التفسير الوسيط للقرآن الكريم - ج ١

الدكتور محمد سيد طنطاوي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم - ج ١

المؤلف:

الدكتور محمد سيد طنطاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
ISBN: 977-14-0523-3
الصفحات: ٦٧١

١
٢

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٢٧)

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدّمة

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا هو ، وحده لا شريك له ، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله رحمة للعالمين ، وأنزل عليه كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، أولئك هم المفلحون.

وبعد : فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على قلب نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ولينقذهم من الكفر والظلم والفجور. (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (١).

وقد أنزل الله ـ تعالى ـ هذا القرآن على قلب نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لمقاصد عالية ، وحكم سامية ، وأغراض شريفة ...

من أهمها أن يكون هذا القرآن هداية للإنس وللجن في كل زمان ومكان إلى الصراط المستقيم ، وإلى السعادة التي تصبو إليها النفوس ، وتتطلع إليها الأفئدة والقلوب ...

وقد أودع ـ تعالى ـ في هذا الكتاب من العقائد السليمة ، والعبادات القويمة ، والأحكام الجليلة ، والآداب الفاضلة ، والعظات البليغة ، والتوجيهات الحكيمة ... ما به قوام الملة الكاملة ، والأمة الفاضلة ، والجماعة الراشدة ، والفرد السليم في عقيدته وسلوكه وفي كل شئونه.

فكان هذا الكتاب أفضل الكتب السماوية ، وأوفاها بحاجة البشرية ، وأجمعها للخير ، وأبقاها على الدهر ، وأعمها وأتمها وأصحها في هدايته الناس إلى ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.

__________________

(١) سورة إبراهيم : الآية ١.

٥

قال ـ تعالى ـ : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (١).

وقال تعالى : (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٢).

وقال ـ تعالى ـ (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ، فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) (٣).

كذلك من أهم المقاصد التي من أجلها أنزل الله تعالى على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا القرآن ، أن يكون هذا القرآن معجزة ناطقة في فم الدنيا بصدقه فيما يبلغه عن ربه.

ولقد جاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الناس فدعاهم إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق ، وقال لهم : معجزتي الدالة على صدقى هذا القرآن ، فإن كنتم في شك من ذلك فأتوا بمثله فعجزوا ، فأرخى لهم العنان وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا ، فزاد في إرخاء العنان لهم ـ وهم أرباب البلاغة والبيان ـ وتحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله ، فأخرسوا وانقلبوا صاغرين. فثبت أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.

قال الله تعالى ـ : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (٤).

كذلك من أهم المقاصد التي من أجلها أنزل الله هذا القرآن على قلب نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتقرب الناس به إلى خالقهم عن طريق تلاوته ، وحفظه ، وتدبره ، والعمل بتشريعاته وآدابه وتوجيهاته ...

ولقد تكلم الإمام القرطبي بإسهاب في مقدمة تفسيره عن فضائل القرآن ، والترغيب فيه ، وفضل طالبه ، وقارئه ، ومستمعه ، والعامل به ، وكيفية تلاوته ... فقال ما ملخصه :

اعلم أن هذا الباب واسع كبير. ألف فيه العلماء كتبا كثيرة ، نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله ، وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه ، وعملوا به. فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين. كلام من ليس كمثله شيء ....

__________________

(١) سورة الإسراء. الآية ٩.

(٢) سورة المائدة : الآيتان ١٥ ، ١٦.

(٣) سورة الجن : الآيتان ١ ، ٢.

(٤) سورة البقرة : الآيتان ٢٣ ، ٢٤.

٦

ومن الآثار التي جاءت في هذا الباب ما أخرجه الترمذي عن أبى سعيد قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول الله تعالى : «من شغله القرآن وذكرى عن مسألتى ، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ..».

وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن هذا القرآن مأدبة الله ، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ...».

وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ، وروى مسلّم عن أبى موسى الأشعرى قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة (١) ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر».

وروى مسلّم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه ـ أى يقرؤه بصعوبة ـ وهو عليه شاق له أجران».

وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله بكل حرف حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف» (٢).

هذا جانب من الأحاديث الشريفة التي أوردها القرطبي ، وهو يتحدث عن فضائل القرآن ، والترغيب فيه ... إلخ.

ولقد حذر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أمته تحذيرا شديدا من نسيان القرآن ، فقد روى الشيخان عن أبى موسى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تعاهدوا القرآن ؛ فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا ـ أى : تفلتا ـ من الإبل في عقلها».

وروى الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها».

هذه أهم المقاصد والحكم التي من أجلها أنزل الله ـ تعالى ـ القرآن على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن

__________________

(١) الأترجة : ثمرة حلوة الطعم ، طيبة الرائحة ، جميلة اللون ، تشبه التفاحة.

(٢) تفسير القرطبي : ح ١ ص ٤ وما بعدها.

٧

يكون هداية للناس ، وأن يكون معجزة خالدة باقية شاهدة بصدق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فيما يبلغه عن ربه ، وأن يتقرب الناس بقراءته والعمل به إلى خالقهم ـ عزوجل ـ ولقد تكفل الله ـ تعالى ـ بحفظ هذا القرآن ، وصانه من التحريف والتبديل ، والتغيير والمعارضة. قال ـ تعالى ـ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (١).

وكان من مظاهر عنايته ـ سبحانه ـ بكتابه ، أن جعله محفوظا في كل العصور بالتواتر الصادق القاطع ، يرويه الخلف عن السلف بالكيفية المروية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن وفق له في كل عصر حفاظا متقنين جمعوه في صدورهم ، وعمروا به ليلهم ونهارهم ...

وأن قيض له رجالا قضوا معظم أيام حياتهم في خدمته ودراسة علومه ، فمنهم من كتب في إعجازه وبلاغته ، ومنهم من كتب في قصصه وأخباره ، ومنهم من كتب في أسباب نزوله ، ومنهم من كتب في قراءته ورسمه ، ومنهم من كتب في محكمه ومتشابهه ، ومنهم من كتب في ناسخه ومنسوخه ، ومنهم من كتب في مكية ومدنية ، ومنهم من كتب في غريب ألفاظه ..... إلى غير ذلك من ألوان علومه.

وكثير منهم كتبوا في تفسيره. وتوضيح معانيه ومقاصده وألفاظه ، وذلك لأن سعادة الأفراد والأمم لا تتأتى إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن وتوجيهاته ، وهذا الاسترشاد لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان ، لما تدل عليه ألفاظ القرآن. وهو ما يسمى بعلم التفسير.

فتفسير القرآن هو المفتاح الذي يكشف عن تلك الهدايات السامية ، والتوجيهات النافعة ، والعظات الشافية والكنوز الثمينة التي احتواها هذا الكتاب الكريم.

وبدون تفسير القرآن ، تفسيرا علميا سليما مستنيرا لا يمكن الوصول إلى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات وتوجيهات ، مهما قرأه القارئون وردد ألفاظه المرددون.

قال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره ، كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلا ، وليس عندهم مصباح ، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب. ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب» (٢).

ولقد أفاض الامام ابن كثير في بيان هذا المعنى «وفي بيان أحسن طرق التفسير فقال : «فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله ، وتفسير ذلك ، وطلبه من مظانه ، وتعلم ذلك وتعليمه ....

فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب : إن أصح الطريق في ذلك أن يفسر

__________________

(١) سورة الحجر. الآية ٩.

(٢) تفسير القرطبي ح ١ ص ٢٦.

٨

القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له .... وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه» ، يعنى السنة ...

والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه ، فإن لم تجده فمن السنة .... فإن لم تجده فمن أقوال الصحابة ، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالخلفاء الراشدين ، والأئمة المهتدين المهديين ... قال عبد الله بن مسعود : والذي لا إله غيره ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت. ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته». وقال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».

وقال أبو عبد الرحمن السلمى : «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» ....

فإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر ، وسعيد ابن جبير. وعكرمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبى رباح ، والحسن البصري وغيرهم» (١).

هذا ، وأنت إذا سرحت طرفك في المكتبة الإسلامية ترى العشرات من كتب التفسير ، منها القديم والحديث ، وترى منها الكبير والوسيط والوجيز ، وترى منها ما يغلب عليه طابع التفسير بالمأثور ، وترى ما يغلب عليه طابع التفسير بالرأى ، وترى منها ما تغلب عليه الصبغة الفقهية ، أو البلاغية ، أو الفلسفية ، أو الصوفية ، أو العلمية ، أو الاجتماعية ، أو الطائفية .... أو غير ذلك من الاتجاهات والميول التي تختلف باختلاف أفكار الكاتبين وثقافتهم ومذهبهم ...

وترى منها المحرر أو شبه المحرر من الخرافات ، والأقوال السقيمة ، والقصص الباطلة ... كما ترى منها ما هو محشو بذلك.

ولقد انتفعت كثيرا بما كتبه الكاتبون عن كتاب الله ـ تعالى ـ ، وها أنذا ـ أخى القارئ ـ أقدم لك تفسيرا وسيطا لسورتى الفاتحة والبقرة ، وقد بذلت فيه أقصى جهدي ليكون تفسيرا علميا محققا ، محررا من الأقوال الضعيفة ، والشبه الباطلة ، والمعاني السقيمة ..

__________________

(١) تفسير ابن كثير ح ١ ص ٤ وما بعدها ـ بتصرف وتلخيص ـ

٩

وستلاحظ خلال قراءتك له أننى كثيرا ما أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويا مناسبا ثم أبين المراد منها ـ إذا كان الأمر يقتضى ذلك ـ.

ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات ـ إذا وجد وكان مقبولا ـ

ثم أذكر المعنى الإجمالى للآية أو الجملة ، عارضا (١) ما اشتملت عليه من وجوه البلاغه والبيان ، والعظات والآداب والأحكام ... ، مدعما ذلك بما يؤيد المعنى من آيات أخرى ، ومن الأحاديث النبوية ، ومن أقوال السلف الصالح.

وقد تجنبت التوسع في وجوه الإعراب ، واكتفيت بالرأى أو الآراء الراجحة إذا تعددت الأقوال ...

وذلك لأننى توخيت فيما كتبت إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات جامعة ، وأحكام سامية ، وتشريعات جليلة ، وآداب فاضلة ، وعظات بليغة ، وأخبار صادقة ، وتوجيهات نافعة ، وأساليب بليغة ، وألفاظ فصيحة ...

والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وبهجة أفئدتنا ، وأن يعيننا ويوفقنا لإتمام ما بدأناه من خدمة كتابه ، وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه ، ونافعة لعباده.

وصلّى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلّم.

كتبه الراجي عفو ربه

محمد سيد طنطاوى

شيخ الأزهر

__________________

(١) عرض الشيء : أظهره وأبرزه. المعجم الوسيط ح ٢ ص ٥٩٣.

١٠

سورة الفاتحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)(٧)

سورة الفاتحة هي السورة الوحيدة التي أمر الإسلام أتباعه أن يقرءوها في كل صلاة. وفي جميع الركعات ، وفي كل الأوقات ، ولهذا أصبح حفظها ميسورا لكل مؤمن.

وهذه السورة على صغر حجمها ، وقلة آياتها ، قد اشتملت بوجه إجمالى على مقاصد الدين من توحيد ، وتعبد ، وأحكام ، ووعد ووعيد.

ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسيرها بالتفصيل ، أن نمهد لذلك بالكلام عما يأتى : أولا : متى نزلت سورة الفاتحة؟

للإجابة على هذا السؤال نقول : إن الرأى الراجح بين المحققين من العلماء أنها نزلت بمكة ، بل هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة.

وقيل : إنها مدنية. وقيل : إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة.

