مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٣

آية الله مكارم الشيرازي

مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٣

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-533-050-5
ISBN الدورة:
964-533-53-X

الصفحات: ٥٩١

١
٢

٣
٤

١٦

سورة النحل

محتوى السورة : من خلال ملاحظة السورة يبدو لنا أنّ بحوثها تتناول ما تتناوله الآيات المكية تارة مثل : التوحيد ، المعاد ، محاربة الشرك وعبادة الأصنام ، وتارة اخرى ما تتناوله الآيات المدنية مثل : الأحكام الاجتماعية ومسائل الجهاد والهجرة.

ويمكننا إجمال محتويات السورة المسبوكة بعناية وإحكام بما يلي :

١ ـ ذكر النعم الإلهية ، وتفصيلها بما يثير دافع الشكر عند كل ذي حس حي ، ليقترب الإنسان من خالق هذه النعم وواهبها.

ومن النعم المذكورة في السورة : نعمة المطر ، نور الشمس ، أنواع النباتات والثمار ، المواد الغذائية الاخرى ، الحيوانات الداجنة بما تقدمه من خدمات ومنافع للإنسان ، مستلزمات وسائل الحياة وحتى نعمة الولد والزوجة ، وبعبارة شاملة (أنواع الطيبات).

ولهذا أطلق البعض عليها (سورة النعم).

وعرفت بسورة النحل لورود تلك الإشارة القصيرة ذات المعاني الجليلة والعجيبة للنحل ، ضمن ما ذكر من النعم الإلهية الواسعة ، وبخصوص اعتبار النحل مصدراً لغذاء مهم من أغذية الإنسان ، وباعتبار حياة هذه الحشرة تعبير ناطق لتوحيد الله.

٢ ـ الحديث عن أدلة التوحيد ، عظمة ما خلق الخالق ، المعاد ، إنذار المشركين والمجرمين.

٥

٣ ـ تناول الأحكام الإسلامية المختلفة.

٤ ـ الحديث عن بدع المشركين مع ذكر أمثلة جميلة حيّة.

٥ ـ وأخيراً تحذير الإنسانية من وساوس الشيطان.

فضيلة تلاوة السورة : في تفسير مجمع البيان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «من قرأها لم يحاسبه الله تعالى بالنعم التي أنعمها عليه من دار الدنيا».

فقراءة الآيات بتدبّر وتفكّر مع وجود العزم على العمل والسير وفق الشكر للمنعم ، تكون سبيلاً لأن يستعمل الإنسان كل نعمة بما ينبغي عليه أن يستعمل ، فلا يحبس ولا يهمل ، ويكون من الشاكرين.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

(أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) (٢)

أتى أمر الله : ذكرنا سابقاً أنّ قسماً مهمّاً من الآيات التي جاءت في أوّل السورة هي آيات مكية نزلت حينما كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يخوض صراعاً مشتدّاً مع المشركين وعبدة الأصنام ، وما يمرّ يوم حتى يطلع أعداء الرسالة بمواجهة جديدة ضد الدعوة الإسلامية المباركة ، لأنّها تريد بناء صرح الحرية ، بل كل الحياة من جديد.

ومن جملة مواجهاتهم اليائسة قولهم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما يهددهم وينذرهم بعذاب الله : إن كان ذلك حقاً فلِم لا يحلّ العذاب والعقاب بنا إذن؟!

ولعلهم يضيفون : وحتى لو نزل العذاب فسنلتجيء إلى الأصنام لتشفع لنا عند الله في رفع العذاب ... ولِم لا يكون ذلك ، أوَ لسن شفيعات؟!

وأوّل آية من السورة تُبطل أوهام اولئك بقوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ). وإن اعتقدتم أنّ الأصنام شافعة لكم عند الله فقد أخطأتم الظن (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

وبما أنّ مستلزمات العدل الإلهي اقتضت عدم العقاب إلّابعد البيان الكافي والحجة التامة ، فقد أضاف سبحانه : (يُنَزّلُ الْمَلِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا). بناء على هذا الإنذار والتذكير (فَاتَّقُونِ).

