عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٣

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٣

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٤٠٨

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله كما هو أهله والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأفضل بريته محمد وعترته الأطيبين واللعنة الدائمة على أعدائهم ومعادي أوليائهم وموالي أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين (أما بعد) فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامه وإتمام بقية الأجزاء كما وفقني للجزء الأول والثاني انه سميع قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه.

في تقسيم حال المكلف إذا التفت

إلى حكم شرعي

(قوله المقصد السادس في بيان الأمارات ... إلخ)

والمقصد السابع كما سيأتي في الأصول العملية والفرق بين الأمارات والأصول العملية ان ما له جهة كشف وحكاية عن الواقع هو أمارة سواء كانت معتبرة كخبر الثقة ولو في الأحكام خاصة والبينة مطلقا ولو في الموضوعات أم لم تكن معتبرة كخبر الفاسق أو المجهول ونحوهما وما ليس له جهة كشف وحكاية عن الواقع أصلا بل كان مجرد وظيفة للجاهل في ظرف الشك والحيرة كقاعدتي الطهارة والحل وأصالة البراءة ونحوها أو كانت له جهة كشف وحكاية ولكن الشارع لم يعتبره من هذه الجهة كما ادعى ذلك في الاستصحاب والتجاوز والفراغ ونحوهما فهو أصل عملي (ولك ان تقول) إن الفرق بين الأمارات والأصول العملية بعد كون الجميع وظائف مقررة للجاهل

٢

في وعاء الجهل بالواقع والستار عليه ان الأول لم يؤخذ الجهل والشك في لسان دليله والثاني قد أخذ ذلك في لسان دليله كما في قوله كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر أو كل شيء لك حلال حتى تعرف انه حرام أو لا ينقض اليقين بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر إلى غير ذلك من الأصول العملية.

(قوله المعتبرة شرعا أو عقلا ... إلخ)

فالأمارة المعتبرة شرعا هي كالبينة وخبر الثقة ولو في خصوص الأحكام وهكذا ظواهر الكلام واما الأمارة المعتبرة عقلا فهي كالعلم بل الظن على الانسداد والحكومة وسنشير إليهما عن قريب فانتظر.

(قوله وان كان خارجا من مسائل الفن ... إلخ)

وجه خروجه عنها ان الميزان في كون المسألة أصولية على ما عرفت في صدر الكتاب ان تكون هي مما يستنبط به الحكم الشرعي كمسألة حجية خبر الواحد ونحوها وما للقطع من الأحكام ليس من هذا القبيل قطعا كما ستعرف.

(قوله وكان أشبه بمسائل الكلام ... إلخ)

وجه الشباهة ان من علم الكلام مباحث الإلهيات ومن مسائلها البحث عن أفعاله تعالى فكأن البحث عن حجية القطع عقلا وعدم إمكان جعل الحجية له شرعا ولا النهي عن اتباعه كذلك أو البحث عن القطع المخطئ وانه إذا وافقه القاطع فهل على المولى ان يثيبه على الانقياد أو إذا خالفه القاطع فهل للمولى ان يعاقبه على التجري هو يشبه البحث عن أفعاله جل وعلا مثل انه تعالى لا يفعل القبيح أو لا يخل بالواجب أو لا يفعل لغير فائدة ونحو ذلك.

(قوله فاعلم ان البالغ الّذي وضع عليه القلم ... إلخ)

وكأن وجه عدول المصنف عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى الله مقامه من التعبير بالمكلف حيث قال لدى التقسيم (ما لفظه) فاعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فإما ان يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن ... إلخ (انه قد يقال) ان

٣

المكلف لا يصح جعله مقسما ثم إخراج غير الملتفت منه بقوله إذا التفت فان الغافل الّذي لا التفات له ليس بمكلف (ولكن ذلك مما لا وجه له) فان المقصود من المكلف هو من وضع عليه قلم التكليف لا خصوص من تنجز عليه التكليف كي لا يصح جعله مقسما (وبعبارة أخرى) المراد من المكلف هو المكلف الشأني أي الّذي من شأنه التكليف لا المكلف الفعلي أي الّذي تنجز عليه التكليف كي لا يصح جعله مقسما وإخراج غير الملتفت منه.

(قوله إلى حكم فعلى ... إلخ)

وجه التخصيص بالحكم الفعلي كما سيأتي التصريح به من المصنف هو اختصاص أحكام القطع من المنجزية عند الإصابة والعذرية عند الخطاء وحكم العقل بوجوب المتابعة بما إذا تعلق القطع بالحكم الفعلي لا بالإنشائي وقد تقدم تفصيل مراتب الأحكام وما لكل مرتبة من الخواصّ والآثار في مسألة الاجتماع في ذيل بعض مقدمات الامتناع كما هو حقه مبسوطا فراجع.

(قوله واقعي أو ظاهري .. إلخ)

فالواقعي هو الحكم المشترك بين العالم والجاهل قد تصيبه الطرق والأمارات وتطابقه الأصول العملية وقد تخطئه الطرق والأمارات ولا تطابقه الأصول العملية والظاهري هو الحكم المجعول على طبق مؤديات الطرق والأمارات أو على طبق الأصول العملية سواء وافق الواقع وطابقه أو خالفه ولم يطابقه.

