عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٥

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٥

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٢٠

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد الله على ما أنعم والشكر له على ما ألهم والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمد وأهل بيته الطاهرين المعصومين واللعنة على أعدائهم ومعادي أوليائهم وموالي أعدائهم من الآن إلى يوم الدين.

(اما بعد) فهذا هو الجزء الخامس من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامه وإتمام ما يليه من الجزء السادس كما وفقني لإتمام الأجزاء السابقة إنه ولي التوفيق وبالشكر حقيق وبالمدح يليق وهو خير رفيق وفي الدعاء المأثور يا رفيق من لا رفيق له.

في الاستصحاب وبيان أقوال المسألة

(قوله فصل في الاستصحاب وفي حجيته إثباتاً ونفياً أقوال للأصحاب إلى آخره)

نعم للأصحاب أقوال في الاستصحاب قد أنهاها الشيخ أعلى الله مقامه بعد الفراغ عن تقسيم الاستصحاب إلى أقسام باعتبار المستصحب وباعتبار الدليل الدال على المستصحب وباعتبار الشك المأخوذ فيه إلى أحد عشر قولا.

(الأول) القول بالحجية مطلقاً.

(الثاني) عدم الحجية مطلقاً.

(الثالث) التفصيل بين العدمي والوجوديّ فيعتبر في الأول دون الثاني (قال الشيخ أعلى الله مقامه) في تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب (ما لفظه) ولا خلاف في كون الوجوديّ محل النزاع واما العدمي فقد مال الأستاذ قدس‌سره إلى

٢

عدم الخلاف فيه تبعاً لما حكاه عن أستاذه السيد صاحب الرياض من دعوى الإجماع على اعتباره في العدميات واستشهد على ذلك بعد نقل الإجماع المذكور باستقرار سيرة العلماء على التمسك بأصول العدمية مثل أصالة عدم القرينة والنقل والاشتراك وغير ذلك وببنائهم هذه المسألة على كفاية العلة المحدثة للإبقاء (انتهى)

(أقول)

وكأن وجه شهادة الأخير أن كفاية العلة المحدثة للإبقاء في العدميات مما لا ريب فيه فبناؤهم هذه المسألة أعني حجية الاستصحاب على كفاية العلة المحدثة وعدم كفايتها مما يشهد بأن المسألة مفروضة في الوجوديات دون العدميات (وقال) أيضاً عند الكلام في حجج المفصلين (ما لفظه) اما التفصيل بين العدمي والوجوديّ بالاعتبار في الأول وعدمه في الثاني فهو الّذي ربما يستظهر من كلام التفتازاني حيث استظهر من عبارة العضدي في نقل الخلاف أن خلاف منكري الاستصحاب إنما هو في الإثبات دون النفي (انتهى).

(الرابع) التفصيل بين الحكم الشرعي فيعتبر الاستصحاب فيه وبين الأمور الخارجية فلا يعتبر الاستصحاب فيها (وهذا التفصيل) مما يحكى عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس وعن غيره أيضاً (قال الشيخ) أعلى الله مقامه عند ذكره حجة القول الرابع (ما لفظه) حجة من أنكر اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجية ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس وحكاه في حاشية له عند كلام الشهيد ويحرم استعمال الماء النجس والمشتبه على ما حكاه شارح الوافية واستظهره المحقق القمي من السبزواري من أن الاخبار لا يظهر شمولها للأمور الخارجية مثل رطوبة الثوب ونحوها إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الّذي ليس حكماً شرعياً وإن كان يمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي وهذا ما يقال إن الاستصحاب في الأمور الخارجية لا عبرة به (انتهى).

(الخامس) التفصيل بين الأحكام الشرعية الكلية وبين غيره فلا يعتبر

٣

الاستصحاب في الأول إلا في عدم النسخ دون الثاني فيعتبر الاستصحاب فيه (وهذا التفصيل) منسوب إلى الأخباريين وسيأتي لك شرحه مفصلا.

(السادس) التفصيل بين الحكم الشرعي الجزئي فيعتبر الاستصحاب فيه وبين غيره من الحكم الشرعي الكلي والأمور الخارجية فلا يعتبر الاستصحاب فيه (وهذا التفصيل) قد ذهب إليه بعضهم كما يلوح مما حكى عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس في مسألة الاستنجاء بالأحجار عند قول الشهيد ويجزي ذو الجهات الثلاث (وقد ذكر الشيخ) أعلى الله مقامه عبارته عند نقل حجة القول الحادي عشر وفي جملتها (ما لفظه) اعلم إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه وهو ينقسم على قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره فالأوّل مثل ما إذا ثبت نجاسة ثوب أو بدن في زمان فيقولون بعد ذلك يجب الحكم بنجاسته إذا لم يحصل العلم برفعها والثاني مثل ما إذا ثبت رطوبة ثوب في زمان ففي ما بعد ذلك الزمان يجب الحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف فذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه وذهب بعضهم إلى حجية القسم الأول (انتهى) موضع الحاجة منها.