قال القرطبي : الأول أصح لقوله ـ تعالى ـ في سورة الحجر : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا خلاف في أن فرض الصلاة كان بمكة ، وما حفظ أنه لم يكن في الإسلام قط صلاة بغير (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) «يدل على ذلك قوله

١١

صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء» (١).

ثانيا : عدد آياتها : وهي سبع آيات لقوله ـ تعالى ـ : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ). قال العلماء : السبع المثاني هي الفاتحة.

وقال ابن كثير : هي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد : هي ثماني آيات لأنه جعل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) آية. وقال حسين الجعفي : هي ست آيات وهذان القولان شاذان» (٢).

ثالثا : اسماؤها : لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها :

١ ـ «الفاتحة أو فاتحة الكتاب ، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا. وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا ، وتفتتح بها الصلوات ، وإن لم تكن هي أول ما نزل من القرآن. وقد اشتهرت بهذا الاسم في أيام النبوة.

وقد أصبح هذا الاسم علما بالغلبة لتلك الطائفة من الآيات التي مبدؤها (الْحَمْدُ لِلَّهِ) .. ونهايتها .. (وَلَا الضَّالِّينَ).

٢ ـ «أم القرآن أو الكتاب» وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد التي ذكرت فيه تفصيلا ، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله ، والتعبد بأمره ونهيه ، وبيان وعده ووعيده ، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية ، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم ، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء.

قال ابن جرير : «والعرب تسمى كل أمر جامع أمّا ، وكل مقدم له توابع تتبعه «أما» فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ : «أم الرأس». وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها «أما» (٣).

٣ ـ «السبع المثاني» جمع مثنى كفعلى اسم مكان. أو مثنى ـ بالتشديد ـ من التثنية على غير قياس. وسميت بذلك لأنها سبع آيات في الصلاة ، أى تكرر فيها ؛ أخرج الإمام أحمد ، عن أبى هريرة ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم» (٤).

٤ ـ وتسمى ـ أيضا ـ سورة «الحمد». ٥ ـ و «الكنز». ٦ ـ و «الواقية».

__________________

(١) تفسير القرطبي. ج ١ ص ١١٥ طبعة دار الكاتب العربي.

(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٨ طبعه عيسى الحلبي.

(٣) تفسير ابن جرير ج ١ ص ١٠٧ طبعة دار المعارف.

(٤) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٩.

١٢

٧ ـ و «الشفاء» ، لحديث. هي الشفاء من كل داء.

٨ ـ و «الكافية» لأنها تكفى عن سواها ولا يكفى سواها عنها.

٩ ـ و «الأساس». ١٠ ـ و «الرقية».

هذا ، وقد ذكر القرطبي للفاتحة اثنى عشر اسما ، كما ذكر السيوطي لها في كتابه «الإتقان» خمسة وعشرين اسما.

رابعا : فضلها : ورد في فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة منها :

ما رواه البخاري في صحيحه عن أبى سعيد بن المعلى ـ رضي الله عنه ـ قال : كنت أصلى في المسجد ، فدعاني النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم أجبه فقلت : يا رسول الله ، إنى كنت أصلّى. فقال : ألم يقل الله : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ).

ثم قال لي : «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد». ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج ، قلت : يا رسول الله. ألم تقل : لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (١).

وروى مسلّم والنسائي ، عن ابن عباس ، قال :

بينما جبريل قاعد عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمع نقيضا من فوقه ـ أى : صوتا ـ فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فسلّم وقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما ، ولم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» (٢).

وروى مسلّم عن أبى هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :

«من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) : غير تمام» فقيل لأبى هريرة : إنا نكون وراء الإمام؟ فقال : اقرأ بها في نفسك ؛ فإنى سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : قال الله ـ تعالى ـ : «قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين ، ولعبدي ما سأل» ، فإذا قال العبد : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ). قال الله : حمدنى عبدى ، وإذا قال : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). قال الله تعالى : أثنى على عبدى. وإذا قال : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال الله : مجدنى عبدى. فإذا قال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). قال الله : هذا بيني وبين عبدى ولعبدي ما سأل. فإذا قال :

__________________

(١) صحيح البخاري. كتاب التفسير. باب ما جاء في فاتحة الكتاب ج ٦ ص ٢١.