(قوله متعلق به أو بمقلديه ... إلخ)

اما الأول فواضح واما الثاني فكالأحكام المتعلقة بالحيض أو النفاس أو الاستحاضة وأشباه ذلك مما هو خارج عن ابتلاء المجتهد بنفسه.

(قوله فإما ان يحصل له القطع به أولا ... إلخ)

(اما حصول) القطع بالحكم الواقعي وعدم حصوله به فواضح (واما حصول) القطع بالحكم الظاهري فكما إذا قامت أمارة شرعية أو أصل شرعي عند المكلف

٤

فيقطع بسببه بالحكم الظاهري الشرعي المجعول على طبقها أو على طبقه (واما عدم حصول القطع) بالحكم الظاهري فكما إذا لم يتم عند المكلف حجية أمارة شرعية بالخصوص ولا أصل عملي شرعي أو تمت ولكن في المسألة التي التفت فيها إلى الحكم الفعلي لم تقم تلك الأمارة ولم يجر ذلك الأصل فحينئذ لا بد له من الانتهاء إلى ما استقل به العقل كما أشار إليه المصنف (فإن حصل) له الظن وقد تمت مقدمات الانسداد على الحكومة بان قلنا ان مقتضي مقدمات الانسداد على ما سيأتي شرحها في ذيل خبر الواحد هو استقلال العقل بحجية الظن في حال الانسداد كاستقلاله بحجية العلم في حال الانفتاح فيتبع الظن ويعمل به وهذا بخلاف ما لو تمت المقدمات على الكشف بان قلنا ان نتيجة المقدمات بعد تماميتها هو الاستكشاف عن كون الظن طريقا منصوبا من قبل الشرع في حال الانسداد كالأمارات الشرعية المنصوبة في حال الانفتاح فان حصول الظن حينئذ مما يوجب القطع بالحكم الظاهري الشرعي المجعول على طبقه وهو خلاف المفروض من عدم القطع بالحكم الظاهري الشرعي (واما إذا لم يحصل) له الظن فيرجع حينئذ إلى الأصول العملية العقلية من البراءة العقلية عند الشك في التكليف أو أصالة الاشتغال عند الشك في المكلف به أو أصالة التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين على التفصيل الآتي في محله إن شاء الله تعالى.

(قوله وانما عممنا متعلق القطع ... إلخ)

أي وانما عممنا متعلق القطع إلى الأحكام الظاهرية حيث قال إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري (إلى ان قال) فإما ان يحصل له القطع أولا ... إلخ لأجل عدم اختصاص أحكام القطع من المنجزية في صورة الإصابة والعذرية عند الخطاء وحكم العقل بوجوب المتابعة بما إذا تعلق القطع بالحكم الواقعي بل تترتب عليه الأحكام ولو تعلق بالحكم الظاهري.

(قوله وخصصنا بالفعلي ... إلخ)

قد أشرنا إلى وجه التخصيص بالفعلي وانه سيأتي التصريح به من المصنف وهذا

٥

هو تصريحه به وتنصيصه عليه فلا تغفل.

(قوله ولذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى الله مقامه من تثليث الأقسام ... إلخ)

أي ولأجل التعميم والتخصيص المذكورين عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى الله مقامه من تثليث الأقسام حيث انه لم يعمم ولم يخصص فقال كما أشرنا آنفا فاعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فاما ان يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن ... إلخ (اما عدم تخصيصه) بالحكم الفعلي فواضح (واما عدم تعميمه) إلى الحكم الظاهري فلان الظاهر من قوله إلى حكم شرعي بقرينة حصول الشك فيه أو القطع أو الظن هو الحكم الواقعي فان الظاهري مما لا يقع الشك فيه أو الظن به فان الأمارة الشرعية وهكذا الأصل الشرعي ان قامت على الحكم فالظاهري مقطوع به وإلّا فمقطوع العدم وان كان الواقعي مشكوكا أو مظنونا (اللهم) الا إذ شك في حجية أمارة أو أصل أو ظن حجيتها أو حجيته وقد قامت تلك الأمارة أو الأصل على حكم من الأحكام أو شك في قيام أمارة معتبرة على حكم أو أصل معتبر أو ظن فحينئذ يقع الشك في الحكم الظاهري أو الظن به مثل ما يقع في الحكم الواقعي عينا.

(أقول)

مقصود الشيخ أعلى الله مقامه من تثليث الأقسام عند الالتفات إلى حكم شرعي هو الإشارة إلى موارد العمل بالعلم والأمارات الظنية والأصول العملية (فإن حصل القطع) فهو مورد العمل بالعلم (وإن حصل الظن) أي المعتبر فهو مورد العمل بالأمارات الظنية (وإن حصل الشك) فهو مورد العمل بالأصول العملية على ترتيب يأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى وقد عقد لكل منها مقصدا على حده (وإلّا) فكما ان المصنف قد جعل الأقسام الثلاثة قسمين فكذلك يمكن جعل القسمين قسما واحدا (فنقول) إن المكلف إذا التفت إلى ما هو وظيفته شرعية

٦

كانت أو عقلية واقعية كانت أو ظاهرية فهو قاطع بها لا محالة وهذا لدى التدبر واضح فتدبر.

