الوحي ودلالاته في القرآن الكريم والفكر الإسلامي

الدكتور ستار جبر حمّود الأعرجي

الوحي ودلالاته في القرآن الكريم والفكر الإسلامي

المؤلف:

الدكتور ستار جبر حمّود الأعرجي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN: 2-7451-3133-8
الصفحات: ٢٨٨

١

٢

تقديم الكتاب

عرفت السيد ستار الأعرجي ، تلميذا ، ذكيا ، ملتزما ، منضبطا ، في تلقّيه ، وفهمه ، وهضمه ، ثم خبرته في تفكيره ، وتنظيمه ، واجتهاده ، فسعدت بالجهد الذي بذلناه معا والنتائج التي حققها هو ، رعاه الله وأخذ بيده إلى مستقبله الباسم بإذن الله.

وكتاب الوحي الذي أعنته قليلا في قطع فجاجه ، وتتبّع شجونه يعدّ في سعته وشموله ، بحثا جديدا على الدارسين والقارئين ، ويقدم أجزل الفائدة ، وأقوى الربط بين الماضي السّحيق ، وما تبعه من التّطور في الفكر الديني الإنساني حتّى اكتمل مفهوم الوحي في كتابه واتّضح من بدئه إلى صورته الأخيرة متنقّلا بين الأديان والفرق والمذاهب.

إن نشر هذا الكتاب مدعاة إلى سروري ، ودعوة إلى الإفادة منه في مجاله في العالم العربي والإسلامي ، وكلي أمل في أن ينال القبول من الباحثين وطالبي الثقافة والتعمّق في مثل هذه الشجون.

أخذ الله بأيدينا جميعا إلى ما فيه الخير.

الدكتور

كامل مصطفى الشيبي

٣

المقدمة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

والصّلاة والسّلام على أشرف الخلق أجمعين نبيّنا محمّد وآله وصحبه الأطهار المنتجبين.

وبعد ، فقد وضعت نصب عينيّ في أغلب مراحل حياتي التي صرت أدرك فيها المعاني والمفاهيم ، أن أجد لنفسي مكانا في قافلة النور ، قافلة العلم والمعرفة ، وأن أهتدي ما استطعت بهدي روّادها ، وكنت دائما أحسّ في نفسي رغبة عارمة في الاغتراف من معين العلم ريّا لا ينضب ، وكان ذلك دافعا يهوّن عليّ المصاعب في هذا الطّريق.

وقد شكّل قبولي في كليّة الفقه ـ الملغاة ـ حافزا جديدا مضافا يدفعني إلى استكمال أبعاد الصورة التي أريد لنفسي أن أكون في إطارها ، متمثلة في السّير في هذا الطريق ، والجهاد في أن يكون لي دور مفيد في رحلتي العلميّة.

واحتلّت المعارف والعلوم التي كنت أدرّسها في هذه الكلية أهميّة كبرى عندي ، إذ حاولت أن ألمّ بأكثرها وأستفيد منها لأستكمل تحقيق أمل قديم راودني دائما منذ عرفت ما في الدراسة العالية من نوافذ يطلّ منها الإنسان على العلوم مزوّدا بقدرات وإمكانيات أكثر رسوخا وأقوى عدة واستعدادا ، فكان القبول في الدراسات العليا نافذة أخرى أطللت منها على تصوّرات جديدة ، ومفاهيم لها عمقها ، وفتحت لي طرقا أخرى لأنهل من معين المعرفة ولأتعلّم كيف أكون باحثا بعد أن خضت الأشواط السابقة قارئا مكتفيا بالاطّلاع على ما يدور ويستجدّ من حقائق علمية.

ولقد عاهدت نفسي أن أحاول الإفادة القصوى من مدة هذه الدراسة تمهيدا للخروج بنتيجة تمثّل فائدة جديدة أقدّمها ـ قدر استطاعتي ـ لي ولغيري ، ودار في ذهني الكثير من المواضيع والعناوين التي كنت أفكّر في الكتابة عن أحدها ، وكم خشيت أن تقف حدود الكليّة وتعليماتها في درب رغبتي في موضوع يمكنني من

٤

خلاله أن آتي بشيء جديد ، أو على الأقلّ ، أن أجلو منه جوانب كانت خفية أو لم تنل حقّها من البحث.

وكانت حقائق الدراسات ، والعلوم النفسية ، والروحية الجديدة ، وخصوصا علم الظواهر النفسية الخارقة (الباراسيكلوجي) تشدّني إليها بقوة وتجعلني قارئا نهما أحاول بكلّ جهدي أن لا يفوتني من حقائقها ودراساتها ونتائجها شيء دون أن أطّلع عليه.

ولأنّ هذا العلم وظواهره ينتمي إلى العلوم النفسية الفلسفية كما يرتبط من بعض زواياه بالعلوم الطبيعية البحتة ، فقد كانت رغبتي في الاستزادة منه ، ومحاولة البحث فيه تصطدم بحدود الاختصاص التي تحدّدها العلوم التي تدرّس في الكلية ، وكنت أتمنى بشدّة ، وقبل أن يفوتني الوقت المحدّد لتقديم عناوين الرسائل أن أستطيع اختيار موضوع يتّصل بعلم (الباراسيكلوجي) ويتيح لي الفرصة ، إن لم تكن للاختصاص فيه فعلى الأقل لاستشفاف ما يربطه بالدراسات الإسلامية ، واستخلاص الموارد التي قدّمت الكثير من نماذج الظّواهر التي يدرسها أو قامت بتحليل ما يشبه تلك الظواهر والقدرات ، والإدراكات النفسية التي ترتبط بها.

