التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب - ج ١

محمّد هادي معرفة

التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب - ج ١

المؤلف:

محمّد هادي معرفة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٧

١

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

تظلّ الحاجة قائمة إلى تفسير القرآن الكريم بوصفه دستور الإسلام الرفيع ، ومعجزة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخالدة لأسباب عرضها هذا الكتاب. من هنا كان الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّل من تولّى تفسيره عبر إعداده ثلّة من الصحابة الأكفاء الذين كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أكثرهم تألّقا. ويليه عبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، وكانت لهؤلاء معرفة ملحوظة في تفسير القرآن.

وازدادت الحاجة إلى تفسير القرآن الكريم أكثر فأكثر بعد وفاة النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسبب البعد عن زمن نزول الوحي ، واتّساع نطاق الفتوحات الإسلامية ، وبروز مسائل علمية جديدة. فتوزّع عدد من الصحابة على الأمصار ، فاستقرّ عبد الله بن عباس بمكة ، وعبد الله بن مسعود بالكوفة ، وأبيّ بن كعب بالمدينة وأبو موسى الأشعرى بالبصرة ، وأبو الدرداء بالشّام. وألقى هؤلاء دروسهم في تفسير القرآن ، وجهدوا في سبيل ذلك ، فأثمرت مساعيهم من خلال إعداد شريحة من التابعين ، وظهور مدارس تفسيرية متنوّعة.

وهكذا انتقل التراث الثمين لتفسير القرآن الكريم من التابعين إلى تابعي التابعين ... وحفظته الصدور وتناقلته الألسن إلى أن حان تدوين أوّل التفاسير ، فأشرق فصل جديد في عرض المعارف القرآنية السامقة للأجيال القادمة ، وظهرت أساليب مختلفة في التفسير.

واضطلع التوّاقون إلى القرآن الكريم بتدوين مئات التفاسير ـ كاملة كانت أم ناقصة ـ رغبة منهم في خدمة هذا الكتاب المقدّس بعد أن تجشّموا عناء كبيرا على تواتر الأيّام ، وبعد أن شهد العالم الإسلامي انبثاق مدارس فكرية متنوّعة في حقل الفلسفة ، والكلام ، والعرفان ، والتصوف ، وشهد ظهور المعتزلة ، والأشاعرة. ولعلّ تعرّف الأمم والشعوب على الإسلام ورغبتها في رسالة هذا الدين فرضا ضرورة

٣

تعريف القرآن لها ، ممّا أفضى إلى بروز ظاهرة جديدة باسم «الترجمة».

إن مرور أربعة عشر قرنا على تفسير القرآن ، وظهور مدارس تفسيرية مختلفة ، وجهود الفرق الإسلامية وعلماء المسلمين لاستيعاب المعارف القرآنية ، والاهتمام بمستلزمات تفسير القرآن ، وعشرات الموضوعات الأخرى ، كلّ ذلك حفّز الجميع على الاتّجاه الجادّ نحو فصل مهم في علوم القرآن ، تحت عنوان «التفسير والمفسرون».

وأوّل كتاب مستقل تمّ تدوينه في هذا المجال هو كتاب «مذاهب التفسير الإسلامي» الذي ألّفه جولد تسيهر. وترجم هذا المستشرق في الكتاب المذكور وغيره من كتبه الأخرى جهله ، بل حقده على الإسلام. وحذا حذوه الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» الذي ألّفه في جزءين. ولقي هذا الكتاب ترحيبا من قبل الأوساط العلمية والجامعية من لدن صدوره حتّى اليوم. وهو الكتاب الوحيد الذي تبسّط في مباحثه حول التفسير والمفسرين.

بيد أنّه مني أيضا بمثالب فاظعة ؛ إذ أنّه غفل عن كثير من الكتب التي صنّفت قبله في التفسير ، ووهم في تعريف المفسرين وكتبهم لاعتماده على مصادر ضعيفة ، والأنكى من ذلك كلّه أنّ مؤلّفه عبّر عن بغضه وإجحافه بحقّ بعض المذاهب الإسلامية وتفاسيرها ممّا قلّل من قيمة الكتاب كثيرا.

ومن بين المذاهب التي أسخطته ، وتجرّعت مضض جفائه أكثر من غيرها هو المذهب الجعفري ؛ إذ تحامل الذهبي على عقائد الشيعة ، وذكر تفاسيرهم في عداد التفاسير المشوبة بالبدع.