(قوله فالأولى ان يقال ان المكلف اما ان يحصل له القطع أولا وعلى الثاني اما ان يقوم عنده طريق معتبر أم لا ... إلخ)

وجه الأولوية ان المصنف قد عبر عن الظن بقيام الطريق المعتبر وعن الشك بعدم قيام الطريق المعتبر فلا يتداخل الأقسام حينئذ كما يتداخل على تعبير الشيخ أعلى الله مقامه حيث يلحق الظن الغير المعتبر بالشك ويلحق الشك الحاصل من الأمارة المعتبرة الغير المفيدة للظن بالظن وإليه أشار المصنف بقوله لئلا يتداخل الأقسام ... إلخ

(قوله إلى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع ومن يقوم عنده الطريق ... إلخ)

وهي الأصول العملية الشرعية أو العقلية الممهدة لغير القاطع ومن قام عنده الطريق المعتبر الّذي هو بمنزلة القطع.

في حجية القطع

(قوله الأمر الأول لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ... إلخ)

المقصود من عقد هذا الأمر الأول هو بيان حجية القطع (فنقول) ان الحجة باصطلاح المنطقي هو المعلوم التصديقي الموصل إلى المجهول التصديقي كقولنا العالم متغير وكل متغير حادث الموصل إلى قولنا فالعالم حادث (وان شئت قلت) ان الحجة باصطلاح المنطقي هي الوسط الّذي يحتج به على ثبوت الأكبر للأصغر كالتغير الّذي يحتج به على إثبات الحدوث للعالم (ومن هنا يظهر) انه صح إطلاق

٧

الحجة بهذا المعنى على قيام الأمارات المعتبرة شرعا فتقول مثلا هذا ما قامت البينة على وجوبه وكلما قامت البينة على وجوبه فهو واجب شرعا ولو ظاهرا فهذا واجب شرعا ولو ظاهرا فيكون قيام البينة وسطا لإثبات الوجوب للصغرى (ولا يكاد يصح) إطلاق الحجة بهذا المعنى على القطع إذ لا تقول هذا مقطوع الوجوب وكل مقطوع الوجوب واجب شرعا فهذا واجب شرعا فان الوجوب شرعا ثابت لنفس الأشياء بما هي هي لا لمقطوع الوجوب كما لا يخفى (وتوضيحه) ان للشارع في موارد قيام الأمارات المعتبرة بالخصوص أحكاما ظاهرية مجعولة على طبق مؤدياتها بحيث كان قيام الأمارة سببا لثبوت تلك الأحكام الظاهرية فصح قولك كلما قامت البينة على وجوبه مثلا فهو واجب شرعا أي ظاهرا (واما القطع) فليس في مورده حكم ظاهري مجعول شرعا كي يكون سبباً لثبوت ذلك الحكم الظاهري وصح قولك هذا مقطوع الوجوب مثلا وكل مقطوع الوجوب واجب شرعاً أي ظاهرا فهذا واجب شرعاً أي ظاهرا الا الحكم الواقعي الّذي لا دخل للقطع في تحققه أصلا فانه ثابت في مورده لنفس الشيء بما هو هو ان لم يخطأ القطع وأصاب الواقع وإلّا فلا حكم في مورده أبدا لا ظاهرا ولا واقعاً.

(نعم) إذا أخذ القطع بشيء موضوعاً لحكم شرعي بحيث كان القطع به دخيلا في ثبوت ذلك الحكم صح حينئذ إطلاق الحجة بهذا المعنى على القطع المأخوذ موضوعا فإذا فرض انه قال إذا قطعت بخمرية مائع فهو حرام ولم يقل الخمر بما هي هي حرام فصح حينئذ ان تقول هذا ما قطعت بخمريته وكلما قطعت بخمريته فهو حرام فهذا حرام فيكون القطع حينئذ وسطاً يحتج به لثبوت الأكبر للأصغر هذا كله بيان معنى الحجة باصطلاح المنطقي (واما الحجة باصطلاح الأصولي) فهي ما كان منجزا عند الإصابة وعذرا عند الخطأ بمعنى انه إذا قام على تكليف إلزاميّ من وجوب أو حرمة وقد أصاب بان كان هناك وجوب أو حرمة واقعاً فهو منجز له بحيث لا يبقى للمكلف عذر في تركه بعد قيام الحجة عليه فان خالفه

٨

فهو يستحق العقاب وإذا قام على نفي تكليف إلزاميّ وأخطأ بان كان هناك تكليف إلزاميّ واقعاً فهو عذر للمكلف على فوت الواقع منه بحيث إذا عاقبه المولى بعدا فقد ظلمه مع قيام الحجة على نفيه وعدمه (ومن هنا يظهر) انه صح إطلاق الحجة بهذا المعنى على كل من القطع والأمارات الظنية المعتبرة بالخصوص على حد سواء غايته ان القطع كما ستعرف حجة بنفسه لا يحتاج حجيته إلى جعل جاعل والأمارات الظنية المعتبرة بالخصوص حجيتها مجعولة من قبل الشرع (ثم ان) من تبعات منجزية القطع. بل منجزية كل حجة سواء كانت عقلية أو شرعية هو حكم العقل بوجوب متابعته والحركة على طبقه والمشي على وفقه وذلك دفعاً للعقوبة والمؤاخذة الدنيوية أو الأخروية فان التنجيز وان لم يكن الا في خصوص ما إذا كان القطع مصيباً لا مخطئاً ولكن القاطع حيث يرى قطعه مصيباً دائما فيرى حكم العقل بوجوب المتابعة محققاً فعلياً ما دام كونه قاطعاً متيقناً على صفة القطع واليقين.