والحقيقة أنّه لم يكن لديّ أدنى أمل في أن يسمح لي بالكتابة في مثل هذا الموضوع لأسباب عديدة أهمّها ، بالإضافة إلى مسألة الاختصاص في دراسات الكلية ، إنّ هذا العلم في محيط الدراسات العربية لم يزل وليدا يخطو خطواته الأولى رغم أنه في المحيط العام في الدراسات العالمية قد خطا خطوات واسعة لم نكن ندري عنه أكثر مما نسمعه أحيانا من أخبار لبعض الظواهر الغريبة التي تقع ضمن مجال دراسته.

ولقد وفّقني الله تعالى بأعظم ما تمنيت ، إذ وجدت أستاذي الفاضل الدكتور كامل مصطفى الشيبي يوجّهني للتفكير في الكتابة عن الوحي ، وكم كانت فرحتي عظيمة ، وأنا أجد الفرصة التي طالما تمنّيتها تتمثّل أمامي حقيقة حين تمّت الموافقة في الكلية على بحث هذا الموضوع لنيل درجة الماجستير.

والحقّ أنّني في هذا البحث لم أقدّم موضوعا في (الباراسيكلوجي) ، ولم يتضمّن من مباحث هذا العلم شيئا ، إلّا أنّ شكل الارتباط بين هذا العلم وموضوع بحثي تمثّل في توافر ظاهرة الوحي على العديد من العناصر التي يقوم هذا العلم

٥

بدراستها وتشبه بعض ظواهره ما في الوحي من مصاديق وأشكال ، رغم خصوصيّتها وتميزها بالإطار القدسيّ الإلهيّ الذي يتجلّى في المعادلة الثلاثية للوحي المكونة من الموحي (الله تعالى) والموحى إليه (البشر ، النبي) والواسطة (الملك) أو بعض الصور الأخرى التي انتفت فيها الواسطة.

وأهم عناصر ظاهرة الوحي التي تلتقي معها ظواهر علم (الباراسيكلوجي) الإلقاء الخفيّ وإيصال المعرفة دون سلوك الطرق المحسوسة الماديّة وهي مظاهر مشابهة لما يقوم هذا العلم بمحاولات في التفسير للوصول إلى ماهيّته وأشكاله.

وهذه المظاهر بالذات اتّخذها العديد من الباحثين والمفسّرين المحدثين أدلة ومنافذ في إثبات ظاهرة الوحي ، وإنّها تضمنت اتصالا خفيا خارجيا بين النبي والموحي إليه ولم تكن ظاهرة داخلية تمثل معارفها انعكاسا لحالة النبي النفسية الداخلية كما لم تكن نتيجة لتشنجات وحالات عصبية كالصرع والهستيريا وغيرها كما حاول بعض المستشرقين تصويرها.

فالوحي الإلهي في حقيقته ، قدّم صورة جلية من الاتصال الخارق غير المنظور بين ذاتين من عالمين مختلفين ، سمت فيه النفس النبوية الإنسانية إلى الاتصال بالملإ الأعلى والتلقّي منه ، فكانت ظاهرة إعجازية قدمت نماذج من الاتصال الخفيّ عن غير المتلقي له.

وتجلّت عظمتها في خصوصية معارفها التي كان أعظم ما فيها أنّ كمّا هائلا من المعارف يلقى في لحظة خاطفة لا يكاد يكون للزمن فيها تقدير أو وجود ، وإنّما هو انتقال للمعرفة من ذات إلى ذات بحيث لا يمكن إطلاقا تصوّر مدى للمقارنة مع العلوم والمعارف المكتسبة بالطرق النظرية الاستدلالية والكسبية.

وإني لأرجو أن تكون هذه الرسالة مقدمة للدخول إلى آفاق العلوم الروحية والنفسية والدراسات الإسلامية فيها وخصوصا ظواهر (الباراسيكلوجي) التي تقدّم دليلا قاطعا لا مجال للشّك أو الاحتمالية فيه لإثبات المفاهيم والعقائد الإسلامية (القرآنية) في عالم الرّوح والنفس الإنسانية وقواها ، وإدراكاتها وملكاتها المتميّزة.

ويطيب لي من خلال هذه الرسالة أن أقدّم دعوة مخلصة إلى كلّ من يحمل العلم ، ويشفعه بعقيدته الإسلامية ، أن يلتفت إلى هذا العلم الذي ينطلق بخطى هائلة ليحتلّ مكانته المتميزة بين جميع العلوم ، وقد بلغت فيه بعض المراكز العلمية

٦

في الشّرق والغرب مستويات متقدمة جدا ، وتوصلت في أبحاثها ودراساتها النظرية والتطبيقية إلى حقائق مذهلة تجعلنا أمام مسئولية خطيرة يمثّل التهاون في تحمّلها والتأخر عن القيام بما تمليه تقصيرا بحقّ تراثنا العلمي الإسلاميّ الخالد وريادته في الإشارة والبحث لمثل هذه الظواهر ، إذ وردت الكثير من التحليلات العلمية الدقيقة لتلك الظواهر ، وتمثّل ذلك خصوصا في الفكر الصوفيّ والفلسفيّ والكلاميّ الذي بحث في النّفس وقواها وإدراكاتها وصلتها بعالم الغيب ، كما مثّلت الكرامات مجالا للخوض في بعض العناصر الفكرية المرتبطة بهذه الظواهر ، وفي كل ذلك مجال يستحقّ البحث ألفت إليه أنظار الباحثين وإن كنت أتمنى أن أوفّق شخصيا لدراسته.

وسيلاحظ الأساتذة الكرام أنّ البحث في رسالتي هذه قد انقسم إلى هذه المقدمة وخمسة فصول ، وخاتمة استقصيت فيها أهمّ نتائج البحث.

كان الفصل الأول إطلالة على الوحي في اللغات والأديان وعند الأمم والحضارات القديمة وصولا إلى العرب قبل الإسلام ، وختامه بالفهم الإسلاميّ للوحي من خلال تحديد المفسرين له ، واستقصاء عناصره في هذه الاتجاهات المختلفة.

