أسئلة وأجوبة عقائديّة

محمّد أمين نجف

أسئلة وأجوبة عقائديّة

المؤلف:

محمّد أمين نجف


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: ماهر
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5995-26-1
الصفحات: ٢٨٧

١
٢

إهداء

إلى مَن كان همّه نشر مذهب أهل البيت عليهم‌السلام في كافّة أنحاء المعمورة

إلى مَن أوقف نفسه لنشر العقيدة الصحيحة إلى روّادها

إلى مؤسّس مركز الأبحاث العقائدية

إلى المرحوم الشيخ فارس الحسّون رحمه الله

أهدي ثواب هذا الجهد المتواضع

المؤلّف

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد : من التوفيقات التي تفضّل الله تعالى بها عليَّ هي العمل مدّة ثمان سنوات في مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه).

وقد أٌسّس هذا المركز للذبّ عن حمى العقيدة ، ونشر المفاهيم الحقّة ، ونصرة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وردّ الشبهات التي يبثّها خصوم الشيعة ضدّ مذهب أهل البيت عليهم‌السلام قديماً وحديثاً ؛ محاولة منهم لخلق الحواجز بين الناس ومذهب الحقّ المخالف لمصالحهم الشخصية ومآربهم الذاتية.

ولقد ألقى على عاتقي المرحوم الشيخ فارس الحسّون (مؤسّس المركز) مسؤولية اللجنة التي تُجيب على الأسئلة العقائدية ، فلبّيت طلبه ، وبدأت مع بقية أعضاء اللجنة وبعض الإخوة الفضلاء والعلماء في الحوزة العلمية بالإجابة على تلك التساؤلات والشبهات التي بثّها المخالفون.

وبعد أن اجتمعت مجموعة كبيرة من تلك الأسئلة والأجوبة العقائدية قمت بتنظيمها وترتيبها واستخراج مصادرها وتوحيدها على نسق واحد ؛ لإصدارها بشكل موسوعة ، وقد تمّ ولله الحمد إصدار هذه الموسوعة عام ١٤٢٩ هـ تحت عنوان (موسوعة الأسئلة العقائدية) في خمسة مجلّدات.

٥

وإيماناً منّي بأهمّية توسيع نطاق نشر هذه الأسئلة والأجوبة العقائدية ، قمتُ بإخراج أهم الأسئلة والأجوبة التي أجبت عليها في هذه الموسوعة ، ورتبتها في ثلاثة أقسام :

• أسئلة وأجوبة في أُصول الدين.

• أسئلة وأجوبة حول المعصومين الأربعة عشر عليهم‌السلام.

• أسئلة وأجوبة في مسائل مختلفة.

وطبعتها بهذا الشكل الذي بين يدي القارئ الكريم ؛ ليستفيد منها عموم القرّاء ، باعتبار أنّ نطاق الاستفادة من الموسوعة يكون محدوداً وخاصّاً ببعض الأشخاص.

وفي الختام ، أُقدم جزيل شكري وامتناني للهيئة العلمية لمؤسّسة شهيد المحراب فرع قم المقدّسة على ملحوظاتها القيّمة حول بعض فصول الكتاب ـ سائلاً المولى عزّ وجلّ أن يوفّق الجميع لخدمة الدين الحنيف ، ونصرة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

محمد أمين نجف

١٣ رجب ١٤٣٢ هـ

قم المقدّسة

٦

أسئلة وأجوبة في أُصول الدين

٧

٨

أُصول الدين

* الفرق بين أُصول الدين وفروعه

* لا يجوز التقليد في العقيدة

الفرق بين أُصول الدين وفروعه

س : ما الفرق بين فروع الدين وأُصوله؟ الرجاء تعداد الفروع والأُصول.

ج : الفرق بينهما هو :

١ ـ إنّ أُصول الدين لا يجوز فيها التقليد ، بل على كلّ مكلّف أن يعرفها بأدلّتها ، وهذا بخلاف فروع الدين التي يجب فيها التقليد.

٢ ـ إنّ إنكار أيّ أصل من أُصول الدين يخرج منكره عن الدين ، بخلاف فروع الدين ، إلّا إذا أدّى إنكار فرع من فروع الدين إلى إنكار أصل من أُصول الدين.

٣ ـ إنّ أُصول الدين يمكن أن يُستدلّ عليها بالعقل فقط ، والنقل يكون شاهداً مؤيّداً ، وهذا بخلاف فروع الدين.