(أقول)

وهذه العبارة وان كانت يلوح منها في بدو الأمر ان البعض القائل بحجية القسم الأول هو ممن يقول بحجية الاستصحاب في الأحكام الجزئية فقط كنجاسة الثوب أو البدن ونحوهما ولكن التدبر فيها مما لا يعطي ذلك إذ من المحتمل أن ذكر نجاسة الثوب أو البدن كان من باب التمثيل للحكم الشرعي لا من باب عدم حجية الاستصحاب الا في الحكم الشرعي الجزئي فقط (ولعل) من هنا تردد الشيخ أعلى الله مقامه أخيراً في وجود القائل بهذا التفصيل (وقال) عند نقل حجج الأقوال (ما لفظه) حجة القول السادس على تقدير وجود القائل به على ما سبق التأمل فيه تظهر مع جوابها مما تقدم في القولين السابقين (انتهى).

٤

(ثم إن الشيخ) أعلى الله مقامه قد نسب هذا التفصيل في موضعين اشتباهاً إلى المحقق الخوانساري بنفسه في شرح الدروس في حاشية له على قول الشهيد ويحرم استعمال الماء النجس والمشتبه ... إلخ.

(الموضع الأول) في تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب (فقال) الثالث اعتباره في الحكم الجزئي دون الكلي ودون الأمور الخارجية وهو الّذي ربما يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد ويحرم استعمال الماء النجس والمشتبه (انتهى).

(الموضع الثاني) عند نقل الأقوال (فقال) السادس التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره فلا يعتبر في غير الأول وهذا هو الّذي تقدم انه ربما يستظهر من كلام المحقق الخوانساري في حاشية شرح الدروس على ما حكاه السيد في شرح الوافية (انتهى) مع أن الّذي يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد ويحرم استعمال الماء النجس والمشتبه ... إلخ هو غير ذلك أي التفصيل بين الحكم الشرعي مطلقاً وبين الأمور الخارجية وهو القول الرابع في المسألة كما تقدم واعترف به الشيخ أيضا (حيث قال) عند نقل حجة القول الرابع (ما لفظه) حجة من أنكر اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجية ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس وحكاه في حاشية له عند كلام الشهيد ويحرم استعمال الماء النجس والمشتبه على ما حكاه شارح الوافية (إلى آخر ما ذكرنا آنفاً) لا التفصيل المذكور أي القول السادس فتدبر أنت ولا تشتبه.

(السابع) التفصيل بين الأحكام من التكليفية والوضعيّة جميعاً وبين الأسباب والشروط والموانع فلا يعتبر الاستصحاب في الأول ويعتبر في الثاني (فلا يستصحب) الوجوب ولا الحرمة ولا الندب ولا الكراهة ولا الإباحة ولا سببية السبب ولا شرطية الشرط ولا مانعية المانع (ولكن يستصحب) نفس السبب والشرط والمانع كاستصحاب الكسوف أو الطهارة أو الحيض بلا مانع عنه أبداً

٥

(وهذا التفصيل) منسوب إلى الفاضل التوني وهو الّذي يظهر من كلماته بعد التدبر التام فيها (ولكن) الّذي اشتهر على الألسن انه فصّل بين التكليف والوضع فلا يعتبر الاستصحاب في الأول ويعتبر في الثاني وليس كذلك وسيأتي لك تفصيل ذلك كله إن شاء الله تعالى مبسوطاً فانتظر.

(الثامن) التفصيل بين ما ثبت بالإجماع وغيره فلا يعتبر في الأول ويعتبر في الثاني (وهذا التفصيل) منسوب إلى الغزالي (قال الشيخ) أعلى الله مقامه في تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب (ما لفظه) أحدها من حيث أن الدليل المثبت للمستصحب إما أن يكون هو الإجماع وإما أن يكون غيره وقد فصّل بين هذين القسمين الغزالي فأنكر الاستصحاب في الأول (انتهى) (هذا ولكن الشيخ) أعلى الله مقامه قد رجع عن ذلك عند نقل حجة القول الثامن (فقال) إلا أن الّذي يظهر بالتدبر في كلامه المحكي في النهاية يعني كلام الغزالي هو إنكار الاستصحاب المتنازع فيه رأساً وإن ثبت المستصحب بغير الإجماع (انتهى)

(التاسع) التفصيل بين الشك في المقتضي والمراد به الشك من حيث استعداد المستصحب وقابليته في حد ذاته للبقاء كالشك في بقاء الليل والنهار وخيار الغبن بعد الزمان الأول ونحو ذلك فلا يكون الاستصحاب حجة فيه وبين الشك في وجود الرافع كالشك في حدوث البول الناقض للطهارة القابلة للبقاء لو لا الرافع لها إلى الآخر فيكون حجة فيه (وهذا التفصيل) قد نسبه الشيخ أعلى الله مقامه إلى ظاهر المعارج وقد اختاره هو بنفسه أيضاً كما سيأتي لك شرحه مفصلا.