(وبالجملة) إن القطع وهكذا كل حجة أخرى سواء كانت عقلية كالظن على الانسداد والحكومة أو شرعية كالأمارات المعتبرة بالخصوص هو مما له آثار ثلاثة اثنان منها وضعيان وهما المنجزية عند الإصابة والعذرية عند الخطاء وواحد منها تكليفي وهو حكم العقل بوجوب متابعته والحركة على طبقه.

(قوله وتأثيره في ذلك لازم وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ... إلخ) أي وتأثير القطع في تنجز التكليف به عند الإصابة وهكذا كونه عذرا عند الخطاء لازم لا ينفك عنه بحكم الوجدان فإذا كان لازماً لا ينفك عنه كانت الحجية من لوازمه الذاتيّة قهرا ولا تكون بجعل جاعل سواء كان الجاعل هو الشرع أو العقل إذ لا جعل تركيبي بين الشيء ولوازمه الذاتيّة كالنار والإحراق وانما يجعل مثل الإحراق جعلا عرضياً بتبع جعل النار بسيطاً أي إذا وجدت النار وتحققت هي تحقق الإحراق بتبعها من دون ان يكون الإحراق مجعولا لها بالجعل التركيبي من قبيل جعل السواد أو البياض للقرطاس ونحوه (ومن هنا يظهر) امتناع المنع عن

٩

حجية القطع كامتناع جعلها له سواء كان المنع من الشرع أيضا أو من العقل وذلك لاستحالة المنع عن الأثر الذاتي وهو معنى قولهم القطع حجة بنفسه لا تناله يد الجعل لا نفياً ولا إثباتاً لا شرعاً ولا عقلا (وقد أفاد الشيخ) أعلى الله مقامه هذا المضمون بعينه مختصرا غير انه لم يبرهن عليه كما برهن المصنف (قال) لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا لأنه بنفسه طريق إلى الواقع وليس طريقته قابلة لجعل الشارع إثباتاً أو نفياً انتهى (ثم ان تأثير القطع) في تنجيز التكليف به عند الإصابة وهكذا عذريته عند الخطاء حيث كان لازماً ذاتياً له صح ان يقال ان القطع حجة ذاتاً وحيث ان الأثر مما يدركه العقل بنفسه من غير حاجة إلى تصريح الشرع به صح ان يقال ان القطع حجة عقلا في قبال الأمارات الظنية المنصوبة من قبل الشرع كخبر الثقة ونحوه مما لا يدرك العقل حجيته بنفسه وانما هو صار حجة بجعل الشارع الحجية له تأليفياً.

(قوله وبذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا ... إلخ)

إشارة إلى قوله وتأثيره في ذلك لازم أي وبذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا كامتناع جعله له إذ كما لا يمكن الجعل التأليفي بين الشيء ولوازمه فكذلك لا يمكن المنع عن تأثيره ذاتاً كما أشير آنفاً.

(قوله مع انه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقاً وحقيقة في صورة الإصابة ... إلخ)

هذا دليل آخر لامتناع المنع عن تأثيره مضافاً إلى كون الحجية لازماً ذاتياً للقطع ولا يمكن المنع عن اللازم الذاتي (وتقريبه) انه إذا قطع المكلف بوجوب شيء ونهي الشارع عن العمل بقطعه (فان كان) قطعه مصيباً لزم اجتماع الضدين حقيقة فانه حسب قطعه المصيب واجب وعلى حسب نهي الشارع عن العمل بقطعه حرام وهو اجتماع الضدين حقيقة (وان كان) قطعه مخطئاً لزم اجتماع الضدين اعتقادا فانه على حسب قطعه واجب ولو في اعتقاده وعلى حسب نهي الشارع عنه حرام

١٠

غير جائز ومن المعلوم ان اجتماع الضدين ولو اعتقادا محال ممتنع كاجتماع الضدين حقيقة فان المحال كما يستحيل وقوعه خارجا كذلك يستحيل الاعتقاد بوقوعه خارجا بل اجتماع الضدين الاعتقادي مما يلزم مطلقا أي في صورتي الإصابة والخطاء جميعا غايته انه في صورة الإصابة اعتقادي وحقيقي وفي صورة الخطاء اعتقادي محض لا حقيقي (وإليه أشار) المصنف بقوله اعتقادا مطلقا أي في صورتي الإصابة والخطاء (قال) وحقيقة في صورة الإصابة ... إلخ.