(٢) أخرجه مسلّم في كتاب : صلاة المسافرين وقصرها ج ٢ ص ١٩٨.

١٣

(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). قال الله : «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (١).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده ، عن عبد الله بن جابر ، أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن؟ قلت : بلى يا رسول الله. قال : اقرأ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) حتى تختمها (٢).

تلك هي بعض الأحاديث التي وردت في فضل هذه السورة الكريمة.

وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلّم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، استجابة لقوله ـ تعالى ـ (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٣).

ومعنى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» : ألتجئ إلى الله وأتحصن به ، واستجير بجنابه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياى.

قال ابن كثير : «والشيطان في لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء. وهو مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع الشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير. وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار. والأول أصح إذ عليه يدل كلام العرب ، فهم : يقولون تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشيطان ، ولو كان من شاط. لقالوا : تشيط ، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح» (٤).

والرجيم : فعيل بمعنى مفعول أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير ، وقيل : رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك.

قال بعض العلماء : «وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد أمر بها على وجه العموم في جميع الشئون ، لأن القرآن مصدر الهداية والشيطان مصدر الضلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص ، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يقرأ ، وفيما يفيد من قراءته ، وفيما يقصد بها ، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته ، فعلمنا الله أن نتقي ذلك كله بهذه الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صدق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله ، وقوة عزيمته في طرد الوساوس والشكوك ، واستقبال الهداية بقلب طاهر ،

__________________

(١) أخرجه مسلّم في كتاب الصلاة ج ٢ ص ٩.

(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٠.

(٣) سورة النحل الآية ٩٨.

(٤) تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٤.

١٤

وعقل واع ، وإيمان ثابت» (١).

قال القرطبي : وقد أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه ، وهو قول القارئ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢).

والآن وبعد هذا التمهيد الموجز الذي تكلمنا فيه عن نزول سورة الفاتحة ، وعن عدد آياتها ، وعن أشهر أسمائها ، وعن بعض الأحاديث التي وردت في فضلها نحب أن نبدأ في تفسير السورة الكريمة فنقول ـ وبالله التوفيق ـ :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الاسم : اللفظ الذي يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون في اشتقاقه على وجهين ، فقال البصريون : هو مشتق من السمو ، وهو العلو والرفعة ، فقيل : اسم ، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.

وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة وهي العلامة ، لأن الاسم علامة لمن وضع له ، فأصل اسم على هذا «وسم».

ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح ، لأنه يقال في تصغير «اسم» سمى ، وفي جمعه أسماء ، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم ـ كما قال الكوفيون ـ لقيل في جمعه : أوسام ، وفي تصغيره وسيم.

ولفظ الجلالة وهو «الله» علم على ذات الخالق ـ عزوجل ـ تفرد به ـ سبحانه ـ ولا يطلق على غيره ، ولا يشاركه فيه أحد.

قال القرطبي : قوله «الله» هذا الاسم أكبر أسمائه ـ سبحانه ـ وأجمعها حتى قال بعض العلماء : إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ، ولذلك لم يثن ولم يجمع : فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية ، المنعوت بنعوت الربوبية ، المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو ـ سبحانه ـ (٣).

و (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة في أصل اللغة : رقة في القلب تقتضي الإحسان ، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفا لله ـ تعالى ـ ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان. وفسرها آخرون بالإحسان نفسه.

__________________

(١) تفسير القرآن الكريم ص ١٦ لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمود شلتوت.

(٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٨٦.

(٣) تفسير القرطبي ج ١ ص ١٠٢.

١٥

والموافق لمذهب السلف أن يقال : هي صفة قائمة بذاته ـ تعالى ـ لا نعرف حقيقتها ، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان.