(العاشر) التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في رافعية الموجود كالشك في رافعية المذي فلا يعتبر الاستصحاب فيهما وبين الشك في وجود الرافع وفي تحققه في الخارج فيكون حجة فيه (وهذا التفصيل) قد نسبه الشيخ أعلى الله مقامه إلى ظاهر المحقق السبزواري.

(الحادي عشر) التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في رافعية الموجود

٦

بنحو الشبهة الحكمية كما في مثال المذي المتقدم آنفاً فلا يعتبر الاستصحاب فيهما وبين الشك في وجود الرافع وفي رافعية الموجود بنحو الشبهة المصداقية كما إذا خرجت رطوبة مرددة بين البول والوذي فيعتبر الاستصحاب فيهما (وهذا التفصيل) قد نسبه الشيخ أعلى الله مقامه إلى المحقق الخوانساري (وقد أشار) إلى التفصيل الثلاثة الأخيرة على نحو يتضح الفرق بين كل منها مع الآخر قبيل الشروع في نقل الأقوال ولكن اضطرب كلامه الشريف في حولها عند تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب فراجع وتدبر جيداً (ثم إنه) أعلى الله مقامه بعد الفراغ عن عدّ هذه الأقوال الأحد عشر (قال ما لفظه) ثم إنه لو بنى على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة في الأصول والفروع لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير (انتهى).

(أقول)

هذا كله مضافاً إلى ما سيأتي من نفس الشيخ أعلى الله مقامه من التفصيل في الأحكام الشرعية الكلية بين ما كان دليلها النقل فيستصحب وبين ما كان دليلها العقل فلا يستصحب وسيأتي لك شرح ذلك مفصلا عن قريب فانتظر.

في تعريف الاستصحاب

(قوله ولا يخفى ان عباراتهم في تعريفه وان كانت شتى إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد ومعنى فارد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقاء ... إلخ) (١)

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في صدر الاستصحاب (ما لفظه) وهو لغة يعني الاستصحاب أخذ الشيء مصاحباً ومنه استصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة وعند الأصوليين عرّف بتعاريف أسدها وأخصرها إبقاء ما كان والمراد

٧

بالإبقاء الحكم بالبقاء (إلى ان قال) وإلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة بأنه إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الأول بل نسبه شارح الدروس إلى القوم فقال إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه (ثم قال) وأزيف التعاريف يعني به تعريف المحقق القمي تعريفه بأنه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق إذ لا يخفى أن كون حكم أو وصف كذلك هو محقق مورد الاستصحاب ومحله لا نفسه (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه (وقال في الفصول) الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما علم ثبوته في الزمان السابق فيما يحتمل البقاء فيه من الزمن اللاحق (انتهى) (وقال في المعالم) ومحله يعني محل الاستصحاب أن يثبت حكم في وقت ثم يجيء وقت آخر ولا يقوم دليل على انتفاء ذلك فهل يحكم ببقائه على ما كان وهو الاستصحاب أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دليل (انتهى) هذه جملة من عبائر القوم في تعريف الاستصحاب

(فيقول المصنف) إن عبارات القوم في تعريف الاستصحاب وان كانت مختلفة إلّا أنها تشير إلى معنى واحد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقاءه (وقد أخذ هذا المعنى) من الشيخ أعلى الله مقامه من قوله المتقدم والمراد بالإبقاء الحكم بالبقاء.

(أقول)

والإنصاف أن أسد التعاريف وأخصرها كما أفاد الشيخ أعلى الله مقامه هو إبقاء ما كان (ولكن) الظاهر ان المراد بالإبقاء هو الإبقاء عملا فإن كان المستصحب حكماً قد أتى به وإن كان موضوعاً ذا حكم رتب عليه أثره لا الحكم بالبقاء فإن مجرد الحكم به مما لا يكفي في صدق الاستصحاب ما لم يعمل على طبق الحالة السابقة ويتحرك على وفقها.

٨

(قوله إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقاً أو في الجملة تعبداً أو للظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقاً وإما من جهة دلالة النص أو دعوى الإجماع عليه كذلك ... إلخ)

(قد أشار) بقوله هذا إلى الوجوه الأربعة الآتية التي استدل بها للاستصحاب (فقوله) إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية ... إلخ إشارة إلى الوجه الأول الآتي وهو قوله الوجه الأول استقرار بناء العقلاء من الإنسان بل ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة ... إلخ (وقوله) أو الظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقاً إشارة إلى للوجه الثاني الآتي وهو قوله للوجه الثاني ان الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق ... إلخ (وقوله) وإما من جهة دلالة النص إشارة إلى الوجه الرابع الآتي وهو قوله الوجه الرابع وهو العمدة في الباب الاخبار المستفيضة ... إلخ (وقوله) أو دعوى الإجماع عليه كذلك إشارة إلى الوجه الثالث الآتي وهو قوله الوجه للثالث دعوى الإجماع عليه كما عن المبادي ... إلخ (ثم إن) قوله مطلقاً أو في الجملة إشارة إلى القول بحجية الاستصحاب مطلقاً وإلى التفاصيل التي هي فيها من قبيل التفصيل بين العدمي والوجوديّ أو بين الحكم الشرعي والأمور الخارجية أو بين الحكم الشرعي الكلي وغيره إلى غير ذلك من التفاصيل المتقدمة آنفاً (ومن هنا) يظهر لك معنى قوله أو دعوى الإجماع عليه كذلك أي مطلقاً أو في الجملة (واما قوله) تعبداً فهو في قبال قوله أو للظن به ... إلخ فلا تغفل.