أما الفصول الأربعة الأخرى فتناولت فيها الوحي في إطاره الإسلاميّ في جانبين ، الجانب الأول الوحي في القرآن الكريم ، وخصّصت له الفصلين الثاني والثالث ، والجانب الثاني ، وهو الوحي في الفكر الإسلاميّ خصّصت له الفصلين الرابع والخامس.

ففي الفصل الثاني تناولت الوحي من حيث مصدره واستقصيت في ذلك ما يرد في القرآن الكريم من نسبة الوحي إلى كونه يصدر من عدّة مصادر خصّصت لكلّ منها مبحثا مستقلا.

وفي الفصل الثالث تناولت (الوحي من حيث متلقّيه) استقصيت فيه الموارد المتعددة التي وردت الإشارات في القرآن الكريم بأن الوحي ألقي إليها كالوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عموما والوحي المحمديّ والوحي إلى الموجودات الأخرى ، وخصّصت لكلّ من هذه الموارد مبحثا مستقلا تناولت فيه العناصر المميزة لكلّ نوع منها وصورة وأشكاله ومبادئه العامة.

وبحثت في الفصل الرابع الوحي عند الصوفية وما أضفوه عليه من مفاهيم ، متميزة وخصوصية في فهمهم للمعرفة ، وتفردهم في ذلك بين سائر اتجاهات الفكر الإسلامي ، كما بحثت فيه العناصر التي تنتمي إلى الوحي مما أضفاه الصوفية على

٧

بعض أشكال المعرفة الخاصة عندهم وطرق تحصيلها ، فكان هذا الفصل في مبحثين اختصّ الأول في العلم الظاهر (علم الأنبياء) وهو يمثّل بحث الصوفية في الوحي بمعناه الخاصّ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، واختصّ المبحث الثاني بالبحث في ظواهر المعرفة الصوفية وكان تحت عنوان العلم الباطن (علم الأولياء).

وكان الفصل الخامس والأخير خاصّا بالبحث في الوحي عند المتكلّمين والفلاسفة إذ خصّصت لكلّ منهما مبحثا.

ففي المبحث الأول تناولت الوحي عند المتكلّمين ، والموارد التي بحثوا الوحي من خلالها وفهمهم لصور الوحي وكيفيته وأهمّ أشكاله ، وعرّجت على أهمّ الصور التي ذهبت بعض الاتجاهات الكلامية إلى القول بصلتها بالوحي من حيث توافرها على بعض عناصره الخاصة المتميزة.

أما المبحث الثاني فيتناول الوحي عند الفلاسفة بفهمهم الخاصّ وما قدّموه من خلاله من تحديدات وكيفيات للوحي لم يسبق أن عرفتها الاتجاهات الإسلامية الأخرى فحاولوا فيها جاهدين الرّبط بين فهمهم للوحي ، والفهم الإسلامي القرآني منطلقين في ذلك من هدفهم في التوفيق بين علوم الوحي والعقل ، وبالتالي بين الفلسفة والدين. فكان أن انقسم هذا المبحث إلى ثلاثة أقسام في خصائص النفس المتلقية للوحي (الغيب) ، والوحي وكيفيته ، والرؤيا التي احتلّت أهمية خاصة في التحديد الفلسفيّ لعناصر الوحي وكيفيّاته.

وختمت البحث بخاتمة أوردت فيها ما استشففته من نتائج وما تبيّن لي من مفاهيم مختلفة تمخّضت عنها الاتجاهات المختلفة التي تناولتها الرسالة بالبحث.

وختاما فإني أرجو أن أكون وفّقت في أن آتي بجديد أو مفيد ، وأن أكون جلوت ما لم يكن قد أخذ حقّه من البحث ، وأن أكون في كلّ ذلك قد أخلصت النّيّة وسموت بالنّفس عن الأهواء ، وتجرّدت عن كلّ ما لا يليق بالباحث الموضوعيّ.

وأدعوا الله العليّ القدير أن يوفّقني إلى الاستمرار في مسيرة العلم لما يعود بالنّفع والفلاح وأداء الواجب تجاه ديننا الحنيف والله من وراء القصد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

المؤلف

٨

الفصل الأول

إطلالة على الوحي في

اللغات والأديان وعند الأمم والحضارات القديمة

أولا : الوحي في اللغة العربية والاستعمال القرآني

أ ـ اللغة العربية : الوحي لفظة عربية أصيلة ، فلم أجد من بين ما اطّلعت عليه من معاجم العربية من يشير إلى عكس هذا. والفعل منه : وحى يحي فمصدره وحيا إذا كتب وأوحى يوحي فمصدره إيحاء.

والأول أكثر استعمالا في العربية فيقال : وحى في الحجر إذا كتب فيه وحيا ، ووحى الكتاب إذا كتبه (١). ووحيت الكتاب أحيه وحيا أي كتبته فهو موحى (٢).

ووحيت الكتاب وحيا فأنا موح وواح (٣).

ومنه الرواية عن علقمة بن قيس النّخعي أبو شبل الكوفي (ت ٧٢ ه‍ / ٦٩١ م) قال : قلت : (قرأت القرآن في سنتين) فقال الحارث بن عبد الله الأعور (ت ٦٥ ه‍ / ٦٨٤ م) : (القرآن هيّن ، الوحي أشدّ منه) أراد بالقرآن القراءة ، وبالوحي الكتابة والخط (٣).

وقال الكسائي : علي بن حمزة (ت ١٨٩ ه‍ / ٨٠٥ م) : وحى إليه بالكلام يحي به وحيا ، وأوحى إليه وهو : أن يكلمه بكلام يخفيه عن غيره (٥).

__________________

(١) ابن دريد : أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي البصري (ت ٣٢١ ه‍ / ٩٣٣ م). جمهرة اللغة. (٢ / ٣٨٢) دار صادر. بيروت (د. ت).

(٢) الأزهري : أبو منصور محمد بن أحمد (ت ٣٧٠ ه‍ / ٩٨٠ م) ، تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٦) ، باب اللفيف من حرف الحاء ، تحقيق عبد الله درويش. الدار المصرية للتأليف والترجمة (١٣٨٤ ه‍ / ١٩٦٤ م).