٦

أمّا المقصود من «الروح» في الآية هو : الوحي والقرآن والنبوة ، والتي هي مصدر الحياة المعنوية للبشرية.

إنّ كلمة «الروح» في هذا الموضوع ذات جانب معنوي وإشارة إلى كل ما هو سبب لإحياء القلوب وتهذيب النفوس وهداية العقول.

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٨)

بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن نفي الشرك ، جاءت هذه الآيات لتقلع جذوره بالكامل ، وتوجّه الإنسان نحو خالقه بطريقين :

الأوّل : عن طريق الأدلة العقلية من خلال فهم ومحاولة استيعاب ما في الخلائق من نظام عجيب.

الثاني : عن طريق العاطفة ببيان نعم الله الواسعة على الإنسان ، عسى أن يتحرك فيه حس الشكر على النعم فيتقرب من خلاله إلى المنعم سبحانه.

فيقول : (خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ). وتتّضح حقانية السماوات والأرض من نظامها المحكم وخلقها المنظم وكذلك من هدف خلقها وما فيها من منافع.

ثم يضيف : (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فهل تستطيع الأصنام إيجاد ما أوجده الله؟!

بل هل تستطيع أن تخلق بعوضة صغيرة أو ذرة تراب؟!

فكيف إذن جعلوها شريكة الله سبحانه!

وبعد الإشارة إلى خلق السماوات والأرض وما فيها من أسرار لا متناهية يعرّج القرآن الكريم إلى بعض تفاصيل خلق الإنسان من الناحية التكوينية فيقول : (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ).

٧

«النطفة» : في الأصل بمعنى الماء القليل ، أو الماء الصافي ، ثم أطلقت على قطرات الماء التي تكون سبباً لوجود الإنسان بعد تلقيحها.

وحقيقة التعبير يراد به تبيان عظمة وقدرة الله عزوجل ، حيث يخلق هذا المخلوق العجيب من قطرة ماء حقيرة مع ما له من قيمة وتكريم وشرف بين باقي المخلوقات وعند الله أيضاً.

ثم يشير القرآن الكريم إلى نعمة خلق الحيوانات وما تدر من فوائد كثيرة للإنسان فيقول : (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ). فخلق الأنعام الدال على علم وقدرة الباري سبحانه ، فيها من الفوائد الكثيرة للإنسان.

ولم يكتف بذكر منافعها المادية ، بل أشار إلى المنافع النفسية والمعنوية كذلك حين قال : (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ).

«تريحون» : (من مادة الإراحة) بمعنى إرجاع الحيوانات عند الغروب إلى محل إستراحتها ، ولهذا يطلق على ذلك المحل اسم (المراح).

و «تسرحون» : (من مادة السروح) بمعنى خروج الحيوانات صباحاً إلى مراعيها.

عبّر القرآن بكلمة «جمال» عن تلك الحركة الجماعية للأنعام حين تسرح إلى مراعيها وتعود إلى مراحها.

ف «الجمال» جمال استغناء واكتفاء ذاتي ، وجمال إنتاج وتأمين متطلبات امّة كاملة ، وبعبارة أوضح : جمال الإستقلال الاقتصادي وقطع كل تبعيّة للغير.

ثم يشير تعالى في الآية التي تليها إلى إحدى المنافع المهمة الاخرى فيقول : (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقّ الْأَنفُسِ). وهذا مظهر من مظاهر رحمة الله عزوجل ورأفته حيث سخّر لنا هذه الحيوانات مع ما تملك من قدرة وقوّة (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

فالأنعام إذن : تعطي للإنسان ما يلبسه ويدفع عنه الحر والبرد. وكذلك تعطيه الألبان واللحوم ليتقوّت بها. وتترك في نفس الإنسان آثاراً نفسية طيبة. وأخيراً تحمل أثقاله.

ثم يعرج على نوع آخر من الحيوانات ، يستفيد الإنسان منها في تنقلاته ، فيقول : (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً).

