حكم مطّرد في كلتا الصورتين.

ويكون (٥) مناط الحكم في الصورة الاولى هو الجهة النوعيّة (٦)

__________________

(١) بيان لدفع الإيراد من الناحية الثبوتية والمنع من صلاحية مسوخية الأكثر ـ ثبوتا ـ لكونها حكمة للتشريع بالنسبة إلى غيره.

(٢) أي بحسب اقتضاء طبعه الأوليّ لو لا الطواري والموانع.

(٣) أي على طبيعيّ ذلك الشي‌ء الساري في جميع أفراده.

(٤) أي موجبا إسكاره النوعي لتحريمه.

(٥) الغرض من هذا البيان دفع إشكال لزوم تشريع الحكم بلا مناط يقتضيه ، فلا حظ وتأمّل.

(٦) أي الجهة التي يقتضيها الطبع الأوليّ للنبيذ فإنّها محفوظة لا محالة في‌

١٧

المحفوظة في جميع أفراد النبيذ مثلا ولو مع عدم فعليّة إسكارها ، وفي الثانية هو إمكان الاشتمال على تلك الجهة بحسب العادة ويكون امتناع التوصّل إليها إلاّ باطّراد الحكم هو مناط اطّراده في الحقيقة ، ومن هنا اصطلحوا على ما يكون من العلل الشرعيّة من هذا القبيل (١) بعلّة التشريع تارة وبالحكمة أخرى (٢). وأمّا ما يكون من قبيل الأوّل فهو وإن كان خارجا عن هذا العنوان موضوعا (٣) ولكنّه في عدم الاطّراد والانعكاس ملحق به (٤) ـ كما ستعرفه ـ (٥). وبالجملة فالجهة الغير المطّردة لا تصلح مناطا لتشريع حكم مطّرد إلاّ إذا كانت بأحد هذين الوجهين.

أمّا إذا كان النوع المشتمل على تلك الجهة منضبطا متميّزا عمّا عداه في نفس الأمر فسواء كانت هي مطّردة في جميع أشخاص ذلك النوع ـ كمسوخيّة المسوخ مثلا ـ أو كانت نوعيّة ـ كما‌

__________________

جميع أفراده ، ولا ضير في عدم فعليّتها في بعضها لبعض الموانع الخارجية ، وبهذا الاعتبار عدّت جهة غير مطّردة.

(١) أي الثاني ، والمناسبة ظاهرة.

(٢) في قبال علّة الحكم التي سيأتي تنقيحها قريبا.

(٣) فلا يجري فيه هذا الاصطلاح في عرفهم.

(٤) أمّا عدم الاطّراد فلأنّه قد تتحقّق العلّة في مورد ولا يثبت فيه الحكم فلا يدور مدارها وجودا ، وأمّا عدم الانعكاس فلأنّه قد تنتفي في مورد مع ثبوت الحكم فيه فلا يدور مدارها عدما.

(٥) قريبا عند التكلم في القسم الأوّل من قسمي علّة الحكم.

١٨

في مثال النبيذ ـ لا يعقل أن يكون مناطا لتشريع الحكم إلاّ على نفس ذلك النوع دون الأعمّ منه وإن كان ذاتيّا له كالمتّخذ من الشعير (١) في مثال النبيذ ، فضلا عمّا إذا كان عارضيا كحرام الأكل فيما نحن فيه (٢) ، ولو كان النوع المذكور كالمسوخ ونحوه من الموضوعات المستنبطة فوظيفة الشارع تقتضي تشخيصه أيضا ، لا إهماله وتشريع الحكم على ما يعمّه (٣).

وبالجملة فلو فرض أنّ المسوخ هو الذي لا يصلح لوقوع الصلاة فيه دون النوعين الآخرين امتنع أن يكون ذلك حكمة لتشريع‌

__________________

(١) الظاهر أن الشعير مصحفة عن التمر ، يعني وإن كان العنوان الأعمّ ذاتيّا لذلك النوع وجنسا له ، كعنوان ( المتّخذ من التمر ) الذي أحد أنواعه النبيذ ، ففي مثله لا يعقل أن يكون إسكار النبيذ مناطا لتشريع الحكم على كل متّخذ من التمر ليشمل العصير التمري لأنّه ـ بالنسبة إلى العصير ـ حكم بغير مناط يقتضيه.

(٢) فإن عنوان ( حرام الأكل ) عرض عامّ بالنسبة إلى المسوخ ، فلا يعقل أن يكون مسوخيته مناطا لتشريع المنع عن الصلاة في كل حرام الأكل حتى السباع والحشرات.

(٣) يعني لا يحسن من الشارع إهمال هذا الموضوع المستنبط وترك تعريفه ليصبح بذلك أمرا غير منضبط وغير متميز ويصح تشريع الحكم على ما يعمّه ، إذ مع إمكان التعريف فعليه ذلك حذرا من تشريع حكم بلا مناط يقتضيه. اللهمّ إلاّ أن يزاحمه مناط أقوى أو مساو يقتضي الإهمال فيصح حينئذ تشريع الحكم على الأعمّ ، لكن المفروض في المقام خلافه لورود البيان الشرعيّ المائز للمسوخ عن غيره.

١٩

الحكم على الجميع ، وكان تعميمه لهما بلا مناط يقتضيه ، لأنّ المسوخ متميّز في نفس الأمر عمّا عداه موكول تشخيصه في كلّ من حرمة أكله وعدم جواز الصلاة فيه إلى بيان الشارع له ، وبعد أن ورد بيانه من الجهة الاولى (١) وامتاز عن غير المسوخ من الحشرات والسباع فكيف يعقل أن يكون عدم صلاحيته لوقوع الصلاة في أجزائه حكمة لتشريع الحكم على الجميع؟. وظاهر أنه إذا امتنع ذلك (٢) فلو فرض للرواية المعلّلة ظهور في ذلك لزم رفع اليد عنه ، فضلا عمّا عرفت من عدم ظهورها فيه أو ظهورها في خلافه (٣) ، فالرواية قاصرة إثباتا وثبوتا عن الدلالة على خلاف ما عرفت أنه المتحصّل (٤) ممّا دلّ على التلازم بين الحكمين.

وأمّا تعليل الرخصة (٥) في السنجاب بأنّه لا يأكل اللحم ـ كما تقدّم في رواية ابن أبي حمزة ، ورواه مقاتل بن مقاتل أيضا (٦) ، قال :

__________________

(١) كما تكفّلته روايات الباب الثاني من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(٢) أي ثبوتا.

(٣) عرفت ذلك لدى المناقشة الإثباتية المتقدمة.

(٤) وهو اتحاد مناط الحكمين أو تلازمهما.

(٥) بيان توهّم ربما يورد على دعوى التلازم بين الحكمين أنفسهما ، وحاصله أنّ مقتضى التعليل المذكور اختصاص حكم المقام بما يأكل اللحم من الحيوانات المحرّمة الأكل وهي السباع خاصة ، فلا تلازم بين الحكمين.

(٦) رواه في الوسائل عن الكافي ثاني حديث من الباب الثالث من أبواب لباس المصلّي.

٢٠