(٣ ـ ٤) ابن منظور : أبو الفضل جمال الدين (ت ٧١١ ه‍ / ١٣١١ م). لسان العرب (١٥٠ / ٣٨٠) دار صادر ـ بيروت (د. ت).

(٥) الأزهري : تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٦).

٩

وعن أبي عبيد : وحيت إليه بالشيء وحيا ، وأوحيت وهو أن يكلمه بكلام يفهمه عنه ويخفى على غيره ، وكذلك لحنت له لحنا (١).

وإلى هذا المعنى أشار السيد المرتضى علي بن الحسين (ت ٤٣٦ ه‍ / ١٠٤٥ م) حيث قال : الوحي في اللغة : إنما هو ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير أن يفصح به (٢).

وميّز ابن دريد في هذا المعنى بين ما كان من الله عزوجل فهو إلهام ، وما كان من الناس فهو إيماء (٣).

وقال ابن فارس أبو الحسين أحمد (ت ٣٩٥ ه‍ / ١٠٠٥ م) الوحي : الرسالة فكلّ ما ألقي إلى الغير فهو وحي (٤).

وقال ابن منظور : وحى إليه : ألهمه ، والوحي أيضا الرجل إذا كلم عبده بلا رسول (٥).

ففيما مرّ نجد أن معاني الإعلام والخفاء والإرسال كانت قاسما مشتركا بين المعاني المتعددة للوحي. وقال أبو زيد الأنصاري من أمثالهم : وحي في حجر ، يضرب مثلا لمن يكتم السر ، وقد يضرب مثلا للشيء الظاهر البيّن (٦) يقال : هو كالوحي في الحجر إذا نقر فيه نقرا. ومنه قول زهير بن أبي سلمى (ت نحو ٦٢٧ م) :

كالوحي في الحجر المسيل المخلد

ويشير قدامة بن جعفر أبو الفرج البغدادي (ت ٣٣٧ ه‍ نحو ٩٤٨ م) إلى معنى الإعلام في خفاء ، فالوحي كما يراه ما كان الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على أيّ معنى وقعت إيماء أو رسالة أو إشارة أو مكاتبة (٧).

__________________

(١) ابن سيده : علي بن إسماعيل النحوي الأندلسي (ت ٤٥٨ ه‍ / ١٠٦٦ م) المخصص (٤ / ٣) المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر.

(٢) الأمالي : غرر الفوائد ودرر القلائد (٢ / ٢٠٥) تحقيق أبو الفضل إبراهيم ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ط ٢ ـ (١٣٨٧ ه‍ / ١٩٦٧ م).

(٣) جمهرة اللغة (٢ / ١٩٨).

(٤) مقاييس اللغة (٦ / ٩٣) تحقيق محمد عبد السلام هارون ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ط ١ (١٣٧١ ه‍ / ١٩٥١ م).

(٥) لسان العرب (١٥ / ٣٨٠).

(٦) الأزهري : تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٨).

(٧) نقد النثر : (ص ٦٣) دار الكتب العلمية ـ بيروت (١٩٨٢).

١٠

وأبرز الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن أحمد (ت ٥٦٥ ه‍ / ٩٦٩ م) معنى الكلام بالرمز في صلته بالوحي ، فأمر وحي : هو ما يكون بالكلام على سبيل الرمز والتّعريض (١).

والوحي أيضا الإشارة ، قال أبو الهيثم : وحيت إلى فلان أحي إليه وحيا ، وأوحيت إليه أوحي إيحاء : إذا أشرت إليه. وربط الفراء أبو زكريا يحيى الديلمي (ت ٢٠٧ ه‍ / ٨٢٢ م) الإيحاء بالإيماء ، فالعرب تقول أوحى ووحى وأومى وومى ، وأومى وومى بمعنى واحد ، ووحى يحيى وومى يمي ، لذا فسر قوله تعالى : (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم : ١١] أنه : أشار إليهم (٢). وأيّد أبو عبيد ذلك فيما نقله عنه ابن دريد (٣).

وجعل الراغب الأصفهاني (ت ٥٦٥ ه‍ / ١١٦٩ م) الإشارة السريعة أصل الوحي (٤). ويوضح قدامة بن جعفر هذا المعنى كثيرا حين يعد الإشارة بمعانيها المختلفة من الوحي فيقول : إن من الوحي الإشارة باليد ، والغمز بالحاجب ، والإيماض بالعين ، قال الشاعر :

وتوحي إليه باللّحاظ سلامها

مخافة واش حاضر ورقيب (٥)

وقال ابن منظور : وحى إليه وأوحى : أومأ ، قال الشاعر :

فأوحت إلينا والأنامل رسلها

كما أنه أكّد ذلك حين جعل الإشارة مما يشتمل عليه الوحي من معان ، فالوحي : الإشارة ، والكتابة ، والرسالة ، والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك (٦).

والوحي والوحاة : الصوت ، يقال : سمعت وحاه : أي صوته (٧) قال ابن الأعرابي أبو عبد الله محمد بن زياد الكوفي (ت ٢٣٠ ه‍ ٨٤٤ م) : الوحي : صوت الطائر (٨).

__________________

(١) المفردات في غريب القرآن : (ص ٥١٥) تحقيق محمد سيد كيلاني ، المكتبة المرتضوية ـ طهران (د. ت).

(٢) انظر تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٧).

(٣) جمهرة اللغة (٢ / ١٩٨).

(٤) المفردات (ص ٥١٥).

(٥) نقد النثر : (ص ٦٤).

(٦) لسان العرب (١٥ / ٢٩٧).

(٧) تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٨).

(٨) انظر الزبيدي : محب الدين أبي الفيض محمد مرتضى ت ١٧٩٠ م ، تاج العروس من جواهر القاموس (١٠ : ٣٨٦) دار صادر ـ بيروت.