أُصول الدين عند الإمامية خمسة : التوحيد ، العدل ، النبوّة ، الإمامة ، المعاد.

وفروع الدين عشرة : الصلاة ، الصوم ، الخمس ، الزكاة ، الحجّ ، الجهاد ، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، التولّي لأولياء الله، التبرّي من أعداء الله.

لا يجوز التقليد في العقيدة

س : تقبّل الله أعمالكم ، ووفّقكم الله لمرضاته ، في الحقيقة عندي استفسار وهو : الشخص

٩

العامّي الذي ليس له معرفة في مجال علوم الحديث والرجال ، التي تحتاج إلى متخصّص ، وهناك أحاديث في مجال العقائد تصبّ في المنظومة العقائدية للفرد ، كيف يعرف هل هذا حديث متواتر أو صحيح أو ضعيف أو موضوع؟ بالطبع أنّ عليه الرجوع إلى أهل الفنّ في هذا المجال ، وبهذا يصبح هذا الفرد مقلّداً ، والحال أنّه لا يجوز التقليد في المسائل العقائدية.

ج : حينما يُقال لا يجوز التقليد في المسائل العقائدية ، فالمقصود أنّ نفس العقيدة لا يجوز التقليد فيها ، وأمّا الأُمور الجانبية الأُخرى فلا محذور في التقليد فيها ، فالرجوع إلى شخصٍ لمعرفة أنّ هذا الحديث صحيح السند أو لا ، أو هو متواتر أو لا ، ليس رجوعاً إليه في نفس العقيدة كي يكون ذلك تقليداً محرّماً ، وإنّما هو رجوع إليه في مجال آخر لا يرتبط بالعقيدة.

١٠

الإلهيات

* الأدلّة العقلية على وجود الله تعالى

* لماذا يعذّب الله تعالى المسلمين.

* بحث مبسّط في إثبات وجود الله تعالى.

* التوفيق بين العدل الإلهي وبين خلق أُناس ذوي عاهة

الأدلّة العقلية على وجود الله تعالى

س : كيف نستطيع معرفة الله؟ وما هي الأدلّة العقلية على وجوده تعالى؟ وما هو أفضل كتاب يفضّل قراءته في هذا المجال؟ وكيف نؤمن بربّ لا نراه؟ وكيف وجد الله؟ ومن أين؟ أرجو الإجابة ، وأنا مؤمن بالله ولكن للاطمئنان ، ودمتم سالمين.

ج : إنّ وجود الله تعالى أغنى من أن يحتاج إلى بيان أو يتوقّف على برهان ، حيث أدركه كلّ ذي عقل ، وأحسّ به كلّ ذي شعور ، وفهمته كلّ فطرة ، حتّى الذي ينكره بلسانه لا محالة يتوجّه إليه عند الاضطرار بقلبه وجَنانه ، بل يمكن القول بأنّ وجوده تعالى فطري ، لا يحتاج في الحقيقة إلى دليل ، ولكن نذكر لكم بعض الأدلّة العقلية على وجوده تعالى ، حسبما طلبتموه :

الأوّل : برهان النظم

أوضح الأدلّة على إثبات الله تعالى ، الذي يحكم به العقل ، هو دليل النظم والتدبير.

فالكلّ يرى العالم بسماواته وأراضيه ، وما بينهما من مخلوقات من الذرّة إلى المجرّة.

فنرى أجزاءها وجزئيّاتها مخلوقة بأحسن النظم ، وأتقن تدبير وأتم صنع وأبدع

١١

تصوير ، فيحكم العقل أنّه لا بدّ لهذا التدبير من مدبّر ، ولهذا التنظيم من منظّم ، ولهذا السير المحكم من الحكيم ، وذلك هو الله تعالى.

الثاني : امتناع الصدفة

إنّا إذا لم نؤمن بوجود الخالق لهذا الكون العظيم ، لا بدّ من القول بأنّ الصدفة هي التي أوجدته ، وأنّ الطبيعة هي خالقة الحياة.

لكن من الواضح ، أنّه لا يقبل حتّى عقل الصبيان أن تكون هذه المخلوقات اللّامتناهية ، وجدت بنفسها وعن طريق صدفة عمياء أو خلقتها طبيعة صمّاء.