وتأتي الإشارة في ذيل الآية إلى ما سيصل إليه مآل الإنسان في الحصول على الوسائط

٨

النقلية المدنية من غير الحيوانات ، فيقول : (وَيَخْلُقُ مَا لَاتَعْلَمُونَ) من المراكب ووسائل النقل.

(وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (١٣)

بعد ذكر مختلف النعم في الآيات السابقة ، تشير هذه الآيات إلى نعم اخرى ... فتشير أوّلاً إلى نعمة معنوية عالية في مرماها : (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ). أي : عليه سبحانه سلامة الصراط المستقيم وهو الحافظ له من كل انحراف ، وقد وضعه في متناول الإنسان.

ولكن أيّ النحوين من الصراط المستقيم هو المراد ، التكويني أم التشريعي؟

اختلف المفسرون في ذلك ، إلّا أنّه لا مانع من قصد الجانبين معاً.

فقد هدى الله الإنسان بالعقل والقدرة وبقية القوى التكوينية التي تعينه للسير على الصراط المستقيم.

كما أرسل له الأنبياء والوحي السماوي وأعطاه التعليمات الكافية والقوانين اللازمة للمضي بهدى التشريع الرباني في تكملة مشوار المسيرة ، وترك باقي السبل المنحرفة.

ثم يحذّر الباري جلّ شأنه الإنسان من وجود سبل منحرفة كثيرة : (وَمِنْهَا جَائِرٌ).

وبما أنّ نعمة الإرادة وحرية الاختيار في الإنسان من أهم عوامل التكامل فيه ، فقد أشارت إليها الآية بجملة قصيرة : (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَيكُمْ أَجْمَعِينَ) ولا تستطيعون عندها غير ما يريد الله.

إلّا أنّه سبحانه لم يفعل ذلك ، لأنّ الهداية الجبرية لا تسمو بالإنسان إلى درجات التكامل والفخر.

٩

وفي الآية التالية يعود إلى الجانب المادي بما يثير حس الشكر للمنعم عند الناس ، ويوقد نار عشق الله في قلوبهم بدعوتهم للتقرّب أكثر وأكثر لمعرفة المنعم الحق ، فيقول : (هُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً). ماء فيه سبب الحياة ، وزلالاً شفافاً خال من أيّ تلوّث (لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ). وتخرج به النباتات والأشجار فترعى أنعامكم (وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ). «تسيمون» : من مادة «الإسامة» بمعنى رعي الحيوانات.

ومما لا شك فيه أيضاً أنّ ماء المطر لا تقتصر فائدته لشرب الإنسان وإرواء النباتات ، بل ومن فوائده أيضاً : تطهير الأرض ، تصفية الهواء ، إيجاد الرطوبة اللازمة لطراوة جلد الإنسان وتنفّسه براحة ، وما شابه ذلك .. فالمذكور من فوائده في هذه الآية ليس حصراً وإنّما من باب الأهم.

ويكمّل الموضوع بقوله : (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلّ الثَّمَرَاتِ).

ولا شك أنّ خلق هذه الثمار المتنوعة وكل ما هو موجود من المحاصيل الزراعية لآية للمتفكرين (إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

ثم يشير إلى نعمة تسخير الموجودات المختلفة في العالم للإنسان بقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). على عظمة وقدرة الله وعظمة ما خلق.

وإضافة لكل ما تقدم : (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ) من مخلوقات سخرّها لكم و (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) من الأغطية والملابس والأغذية والزوجات العفيفات ووسائل الترفيه ، حتى أنواع المعادن وكنوز الأرض وسائر النعم الاخرى (إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).

(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٨)

١٠

نعمة الجبال والبحار والنجوم : تبيّن هذه الآيات قسماً آخر من النعم الإلهية غير المحدودة التي تفضّل بها الله عزوجل على الإنسان ، فيبدأ القرآن الكريم بذكر البحار ، المنبع الحيوي للحياة ، فيقول : (وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ).