١١

وقيل : الوحاة صوت الرعد ، قال النضر : سمعت وحاة الرعد وهو صوته الممدود الخفي. قال : والرعد يحي وحاة (١).

ووحى القوم وحيا وأوحوا : صاحوا.

والإيحاء : البكاء ، يقال : فلان يوحي أباه أي يبكيه ، والنائحة توحي الميت : تنوح عليه (٢) قال الشاعر :

توحي أباها بحال وهو متكئ

على سنان كأنف النسر مفتوق

والوحي : السرعة ، والعرب تقول : الوحاء الوحاء والوحا الوحا ممدود ومقصور ويقال توحّ في شأنك أي أسرع (٢) وتوحّى : أسرع والوحي على فعيل : السريع. ومنه قول أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ : الوحا الوحا أي : السرعة السرعة (٤).

وهو (الوحي) الإشارة السريعة ولتضمنه معنى السرعة قيل : أمر وحي (٥) ، وفي الحديث الشريف : «إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان شرا فانته ، وإن كان خيرا فتوحّه» أي أسرع إليه ، والهاء للسكت (٦). وربما أدخلوا الكاف مع الألف فقالوا : الوحاك الوحاك.

وروى سلمة عن الفراء قال : العرب تقول النجاء النجاء ـ بفتح النون وكسرها ـ والنجا النجا والنجاءك النجاءك والنجاك النجاك (٧).

وقد أخذ لفظ الوحي شيئا فشيئا يختصّ بما يلقى في النفس من الله تعالى ، يشير ابن دريد إلى هذا فيقول : الوحي من الله إلهام ، ومن الناس إيماء (٨). ويوضح ابن الأنباري أبو البركات عبد الرحمن (٥٧٧ ه‍ / ١١٨١ م) سبب التسمية بالوحي في هذا المعنى فيقول : سمّي وحيا لأن الملك أسرّه (٩).

وزاده الراغب توضيحا فقال : الوحي : الكلمة الإلهية تلقى إلى أنبيائه وأوليائه ، يقال وحي (١٠).

__________________

(١) المصدر السابق (١٠ / ٣٨٥).

(٢) تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٨).

(٤) انظر ابن منظور : لسان العرب (١٥ / ٣٨٠).

(٥) الراغب : المفردات (ص ٥١٥).

(٦) الزبيدي : تاج العروس (١٠ / ٣٨٥).

(٧) انظر الأزهري : تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٨).

(٨) جمهرة اللغة (٢ / ١٩٨).

(٩) لسان العرب (١٥ / ٣٨٠).

(١٠) المفردات (ص ٥١٥).

١٢

والوحي : النار. قال المبرد أبو العباس محمد بن يزيد (ت ٢٨٥ ه‍ / ٨٩٨ م) : قلت لابن الأعرابي ما الوحي؟ فقال : الملك. فقلت : ولم سمّي الملك وحيا؟ قال : الوحي : النار فكأنه مثل النار ينفع ويضر (١). ووحى وأوحى إذا ظلم في سلطانه (٢). واستوحيته : استفهمته. واستوحيت الكلب : إذا دعوته لترسله (٣).

والوحى كالفتى : السيد الكبير من الرجال ، قال الشاعر :

وعلمت أني إن علقت بحبله

نشبت يداي إلى وحى لم يصقع

يريد : لم يذهب عن المكارم ، مشتق من الصقع (٤).

وأوحى الإنسان إذا صار ملكا بعد فقر (٥). والوحي مفرد جمعه وحيّ (٦). قال لبيد بن ربيعة (ت نحو ٦٦١ م) :

فمدافع الريان عرّي رسمها

خلقا كما ضمن الوحيّ سلامها

وتجدر الإشارة هنا إلى فعلي الوحي : وحى وأوحى ، فالكسائي يرى أن : وحى وأوحى بمعنى (٧) واحد ، وتابعه الفراء فقال : أوحى ووحى وأومى وومى بمعنى واحد (٧). وأيّد أبو عبيد ذلك فيما نقله عنه ابن دريد (٩). وخالف في ذلك الشيخ الطبرسي (ت ٥٤٨ ه‍ / ١١٥٣ م) ففرق بين الفعلين وحى وأوحى من وجهين (١٠) :

الأول : أن أوحى بمعنى : جعلها على صفة ، ووحى بمعنى جعل فيها الصفة لأن أفعل أصله التعدية.

الثاني : ما قيل إنهما لغتان.

وبالجملة فمعاني الوحي تشتمل على أنه بمعنى : الكتابة ، الإشارة ، الصوت ، السرعة ، الإعلام في خفاء ، البكاء ، الدعوة للإرسال ، الخطاب بلا رسول ، صوت الرعد ... إلخ. وتجتمع هذه المعاني على أن القاسم المشترك بينها هو الإخبار بصورة من الصور.

__________________

(١) انظر التهذيب (٥ / ٢٩٨).

(٢) لسان العرب (١٥ / ٣٨١).

(٣) التهذيب (٥ / ٢٩٨).

(٤) انظر تاج العروس (١٠ / ٣٨٥).

(٥) التهذيب (٥ / ٢٩٨).

(٦) ـ التهذيب (٥ / ٢٩٦).

(٧) التهذيب (٥ / ٢٩٨).

(٩) جمهرة اللغة (٢ / ١٩٨).

(١٠) مجمع البيان في تفسير القرآن (٧ / ٢٦٣) تحقيق : هاشم الرسولي المحلاتي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان ١٣٧٩ ه‍.

١٣

أ ـ أصل الوحي في العربية

: إن هذا التعدد والسعة فيما يحمله الوحي من معان يجرّنا إلى البحث في أصله في اللغة العربية ، فقد اختلف فيه أهل اللغة ، قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة (ت ١٨٩ ه‍ / ٨٠٥ م) فيما نقله عن ابن منظور (١) : أصل الوحي هو أن تكلمه بكلام تخفيه عن غيره. وتابعه الزجاج إبراهيم بن السري (ت ٣١١ ه‍ / ٩٢٣ م) في ذلك فقرّر أن أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء ، ومن هنا صار الإلهام وحيا (٢).