(قوله ثم لا يذهب عليك ان التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعليا وما لم يصر فعليا لم يبلغ مرتبة التنجز واستحقاق العقوبة على المخالفة ... إلخ)

وفيه ما سيأتي قريبا في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من الاعتراف بكون الأحكام الواقعية التي قامت الأمارات والأصول على خلافها فعلية لا بعث ولا زجر على طبقها في النّفس النبوية أو الولويّة (وعلى كل حال) مقصوده من ذلك هنا هو التنبيه على ان ما تقدم آنفا من كون القطع منجزا للتكليف في صورة الإصابة انما هو فيما كان التكليف المتعلق به القطع فعليا لا إنشائيا محضا (وقد أشار) إلى هذا المعنى في صدر هذا الأمر الأول بقوله وكونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي ... إلخ وقبله بقوله إذا التفت إلى حكم فعلي (إلى ان قال) وخصصنا بالفعلي ... إلخ فأراد في المقام الإشارة إلى هذا المعنى بنحو أبسط (فقال) ما حاصله ان التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر يعني الإرادة والكراهة كما سيتضح لك في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي لم يصر فعليا وما لم يصر فعليا لم يبلغ مرتبة التنجز واستحقاق العقوبة على المخالفة بتعلق القطع به وان كان ربما يوجب موافقته أي موافقة ما لم يصر فعليا وهو الإنشائيّ المحض المثوبة وذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة أي الفعلية لم يكن حقيقة بأمر. ولا نهي وقد تقدم مراتب الحكم وخواص كل مرتبة في مسألة الاجتماع في ذيل بعض مقدمات لامتناع مفصلا فراجع.

١١

(قوله نعم في كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل ... إلخ)

أي نعم في كون التكليف بهذه المرتبة الفعلية موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل من الأمارات والأصول الشرعية إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين فان خالفت الأمارة أو الأصل مع الحكم الواقعي لزم اجتماع الضدين وإن طابقته لزم اجتماع المثلين وسيأتي الجمع بينهما في أول الظن إن شاء الله تعالى فانتظر.

في التجري والانقياد

(قوله الأمر الثاني قد عرفت انه لا شبهة في ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة ... إلخ)

المقصود من عقد هذا الأمر الثاني هو بيان حال التجري وبتبعه يعرف حال الانقياد أيضا (وفيه مقامان) من الكلام.

(الأول) ان المتجري هل هو يستحق العقاب أم لا بمعنى انه إذا قطع بحرمة شيء وتجري وأتى به أو قطع بوجوب شيء وتجري ولم يأت به ثم انكشف الخلاف وانه لم يكن حراما أو لم يكن واجبا فهل هو يستحق العقاب حينئذ أم لا بعد التسالم ظاهرا على استحقاق الذم واللوم على خبث باطنه وسوء سريرته.

(الثاني) انه بعد البناء على استحقاق المتجري للعقاب هل العقاب يكون على القصد أو على الفعل المتجري به.

(اما المقام الثاني) فسنتعرضه عند تعرض المصنف له.

(واما المقام الأول) فالحق فيه كما اختار المصنف هو استحقاق المتجري للعقاب بشهادة الوجدان بل بشهادة كافة العقلاء بمعنى ان العبد إذا أتى بما اعتقد حرمته أو ترك ما اعتقد وجوبه ثم عاقبه المولى لم يذمه العقلاء ولا يرونه ظالما مفرطا

١٢

في حق عبده بل يرون العبد أهلا لذلك بل ربما إذا لم يعاقبه المولى في بعض موارد التجري وعفي عنه يرون ذلك نقصا في شخص المولى وضعفا في عقله ولبه كما إذا اعتقد ان هذا مولاه فتجري وقتله ثم انكشف انه كان عدوا للمولى أو اعتقد ان هذه زوجة مولاه فتجري وواقعها ثم انكشف انها كانت زوجته لا زوجة مولاه وهكذا وهكذا.

(قوله والمثوبة على الموافقة في صورة الإصابة ... إلخ)

القطع بالتكليف وان كان مما يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة بل واستحقاق المثوبة على الموافقة في صورة الإصابة إذا قلنا باستحقاق الثواب في الطاعات وقد تقدم التفصيل في النفسيّ والغيري ولكن الّذي عرفناه في الأمر السابق كما أشار إليه المصنف بقوله قد عرفت انه لا شبهة ... إلخ هو خصوص الأول دون الثاني وعليه فعطف المصنف قوله والمثوبة على الموافقة ... إلخ على قوله يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة مما لا يخلو عن مسامحة إذ لم نعرف الثاني في الأمر السابق.

(قوله وهتك حرمته لمولاه ... إلخ)

ولو قال وهتكه حرمة مولاه كان أصح.

(قوله وان كان مستحقا للوم أو المدح بما يستتبعانه ... إلخ)

والصحيح كان ان يقول بما يستتبعهما أي وان كان مستحقا للوم أو المدح بما فيه من الصفة الكامنة المستتبعة للوم أو المدح ويعرف ذلك بملاحظة قوله وبالجملة ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها الا مدحا أو لوما ... إلخ فالصفة الكامنة هي المقصود من الموصول وهي المستتبعة للمدح أو اللوم فلا تغفل.