(قوله وفي وجه ثبوته ... إلخ)

فإن الخلاف كما أنه واقع في حجية الاستصحاب نفياً وإثباتاً مطلقاً أو في الجملة فكذلك الخلاف واقع في وجه ثبوته ومدرك حجيته وانه هل هو بناء العقلاء أو الاخبار المستفيضة أو غيرهما مما تقدم مجمله ويأتي مفصلة.

٩

(قوله ضرورة أنه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظن به الناشئ من العلم بثبوته لما تقابل فيه الأقوال ولما كان النفي والإثبات واردين على مورد واحد ... إلخ)

علة لما أفاده في الكتاب بقوله ولا يخفى أن هذا المعنى يعني الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم هو القابل لأن يقع فيه النزاع والخلاف في نفيه وإثباته مطلقاً أو في الجملة ... إلخ وتعريض لما أفاده في تعليقته على الرسائل لدى التعليق على قول الشيخ أعلى الله مقامه وعند الأصوليين عرّف بتعاريف ... إلخ (بقوله) لا يخفى إن حقيقة الاستصحاب وماهيته تختلف بحسب اختلاف وجه حجيته وذلك لأنه ان كان معتبراً من باب الاخبار كان عبارة عن حكم الشارع ببقاء ما لم يعلم ارتفاعه وإن كان من باب الظن كان عبارة عن ظن خاص به وان كان من باب بناء العقلاء عليه عملا تعبدياً كان عبارة عن التزام العقلاء به في مقام العمل (انتهى) موضع الحاجة من كلامه.

(وبالجملة) إن حاصل مرامه من أول الفصل إلى هنا أن عبارات الأصحاب وان كانت هي مختلفة في تعريف الاستصحاب ولكنها تشير إلى معنى واحد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقاءه (وهذا المعنى) هو القابل لأن يقع فيه النزاع والخلاف نفياً وإثباتاً مطلقاً أو في الجملة ضرورة أن معنى الاستصحاب لو كان يختلف باختلاف مداركه ووجوه الاستدلال عليه كما أفاد في التعليقة لما تقابل الأقوال في المسألة ولما كان النفي والإثبات واردين على مورد واحد بل كان مراد النافي معنى ومراد المثبت معنى آخر ومراد المفصل معنى ثالث وهكذا وهذا واضح

(قوله وتعريفه بما ينطبق على بعضها وإن كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه ... إلخ)

ليس في التعاريف المتقدمة ولا في غيرها على الظاهر ما ينطبق على نفس بناء العقلاء على البقاء أو على الظن بالبقاء وإن كان فيها ما قد يوهم أن لا يكون هو الحكم

١٠

بالبقاء مثل ما تقدم عن المحقق القمي من أنه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق (وكيف كان) مقصود المصنف أن تعريف الاستصحاب أحياناً بما ينطبق على غير ما ذكرناه وإن كان قد يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء إلا أنه حيث لا يكون بحد ولا برسم بل من قبيل شرح الاسم أي لا يكون بالجنس والفصل أو بالفصل فقط كي يكون حداً ولا بالجنس والعرض الخاصّ أو بالعرض الخاصّ فقط كي يكون رسماً بل هو تعريف لفظي لحصول الميز في الجملة لم يكن له دلالة على أنه غير ما ذكرناه بل هو عينه غير أنه قد أشير إليه بتعبير آخر وبلفظ ثاني وهذا أيضا واضح.

(قوله كما هو الحال في التعريفات غالباً ... إلخ)

قد تقدم منا في صدر العام والخاصّ بيان ما استند إليه المصنف في دعوى كون التعاريف غالبا لفظية من قبيل شرح الاسم لا حقيقية بحد أو برسم وهو أمران قد عرفت شرحهما هناك مع ما أوردناه عليهما مفصلا فلا نعيد.

(قوله فإنه لم يكن به إذا لم يكن بالحد أو الرسم بأس ... إلخ)

العبارة ركيكة جداً والمعني هكذا أي فإنه لم يكن بما ذكر في تعريفه بأس إذا لم يكن بالحد أو الرسم.