ويؤيّد ابن فارس ذلك فيقول : الوحي : كل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه (٣). ونقل ابن سيده عن أبي عبيدة مثل ذلك (٤).

وقال ابن دريد : أصل الوحي : الكتابة في الحجر (٥).

ونحى الراغب نحوا آخر فقال : أصل الوحي الإشارة السريعة ، فأمر وحي قد يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب ، أو بإشارة ببعض الجوارح ، أو بالكتابة (٦).

وقد أجمل الشيخ مصطفى عبد الرازق البحث حول أصل الوحي في اللغة في أربعة آراء (٧) :

أولها : أن أصل الوحي في اللغة كلها إسرار وإعلام في خفاء ، وهو رأي الزجاج ومن تبعه عليه.

ثانيها : أن اشتقاق الوحي بمعنى الإلهام من الوحي بمعنى السرعة ، لأن الوحي يجيء بسرعة ويتلقى بسرعة ، وهو رأي الراغب الأصفهاني ، وأيده ابن خلدون والقاضي عياض.

ثالثها : أن أصل المادة السرعة والخفاء معا ، فالوحي : الإعلام السريع الخفي ، وأيّده ابن قيم الجوزية وأبو البقاء في (الكليّات).

رابعها : أن أصل المادة هو إلقاء الشيء إلى الغير ... وهو رأي الطبري.

__________________

(١) لسان العرب (١٥ / ٣٨٠).

(٢) تهذيب اللغة (٥ / ٢٩٦).

(٣) مقاييس اللغة (٦ / ٩٣).

(٤) المخصص (٤ / ٣).

(٥) جمهرة اللغة (١ / ١٧٢).

(٦) الراغب : المفردات (ص ٥١٥).

(٧) الدين والوحي والإسلام (ص ٤٦) ، دار إحياء الكتب العربية ـ مصر (١٣٦٤ ه‍ / ١٩٤٥ م).

١٤

وباقتصاره على هذه الآراء فقط فإن الشيخ مصطفى عبد الرزاق قد أهمل رأيا مختلفا عنها يحمل العديد من عناصر الوحي المهمة وهو رأي ابن دريد في جمهرة اللغة ، إذ قال : إن أصل الوحي : الكتابة في الحجر ، ولعله فعل ذلك لبعده عن المقام الذي يدور عنه البحث.

ب ـ الوحي في الاستعمال القرآني

: كان للقرآن الكريم ـ كما لا يخفى ـ الفضل الكبير في إثراء اللغة العربية والتوسع بها إلى آفاق جديدة في التعبير والتصوير والابتكار لمعان ومفاهيم جديدة لم تكن البيئة العربية قد شهدتها من قبل ، ومادة الوحي من الألفاظ التي أشرق عليها القرآن الكريم بأبعاد جديدة إضافة إلى ما جلاه من معانيها التي كانت متداولة عند الناطقين بها فكان لهذه الإشراقة أن رفلت العربية بأبعاد روحية سمت بها إلى معان شريفة راقية في التعبير.

فقد استوعب القرآن الكريم جميع التصريفات اللغوية لمادة الوحي وعبّر عن أغلبها بمعانيها المتداولة ، وصبّها جميعا في قوالب جديدة ترابطت فيها المعاني المتعددة ، أو انفصلت عن بعضها بعضا ، كما ورد ذلك في آيات متعددة ستكون مدارا للبحث فيما سيأتي ، فلما كان الإلقاء إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بواسطة جبريل أو قذفا في الروع أو رؤيا مما خفي على غيره صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد عبّر سبحانه عن ذلك بالوحي (١) ، وهي معان لم يكن بعضها معروفا في العربية.

ويرجع ابن الأنباري سبب التسمية بالوحي فيما كان إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أن الملك أسرّه عن الخلق ، وخصّ به النبي المبعوث إليه (٢). ومن ثمّ أخذ لفظ الوحي يختص بالكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه (٣) ، وليكون شاملا لضروب متعددة عبرت عنها الآية (٥١) من سورة الشورى في قوله تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) [الشورى : ٥١] للإحاطة بها ، إذ تبيّن أنواع التكليم الإلهي للبشر.

كما أن القرآن الكريم استخدم ألفاظا أخرى للتعبير عن المعنى نفسه في

__________________

(١) الراغب : المفردات (ص ٥١٥).

(٢) انظر الزبيدي : تاج العروس (١٠ / ٣٨٥).

(٣) المفردات : (ص ٥١٥).

١٥

الوحي والكلام الإلهي ، سواء تضمّن ذلك معنى الخفاء في الإعلام ـ وهو أصل مهم للوحي ـ أو إشارة إليه من طرف خفي ، فكما قال تعالى في الوحي : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ ..) [النساء : ١٦٣]. وقال في الإلهام : (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) [الشمس : ٧ ـ ٨]. وقال في الإنباء : (قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) [التحريم ٣]. وعبّر عن ذلك أيضا ب : القصّ قال تعالى : (يَقُصُّ الْحَقَ) [الأنعام : ٥٧]. وأشار إليه أيضا بالتكليم قال تعالى : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) [النساء : ١٦٤]. وعبّر عنه كذلك ب (القول) قال تعالى : (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) [طه : ١١٧] ، وقوله تعالى : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) [التكوير : ١٩].

وبيانا لمعنى التّسخير والإلهام الغريزي أو الفطرة استعمل لفظ الوحي فقال تعالى : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النحل : ٦٨] ، وقال : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) [الزلزلة : ٤ ـ ٥].

كما ضمّن معنى الوسوسة والتغرير لفظ الوحي فقال تعالى : (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) [الأنعام : ١١٢].