الثالث : برهان الاستقصاء

إنّ كلاًّ منّا ، إذا راجع نفسه يدرك ببداهة أنّه لم يكن موجوداً أزلياً ، بل كان وجوده مسبوقاً بالعدم ، وقد وُجِد في زمانٍ خاصّ ، إذاً فلنفحص ونبحث : هل أنّنا خلقنا أنفسنا؟ أم خلقنا أحد مثلنا؟ أم خلقنا القادر وهو الله تعالى؟

ولا شكّ أنّنا لم نخلق أنفسنا ؛ لعدم قدرتنا على ذلك ، ولا شكّ أيضاً أنّا لم نخلق من مثلنا لنفس السبب ، إذاً لا يبقى إلّا أنّ الذي خلقنا هو الله تعالى ؛ لأنّه القادر على خلق كلّ شيء.

الرابع : برهان الحركة

إنّا نرى العالم بجميع ما فيه متحرّكاً ، ومعلوم أنّ الحركة تحتاج إلى محرّك ، لأنّ الحركة قوّة والقوّة لا توجد بغير علّة.

إذاً لا بدّ لهذه الحركات والتحوّلات والتغيّرات من محرّك حكيم قدير ، وليس إلّا الله تعالى.

الخامس : برهان القاهرية

إنّ الطبيعة تنمو عادةً نحو البقاء ، لولا إرادة من يفرض عليها الفناء ، فالإنسان الذي يعيش ، والأشجار التي تنمو ، لا يعرض عليها الموت أو الزوال إلّا بعلّة فاعلة قاهرة.

١٢

فمَن هو المميت؟ ومَن هو المزيل؟ إنّه ذلك الذي له القدرة على فناء مخلوقاته ، وهو الله تعالى.

هذه أدلّة خمسة ، من بين الأدلّة العقلية الكثيرة التي تدعم الإيمان الفطري بوجود الله تعالى.

وأمّا كيف وُجِد؟ وأين وُجِد؟ فذلك ممّا حرّم الشرع الخوض فيه ، بل ولا يمكن للعقل إدراكه.

وأفضل كتاب نشير إليه ونعتقد أنّه يستوعب هكذا أسئلة هو كتاب هو كتاب «الإلهيات» للشيخ السبحاني ، وكتاب «العقائد الحقّة» للسيّد علي الحسيني الصدر فليُراجعا.

لماذا يُعذّب الله تعالى المسلمين؟

س : كيف يُعذّب الله المسلمين بالنار وهو الرحمن الرحيم؟ وكيف تكون النار رحمة للناس وتطهيراً؟

ج : إنّ الإنسان ميّال إلى اللهو واللعب والراحة ، فلو خُلّي وطبعه زاغ عن جادّة الحقّ والصواب التي رسمها الله تعالى له ، وخصّه بها ودعاه إليها بانتخابه واختياره ، فمن أجل أن يسوقه إليها بلّغه على لسان أنبيائه بوعده ووعيده ؛ تحفيزاً له لنيل الثواب وتجنّب العقاب ، وبالتالي بلوغ السعادة المرجوّة.

ومن هنا يُعلم أنّ عقوبة الله تعالى للإنسان غير مقصودة بالذات ، لأنّ رحمته تعالى سبقت غضبه وانتقامه ، بل هي وسيلة لتحقّق ما يُصلِح الإنسان وينفعه في الدنيا والآخرة ، عبر الالتزام بأوامر الله تعالى ، والانتهاء عن نواهيه ، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُم (١).

__________________

١ ـ الأنفال : ٢٤.

١٣

بحث مبسّط في إثبات وجود الله

س : كيف يمكن إقناع شخص مادّي بوجود الله عزّ وجل؟

ج : لا بدّ لمن يريد أن يقنع الآخرين بعقيدةٍ ما (كالاعتقاد بوجود الله تعالى) أن يكون على مستوى عالٍ من المعرفة والثقافة بتلك العقيدة ، حتّى يمكنه أن يؤثّر ويُقنع ، وأن تكون له القوّة على ردّ الشبهات والاعتراضات الواردة حول هذه العقيدة التي يُريد طرحها.

فباعتبار أنّ المادّي لا يُؤمن بالأدلّة النقلية ـ من الكتاب والسنّة ـ على وجود الله تعالى ، فلابدّ من ذكر الأدلّة العقلية التي يؤمن بها ، الدالّة على وجوده تعالى ، وبعد الإيمان بوجوده تعالى ، حينذاك يُمكن أن نُثبت له من خلال الأدلّة النقلية والعقلية وجود الحياة البرزخية ، والحياة الأُخروية.