(قوله ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح والوجوب أو الحرمة واقعا ... إلخ)

هذا شروع في المقام الثاني من الكلام في التجري (وحاصل مختاره) فيه ان العقاب إنما هو على قصد العصيان والعزم على الطغيان كما سيأتي تصريحه به في

١٣

الجواب عن ان قلت الأول وليس هو على الفعل المتجري به وذلك لدليلين.

(الأول) ما أشار إليه بقوله ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري به إلى قوله لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا.

(الثاني) ما أشار إليه بقوله هذا مع ان الفعل المتجري به أو المنقاد به إلى قوله إلا إذا كانت اختيارية.

(اما الثاني) فسيأتي شرحه.

(واما الأول) فحاصله ان الفعل المتجري به أو المنقاد به لا يحدث فيه بسبب القطع بالخلاف حسن أو قبح ولا وجوب أو حرمة واقعا كي يكون عليه الثواب أو العقاب بل باق على ما هو عليه من الحسن أو القبح والوجوب أو الحرمة (فقتل ابن المولى) بسبب القطع بأنه عدو له لا يحدث فيه حسن ولا وجوب بل باق على قبحه وحرمته (كما ان قتل عدو المولى) بسبب القطع بأنه ابن المولى لا يحدث فيه قبح ولا حرمة بل باق على حسنه ووجوبه فان القطع بالحسن أو القبح ليس من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح والوجوب والحرمة كالعناوين الثانوية الطارية للافعال مثل عنوان إنجاء المؤمن الطاري للكذب أو الإيقاع في المهلكة الطاري للصدق ونحوهما.

(وفيه) ان القطع بالخلاف وان لم يحدث بسببه حسن أو قبح ولا وجوب أو حرمة واقعا الّذي كان للفعل بعنوانه الأولى ولكن يحدث بسببه الحسن أو القبح الّذي هو للفعل بعنوانه الثانوي وهو عنوان الانقياد أو التجري الطاري له (وان شئت قلت) يحدث بسببه الحسن أو القبح الصدوري أي يجعل صدوره من القاطع حسنا أو قبيحا وان لم يكن نفس الفعل حسنا أو قبيحا واقعا (ومن هنا يظهر) ان القطع بالحسن أو القبح وان لم يكن بنفسه من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن أو القبح ولكنه سبب لطرو عنوان للفعل هو من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن أو القبح وهو عنوان الانقياد أو التجري (فماء القراح)

١٤

بسبب القطع بكونه خمرا وان لم يحدث فيه القبح والحرمة الموجودين في الخمر الواقعي ليكون شربه معصية من المعاصي الشرعية ولكن يحدث فيه عنوان التجري وهو عنوان قبيح عقلا (وهكذا إذا قطع) بكونه دواء نافعا فلا يحدث فيه الحسن والوجوب الموجودين في الدواء النافع ليكون شربه واجبا من الواجبات الشرعية ولكن يحدث فيه عنوان الانقياد وهو عنوان حسن عقلا (وعليه) فلا مانع عن الالتزام بكون الثواب والعقاب على نفس الفعل المتجري به أو المنقاد به لكن لا بعنوانه الأولى بل بعنوانه الثانوي الطاري عليه بسبب القطع بحرمته أو بوجوبه وهو عنوان التجري أو الانقياد الموجبين لاستحقاق العقاب والثواب عقلا.

(قوله هذا مع ان الفعل المتجري به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا ... إلخ)

هذا هو الدليل الثاني الّذي أقامه على عدم كون العقاب والثواب على الفعل المتجري به أو المنقاد به (وحاصله) ان الفعل المتجري به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا فان هذا العنوان غير ملتفت إليه غالبا فان من يشرب الماء باعتقاد انه خمر يقصده ويشربه بعنوانه الأولى الاستقلالي أي بعنوان انه خمر لا بعنوانه الطاري الآلي أي بعنوان انه مقطوع الخمرية فإذا لم يكن هذا العنوان اختياريا ملتفتا إليه غالبا فلا يعقل أن يكون هو من جهات الحسن أو القبح عقلا ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا.

(وفيه) ان العنوان الطاري كعنوان إنجاء المؤمن أو الإلقاء في المهلكة ونحوهما إذا كان غير ملتفت إليه وان لم يعقل ان يكون من جهات الحسن أو القبح الصدوري فان الحسن أو القبح الصدوري كما تقدم في بحث الاجتماع في الأمر العاشر تابع لما علم من الجهات فالجهة المجهولة مما لا تعقل ان تجعل صدور الفعل حسنا مقربا أو قبيحا مبعدا ما لم يعلم بها وان كان الحسن والقبح الواقعيان غير مربوطين بالجهل والعلم وهكذا لا يعقل ان يكون العنوان الغير الملتفت إليه من

١٥

مناطات الوجوب والحرمة أي المنجزين فان الحكم المنجز فرع العلم والالتفات قطعا (ولكن هذا كله) في غير صفة القطع بالوجوب أو الحرمة فان صفة القطع بأحدهما بنفسها التفات إليه فيصح أن تكون هي من جهات الحسن أو القبح الصدوري من دون لزوم التفات إلى هذا الالتفات كما لا يخفى.