إنّ ما يؤلمنا حقا هو تدريس هذا الكتاب في جامعات بلادنا ، وذلك يعود إلى غياب كتاب يستبدل به. وقيّض الله تعالى من يملأ هذا الفراغ ، وهو الأستاذ المحقق ، الباحث القرآني سماحة آية الله محمد هادي معرفة ـ دام ظلّه ـ الذي هبّ إلى تأليف كتاب «التفسير والمفسرون» بعزم راسخ وجهد كبير وبحث شامل.

٤

ونلحظ أن هذا المؤلّف الكريم ـ كما ذكر هو نفسه ـ قد أمضى ما ينيف على ثلاثين سنة في البحث والتحقيق متحدّيا الصعاب دفاعا عن كيان التشيع ، وإثباتا لدور علمائه في بثّ العلوم والمعارف القرآنية.

وكان عطاء تلك الجهود تدوين مجموعة كاملة في مباحث العلوم القرآنية بصورة واسعة وجامعة ، وتشتمل هذه الدورة على سبعة أجزاء تحت عنوان «التمهيد في علوم القرآن» ، طبع منها لحدّ الآن ستة أجزاء.

وفي هذا المضمار تمّ تأليف كتاب «التفسير والمفسرون» في جزءين. وممّا يميّز هذا الكتاب هو أن مؤلّفه زاول تدريس موضوعاته في حوزة قم ، والجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية بمشهد المقدسة قبل نشره. وجدّ في تحبيره من خلال إضافة فصول جديدة أثناء التدريس.

ويحسن هنا أن نشير إلى بعض خصائص الكتاب :

١ ـ كلّ من يراجع الكتاب مراجعة يسيرة يدرك أنّ مؤلّفه أخذ من كل مصدر يمكن أن يغني بحثه ، ولم يغفل عن التتبّع اللازم.

٢ ـ ازّيّن الكتاب بدراسات شاملة تتناول نقد الآراء وتحليلها بعد نقلها ، على عكس بعض الكتب التي تكتفي بنقل الآراء والأقوال.

٣ ـ ظاهرة الإبداع معلم بارز من معالم الكتاب إذ نجد فيه مباحث جديدة كضوابط التأويل ، والمنهج البياني للقرآن ، ودور أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير القرآن. وهي مباحث يمكننا أن نقول عنها إنها تعرض لأوّل مرّة في كتاب علمي ، مطعّمة بالدليل.

٤ ـ لقد بذل المؤلّف جهودا ملحوظة ومشكورة من أجل تحقيق هدفه المتمثل بالدفاع عن المذهب الجعفري من خلال طرحه فصولا جديدة في الكتاب ، منها : دور أهل البيت في تفسير القرآن ، وتحقيق جامع حول الموالين لأهل البيت من الصحابة والتابعين ، وتفاسير الشيعة ، وغير ذلك.

٥

٥ ـ توفّر المؤلّف في دراسة دور المفسرين من الصحابة والتابعين على نقد الآراء المطروحة حولهم وتحليلها اعتمادا على المصادر الرجالية ، وذهب إلى براءة كثير منهم ممّا ألصق بهم جرحا وتضعيفا ، وأثبت موالاة الكثيرين منهم لأهل البيت عليهم‌السلام.

٦ ـ إذا أنعمنا النظر في الأبحاث التي تدور حول تاريخ التفسير ، فاننا نجد مجموعة كاملة من هذا العلم قد طرحت في الكتاب اعتبارا من الاصطلاحات المستعملة حتى عصور تبلور التفسير ، والمدوّنات التفسيرية التي نلحظها في ذكر تفاسير الفريقين جميعهما وذلك كلّه بأسلوب شامل مقبول. وأن مسائل هذا العلم تغني كلّ مراجع.

من المعالم البارزة في كتب المؤلّف قوّة قلمه. ويستبين هذا المعلم من مقايسة كتبه ببعض الكتب المؤلفة باللغة العربية. ونلحظ في كتبه كلّها ملكة عربية ، وإلماما بالزوايا البيانية للغة العربية من أجل تبيان أهدافه.

ومؤلفنا القدير يزاول التدريس في الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية عدد سنين ، مهتما بنشر الثقافة القرآنية وإعداد الطلاب الكفوءين. وقد تفضّل بالموافقة على اقتراح جامعتنا لطبع كتابه المذكور واختصنا بشرف ذلك.

وأنجزت المراحل التمهيدية قبل الطبع كالمراجعة ، والإخراج الفني ، وإعداد فهارسه ، وتنضيد الحروف المطبعية بالحاسب الالكتروني وغيرها ، في قسم الدراسات القرآنية في الجامعة الرضوية.