وتعميماً للفائدة ، نذكر لكم ما كتبه أحد المؤمنين في هذا المجال :

يقول المادّيون : لا إله ، فمَن الموجِد؟

إنّا نرى الأبناء يولدهم الآباء ، ونرى النبات تنبته الشمس والماء والتربة ، ونرى الحيوان يُخلق من حيوانين ، و... أمّا قبل ذلك فلم نرَ شيئاً ، فإنّ العمر لم يطل من قبل ...

إذاً كلّ قول يُؤيّد الإله ، ويُؤيّد عدم الإله ، يحتاج إلى منطق غير حسّي.

المادّي الذي يقول : لا إله ، يحتاج إلى الدليل.

والمؤمن الذي يقول : الله تعالى ، يحتاج إلى برهان.

لكن الأوّل لا دليل له ، فإنّ العين لم ترَ الإله ، أمّا أنّها رأت عدمه فلا ، وكذا الأُذن ، واللمس ، وغيرها ....

ومن الهراء : أن يقول أحد : إنّ الصناعة الحديثة دلّت على عدم الإله؟

هل القمر الاصطناعي يدلّ على عدم الإله؟ هل الذرّة تدلّ على عدم الإله؟ هل

١٤

الكهرباء والصاروخ والطائرة تدلّ على عدم الإله؟

القمر الاصطناعي ليس إلّا كالسكّين الحجري الذي يقولون عنه : صنعه الإنسان البدائي ، لا يرتبط هذا ولا ذاك بالإله نفياً أو إثباتاً.

ولنا أن نقول : نفرض أنّ الإله موجود ، فما كان حال القمر الاصطناعي؟ بل : القمر الاصطناعي الذي تُصرف عليه ملايين ، ويجهد في صنعه أُلوف من العلماء ، ثمّ لا ينفع إلّا ضئيلاً ، أدلّ على وجود الإله ، إذ كيف هذا له صانع ، وليس للقمر المنير صانع؟!

إنّ مَن يطلب منّا الإذعان بعدم الإله للكون ، ثمّ هو لا يُذعن بعدم الصانع للطائرة ، مثله كمَن يطلب من شخص أنّ يقول بعدم بانٍ لقصرٍ مشيّدة ، ثمّ هو لا يقول بعدم صانعٍ لآخر.

عالم وملحد :

قال الملحد : الحواس خمسة : الباصرة ، السامعة ، الذائقة ، اللّامسة ، الشامّة ، وكلّ شيء في العالم لا بدّ وأن يُدرك بإحدى هذه الحواس :

فالألوان والأشكال والحجوم ، تُدرك بالباصرة.

والأصوات والألحان والكلام ، تُدرك بالسامعة.

والطعوم والمذوقات والأطعمة ، تُدرك بالذائقة.

والخشونة واليبوسة والرطوبة والحرارة ، تُدرك باللّامسة.

والروائح والمشمومات والعطريات ، تُدرك بالشامّة.

فمن أين نُثبت وجود الله؟ والحال أنّا لم نره ، ولم نسمع صوته ، ولم نذق طعمه ، ولم نلمس جسمه ، ولم نشمّ ريحه؟

فصنع العالِم كرتين ، إحداهما من حديد ، والأُخرى من خشب ، وصبغهما ، ثمّ أتى بهما إلى الملحد ، وقال : أنا أخبرك بأنّ إحدى هاتين الكرتين حديد والأُخرى خشب ، أُنظر وعيّن. نظر الملحد ، وعجز عن التعيين بالنظر.

١٥

قال العالم : فأصغ وعيّن. أصغى الملحد ، وعجز عن التعيين بالسمع.

قال العالم : ذق وعيّن. ذاق الملحد ، وعجز عن التعيين باللسان.

قال العالم : اشمم وعيّن. شمّ الملحد ، وعجز عن التعيين بالأنف.

قال العالم : ألمس وعيّن. لمس الملحد ، وعجز عن التعيين باللمس.

ثمّ وضعهما العالم في يد الملحد ، وحينذاك أدرك أنّ الأثقل الحديد ، فقال : هذا هو الحديد ، وهذا الأخفّ هو الخشب.

قال العالم : مَن أخبرك أنّ الأثقل الحديد ، والأخفّ الخشب؟

قال الملحد : عقلي هو الذي أرشدني إلى ذلك.

قال العالم : فليست المعلومات منحصرة بالحواسّ الخمس ، وإنّ للعقل حصّة مهمّة من العلوم ، والله تعالى الذي نقول به إنّما هو معلوم للعقل ، وان لم يكن مدركاً بالحواس.