في بيان كون المسألة أصولية

(قوله ثم لا يخفى ان البحث في حجيته مسألة أصولية ... إلخ)

قد عرفت في أول الكتاب من بيان تعريف علم الأصول ما يعرف به حال كل مسألة من مسائلها فلا حاجة عند الشروع في كل مسألة بيان حالها بالخصوص غير أن الأصحاب قد جرت عادتهم عند تعرض كل مسألة مهمة كمسألة مقدمة الواجب ومسألة خبر الواحد ومسألة الاستصحاب ونحوها بيان حاله بالخصوص وكأنه من

١١

باب الاهتمام بشأنه (وعلى كل حال) قد تقدم في أول الكتاب أن علم الأصول هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية أي الكلية وإن أهملوا التقييد بالكلية ولعله لوضوحه فكل مسألة مندرجة تحت غرض الأصول وهو استنباط الأحكام الشرعية الكلية فهي مسألة أصولية وإلا فلا (وعليه) مسألة الاستصحاب التي هي عبارة أخرى عن قولك كل مشكوك البقاء باق حيث تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية كما في الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية هي من المسائل الأصولية (فتقول) مثلا وجوب صلاة الجمعة مشكوك البقاء وكل مشكوك البقاء باق فوجوب صلاة الجمعة باق (أو تقول) نجاسة الماء المتغير الزائل تغيره بنفسه مشكوكة البقاء وكل مشكوكة البقاء باقية فنجاسة الماء المتغير الزائل تغيره بنفسه باقية وهكذا إلى غير ذلك من الشبهات الحكمية وليست هي من المسائل الفقهية إذ ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة بأن يكون موضوعها عمل المكلف ومحمولها الحكم الشرعي كما في وجوب الصلاة والزكاة وحرمة الزنا والقمار ونحو ذلك كي تكون المسألة فقهية.

(نعم) إذا وقعت مسألة الاستصحاب في طريق استنباط الأحكام الشرعية الجزئية كما في الاستصحابات الجارية في الشبهات الموضوعية فهي من القواعد الفقهية نظير قاعدة الطهارة وقاعدة الحل وقاعدة الفراغ وأصالة الصحة ونحو ذلك من القواعد للتي يستنبط بها أحكام شرعية جزئية كطهارة هذا وحلية ذاك أو صحة هذا وتمامية وذاك وهكذا (ولك أن تقول) في الفرق بين المسائل الأصولية والقواعد الفقهية غير ما تقدم من كون الأول مما يستنبط به أحكام شرعية كلية والثاني مما يستنبط به أحكام شرعية جزئية إن إعمال المسألة الأصولية واستنباط الحكم الشرعي الكلي بها ليس إلّا من شأن المجتهد بخلاف القاعدة الفقهية فيمكن إعطائها بيد العامي فيعملها في موارد خاصة ويستنبط بها أحكاماً شرعية جزئية (فيقول) مثلا هذا مشكوك الطهارة وكل مشكوك الطهارة طاهر ولو لما أفتى به

١٢

المفتي فهذا طاهر وهكذا إعمال الاستصحاب عند الشك في بقاء الطهارة الحدثية ونحوها.

(قوله كيف وربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكما أصولياً كالحجية مثلا ... إلخ)

أي كيف يكون مفاد مسألة الاستصحاب حكم العمل بلا واسطة وقد لا يكون مجري الاستصحاب أي المستصحب إلا حكما أصولياً كحجية هذا أو عدم حجية ذاك لا حكماً فرعياً متعلقاً بالعمل بلا واسطة كوجوب هذا أو عدم وجوب ذاك

(وبالجملة) إن الاستصحاب سواء جرى في الحكم الفرعي كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة أو جرى في الحكم الأصولي كاستصحاب حجية ظواهر الكتاب مثلا هو مسألة أصولية لا محالة وذلك لما عرفت من ان مسألة الاستصحاب هي عبارة أخرى عن قولك كل مشكوك البقاء باق وهي ليست مسألة فقهية بلا كلام

(نعم) حيث انه إذا جرى في الحكم الأصولي فهو أبعد من شبهة كونه مسألة فقهية فقال المصنف كيف وربما لا يكون مجري الاستصحاب الا حكماً أصولياً كالحجية مثلا ... إلخ لا لأجل انه إذا جرى في الحكم الفرعي فهو مسألة فرعية فقهية ليست أصولية فلا تشتبه أنت ولا تغفل.

هل الاستصحاب أمارة ظنية أو أصل عملي

(بقي شيء) لم يؤشر إليه المصنف وهو أن الاستصحاب (هل هو) أمارة ظنية كخبر الواحد وظواهر الكلام والشهرة في الفتوى على القول بها ونحو ذلك (أم هو) أصل عملي مضروب للشاك في وعاء الجهل والحيرة كأصالة البراءة وقاعدة الحل وقاعدة الطهارة ونحو ذلك (محصّل كلام الشيخ) أعلى الله مقامه أن الاستصحاب إن استفدناه من الاخبار فهو أصل عملي وإن استفدناه من غيره كبناء