وكما هو معلوم أنّ البحار تشكّل القسم الأكبر من سطح الكرة الأرضية ، وأنّ الماء أساس الحياة ، ولا زالت البحار تعتبر المنبع المهم في إدامة الحياة البشرية وحياة جميع الكائنات الحية على سطح الكرة الأرضية.

فما أكبرها من نعمة حين جعلت البحار في خدمة الإنسان ....

ثم يشير الباري سبحانه إلى ثلاثة أنواع من منافع البحار : (لِتَأْكُلُوامِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا). فقد جعل الله في البحار لحماً ليتناوله الإنسان من غير أن يبذل أدنى جهد في تربيته ، بل أوجدته ونمّته يد القدرة الإلهية.

ومن فوائد البحار أيضاً تلك المواد التجميلية المستخرجة من قاعه : (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا).

الحس الجمالي من الامور الفطرية التي فطر الإنسان عليها وهو الباعث على إثارة الشعر والفن الأصيل وما شاكلها عنده.

وينبغي العمل على إشباعه بشكل صحيح وسالم بعيداً عن أيّ نوع من الإفراط والتفريط.

ولهذا أوصى الإسلام كثيراً بالتزيّن المعقول الخالي من أي إسراف مثل : لبس اللباس الجيّد ، التطيّب بالعطور ، استعمال الأحجار الكريمة ... الخ.

ثم يتطرق القرآن إلى الفائدة الثالثه في البحار : حركة السفن على سطح مياهها ، كوسيلة مهمة لتنقل الإنسان ونقل ما يحتاجه ، فيقول : (وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ).

وأعطاكم الله هذه النعمة لتستفيدوا منها في التجارة أيضاً (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ).

وبعد ذكر هذه النعم التي تستلزم من الإنسان العاقل أن يشكر واهبها ، يأتي في ذيل الآية : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

ثم يأتي الحديث عن الجبال بعد عرض فوائد البحار : (وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ).

١١

ثم يتطرق القرآن الكريم مباشرة إلى نعمة الأنهار ، لما بين الجبال والأنهار من علاقة وثيقة حيث تعتبر الجبال المخازن الأصلية للمياه ، فيقول : (وَأَنْهَارًا).

ثم يقطع القرآن الكريم الوهم الحاصل عند البعض من أنّ الجبال حاجز بين إرتباط الأراضي فيما بينها بالإضافة لكونها مانعاً رهيباً أمام حركة النقل ، فيقول : (وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

ثم يضيف قائلاً : (وَعَلمتٍ). لأنّ الطرق لوحدها لا يمكنها أن توصل الإنسان لمقصده دون وجود علامات فارقة ومميزات شاخصة يستهدي بها الإنسان لسلك ما يوصله لمأربه ، ولذا ذكر هذه النعمة.

ومن تلك العلامات : شكل الجبال ، الأودية ، الممرات ، الإرتفاع والإنخفاض ، لون الأرض والجبال وحتى طبيعة حركة الهواء.

وأمّا في حال عدم تشخيص هذه العلامات بسبب ظلمة الليل في أيّ من سفر البر أو البحر ، فقد جعل الله تعالى علامات في السماء تعوّض عن علامات الأرض.

وقد فسّرت «النجم» برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله و «العلامات» بالأئمة عليهم‌السلام في روايات كثيرة وردت عن أهل البيت عليهم‌السلام وفي بعضها فسّر «النجم» و «العلامات» كلاهما بالأئمة عليهم‌السلام وكل ذلك يشير إلى التفسير المعنوي لهذه الآيات.

في الكافي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : (النجم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والعلامات الأئمة عليهم‌السلام).

وبعد أن بيّن القرآن كل هذه النعم الجليلة والألطاف الإلهية الخفية ، راح يدعو الوجدان الإنساني للحكم في ذلك (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّايَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).

وكما اعتدنا عليه من القرآن في اسلوبه التربوي الهادف المؤثر ، فقد طرح مسألة المحاججة بصيغة سؤال يترك الجواب عنه في عهدة الوجدان الحي للإنسان.