وهكذا نجد أن الأبعاد اللغوية للوحي اتّسقت وتلبّست بما أضفاه القرآن الكريم عليها من مدارك جديدة فصار الوحي يتناول (١) :

١ ـ الإلهام الفطري للإنسان كما في قوله تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى) [القصص : ٧] ، وقوله تعالى : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) [المائدة : ١١١].

٢ ـ الإلهام الغريزي : (التّسخير) أو التقدير أو النطق ـ لمن جعله حيا بالنسبة للسماء والأرض ـ.

٣ ـ الإلهام الإلهي للأنبياء ، فهو خاص بإبلاغهم تعاليم السماء.

وبعودتنا إلى مادة الوحي لاستقصاء استعمالها في القرآن الكريم فيما يختص بأنواع وضروب الوحي والتي عبرت عنها آية الشورى السابقة قوله تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ

__________________

(١) انظر د. شحاتة (عبد الله محمود) القرآن والتفسير (ص ٩) الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة (١٣٩٤ ه‍ / ١٩٧٤ م).

١٦

إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الشورى : ٥١] نجد (١) : أن القرآن الكريم يستعمل الاسم المصدري وحي ـ وحيا في الدلالة غالبا على النوع الأول من الوحي الوارد في الآية ، كما يستعمله أحيانا في تنزيل القرآن على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما في قوله تعالى : (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه : ١١٤] وهو من النوع الثالث من الوحي في الآية.

فاستعمال اسم الوحي مقتصر في القرآن على (ما كان إلهاما وقذفا في النفس ، أو ما كان بواسطة الملك) (١). وهو أيضا حين استخدم المصدر لم يذكر الإيحاء الذي هو مصدر الفعل أوحى وإنما استخدم المصدر وحي وهو من الفعل وحى. قال تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) [النجم : ٤]. علما أن كلمة الوحي استعملت في القرآن الكريم ست مرات فقط ، وكانت جميعها في سور مكية (٣).

لقد لاحظ الإمام الفخر الرازي محمد بن عمر (ت ٦٠٦ ه‍ / ١٢١٠ م) أن القرآن حين يستخدم الصيغة الفعلية فإنه لا يذكر صيغة (وحى) ومصدرها (وحي) بل يستخدم صيغة (أوحى) ومصدرها إيحاء (٤).

وكان فعل الوحي مسند غالبا إلى الله تعالى. وكان أكثر استخدام القرآن الكريم له بصيغة المبني للمجهول مثل قوله تعالى : (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ..) [الأنعام : ١٤٥] الآية. وقوله تعالى : (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ...) [يونس : ١٥].

كما أن استخدام القرآن الكريم للصيغة الفعلية كان في أغلبه للدلالة على نوعي الوحي الأول والثاني في آية الشورى ، مثلما استخدم في التعبير عن كلام الله المباشر لأنبيائه بلا واسطة كقوله تعالى : (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) [النجم : ١٠] ، اعتمادا على ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن ذلك الوحي كان منه تعالى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مباشرة في ليلة المعراج ، وسيمرّ بنا ذلك في مبحث الوحي المحمدي.

ومن المهم الإشارة هنا إلى ما لاحظه الشيخ مصطفى عبد الرازق أن الاستعمال

__________________

(١ ـ ٢) الدين والوحي والإسلام (ص ٥٤).

(٣) المصدر السابق (ص ٤٦).

(٤) انظر مفاتيح الغيب (٢٨ / ٢٨٢). دار الفكر للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان ـ ط ١ (١٤٠١ ه‍ / ١٩٨١ م).

١٧

الفعلي انصبّ على الجانب اللغوي بمعانيه المختلفة ، بينما اقتصر الاستعمال الاسمي على الاصطلاح (الذي يتحقق به الاتصال بين الله تعالى ، والنبي على صورة من الصور) (١).

وإذن فقد كان للقرآن الكريم دور بارز في إثراء لفظ الوحي ، والسمو به إلى مستوى التعبير عن معان جديدة لم تكن اللغة ولا البيئة العربية ولا ما يحيطها من بيئات واتجاهات فكرية أو دينية قد عرفتها بالحدود التي جاء بها القرآن الكريم وضمّنها هذا اللفظ.

وفي المباحث القادمة سيتبيّن لنا بوضوح ذلك التوسع الهائل الذي أضفاه القرآن الكريم على لفظ الوحي فجعله شاملا للتعبير عن معان ومفاهيم بعيدة الخفاء شديدة العمق تطلبت من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك الجهد الهائل في الاستعداد لهذه الظاهرة ، وما يرافقها من شدّة فرضتها خصوصيتها وخرقها لحدود عالمه الإنساني لتسمو به إلى عالم الملأ الأعلى ومستوى الاصطفاء الإلهي له لاطّلاعه على الغيب وتبليغ الرسالة. إضافة إلى ما جلاه القرآن الكريم من العناصر اللغوية نفسها.

ثانيا : الوحي ومظاهره في اللغات السامية

ترددت إشارات عديدة في بعض اللغات السامية حول الوحي يقترب بعضها من المعاني العربية المتعددة التي سبق تفصيلها في بحث الوحي في العربية.

يفيد الدكتور خالد إسماعيل المتخصص في اللغة العبرية أنه لا توجد أصول لكلمة الوحي فيها ولا في السريانية (٢). إلا أن باحثين آخرين يخالفونه في ذلك كالدكتور جواد علي الذي يرى : أن الوحي ورد صريحا في العبرية وكذلك الآرامية حيث عبر عنه بلفظ : أوحي (ص ق ش) (٣).

ولكن د. يوسف قوزي يؤيد خلو العبرية من كلمة الوحي ، ويشير إلى أن

__________________

(١) الدين والوحي والإسلام (ص ٤٦).

