مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٢

آية الله مكارم الشيرازي

مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٢

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-533-049-1
ISBN الدورة:
964-533-53-X

الصفحات: ٥٧١

١

٢

٣

٤

٦

سورة الأنعام

حرب على الشرك والوثنية : قيل أنّ سورة الأنعام مكية ، وهي السورة التاسعة والستون في تسلسل نزول السور القرآنية. هدف هذه السورة الرئيسي ـ مثل أهداف السور المكية ـ توكيد الاصول الثلاثة : «التوحيد» و «النبوة» و «المعاد» ولكنها تؤكد أكثر ما تؤكد قضية عبادة الله الواحد ومحاربة الشرك والوثنية ، بحيث إنّ معظم آيات هذه السورة يخاطب المشركين وعبدة الأصنام ، وبهذا يتناول البحث في أكثر المواضع ، أعمال المشركين وبدعهم.

ولعلّ هذا أيضاً هو السبب لما نقرؤه من روايات عن فضل هذه السورة ، وإنّها عند نزولها رافقها سبعون ألف ملك ، وأنّ من يقرأها وترتوي روحه من ينبوع التوحيد يستغفر له كل اولئك الملائكة.

إنّ التمعّن في آيات هذه السورة يقضي على روح النفاق والتشتت بين المسلمين ، ويجعل الآذان سميعة ، والأعين بصيرة ، والقلوب عارفة.

ولكن العجيب أن نرى بعضهم يكتفي من هذه السورة بقراءة ألفاظها فقط ، ويعقد الجلسات لتلاوة آياتها من أجل حلّ المشاكل الشخصية ، فلو اهتمّت هذه الجلسات بمحتوى السورة ، فلا تنحل المشاكل الخاصّة وحدها ، بل تنحل جميع مشاكل المسلمين العامة أيضاً ، ومن المؤسف جداً أنّ جمعاً من الناس يعتبرون القرآن مجموعة من (الأوراد)

٥

التي لها خواص غامضة ومجهولة فيقرأونها بغير تمعّن في مضامينها ، مع أنّ القرآن كله مدرسة ودروس ومنهج ويقظة ، ورسالة ووعي.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (٢)

 تبدأ السورة بالحمد لله والثناء عليه ، ثم تشرع بتوعية الناس على مبدأ التوحيد ، عن طريق خلق العالم الكبير (السماوات والأرض) أوّلاً ؛ ثم عن طريق خلق العالم الصغير (الإنسان) ثانياً : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ). الله الذي هو مبدأ الظلمة والنور ، بخلاف ما يعتقده الثنويون ، وهو وحده خالق كل شيء : («وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ).

غير أنّ الكافرين والمشركين ، بدلاً من أن يتعلّموا من هذا النظام الواحد درس التوحيد ، يصطنعون لله الشريك والشبيه : («ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ).

نلاحظ أنّ القرآن يذكر عقيدة المشركين بعد حرف العطف «ثم» الذي يدل في اللغة العربية على الترتيب والتراخي ، وهذا يدل على أنّ التوحيد كان في أوّل الأمر مبداً فطرياً وعقيدة عامة للبشر ، بعد ذلك حصل الشرك كانحراف عن الأصل الفطري.

وروي في تفسير نور الثقلين عن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام في تفسير هذه الآية قوله : «وكان في هذه الآية ردّ على ثلاثة أصناف منهم لمّا قال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ). فكان ردّاً على الدهرية الذين قالوا : إنّ الأشياء لا بدء لها وهي دائمة ، ثم قال : (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فكان ردّاً على الثنوية الذين قالوا : إنّ النور والظلمة هما المدبران ، ثم قال : (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ) فكان ردّاً على مشركي العرب الذين قالوا : إنّ أوثاننا آلهة».

والآية التالية تلفت نظر الإنسان إلى العالم الصغير (الإنسان) فتشير إلى أعجب أمر وهو خلقه من الطين فتقول : («هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ).