وقد كثرت أقوال المفسرين في العلاقة بين هاتين الصفتين ، فبعضهم يرى أن (الرَّحْمنِ) هو المنعم على جميع الخلق. وأن (الرَّحِيمِ) هو المنعم على المؤمنين خاصة. ويرى آخرون أن (الرَّحْمنِ) هو المنعم بجلائل النعم ، وأن (الرَّحِيمِ) هو المنعم بدقائقها.

ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثاني منهما تأكيد للأول. والذي يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد ، بل روعي في كل منهما معنى لم يراع في الآخر ، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة ، لأن صيغته فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل : العظيم الرحمة الدائمة (١).

أو أن (الرَّحْمنِ) صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة والإحسان. و (الرَّحِيمِ) صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.

ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأن في أسماء الذات. قال ـ تعالى ـ : (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) و (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ، (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) ، وهكذا ...

أما لفظ الرحيم فقد كثر في القرآن استعماله وصفا فعليا ، وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال ـ تعالى ـ (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) ـ (وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) ، (إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) إلخ.

قال بعض العلماء «وهذا الرأى في نظرنا هو أقوى الآراء ، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه ، كما أنه ليس مستساغا أن يقال في القرآن : إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها» (٢).

والجار والمجرور «بسم» متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.

والمعنى : ابتدئ قراءتي متبركا ومتيمنا باسم الله الذي هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، والذي رحمته وسعت كل شيء ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون ، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.

__________________

(١) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين. مجلة لواء الإسلام العدد الأول من السنة الأولى ص ٨.

(٢) تفسير القرآن العظيم ص ٢٤ لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت.

١٦

هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل في قوله ـ تعالى ـ (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).

ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة ، أو هي آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة إلخ.

فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة ، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه ، ولذا لم يكتبوا «آمين». فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.

وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى ، وأحمد في أحد قوليه.

ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وقالوا : إنها آية فذة (١). من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها ، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة ، لما اختلف الناس في ذلك ، ولما اضطربت أقوالهم في كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.

وكما وقع الخلاف بين العلماء في كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة ، فقد وقع الخلاف بينهم ـ أيضا ـ في وجوب قراءتها في الصلاة ، وفي الجهر بها أو الإسرار إذا قرئت.

وتحقيق القول في ذلك مرجعه إلى كتب الفقه ، وإلى كتب التفسير التي عنيت بتفسير آيات الأحكام.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(الْحَمْدُ) هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.

(رَبِّ الْعالَمِينَ) أى : مالكهم ، إذ الرب مصدر «ربه يربه» إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئا فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ ولا يطلق على غيره إلا مقيدا فيقال : رب الدار ، ورب الضيعة أى : صاحبها ومالكها.

والعالمين : جمع عالم ، وهو كل موجود سوى الله ـ تعالى ـ

قال القرطبي : «وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده» وقيل : المراد بالعالمين أولو العلم من الإنس والجن والملائكة.

__________________

(١) فذة : مفردة مستقلة.

١٧

وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) لأنه سبحانه أول كل شيء وآخر كل شيء ، ولكي يعلمنا ـ سبحانه ـ أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه ، حتى نبدأ ونحن في صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها ، وتجلو عن القلوب أصداءها.

والمعنى ـ كما قال ابن جرير ـ «الشكر خالصا لله ـ جل ثناؤه ـ دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذاهم به من نعيم العيش ، عن غير استحقاق لهم عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا (١).

فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذي لا يحد لله ـ تعالى ـ وإنه ليس لأحد أن ينازعه إياه ـ سبحانه ـ هو رب العالمين.

وجملة (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مفيدة لقصر الحمد عليه ـ سبحانه ـ نحو قولهم : «الكرم في العرب». كما أن أل في «الحمد» للاستغراق. أى : أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.

وإنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة على الله ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شيء ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، فهو في الحقيقة حمد لله ، لأنه ـ سبحانه ـ هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه.

ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال : احمدوا الله ، وإنما افتتحت بصيغة الخبر (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، لأن الأمر يقتضى التكليف : والتكليف قد تنفر منه النفوس أحيانا ، فأراد ـ سبحانه ـ وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها ، أن يؤنس نفوسهم ، ويؤلف قلوبهم ، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر ، ترفقا بهم ، حتى يديموا الإصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة في ابتداء السورة الكريمة بقوله ـ تعالى ـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، دون قوله ـ تعالى ـ : المدح لله ، أو : الشكر لله. فقال :

اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد.

__________________

(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ١٣٥ طبعة دار المعارف.

١٨

وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام. سواء أكان ذلك الإنعام وأصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك ، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر.

إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل : المدح لله ، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله «الحمد لله» تصريحا بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة ... وإنما لم يقل : الشكر لله ، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال «الحمد لله» ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه ـ سبحانه ـ أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت (١).

وقد أجرى ـ سبحانه ـ على لفظ الجلالة نعت الربوبية للعالمين ، ليكون كالاستدلال على استحقاقه ـ تعالى ـ للحمد وحده ، وفي ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم ، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم ، أما إذا كان موجها ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم ، وفي تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.

فكأنه ـ سبحانه ـ يقول لهم : اجعلوا حمدكم وثناءكم لي وحدي. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذي تعهدتكم برعايتي وعنايتي وتربيتي منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.

وقد أتبع ـ سبحانه ـ هذا الوصف وهو (رَبِّ الْعالَمِينَ) ، بوصف آخر هو (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لحكم سامية من أبرزها : أن وصفه ـ تعالى ـ (رَبِّ الْعالَمِينَ) أى : مالكهم ، قد يثير في النفوس شيئا من الخوف أو الرهبة ، فإن المربى قد يكون خشنا جبارا متعنتا ، وذلك مما يخدش من جميل التربية ، وينقص من فضل التعهد.

لذا قرن ـ سبحانه ـ كونه مربيا ، بكونه الرحمن الرحيم ، لينفى بذلك هذا الاحتمال ، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه ، فهم برحمته يوجدون ، وبرحمته يتصرفون ويرزقون ، وبرحمته يبعثون ويسألون.

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ج ٤ ص ٣ طبعة المطبعة الشرقية سنة ١٣٣٤ ه‍.

١٩

ولا شك أن في هذا الإفهام تحريضا لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة ، ونفوس مبتهجة ، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإحسان ، لا على الجبروت والطغيان ، فالراحمون يرحمهم الرحمن.

(مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)

بعد أن بين ـ سبحانه ـ لعباده موجبات حمده ، وأنه الجدير وحده بالحمد ، لأنه المربى الرحيم ، والمنعم الكريم ، أتبع ذلك ببيان أنه ـ سبحانه ـ (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).

والمالك وصف من الملك ـ بكسر الميم ـ بمعنى حيازة الشيء مع القدرة على التصرف فيه. واليوم في العرف : ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها ، وليس هذا مرادا هنا ، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.

والدين : الجزاء والحساب ، يقال : دنته بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه ، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى : كما تفعل تجازى ، وفي الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) أى : حاسب نفسه : والمعنى : أنه ـ تعالى ـ يتصرف في أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب ، تصرف المالك فيما يملك ، كما قال ـ تعالى ـ (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).

وهناك قراءة أخرى للآية وهي ملك يوم الدين من الملك ـ بضم الميم ـ وعليها يكون المعنى : أنه ـ تعالى ـ هو المدبر لأمور يوم الدين ، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم ، فكل شيء في ذلك اليوم يجرى بأمره ، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه ، كما قال ـ تعالى ـ (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ).

قال الإمام ابن كثير : «وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين ، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئا ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ، كما قال ـ تعالى ـ (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا. لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً).

والملك في الحقيقة هو الله ، قال ـ تعالى ـ (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ) وفي الصحيحين عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «يقبض الله الأرض ، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون ، أين المتكبرون» ثم قال : وأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال ـ تعالى ـ (إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً) (١).

__________________

(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢٥.

٢٠