نبتهل إلى المولى القدير جلّ وعلا أن يتقبل من المؤلّف الكريم ومن كافّة الأخوة الذين ساهموا في إعداد الكتاب وطبعه هذا الجهد.

وانّه لمن دواعي سرورنا أن نقدّم هذا الكتاب الثمين لأودّاء القرآن الكريم جميعهم ، ولله الحمد أوّلا وآخرا.

الجامعة الرضويّة للعلوم الاسلامية

قسم الدراسات القرآنيّة

٦

التفسير والمفسّرون

في ثوبه القشيب

(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا

آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)

بحث مستوف بشئون التفسير :

نشأته وتطوّره وألوانه

مع عرض شامل لأشهر المفسرين

وتحليل كامل لأهم كتب التفسير

٧
٨

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، محمد وآله الطّاهرين.

قال تعالى : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)(١).

كان المسلمون في عهدهم الأوّل يفهمون القرآن على خالصته ، ويستسيغون معانيه على بساطتها الأولى ، صافية نقيّة عن كدر الأوهام والدخائل ؛ إذ كان قد نزل بلغتهم وعلى أساليب كلامهم الفصيح البليغ ، كانوا يتلقّونه غضّا طريّا ، ويجيدون فهمه عذبا رويّا.

ولئن كادت تكون لهم وقفات عند مبهمات التعابير ؛ لدقّتها ورقّة معانيها ، فإنّ الوقفة لم تكن لتطول بهم ؛ حيث الرسول ـ وهو الذريعة العليا والوسيلة الكبرى للوصول إلى فهم الشريعة في جميع مناحيها ـ في متناولهم القريب ، فكان يبيّن لهم إذ ذاك ما خفي على أفهامهم أو دقّ عن أذهانهم ؛ إذ كان عليه البيان ، كما كان عليه البلاغ ، قال تعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(٢).

__________________

(١) النحل / ٨٩.

(٢) النحل / ٤٤.

٩

وهكذا ظلّ المسلمون يفهمون القرآن على حقيقته ، ويعلمون به على بيّنة من أمره ، أقوياء أعزّاء ، في سلامة وسعادة وعيش هنيء ، مستمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. وقد تداومت بهم هذه الحياة العليا طوال عهد الرسالة ، وشطرا بعدها غير قليل.

ثم خلف من بعدهم خلف ـ على تطاول الأيّام ـ أضاعوا بعض تلكم الطريقة المثلى ، واتّبعوا السبل ، فتفرّقت بهم ذات اليمين وذات الشمال ، ربما في أهواء متباينة وآراء متضاربة ؛ فكانت أحداث وبدع وضلالات ، وابتداع مذاهب وانحيازات ، كل يضرب على وتره ، ويعمل على شاكلته ..

* * *

وكان من جرّاء ذلك أن دخلت في الحديث والتفسير دخائل وأساطير مستوردة من أبناء اسرائيل ومسلمة أهل الكتاب ، كان يبثّها بين المسلمين فئات تظاهرت بالإسلام إمّا لغلبة الجوّ والمحيط ، أو لرغبة في الدسّ والتزوير.

تلك كانت بليّة المسلمين ، وقد كثر الخبط والتخليط ، ولم يفترق السليم عن السقيم ، وكان نصيب التفسير من هذا الخبط الحظّ الأوفر بما أوتي هؤلاء من قدرة للاستحواذ على عقول الضعفاء وأهل الأطماع من الأمراء.

* * *

نعم كانت هناك معايير ومقاييس تميّز الغثّ من السمين ، وقد عرّفها النبي الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأمّة منذ أن أحسّ بدخائل أهل الضغائن على الإسلام ، ممن يتّبعون المتشابهات من الآيات ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل.

فوضع حدودا دون رسوب تلكم الدسائس الخبيثة ، وكان من أهمّها : العرض على محكمات الآيات (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) ، ثم اللجوء إلى العترة الطّاهرة «الثقل الأصغر» كما في حديث الثقلين ، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض. وعدم

١٠

الافتراق ، يعني : تلازمهما ولا غناء بأحدهما دون الآخر ، فالكتاب أساس الدين ، والطيّبون من العترة حملته وحرسته ؛ لأنّهم ورثة سيّد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

ونحن إذ نحاول انتهاج منهج السلف الصالح : الصحابة الأخيار ، والتابعين الكبار ، والسادة الأطهار ، نتتبّع طرائقهم في فهم كلام الله واستنباط معانيه والوقوف على مبانيه ، وفق ما رسمه لنا العلماء الأعلام والأئمّة العظام ، سائلين المولى تعالى التوفيق على ذلك والتسديد ، إنّه ولي ذلك وهو المستعان.