١٣

العقلاء ونحوه مما سيأتي شرحه فهو دليل ظني اجتهادي وحيث أن المختار عندنا استفادته من الأخبار فهو أصل عملي (قال) بعد الفراغ عن تعريف الاستصحاب (ما لفظه) بقي الكلام في أمور الأول أن عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم نظير أصل البراءة وقاعدة الاشتغال مبنى على استفادته من الاخبار واما بناء على كونه من أحكام العقل يعني به ما استقر عليه بناء العقلاء فهو دليل ظني اجتهادي نظير القياس والاستقراء على القول بهما وحيث ان المختار عندنا هو الأول ذكرناه في الأصول العملية المقررة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم لكن ظاهر كلمات الأكثر كالشيخ والسيدين والفاضلين والشهيدين وصاحب المعالم كونه حكماً عقلياً ولذا لم يتمسك أحد هؤلاء فيه بخبر من الاخبار (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(أقول)

والحق أن الاستصحاب هو من الأمارات الظنية والأدلة الاجتهادية سواء استفدنا اعتباره من بناء العقلاء أو من الأخبار أو من كليهما جميعاً كما سيأتي (إذ لا إشكال) في أن الأمارات هي عبارة عما له كشف وحكاية عن الواقع سواء كانت معتبرة عقلا كالأمارات المفيدة للعلم أو شرعاً كخبر الثقة وظواهر الكلام ونحوهما أو لا عقلا ولا شرعاً كخبر الفاسق وخبر الصبي ونحوهما فإن خبرهما من الأمارات الظنية بلا كلام غير أنهما من الأمارات الغير المعتبرة (كما لا إشكال) في أن وجود الشيء في السابق هو مما له نحو كشف وحكاية عن البقاء ولو غالباً لا دائماً كشفاً ظنياً لا علمياً على وجه يعدّ إنكاره من الجدل والعناد جداً (وعليه) فالاستصحاب المعتبر فيه اليقين بوجود الشيء في السابق يكون لا محالة من الأمارات المفيدة للظن بالبقاء ولو نوعاً كما هو الشأن في ساير الأمارات الظنية لا شخصاً في كل مورد وفي كل مسألة.

(نعم إن العقلاء) لا يكاد يعملون به ويتحركون على وفقه إلا بملاك إفادته

١٤

الظن الشخصي بل الوثوق والاطمئنان على وجه لو لم يفد الوثوق والاطمئنان في مورد لم يعملوا به إلا احتياطاً ورجاء لا استصحاباً (وذلك) لوضوح انه لا تعبد في أمر العقلاء بما هم عقلاء حيث لا معني لاستقرار سيرتهم على العمل على طبق الحالة السابقة بما هي حالة سابقة بلا ملاك لها ولا موجب.

(نعم الاخبار المستفيضة) الآتية نظراً إلى إطلاقها وعدم تقييدها بما إذا أفاد الوثوق والاطمئنان مما توسع دائرة الاستصحاب فهو بمقتضى بناء العقلاء مما يختص اعتباره بما إذا أفاد الوثوق والاطمئنان الشخصيين وبمقتضى الاخبار المستفيضة الغير المقيدة بشيء مما يعتبر مطلقاً ولو لم يفد الوثوق والاطمئنان بل ولا مطلق الظن نظير ما تقدم في خبر الثقة حرفاً بحرف فهو بمقتضى سيرة العقلاء على العمل به مما يختص اعتباره بما إذا أفاد الوثوق والاطمئنان وبمقتضى الاخبار المستفيضة بل المتواترة الواردة في اعتباره نظراً إلى إطلاقها وعدم تقييدها بشيء مما يعتبر مطلقاً ولو لم يفد الوثوق والاطمئنان بل ولا الظن (وعلى كل حال) إن الاستصحاب هو أمارة ظنية كخبر الواحد وظواهر الكلام ونحوهما عيناً (وأما ما يظهر من الشيخ) أعلى الله مقامه في خاتمة الاستصحاب في الأمر الثالث من أن الشارع وإن اعتبر الاستصحاب بلا شبهة ولكن لا من حيث نظره إلى الواقع بل من حيث مجرد احتمال مطابقته للواقع فهو مجرد دعوى لا شاهد عليها (قال) أعلى الله مقامه (ما لفظه) فما كان مما نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع أو كان ناظراً لكن فرض ان الشارع اعتبره لا من هذه الحيثية بل من حيث مجرد احتمال مطابقته لواقع فليس اجتهادياً بل هو من الأصول وان كان مقدماً على بعض الأصول الأخر والظاهر أن الاستصحاب والقرعة من هذا القبيل (انتهى).

(أقول)

ولو تمّ ما ذكره أعلى الله مقامه لجرى ذلك حتى في خبر الواحد ونحوه مما اعتبره الشارع في لسان غير واحد من الأخبار فكما يقال فيه وفي كل أمارة أخرى سواه

١٥

مما له كشف ونظر إلى الواقع إن الظاهر من أدلة اعتباره هو اعتباره بما له من الكاشفية والنّظر إلى الواقع ومن حيث حكايته عنه وأماريته عليه لا من حيث مجرد احتمال مطابقته للواقع فكذلك يقال في الاستصحاب حرفاً بحرف فتأمل جيداً.