وفي نهاية المطاف ، يفنّد الباري سبحانه مسألة حصر النعم الإلهية بما ذكر ، بقوله : (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَاتُحْصُوهَا).

ونواجه في هذا المقام سؤالاً وإستفساراً : كيف إذن نؤدّي حق الشكر لله؟ و.. ألسنا مع ما نحن فيه ، في زمرة الجاحدين؟

١٢

وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) خير جواب لذلك السؤال.

نعم ، فهو سبحانه أرحم وأرأف من أن يؤاخذنا على عدم الاستطاعة في أداء أتمّ الشكر على نعمه.

ويكفينا من لطفه تعالى بأن يحسبنا من الشاكرين في حال اعتذرنا له واعترافنا بالعجز عن أداء حق الشكر الكامل.

ولكن هذا لا يمنع من أن نتتبع ونحصي النعم الربانية بقدر المستطاع ، لأنّ ذلك يزيدنا معرفة لله ، وعلماً بعالم الخليقة ، وآفاق التوحيد الرحبة ، كما يزيد من حرارة عشقه سبحانه في أعماق قلوبنا ، وكذا يحرّك فينا الشعور المتحسس بضرورة ووجوب شكر المنعم جلّ وعلا.

ولهذا نجد أنّ الأئمة عليهم‌السلام يتطرقون في أقوالهم وأدعيتم ومناجاتهم إلى النعم الإلهية ويعدّون جوانب منها ، عبادة لله وتذكيراً ودرساً للآخرين.

(وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) (٢٣)

آلهة لا تشعر : تناولت الآيات السابقة ذكر صفتين ربانيتين لا تنطبق أيّة منها على الأصنام ، أمّا الآية الاولى أعلاه فتشير إلى الصفة الثالثه للمعبود الحقيقي (وهي العلم) فتقول : (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ). فلماذا تسجدون للأصنام التي لم تكن هي الخالقة لكم ، ولم تمنّ عليكم بأيّة نعمة ، ولا تعرف عن علانيتكم شيئاً فضلاً عن سرّكم؟!

ثم يعود القرآن إلى مسألة الخالقية بافق أوسع من الآية السابقة : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَايَخْلُقُونَ شَيًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ).

وقد بحث لحدّ الآن في عدم صلاحية الأصنام لتكون معبودة لأنّها ليست خالقة ، ومع

١٣

ذلك كله ، فإنّها (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ).

ثم يضيف قائلاً عنها : (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).

فإذا كان الثواب والعقاب بيد الأصنام ، فلا أقل من معرفتها بوقت بعث عبادهنّ ، ومع جهلها بيوم البعث والحساب كيف تكون لائقة للعبادة؟!

وهذه هي الصفة الخامسة التي يجب توفرها في المعبود الحقيقي وتفتقدها الأصنام.

إنّ مفهوم الصنم وعبادة الأصنام في المنطق القرآني أوسع من أنّ يحدد بالآلهة المصنوعة ، فكل موجود نجعله ملجأ لنا مقابل الله عزوجل ، ونسلّم له أمر مصائرنا ، فهو صنم وإن كان بشراً.

ولهذا فكل ما جاء في الآيات أعلاه يشمل الذين يعبدون الله بألسنتهم ، ولكن في واقع حياتهم مستسلمون لمعبود ضعيف ، وقد تبعوه لكونه المخلص لهم من دون الله ، بعد أن فقد زمام استقلال المؤمن الحق.

وبعد هذه الإستدلالات الحيّة والواضحة على عدم صلاحية الأصنام يخلص القرآن إلى النتيجة المنطقية لما ذكر : (إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ).

وبما أنّ العلاقة بين المبدأ والمعاد مترابطة ربطاً لا انفصام فيه ، يضيف القرآن الكريم من غير فاصلة : (فَالَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ). فأدلة التوحيد والمعاد قائمة لمن أراد الحق وطلب الحقيقة ، إلّاأنّ سبب عدم قبول الحق وإنكاره يرجع إلى حالة الإستكبار وعدم التسليم له ، ويصبح ملكة في وجود المنكرين.