قم ـ محمد هادي معرفة

١٢ / ع ١ / ١٤١١

١١
١٢

التفسير

التعريف بالتفسير

التفسير من فسر ، بمعنى أبان وكشف.

قال الراغب : الفسر والسفر متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما ، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ، والسفر لإبراز الأعيان للأبصار. يقال : سفرت المرأة عن وجهها وأسفرت وأسفر الصبح ، وقال تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)(١) أي بيانا وتفصيلا. (٢) واصطلحوا على أن التفسير ، هو : إزاحة الإبهام عن اللفظ المشكل ، أي المشكل في إفادة المعنى المقصود.

وكانت صياغته من باب «التفعيل» نظرا للمبالغة في محاولة استنباط المعنى ، كما في كشف واكتشف ، فإن في الثاني إفادة زيادة المحاولة في الكشف ، فكان أخصّ من المجرّد ؛ وذلك بناء على أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني.

__________________

(١) الفرقان / ٣٣.

(٢) ذكر ذلك في مقدمته للتفسير ، ص ٤٧.

١٣

فالتفسير ليس مجرد كشف القناع عن اللفظ المشكل ، بل هو محاولة إزالة الخفاء في دلالة الكلام ، فلا بدّ أن يكون هناك إبهام في وجه اللفظ ؛ بحيث ستر وجه المعنى ، ويحتاج إلى محاولة واجتهاد بالغ حتى يزول الخفاء ويرتفع الإشكال.

وهذا هو الفارق بين التفسير والترجمة ؛ لأنها حيث كان الجهل باللغة وعدم معرفة الوضع الذي يرتفع بمراجعة كتب اللغة المعروفة ، وليس في ذلك كثير جهد وعناء.

الحاجة إلى التفسير

ما وجه الحاجة إلى تفسير القرآن ، وقد أنزله الله نورا وهدى وبصائر للناس وتبيانا لكل شيء ، (١) كما أنّه جاء ليكون بنفسه أحسن تفسيرا (٢) ، فهل هناك حاجة إلى تفسير؟

نعم أنزل الله الكتاب ليكون بذاته بيانا للناس عامة وتفصيلا لكلّ شيء ، (٣) غير أن بواعث الإبهام أمر عارض ، ولعله كان من طبيعة البيان القرآني ، جاء

__________________

(١) قال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) النساء / ١٧٤.

(هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران / ١٣٨.

(هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الجاثية / ٢٠.

(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) النحل / ٨٩.

(٢) (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) الفرقان / ٣٣ ، أي أحسن بيانا وتوضيحا.

(٣) (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً) الأنعام / ١١٤ ، (وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ) يونس / ٣٧.

١٤

تشريعا للأصول والمباني ، وأجمل في البيان إيكالا إلى تبيين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليبيّن للناس تفاصيل ما نزّل إليهم (١).

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : «إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثا ولا أربعا ، حتى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي فسّر لهم ذلك» (٢).

هذا جانب من الإجمال (الإبهام) الحاصل في وجه لفيف من آيات الأحكام ، ولعله طبيعي في مثل البيان القرآني ، كما نبّهنا.

* * *

وجانب آخر أهمّ : احتواء القرآن على معان دقيقة ومفاهيم رقيقة ، تنبؤك عن كمون الخليقة وأسرار الوجود ، هي تعاليم وحكم راقية جاء بها القرآن ، وكانت فوق مستوى البشرية آنذاك ؛ ليقوم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتبيينها وشرح تفاصيلها ، وكذا صحابته العلماء (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٣).

وذلك في مثل صفاته تعالى ـ الجلال والجمال ـ ومعرفة وجود الإنسان ، وسرّ خلقته ، ومقدار تصرّفه في الحياة ، والهدف من الخلق والإيجاد ، ومسائل المبدإ والمعاد.

كل ذلك جاء في القرآن في إشارات عابرة ، وفي ألفاظ وتعابير كنائية ، واستعارة ومجاز ؛ فكان حلّها والكشف عن معانيها بحاجة إلى فقه ودراسة وتدبّر ، وإمعان نظر وتفكير.

__________________

(١) (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل / ٤٤.

(٢) الكافي الشريف ، ج ١ ، ص ٢٨٦.

(٣) الجمعة / ٢.