(قوله ان قلت إذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع ... إلخ)

أي ان قلت إذا لم يكن الفعل بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب اختياريا فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع يعني المخطئ وهل العقاب عليها الا عقابا على ما ليس بالاختيار (وقد أجاب عن الإشكال) بان العقاب في التجري انما هو على قصد العصيان والعزم على الطغيان لا على الفعل الغير الاختياري وقد أشرنا آنفا انه سيأتي من المصنف تصريح بكون العقاب على قصد العصيان والعزم على الطغيان فهذا هو تصريحه به وتنصيصه عليه.

(وفيه) ان المتجري بعد ما انكشف له الخلاف كما يعرف انه لم يأت بمعصية واقعا بل تخيل انه قد عصى فكذلك يعرف انه لم يقصد المعصية واقعا بل تخيل انه قصد المعصية فإذا اعتقد مثلا ان الماء الخارجي خمر وقصد شربه وشربه فبعد ما انكشف له انه لم يكن خمرا واقعا كما يعرف انه لم يشرب الخمر فكذلك يعرف انه لم يقصد الخمر بل قصد الخمر التخيلي وهو الماء الواقعي (وعليه) فإذا لم يكن هناك معصية ولا قصد المعصية بل قصد ما تخيل انه معصية فلا وجه للالتزام بكون العقاب على قصد العصيان والعزم على الطغيان لعدم تحققهما واقعا.

(قوله ان قلت ان القصد والعزم انما يكون من مبادئ الاختيار وهي ليست باختيارية وإلّا لتسلسل ... إلخ)

أي ان قلت ان القصد والعزم انما يكون من مقدمات اختيار الفعل وهي كما تقدم تفصيلها في الطلب والإرادة عبارة (عن خطور) الشيء في النّفس (ثم الميل)

١٦

وهيجان الرغبة إليه (ثم الجزم) وهو التصديق بفائدته وبدفع ما يوجب التوقف عنه (ثم العزم) والقصد أي الشوق الأكيد المسمى بالإرادة المستتبع لحركة العضلات نحو الفعل ولاختياره خارجا ومن المعلوم ان مقدمات الاختيار غير اختيارية فان اختيارية الأفعال تكون بها فلو كانت هي اختيارية أيضا لكانت بمقدمات أخرى فيتسلسل وقد تقدم نظير ذلك في التعبدي والتوصلي أيضا (فقال) المصنف هناك فان الفعل وان كان بالإرادة اختياريا إلّا ان إرادته حيث لا تكون بإرادة أخرى وإلا لتسلسلت ليست باختيارية (انتهى) فجعل الكلام هناك في نفس الإرادة وجعله في المقام في مجموع مبادئ اختيار الفعل التي منها الإرادة (وعلى كل حال) إذا كانت مقدمات الاختيار الأربع ومنها القصد غير اختيارية لم يصح العقاب على القصد والعزم عقلا.

(وقد أجاب المصنف) عن الإشكال بأمرين :

(الأول) ما أشار إليه بقوله قلت مضافا إلى ان الاختيار ... إلخ (وحاصله) ان الاختيار وان لم يكن بالاختيار إلّا ان بعض مباديه وهي المقدمة الثالثة أي الجزم والتصديق بفائدة الفعل وبدفع ما يوجب التوقف عنه غالبا يكون بالاختيار فإن خطور الشيء في النّفس وهكذا الميل وهيجان الرغبة إليه وان كان أمرا قهريا خارجا عن تحت الاختيار ولكن الجزم أمر اختياري لجواز التأمل فيما يترتب على الفعل والتدبر في عواقبه وتبعاته من العقوبات. والمؤاخذات فيصرف النّفس عنه ويمنع ذلك عن وصول الميل وهيجان الرغبة إلى مرتبة الجزم والتصديق بالفائدة ثم الشوق الأكيد المستتبع لحركة العضلات نحو الفعل.

(الثاني) ما أشار إليه بقوله يمكن أن يقال إن حسن المؤاخذة ... إلخ (وحاصله) ان استحقاق العقاب هو من البعد والبعد من التجري أي من قصد المعصية والتجري من سوء سريرته وخبث باطنه وهما ذاتيان والذاتي لا يعلل كما تقدم في الطلب والإرادة فان الذاتي ضرورية الثبوت للذات ليس مجعولا له تعالى

١٧

لا بالجعل البسيط ولا بالجعل التأليفي كي يقال انه لم جعله هكذا ولم يجعله هكذا فان الخبيث خبيث بنفسه والطيب طيب بنفسه وانما أوجدهما الله تعالى بالجعل البسيط فوجد الذاتي بالتبع.

(أقول)

ويرد على مجموع الجوابين من وجوه ثلاثة.

(الأول) ان قوله قدس‌سره قلت مضافا إلى ان الاختيار وان لم يكن بالاختيار ... إلخ غير مطابق لما أفيد في الإشكال فان الّذي أفيد في الإشكال ان مبادئ الاختيار غير اختيارية والّذي أفاده في الجواب ان نفس الاختيار لا يكون بالاختيار فلا يطابق بعضهما بعضا.