ثم تتطرق الآية الأخيرة إلى علم الله في الغيب والشهادة : (لَاجَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).

والآية في واقعها تهديد للكفار وأعداء الحق ، بأنّ الله عزوجل ليس بغافل عنهم.

فهم مستكبرون و (إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ). والإستكبار على الحق من علامات الجهل بالله عزوجل.

* * *

١٤

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَا ذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (٢٩)

سبب النّزول

في تفسير مجمع البيان : يروى أنّها نزلت في المقتسمين وهم ستة عشر رجلاً خرجوا إلى عقاب مكة أيام الحج على طريق الناس على كل عقبة أربعة منهم ليصدّوا الناس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وإذا سألهم الناس عمّا أنزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قالوا : أحاديث الأوّلين وأباطيلهم.

التّفسير

حمل أوزار الآخرين : دار الحديث في الآيات السابقة حول عناد المستكبرين واستكبارهم أمام الحق ، وسعيهم الحثيث في التنصّل عن المسؤولية وعدم التسليم للحق. أمّا في هذه الآيات فيدور الحديث حول منطق المستكبرين الدائم ، فيقول القرآن : (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). فليس هو وحي إلهي ، بل أكاذيب القدماء.

«الأساطير» : جمع أسطورة ، وتطلق على الحكايات والقصص الخرافية والكاذبة ، وقد وردت هذه الكلمة تسع مرّات في القرآن الكريم نقلاً عن لسان الكفار ضدّ الأنبياء تبريراً لمخالفتهم الدعوة إلى الله عزوجل.

وفي جميع المواطن ذكروا معها كلمة «الأوّلين» ليؤكدوا أنّها ليست بجديدة وأنّ الأيام ستتجاوزها حتى وصل بهم الحال ليغالوا فيما يقولون ، كما جاء عن لسانهم في الآية (٣١) من

١٥

سورة الأنفال : (قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذَا).

والملاحظ على مستكبري يومنا توسلهم بنفس تلك التهم الباطلة هروباً من الحق وإضلالاً للآخرين ، ووصلت بهم الحماقة لأن يعتبروا منشأ الدين من الجهل البشري ، وما الآراء الدينية إلّاأساطير وخرافات ، حتى أنّهم اثبتوا ذلك في كتب (علم الاجتماع ودوّنوه بصياغة (علمية) كما يدّعون).

أمّا لو نفذنا في أعماق تفكيرهم لوجدنا صورة اخرى : فهم لم يحاربوا الأديان والمذاهب الخرافية المجعولة أبداً ، فهم مؤسسوها والداعون لنشرها ، إنّما محاربتهم للأصالة والدين الحق الذي يوقظ الفكر الإنساني ويحطّم الأغلال الاستعمارية ويقطع دابر المنحرفين عن جادة الصواب.

توضّح الآية الاخرى أعمالهم بالقول : (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيمَةِ وَمِن أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).

ثم تتحرك الآية الاخرى لتقرر أنّ تهمة وصف الوحي الإلهي بأساطير الأوّلين ليست بالأمر المستجد : (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْينَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتهُمُ الْعَذَابُ مِن حَيْثُ لَايَشْعُرُونَ).

ومن لطيف دقّة العبارة القرآنية ، أنّ الآية أشارت إلى أنّ الله عزوجل لا يدمرّ البناء العلوي للمستكبرين فحسب ، بل سيدمّره من القواعد لينهار بكله عليهم.

وقد يكون تخريب القواعد وإسقاط السقف إشارة إلى أبنيتهم الظاهرية ، من خلال الزلازل والصواعق لتنهار على رؤوسهم ، وقد يكون إشارة إلى قلع جذور تجمعاتهم وأحزابهم بأمر الله عزوجل ، بل لا مانع من شمول الأمرين معاً.

وعذابهم في الحياة الدنيا لا يعني تمام الجزاء ، بل تكملته ستكون يوم الجزاء الأكبر (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ يُخْزِيهِمْ).