١٥

وأيضا فإنّ في القرآن إلماعات إلى حوادث غابرة وأمم خالية ، جاء ذكرها لأجل العظة والاعتبار ، إلى جنب عادات جاهلية كانت معاصرة ، عارضها وشدّد النكير عليها ، في مثل مسألة النسيء ، وأنّها زيادة في الكفر ، (١) ونهيه عن دخول البيوت من ظهورها. (٢) ونحو ذلك ، فاستنكرها عليهم وعنّفهم عليها حتى أبادها ، وقطع من جذورها. فلم يبق منها سوى إشارات عابرة ، لو لا الوقوف عليها ، لما أمكن فهم معاني تلكم الآيات.

كما تعرّض لأمور أتى عليها من وجه كلّيّها وأهمل جانب تعيينها ، فجاءت مجملة هي بحاجة إلى شرح وبيان ، في مثل الدابّة التي تخرج من الأرض فتكلّم الناس ، (٣) والبرهان الذي عصم يوسف من ارتكاب الإثم. (٤) هذا مضافا إلى غرائب اللغة التي جاءت في القرآن على أفصحها وأبلغها ، وإن كان صعبا فهمها على عامة الناس ، لو لا الشرح والبيان.

قال الراغب : فالتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ ، نحو «البحيرة» و «السائبة» و «الوصيلة» أو في وجيز كلام يبيّن ويشرح ، كقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ)(٥) أو في كلام مضمّن بقصّة لا يمكن تصوّره إلّا بمعرفتها ، نحو

__________________

(١) التوبة / ٣٧.

(٢) البقرة / ١٨٩.

(٣) النمل / ٨٢.

(٤) يوسف / ٢٤.

(٥) المائدة / ١٠٣. قال الراغب : البحيرة هي الناقة إذا ولدت عشرة أبطن ، شقّوا أذنها وتركوها ، فلا تركب ولا يحمل عليها. والسائبة ، إذا ولدت خمسة أبطن ، تسيّبت في المرعى ، فلا تردّ عن حوض ولا كلاء. والوصيلة ، إذا ولدت الشاة توأمين ذكرا وأنثى ، فلا يذبح الذكر ، ويقال : وصلت أخاها ، فيتركونه لأجلها. والحام : الفحل إذا ضرب عشرة أبطن ، كان يقال : حمي ظهره فلا يركب.

١٦

قوله تعالى : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ)(١) وقوله : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها)(٢).

قال الإمام بدر الدين الزركشي : التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله ، وبيان معانيه ، واستخراج أحكامه وحكمه ، وأن الله إنما خاطب خلقه بما يفهمونه ؛ ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه ، وأنزل كتابه على لغتهم ...

والقرآن إنّما أنزل بلسان عربيّ مبين في زمن أفصح العرب ، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه ، وإنّما احتيج إلى التفسير ، لما فيه من دقائق باطنة لا تظهر إلّا بعد البحث والنظر ، مع سؤال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها في الأكثر ، كسؤالهم لما نزل : (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ)(٣) ، فقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه! ففسّره النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشرك ، واستدل بقوله تعالى : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(٤) ، وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير (٥) ، فقال : «ذلك العرض ، ومن نوقش الحساب عذّب» (٦) ، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الذي وضعه تحت رأسه ، (٧) وغير ذلك مما سألوه عن آحاد منه. (٨)

__________________

(١) التوبة / ٣٧.

(٢) التوبة / ٣٧. راجع : مقدمته للتفسير ص ٤٧ ـ ٤٨.

(٣) الأنعام / ٨٢.

(٤) لقمان / ١٣.

(٥) في قوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) الانشقاق / ٧ ـ ٨.

(٦) تفسير الطبري ، ج ٣٠ ، ص ٧٤.

(٧) تفسير الطبري ، ج ٢ ، ص ١٠٠.

(٨) سوف نذكر نماذج من تفاسير مأثورة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الكلام عن التفسير في عهد الرسالة.

١٧

قال : ولم ينقل إلينا عنهم تفسير القرآن وتأويله بجملته ، فنحن نحتاج إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة ؛ لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم ، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير.

قال : ومعلوم أن تفسير القرآن يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها ، وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض ؛ لبلاغته ولطف معانيه ؛ ولهذا لا يستغنى عن قانون عام يعوّل في تفسيره عليه ، ويرجع في تفسيره إليه ، من معرفة مفردات ألفاظه ومركّباتها ، وسياقه ، وظاهره وباطنه ، وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم ، ويدقّ عنه الفهم.