فانقطع الملحد ، ولم يحر جواباً!

طالب وزميل :

قال الطالب : لا وجود لله إطلاقاً.

الزميل : مَن أين تقول هذا؟ ومَن علّمك؟

الطالب : أمّا مَن علّمني؟ فما أنت وهذا؟ وأنّا لا أتحاشى من أن أقول : إنّ المدرسة هي التي أوحت إليَّ بهذه الفكرة ، وإنّي شاكر جدّاً لها ، حيث أنقذتني من التقاليد إلى سعة العلم.

وأمّا من أين أقول؟ فلأنّي لم أرَ الله ، وكلّ غير مرئي لا وجود له.

الزميل : إنّي لا أُريد أن أُناقشك في دليلك الآن ، لكن أقول : هل ذهبت إلى الكواكب؟ هل ذهبت إلى القطب؟ هل ذهبت إلى قعر البحار؟

الطالب : كلّا!

١٦

الزميل : فإذا قال لك قائل : إنّ الله تعالى في الكواكب ، أو في قعر البحر ، أو في القطب ، فبماذا كنت تجيبه؟

فكّر الطالب ملياً ولم يحر جواباً.

فقال الزميل : إنّ من الجهل أن ينكر الإنسان شيئاً لم يره ، أو لم يسمع به ، وأنّه لجهل مفضوح.

كان بعض الناس قبل اختراع السيارة والطائرة والراديو والتلفون والتلفاز والكهرباء ، إذا حُدّثوا بها أقاموا الدنيا وأقعدوها إنكاراً واستهزاءً على القائل بها ، وكانوا يجعلون كلامه مثار ضحك وسخرية!! فهل كان لهم الحقّ في ذلك؟

كانوا يقولون : لم نرَ هذه الأشياء.

وأنت مثلهم تقول : لم أرَ الله.

الطالب : أشكرك جدّاً على هذه اللفتة العلمية ، وإنّي شاكر لك ، حيث أخرجتني عن خرافة غرسها في ذهني معلّم جاحد منذ دخلت المدرسة ، مفادها أنّ الله طالما لم نره يجب علينا إنكاره ، والآن فهمت الحقيقة.

مؤمن ومنكر :

كان عليّ وجميل يتناظران في وجود الله تعالى ، فكان عليّ يسرد الأدلّة على الإثبات ، وجميل يردّها ، أو لا يقبلها.

ولمّا طالت المجادلة بينهما ، قال علي : إنّ في جارنا من علماء الدين اسمه أحمد ، فهلمّ بنا نذهب إليه ونجعله حكماً فيما بيننا.

قبل جميل مقالة عليّ على كره ؛ لأنّه كان يتصوّر أن لا حجّة لمن يقول بوجود الله إلّا التقليد. وذهبا معاً إلى دار العالم للاحتكام إليه ، وبعد أن استقرّ بهما المجلس ، قال العالم : خير إن شاء الله؟

جميل : إنا وصديقي عليّ تباحثنا حول وجود الله ، ولم يتمكّن عليّ من الإثبات ، أو

١٧

بالأحرى : أنا لم أقتنع بأدلّته ، فهل الحقّ معي أم معه؟ وأقول ـ قبل كلّ شيء ـ : إنا لا أقتنع بالقول المجرّد ، وإنّما أُريد الإثبات ، ثمّ إنّي خرّيج مدرسة فلسفية عالية ، لا أقبل شيئاً إلّا بعد المناقشة والجدال ، وأن يكون محسوساً ملموساً.

أحمد : فهل لك في دليل بسيط وبسيط جدّاً تقتنع به ، بدون لفّ ودوران؟

جميل : ما هو؟ هاته.

أحمد : إنا أُخيّرك بين قبول أربعة أشياء ، إنّك موجود بلا شكّ ، فهل :

١ ـ صنعت نفسك.

٢ ـ صنعك جاهل عاجز.

٣ ـ صنعك عالم قادر.

٤ ـ لم يصنعك شيء.

فكّر جميل ساعة بماذا يُجيب؟ هل يقول : أنا صنعت نفسي بنفسي ، وهذا باطل مفضوح؟ أم يقول : صنعني شيء جاهل ، وهذا أيضاً مخالف للحقيقة؟ فإنّ التدابير المتّخذة في خلق الإنسان فوق العقول ، فكيف يركّب هذه الأجهزة بهذه الكيفية المحيّرة ، شيء جاهل؟!