فيسألهم الله تعالى : (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ). أي تجادلون وتعادون فيهم ، فلا يتمكنون من الإجابة ، ولكن : (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ).

وهو نوع من العذاب الروحي ، ويصف ذيل الآية السابقة حال الكافرين بالقول : (الَّذِينَ تَتَوَفهُمُ الْمَلِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ).

١٦

لأنّ ممارسة الظلم في حقيقتها ظلم للنفس قبل الآخرين ، لأنّ الظالم يتلف ملكاته الوجدانية ، ويهتك حرمة الصفات الفطرية الكامنة فيه.

أمّا حين تحين ساعة الموت ويزول حجاب الغفلة عن العيون (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ).

لماذا ينكرون عملهم القبيح؟ فهل إنّهم يكذبون وقد أصبح الكذب صفة ذاتية لهم من كثرة تكراره ، أم يريدون القول : إنّنا نعلم سوء أعمالنا ، ولكننا اخطأنا ولم تكن لدينا نوايا سيئة فيه.

يمكن القول بإرادة كلا الأمرين.

ولكن الجواب يأتيهم فوراً : إنّكم تكذبون فقد ارتكبم ذنوباً كثيرة : (بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) حتى بنيّاتكم.

وليس المقام محلًّا للإنكار أو التبرير ... (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ).

(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَا ذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٣٢)

عاقبة المتقين والمحسنين : قرأنا في الآيات السابقة أقوال المشركين حول القرآن وعاقبة ذلك ، والآن ندخل مع المؤمنين في اعتقادهم وعاقبته .. فيقول القرآن : (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا).

ما أجمل هذا التعبير وأكمله «خيراً» خير مطلق يشمل كل : صلاح ، سعادة ، رفاه ، تقدم مادي ومعنوي ، خير للدنيا والآخرة ، خير للإنسان الفرد والمجتمع.

وتبيّن الآية مورد البحث نتيجة وعاقبة ما أظهره المؤمنون من اعتقاد ، كما عرضت

١٧

الآيات السابقة عاقبة ما قاله المشركين من عقاب دنيوي وأخروي ، ومادي ومعنوي مضاعف : (لّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ).

وقد أطلق الجزاء بال «حسنة» كما أطلقوا القول «خيراً» ، ليشمل كل أنواع الحسنات والنعم في الحياة الدنيا ، بالإضافة إلى : (وَلَدَارُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ).

ثم تصف الآية التالية ـ بشكل عام ـ محل المتقين في الآخرة بالقول : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ).

وقلنا أنّ الآيات مورد البحث توضّح كيفية حياة وموت المتقين مقارنة مع ما ورد في الآيات السابقة حول المشركين والمستكبرين ، وقد مرّ علينا هناك أنّ الملائكة عندما تقبض أرواحهم يكون موتهم بداية لمرحلة جديدة من العذاب والمشقة ، ثم يقال لهم : «ادخلوا أبواب جهنم ...».

وأمّا عن المتقين : (الَّذِينَ تَتَوَفهُمُ الْمَلِكَةُ طَيّبِينَ) طاهرين من كل تلوّثات الشرك والظلم والإستكبار ، ومخلصين من كل ذنب : (يَقُولُونَ سَلمٌ عَلَيْكُمُ). السلام الذي هو رمز الأمن والنجاة.

ثم يقال لهم : (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

والتعبير عن موتهم ب (تَتَوَفهُم) يحمل بين طيّاته اللطف ، ويشير إلى أنّ الموت لا يعني الفناء والعدم أو نهاية كل شيء ، بل هو مرحلة انتقالية إلى عالم آخر.

وفي تفسير الميزان : أنّ في هذه الآية ثلاثة مسائل :

١ ـ طهارة المؤمنين من خبث الظلم.

٢ ـ يقولون لهم : (سَلمٌ عَلَيْكُمُ) وهو تأمين قولي لهم.

٣ ـ (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وهو هداية لهم إليها.

وهذه المواهب الثلاث هي التي ذكرت في الآية (٨٢) من سورة الأنعام : (الَّذِينَءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ).