(الثاني) ان المقصود من قوله ان الاختيار وان لم يكن بالاختيار ... إلخ (إن كان) ان الاختيار لا يكون باختيار آخر وهكذا ليتسلسل نظير ما تقدم منه في شأن الإرادة في التعبدي والتوصلي كما أشير آنفا فهذا حق لا ننكره ولكن لا ينافي ذلك اختيارية الاختيار فانه اختياري باختيارية بعض مقدماته لا باختيار آخر ليتسلسل (وان كان) المقصود ان الاختيار ليس بأمر اختياري فهذا ممنوع جدا سيما مع اعتراف المصنف هنا بان بعض مباديه غالبا يكون بالاختيار فان الّذي يتوقف على مقدمات عديدة إذا كانت مقدمة واحدة منها اختيارية كان صدور ذي المقدمة اختياريا قهرا فان النتيجة تتبع أخس المقدمات كما لا يخفى.

(الثالث) انه أنهى أمر العقاب بالأخرة إلى سوء السريرة وخبث الباطن كما انه أنهاه في الطلب والإرادة إلى الشقاوة الذاتيّة وهو مما لا يكاد يجدي فان الذاتي وان كان ضرورية الثبوت للذات غير مجعول له تعالى لا بالجعل البسيط ولا بالجعل التأليفي كي يقع السؤال بلم ولكنه مجعول له تعالى تبعا فإذا استند العقاب بالأخرة إلى جعله تعالى ولو تبعا لزم الجبر قهرا (والصحيح) ان يقال ان العقاب مطلقا سواء كان في المعصية أو في التجري انما هو على الفعل الصادر بالإرادة

١٨

والإرادة اختيارية باختيارية بعض مقدماتها كما تقدم شرح ذلك بنحو أبسط في الطلب والإرادة (وعليه) فلا جبر ولا ظلم ولا اضطرار (واما تأثير) الشقاوة والسعادة في إرادة الطاعة والمعصية وان كان حقا لا ننكره إلّا انه لا يكون بنحو العلية التامة كي يلزم الجبر بل بنحو الاقتضاء كما تقدم فلا جبر.

(قوله كما كان من تبعته بالعصيان ... إلخ)

أي كما كان حسن المؤاخذة والعقوبة من تبعة بعده بالعصيان في صورة المصادفة أي مصادفة قطعه مع الواقع.

(قوله فكما انه يوجب البعد عنه كذلك لا غرو ... إلخ)

أي فكما ان التجري يوجب البعد عنه فكذلك لا عجب في ان يوجب استحقاق العقوبة أي مع الواسطة وهي البعد فالتجري يوجب البعد والبعد يوجب استحقاق العقوبة فلا تغفل.

(قوله وان لم يكن باختياره إلّا انه بسوء سريرته وخبث باطنه ... إلخ)

أي وان لم يكن التجري الموجب للبعد الباعث لاستحقاق العقوبة باختياره بل بسوء سريرته وخبث باطنه.

(قوله ولا يخفى ان في الآيات والروايات شهادة على صحة ما حكم به الوجدان ... إلخ)

وتفصيل الآيات والروايات هكذا (قال الشيخ أعلى الله مقامه) في الرسائل واما لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية فالمصرح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه وان كان يظهر من اخبار أخر العقاب على القصد أيضا (مثل) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نية الكافر شر من عمله (وقوله) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انما يحشر الناس على نياتهم (وما ورد) من تعليل خلود أهل النار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية والطاعة لو خلدوا في الدنيا (وما ورد) من انه إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل

١٩

والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه (وما ورد) في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام كغارس الخمر والماشي لسعاية مؤمن (وفحوى) ما دل على ان الرضا بفعل كالفعل مثل قوله عليه‌السلام الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى الداخل إثمان إثم الرضا وإثم الدخول (ويؤيده) قوله تعالى ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (وما ورد) من رضي بفعل فقد لزمه وان لم يفعل (وما ورد) في تفسير قوله تعالى فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين من ان نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخرهم عن القاتلين بكثير لرضاهم بفعلهم (ويؤيده) أيضا قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا (وقوله تعالى) ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم انتهى.

(فيقول المصنف) إن في الآيات والروايات المذكورة شهادة ودلالة على صحة ما حكم به الوجدان من صحة مؤاخذة المتجري كما تقدم في المقام الأول وانها على قصد العصيان والعزم على الطغيان كما تقدم في المقام الثاني.

(أقول)

لا إشكال في ان الآيات والروايات مما تشهد بثبوت العقاب على قصد المعصية ولكنك قد عرفت منا انه في التجري بإتيان ما قطع كونه حراما ثم انكشف انه لم يكن حراما كما لا معصية واقعا فكذلك لا قصد للمعصية واقعا وانما قصد ما تخيل انه معصية وعليه فالاستشهاد بالآيات والروايات للمقام مشكل جدا.

(قوله ومعه لا حاجة إلى ما استدل على استحقاق المتجري للعقاب إلى آخره)

أي معه لا حاجة إلى الدليل العقلي الّذي نقله الشيخ أعلى الله مقامه (قال) وقد يقرر دلالة العقل على ذلك بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بان قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا وقطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما

٢٠