أم يقول : لم يصنعني شيء؟ وهو بيّن البطلان ، فإنّ كلّ شيء لابدّ له من صانع.

أم يعترف بأنّه مصنوع لشيء عالم وقادر ، وحينئذ ينهار كلّ ما بناه من الأدلّة ـ المزعومة ـ بعدم وجود الله تعالى.

وبعد فكر طويل ، رفع رأسه وقال : لابدّ لي من الاعتراف ، بأنّي مصنوع لعالم قدير.

أحمد : ومَن هو ذلك العالم القدير؟

جميل : لا أدري.

أحمد : ولكن ذلك واضح معلوم ، لأنّ مَن صنعك ليس من البشر ، فإنّ البشر لا يقدرون على خلق مثلك ، ولا من الجماد ، فانّ الجماد لا عقل له ، إذاً هو الله تعالى.

١٨

عليّ : هل اقنعت يا جميل بهذا الدليل؟

جميل : إنّه دليل قوّي جدّاً ، لا أظنّ أحداً يتمكّن من المناقشة فيه ، وإنّي شاكر لك وللعالم أحمد.

معلّم وتلميذ :

ذهب جماعة من الطلاّب إلى مدرسة إلحادية ، وفي اليوم الأوّل من الدوام حضروا الصفّ ، وكان في الصفّ منضدة عليها تصوير أحد زعماء الملحدين.

فجاء المعلّم ، وقال للطلاّب : هل لكم عين ، وأين هي؟

وهل لكم أُذن؟ وأين هي؟ وهل لكم أيدٍ وأرجل ، وأين هي؟

قال الطلاّب : نعم ، لنا أعين وأُذن وأيد وأرجل ، وهي هذه ، وأشاروا إلى هذه الأعضاء.

قال المعلّم : وهل ترون هذه الأعضاء وتحسّون بها؟

قال الطلاّب : نعم نراها ونلمسها.

قال المعلّم : وهل ترون هذا التصوير على المنضدة؟

قالوا : نعم نراه.

قال المعلّم : وهل ترون المنضدة وسائر ما في الغرفة؟

قالوا : نعم نراها.

عندها قال المعلم: هل ترون الله ، وهل تحسّون به؟

قالوا : لا ، لا نرى الله ولا نلمسه.

قال المعلّم : فهو إذاً خرافة تقليدية! إنّ كلّ شيء في الكون نحسّ به ونراه ، أمّا ما لا نراه ولا نحسّ به ، فهو خطأ ، يلزم علينا أن لا نعترف به ، وإلّا كنّا معتقدين بالخرافة.

وهنا قام أحد التلاميذ ، وقال : اسمح لي أيّها الأُستاذ بكلمة؟

المعلّم : تفضّل.

التلميذ : أيّها الزملاء أجيبوا على أسئلتي.

١٩

الزملاء : سل.

التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون المعلّم؟ هل ترون الصورة الموضوعة على المنضدة؟ هل ترون المنضدة؟ هل ترون الرحلات؟

الزملاء : نعم ، نرى كلّ ذلك.

التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عين المعلّم؟ هل ترون أُذن المعلّم؟ هل ترون وجهه؟ هل ترون يده ورجله؟

الزملاء : نعم نرى كلّ ذلك.

التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عقل المعلم؟

الزملاء : كلاّ! لا نرى عقله.

التلميذ : فالمعلّم إذاً لا عقل له ، فهو مجنون حسب مقالته ؛ لأنّه قال : كلّ ما لا يراه الإنسان فهو خرافة ، يجب على الإنسان أن لا يعترف به ، وأنّا لا نرى عقل المعلم ، فهو إذاً لا عقل له ، ومَن لا عقل له يكون مجنون.

وهنا أُلقم المعلّم حجراً ، واصفرّ وجهه خجلاً ، ولم ينبس ببنت شفّة ، فيما ضحك الطلاّب عليه.

آينشتاين يعترف :

تحاكم جماعة من المادّيين إلى آينشتاين ليروا رأيه بالنسبة إلى وجود الله تعالى وعدم وجوده؟

فأجاز لهم أن يمكثوا عنده (١٥) دقيقة ، معتذراً بكثرة أشغاله ، فلا يتمكّن أن يسمح لهم بأكثر من هذا الوقت.

فعرضوا عليه سؤالهم ، قائلين : ما رأيك في الله؟

فأجاب قائلاً : ولو وفّقت أن أكتشف آلة تمكّنني من التكلّم مع الميكروبات ،

٢٠