في الأمور السبعة المعتبرة في الاستصحاب

(قوله وكيف كان فقد ظهر مما ذكرنا في تعريفه اعتبار أمرين في مورده القطع بثبوت شيء والشك في بقاءه ولا يكاد يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة بحسب الموضوع والمحمول ... إلخ)

بل ظهر من تعريفه اعتباره أمور عديدة في حقيقة الاستصحاب لا أمرين فقط.

(الأول) اليقين السابق وإذا قيل وجود الشيء في السابق وإن كان لا بد من إحرازه بالقطع أو بما نزل منزلة القطع كما يظهر ذلك من الشيخ أعلى الله مقامه في الأمر الخامس مما تعرضه بعد تعريف الاستصحاب كان حسناً أيضا.

(الثاني) الشك اللاحق وهذان الأمران مشتركان بين الاستصحاب وقاعدة اليقين أيضاً كما ستعرف.

(الثالث) أن يكون الشك متعلقاً ببقاء ما تيقن به لا بأصل ما تيقن به كما في قاعدة اليقين بأن تيقن مثلا بعدالة زيد في يوم الجمعة ثم شك في أصل عدالته في ذلك اليوم بأن زال مدرك اعتقاده ومنشأ علمه فإنه لو قيل باعتباره هذه القاعدة فهي قاعدة أخرى غير الاستصحاب تسمى بقاعدة اليقين وقد يطلق عليها الشك الساري وسيأتي التكلم فيها وفي مدركها مشروحاً في تتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى وقد تعرضهما الشيخ أعلى الله مقامه في خاتمة الاستصحاب في الأمر الثاني مما يعتبر في الاستصحاب ولم يؤشر إليهما المصنف أصلا.

(الرابع) بقاء الموضوع وهو معروض المستصحب بمعنى انه يعتبر في

١٦

الاستصحاب اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعاً كما يعتبر اتحادهما محمولا فإن من تيقن بقيام زيد كما لا يجوز له استصحاب علمه فإنه محمول آخر فكذلك لا يجوز له استصحاب قيام عمرو فإنه موضوع آخر (والدليل) على اعتبار ذلك كما أشار إليه المصنف انه لا يكاد يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولا فكما أن من تيقن بقيام زيد إذا شك في علمه فهو ليس شكاً في بقاء ما تيقن به فكذلك إذا شك في قيام عمرو فهو ليس شكاً في بقاء ما تيقن به (وقد زاد) على ذلك في تتمة الاستصحاب (ما حاصله) ان مع عدم اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولا لا يكاد يكون رفع اليد عن اليقين في محل الشك نقضاً لليقين بالشك كي تشمله الأخبار وتحرم فكما أن من تيقن بقيام زيد إذا شك في علمه ولم يعمل عمل اليقين بعلمه لم يصدق عليه أنه نقض اليقين بالشك فكذلك إذا شك في قيام عمرو ولم يعامل معاملة اليقين بقيامه لم يصدق عليه انه نقض اليقين بالشك وهذا واضح ظاهر (ثم إن) من هذا كله يظهر لك ان مرجع اعتبار هذا الأمر الرابع هو إلى الأمر الثالث عينا وهو الشك في البقاء وليس اعتبار بقاء الموضوع أمراً آخر غير اعتبار الشك في البقاء (وإليه أشار المصنف) بقوله ولا يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة ... إلخ.

(الخامس) أن لا يكون في مورد الاستصحاب أمارة معتبرة ولو على وفاقه نظراً إلى ورودها أو حكومتها عليه على التفصيل الآتي في تتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى في المقام الثاني.

(السادس) وجوب الفحص بحد اليأس إذا كان الاستصحاب في الشبهات الحكمية بل وحتى الموضوعية في الجملة على التفصيل المتقدم لك شرحه في خاتمة الاشتغال في شرائط الأصول العملية وستأتي الإشارة إلى اعتباره ثانيا في صدر تتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى.

(ثم لا يخفى) ان الأمرين الأخيرين وهما الخامس والسادس ليسا مما يعتبر في

١٧

حقيقة الاستصحاب وماهيته على نحو يعرف اعتبارهما من تعريف الاستصحاب وحدّه كما هو الحال في الأمور المتقدمة كلها ولكنهما يعتبر ان شرعاً في جريان الاستصحاب وفي أعماله.

(بمعنى أن الشارع) إذا اعتبر أمارة مخصوصة كخبر الثقة ونحوه وقد قامت على شيء خاص فلا يكاد يبقى معها شك شرعاً وتعبداً ليجري الاستصحاب عنده وان كان الشك باقياً حقيقة.

(أو بمعنى أن الشارع) قد أمر بالتفقه والتعلم عند الشك والجهل في الأحكام الشرعية بمقتضى الأدلة العديدة المتقدمة في شرائط الأصول العملية في خاتمة الاشتغال فلا يكاد يبقي معها مجال للاستصحاب المأخوذ في موضوعه الشك والجهل الا بعد الفحص بحد اليأس والعجز عن إزالة الشك والجهل ورفعهما وإن فرض أن أركان الاستصحاب تامة لا نقص فيها من اليقين السابق والشك اللاحق وغيرهما وسيأتي لك شرح هذا كله بنحو أبسط في صدر تتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى فانتظر.