* * *

١٨

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٤) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْشَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (٣٧)

يعود القرآن الكريم مرّة اخرى ليعرض لنا واقع وأفكار المشركين والمستكبرين ويقول بلهجة وعيد وتهديد : ماذا ينتظرون؟ (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلِكَةُ). أي : ملائكة الموت فتغلق أبواب التوبة أمامهم حيث لا سبيل للرجوع بعد إغلاق صحائف الأعمال.

أو هل ينتظرون أن يأتي أمر الله بعذابهم : (أَو يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ) حيث تغلق أبواب التوبة أيضاً ولا سبيل عندها للإصلاح.

ثم يضيف : إنّ هؤلاء ليس أوّل مَن كانوا على هذه الحال والصفة وإنّما (كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

وسوف يلاقون نتيجة ما كسبت أيديهم من أعمال.

ثم يذكر عاقبة أمرهم بقوله : (فَأَصَابَهُمْ سَيَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ).

فتعبير الآية ب (فَأَصَابَهُمْ سَيَاتُ مَا عَمِلُوا) يؤكّد مرّة اخرى على عودة الأعمال على فاعلها سواء في الدنيا أو في الآخرة ، وتتجسم له بصور شتى ، وتعذّبه وتؤلمه ولا شيء غر هذه الأعمال في عذابه.

وتشير الآية التالية إلى أحد أقوال المشركين الخاوية ، فتقول : (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ

١٩

شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَاءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ).

إنّ قولهم (وَلَا حَرَّمْنَا) إشارة إلى بعض أنواع الحيوانات التي حرّم لحومها المشركون في عصر الجاهلية ، والتي أنكرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بشدة.

وكأنّهم يقولون : إن كانت أعمالنا لا ترضي الله تعالى فلماذا لم يرسل إلينا الأنبياء لينهونا عما نقوم به ، فسكوته وعدم منعه ما كنا نعمل دليل على رضاه.

ولهذا يقول تعالى مباشرة : (كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلغُ الْمُبِينُ).

وهذا هو خط جميع دعاة الحق (من الأنبياء وغيرهم) .. فهم : لا يداهنون في دعوتهم أبداً ولا يجاملون الباطل وأهله ، متحملين كل عواقب هذه الصراحة والقاطعية.

وبعد ذكر وظيفة الأنبياء (البلاغ المبين) ، تشير الآية التالية باختصار جامع إلى دعوة الأنبياء السابقين ، بقولها : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً).

«الامّة» : من «الأم» بمعنى الوالدة ، أو بمعنى كل ما يتضمن شيئاً آخر في داخله ؛ ومن هنا يطلق على جماعة تربطها وحدة معينة من حيث الزمان أو المكان أو الفكر أو الهدف «امّة».

ويبيّن القرآن محتوى دعوة الأنبياء عليهم‌السلام بالقول : (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). لأنّ اسس التوحيد إذا لم تحكم ولم يطرد الطواغيت من بين المجتمعات البشرية فلا يمكن إجراء أي برنامج إصلاحي.

«الطاغوت» : صيغة مبالغة للطغيان .. أي التجاوز والتعدي وعبور الحد ، فتطلق على كل ما يكون سبباً لتجاوز الحد المعقول ، ولهذا يطلق اسم الطاغوت على الشيطان ، الصنم ، الحاكم المستبد ، المستكبر وعلى كل مسير يؤدّي إلى غير طريق الحق.

ونعود لنرى ما وصلت إليه دعوة الأنبياء عليهم‌السلام إلى التوحيد من نتائج ، فالقرآن الكريم يقول : (فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّللَةُ).

والآية (٧٩) من سورة النساء تشير إلى المعنى المذكور بقولها : (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ).

وفي نهاية الآية يصدر الأمر العام لأجل إيقاظ الضالين وتقوية روحية المهتدين ، بالقول : (فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُواكَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ).

فالآية دليل ناطق على حرية إرادة الإنسان ، فإنْ كانت الهداية والضلال أمرين

٢٠