بين أقداحهم حديث قصير

هو سحر ، وما سواه كلام

وفي هذا تتفاوت الأذهان ، وتتسابق في النظر إليه مسابقة الرّهان. فمن سابق بفهمه ، وراشق كبد الرمية بسهمه ، وآخر رمى فأشوى (١) وخبط في النظر خبط عشواء ، كما قيل : وأين الرقيق من الركيك ، وأين الزلال من الزعاق. (٢)

الفرق بين التفسير والتأويل

كان التأويل في استعمال السلف مترادفا مع التفسير ، وقد دأب عليه أبو جعفر الطبري في جامع البيان. لكنه في مصطلح المتأخرين جاء متغايرا مع التفسير ، وربما أخصّ منه.

التفسير ـ كما عرفت ـ : رفع الإبهام عن اللفظ المشكل ، فمورده : إبهام المعنى

__________________

(١) يقال : أشوى الرّجل ، إذا أصاب شواه ، ولم يصب مقتله. والشوى : قحف الرأس وجلدته. وأشوى السهم : أخطأ الغرض.

(٢) البرهان في علوم القرآن ، ج ١ ، ص ١٣ ـ ١٥. والزعاق : الماء المرّ ، لا يطاق شربه.

١٨

بسبب تعقيد (١) حاصل في اللفظ.

وأما التأويل فهو دفع الشبهة عن المتشابه من الأقوال والأفعال ، فمورده حصول شبهة في قول أو عمل ، أوجبت خفاء الحقيقة (الهدف الأقصى أو المعنى المراد) فالتأويل إزاحة هذا الخفاء.

فالتأويل ـ مضافا إلى أنه رفع إبهام ـ فهو دفع شبهة أيضا ، فحيث كان تشابه في اللفظ كان إبهام في وجه المعنى أيضا ، فهو دفع ورفع معا.

ولنتكلم شيئا في التأويل ، في حقيقته والمعاني التي جاء استعمالها في القرآن والحديث ، وما قيل أو قد يقال فيه.

التأويل : من الأول ، وهو الرجوع إلى حيث المبدأ ؛ فتأويل الشيء إرجاعه إلى أصله وحقيقته ، فكان تأويل المتشابه توجيه ظاهره إلى حيث مستقر واقعه الأصيل.

والتشابه قد يكون في كلام إذا أوجب ظاهر تعبيره شبهة في نفس السامع ، أو كان مثارا للشبهة ، ـ كما في متشابهات القرآن ـ ، كان يتّبعها أهل الزيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها ، إلى حيث أهدافهم الخبيثة.

وقد يكون التشابه في عمل كان ظاهره مريبا ، كما في أعمال قام بها صاحب موسى ؛ بحيث لم يستطع موسى الصبر عليها دون استجوابه ، والسؤال عن تصرفاته تلك المريبة!

وقد بحثنا عن المتشابهات وأنواعها ، والأسباب الموجبة لوقوع التشابه في القرآن ، في الجزء الثالث من التمهيد.

__________________

(١) وللتعقيد أسباب لفظيّة ومعنويّة مرّ شرحها.

١٩

والآن فلنذكر المعاني التي يحملها لفظ «التأويل» في عرف القرآن واستعمال السلف.

معاني التأويل

جاء استعمال لفظ «التأويل» في القرآن على ثلاثة وجوه :

١ ـ تأويل المتشابه ، بمعنى توجيهه حيث يصحّ ويقبله العقل والنقل ، إمّا في متشابه القول ، كما في قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ..)(١) ، أو في متشابه الفعل ، كما في قوله : (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) ، (ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)(٢).

٢ ـ تعبير الرؤيا ، وقد جاء مكررا في سورة يوسف في ثمانية مواضع : (٦ و ٢١ و ٣٦ و ٣٧ و ٤٤ و ٤٥ و ١٠٠ و ١٠١)

٣ ـ مآل الأمر وعاقبته ، وما ينتهى إليه الأمر في نهاية المطاف ، قال تعالى : (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(٣) ، أي أعود نفعا وأحسن عاقبة.

ولعلّ منه قوله : (.. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(٤) ، أي أنتج فائدة وأفضل مآلا.

ويحتمل أوجه تفسيرا وأتقن تخريجا للمعنى المراد ، نظير قوله تعالى : (وَ

__________________

(١) آل عمران / ٧.

(٢) الكهف / ٧٨ ، ٨٢.

(٣) الإسراء / ٣٥.

(٤) النساء / ٥٩.

٢٠