(السابع) أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا حكم شرعي وستأتي الإشارة إليه في صدر التنبيه العاشر إن شاء الله تعالى مفصلا فانتظر.

(ثم لا يخفى) أن هذا الأمر السابع أيضاً هو مما لا يعتبر في حقيقة الاستصحاب على نحو يعرف اعتباره من تعريفه وحده ولكنه يعتبر عقلا في جريانه وأعماله نظراً إلى أن المستصحب إن لم يكن حكماً شرعيا ولا موضوعاً ذا حكم شرعي فالتعبد ببقائه أمر لغو جداً فيمتنع من الشارع قطعاً.

(قوله وهذا مما لا غبار عليه في الموضوعات الخارجية في الجملة ... إلخ)

أي واتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة بحسب الموضع والمحمول مما لا شك فيه في الموضوعات الخارجية كعدالة زيد أو اجتهاده أو فقره أو غناه ونحو ذلك في الجملة على الكلام الآتي في تتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى من أن المعيار في الاتحاد هل هو نظر العرف أو لسان الدليل أو نظر العقل.

١٨

في تفصيل الأخباريين بين الحكم

الشرعي وغيره

(قوله وأما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل أم النقل فيشكل حصوله فيها ... إلخ)

(اما قوله) وأما الأحكام الشرعية أي الكلية فهو إشارة إلى تفصيل الأخباريين بين الحكم الشرعي الكلي فلا يعتبر الاستصحاب فيه الا في عدم النسخ وبين غيره فيعتبر الاستصحاب فيه وهو القول الخامس في المسألة كما تقدم.

(وأما قوله) سواء كان مدركها العقل أم النقل فهو إشارة إجمالية إلى تفصيل الشيخ أعلى الله مقامه في الأحكام الشرعية الكلية بين ما كان مدركها العقل فلا يعتبر الاستصحاب فيه وبين ما كان مدركه النقل فيعتبر الاستصحاب فيه (وقد أشرنا) إلى هذا التفصيل قبل وسيأتي تفصيله عند قول المصنف بلا تفاوت في ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا ... إلخ.

(ثم إن كلا) من هذين التفصيلين مستند في الحقيقة إلى دعوى عدم حصول وحدة القضيتين بحسب الموضوع والمحمول في الأحكام الشرعية الكلية إما مطلقاً أو في خصوص الأحكام الشرعية التي مدركها العقل.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه قبيل نقل الأقوال بيسير (ما لفظه) ويحكي عن الأخباريين اختصاص الخلاف بالثاني يعني به الشك في بقاء الحكم الشرعي الكلي كالشك في بقاء نجاسة المتغير بعد زوال تغيره أو طهارة المكلف بعد حدوث المذي منه ونحو ذلك (قال) وهو الّذي صرح به المحدث البحراني ويظهر من كلام المحدث الأسترآبادي حيث قال في فوائده اعلم ان للاستصحاب صورتين معتبرتين

١٩

باتفاق الأمة بل أقول اعتبارهما من ضروريات الدين.

(إحداهما) أن الصحابة وغيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ان يجيء ما ينسخه.

(الثانية) أنا نستصحب كل أمر من الأمور الشرعية مثل كون الرّجل مالك أرض وكونه زوج امرأة وكونه عبد رجل وكونه على وضوء وكون الثوب طاهراً أو نجساً وكون الليل أو النهار باقياً وكون ذمة الإنسان مشغولة بصلاة أو طواف إلى أن يقطع بوجود شيء جعله الشارع سبباً مزيلا لنقض تلك الأمور (انتهى) (ومحصله) حجية الاستصحاب في الشك في النسخ وفي الشبهات الموضوعية بل وفي الأحكام الشرعية الجزئية أيضاً كوجوب الصلاة أو الطواف عند الشك في الامتثال بل وطهارة الثوب ونجاسته وكون المكلف على طهر ونحو ذلك بناء على كون هذه الأمور من الأحكام الشرعية الوضعيّة لا من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع.

(وقال الشيخ أيضاً) عند ذكر حج الأقوال (ما لفظه) وأما القول الخامس وهو التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي وبين غيره فلا يعتبر في الأول فهو المصرح به في كلام المحدث الأسترآبادي لكنه صرح باستثناء استصحاب عدم النسخ مدعياً الإجماع بل الضرورة على اعتباره (إلى أن ذكر عنه) دليلين لعدم حجية الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي.

(أحدهما) ما ملخصه ان صور الاستصحاب المختلف فيها عند النّظر الدّقيق والتحقيق راجعة إلى انه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه ومن المعلوم انه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين فالذي سموه استصحاباً راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر متحد معه في الذات مختلف معه في الصفات ومن المعلوم عند الحكيم ان هذا

٢٠