(٢) د. الشيبي (كامل مصطفى) الوحي عند الساميين والإسلاميين ، مجلة بين النهرين ، الموصل (١٩٨٢) العددان (٣٧ ـ ٣٨ ص ٢٩).

(٣) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام ، السيرة النبوية (ص ١٢٥) مطبعة الزعيم ـ بغداد (١٩٦٩).

١٨

العهد القديم لم يستعملها صراحة ، بل عبّر عن المعنى المتداول في العربية للوحي ب (قال الله). وقد قام اليهود المعاصرون باستخدام كلمة جديدة اقتبسوها عن الآرامية ـ وهي أم السريانية ـ هي كلمة : (هشرا) أو (هشرايا) ومعناها الدقيق : الأمل والإنزال والإسكان (١).

وهذا ما أكّده د. يوسف حبي بقوله بعدم ورود كلمة الوحي في الآرامية والسريانية وذكر أنهم عبّروا عن الوحي من الله بكلمتي : (أمر) أو (إمار) وملّل وفعل آخر أقرب إلى المعنى واللفظ العربي وهو : تنبأ (٢).

وأشار الدكتور يوسف قوزي أن السريانية لم تخل من الوحي كما رأى د. حبي بل استخدمت كلمة الوحي صريحة وهي : (گليانا) الوحي والإلهام ، وهي مشتقة من الفعل (گلا) أوحى ، ألهم ، كشف ، جلا (٣).

وقد ورد ذلك في نصين في العهد الجديد أشار إليهما. د. قوزي مترجمين عن السريانية وهما :

١ ـ إنما بإلهام الروح القدس تكلم رجال الله القديسون (٢ بطرس : ١ ، ٢١).

٢ ـ إن الكتاب كله قد أوحى به الله ، (٢ بولس : ٣ ، ١٦).

أما اللغتان الآكدية والسومرية فهما ـ كما يفيد د. فاضل عبد الواحد المتخصص بهما ـ تخلوان من كلمة الوحي ، ولكن يستعمل فيهما للتعبير عن الوحي : كلمتا (أواتو) و (أماتو) بمعنى (كلمة) وهما لا تردان أبدا بصيغة الفعل ، إذ يقال : ألقى إليه الإله كلمة ، أو أرسل إليه كلمة (٤).

ومما يؤكد استخدام هذين الفعلين أن الآشورية والبابلية استعملتا كلمة الوحي في صورة (أماتو) و (أوتو) و (أبوتو) (٤) أخذا عن الآكدية القديمة ، وواضح مدى القرب بين تلك الألفاظ في اللغتين ، وعبر بهذه الأفعال في الآشورية والبابلية عن معان متعددة مثل : الكلمة الملفوظة (المتفوه بها) ، والتعبير والقاعدة والرسالة والخبر ... إلخ.

__________________

(١) رسالة خطية موجهة إلى الدكتور كامل مصطفى الشيبي بتاريخ ١٢ / ٤ / ١٩٧٧ (إذن بالنشر).

(٢) انظر الوحي عند الساميين والإسلاميين ، مجلة بين النهرين (ص ٢٩).

(٣) في الرسالة الخطية إلى الدكتور الشيبي.

(٤) الوحي عند الساميين والإسلاميين (ص ٢٩).

١٩

ويذكر شارحو الرقم الطينية للغة الآشورية التي عثر عليها أن هذه الألفاظ لم تتجاوز الاستعمال الاسمي إلى الفعلي ، وقد تنوع استعمالها وتطوّر في الآشورية عن طريق إلحاقها بفعل يجعلها تحمل معنى جديدا مثل (١) :

١ ـ أواتا آقابيكي أشالكي ، وتعني : سنخاطبك وتسأل.

٢ ـ أماتو لقباكو ، وتعني : عندي ما أقوله لك.

٣ ـ أما آن ليبي أشتئتو شاشي ، وتعني : لقد بثثته (أي الإله مردوك) ما يكابده قلبي.

٤ ـ أما أن أبيشا أو شيّا ، وتعني : الكلمات التي تفوهت بها.

٥ ـ وقالوا في معنى الرسالة والرسول : ليت رسالتك تصلني مع أول رسول قادم.

ويخالف د. فوزي رشيد ذلك فيرى أن كلمة الوحي وردت صريحة في كل من الآكدية والسومرية (٢). ففي السومرية ترد على ألفاظ :

أ ـ «سا» بمعنى يسمي أو يعطي الاسم (مترجم حرفيا).

ب ـ بدا (خ خ آ) بمعنى المنادي أو المعطي اسما.

ج ـ على صورة گودي ، بمعنى المنادي ، ومن هنا فإن گوديا تعني النبي : أي الذي يناديه الإله.

وهنا تجدر الإشارة إلى قصة الحلم الذي رآه گوديا (٣) (١٦٠٠ ق. م) وتلقّى فيه (الإيحاء) من الإله (ننكرسو) بوصف ذلك اتصالا إلهيا مباشرا به ، وقد تفضل د. فوزي رشيد بترجمته لنص (الحلم) الذي يدور حول رؤيا كوديا حلما ولقاءه بأخته الإلهة (نانشيه) التي بينت له تعبير حلمه بأنه سيبني معبدا للإله ننكرسو (٤).

أما في الآكدية فترد على صورة : نباؤم (غ وخ دخ ه) ونابو (ودخ ه) وتعني المنادى ، وتطلق على النبي والشخص المنادى ، ومن هذا اللفظ اشتق اسم الإله نابؤم ونابوئيد ، وإن كلمة نبي كان يرى د. فوزي رشيد جاءت من هنا.

__________________

(١) المصدر السابق (ص ٣٠).

(٢) رسالته الخطية إلى د. الشيبي.

(٣) گوديا (حاكم لگش السومري ٢٦٠٠ ق. م) انظر المنجد في الأعلام (ص ٥١٩).

(٤) رسالة خطية موجهة إلى د. الشيبي تتضمن ترجمة كاملة للحلم (إذن بالنشر).

٢٠