صحيح أنّنا ولدنا من أبوينا ، لا من الطين ، ولكن بما أنّ خلق الإنسان الأوّل كان من

٦

الطين ، فيصح أن نخاطب نحن أيضاً على أنّنا مخلوقين من الطين.

وتستمر السورة فتشير إلى مراحل تكامل عمر الإنسان فتقول : إنّ الله بعد ذلك عيّن مدّة يقضيها الإنسان على هذه الأرض للنمو والتكامل : («ثُمَّ قَضَى أَجَلاً).

ثم لإستكمال البحث تقول : («وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ).

بعد ذلك تخاطب الآية المشركين وتقول لهم : (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ). أي تشكّون في قدرة الخالق الذي خلق الإنسان من هذه المادة التافهة (الطين) واجتاز به هذه المراحل المدهشة ، وتعبدون من دونه موجودات لا قيمة لها كالأصنام.

إنّ كلمة «أجل» وحدها تعني غير الحتمي من العمر والوقت والمدّة و «الأجل المسمى» بمعنى الحتمي منها وبعبارة اخرى «الأجل المسمى» هو الموت الطبيعي ؛ و «الأجل» هو الموت غير الطبيعي ، ولكن أنّ الأجلين يعيّنهما الله.

(وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (٣)

هذه الآية تكمل البحث السابق في التوحيد ووحدانية الله ، وترد على الذين يقولون بوجود إله لكل مجموعة من الكائنات ، أو لكل ظاهرة من الظواهر ، فيقولون : إله المطر ، وإله الحرب ، وإله السلم ، وإله السماء ، وما إلى ذلك ، تقول الآية : (وَهُوَ اللهُ فِى السَّموَاتِ وَفِى الْأَرْضِ).

من الطبيعي أن يكون الحاكم على كل شيء والمدبّر لكل الامور والحاضر في كل مكان عارفاً بجميع الأسرار والخفايا ولهذا تقول الآية : إنّ ربّاً كهذا (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ).

(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) (٥)

قلنا : إنّ معظم الخطاب في سورة الأنعام موجّه إلى المشركين ، والقرآن يستخدم شتّى السبل لإيقاظهم وتوعيتهم ، فهذه الآية والآيات الكثيرة التي تليها تواصل هذا الموضوع. تشير هذه الآية إلى روح العناد واللامبالاة والتكبر عند المشركين تجاه الحق وتجاه آيات الله ، فتقول : (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْءَايَةٍ مِّنْءَايَاتِ رَبّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ).

٧

مثل هذه النفسية لا يقتصر وجودها على عهود الجاهلية ومشركي العرب ، فاليوم أيضاً نجد من بلغ الستين من عمره ومع ذلك لم يجشم نفسه عناء ساعة واحدة من البحث والتحقيق في الله والدين ، وإن وقع بيده كتاب أو بحث في هذا الموضوع لم ينظر إليه وإن تحدّث إليه أحد بهذا الشأن لم يصغ إليه ، هؤلاء هم الجهلاء المعاندون الغافلون الذين قد يظهرون أحياناً أمام الناس بمظهر العالم المتجبّر!

ثم تشير الآية إلى نتيجة أعمالهم ، وهي : أنّهم عندما رأوا الحقيقة كذّبوها ، ولو أنّهم دققوا في آيات الله جيّداً لرأوا الحقيقة وأدركوها وآمنوا بها : (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقّ لَمَّا جَاءَهُمْ). ولسوف تصلهم نتيجة هذا التكذيب والسخرية : («فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ).

في هاتين الآيتين إشارة إلى ثلاث مراحل من الكفر تتزايد في الشدّة على التوالي ، المرحلة الاولى هي مرحلة الإعراض ، ثم مرحلة التكذيب ، وأخيراً مرحلة الإستهزاء بآيات الله.

(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) (٦)

مصير الطغاة : ابتداء من هذه الآية وما بعدها يشرع القرآن بعرض خطّة تربوية مرحلية لإيقاظ عبدة الأصنام والمشركين تتناسب مع اختلاف الدوافع عند الفريقين ، يبدأ أوّلاً بمكافحة عامل (الغرور) وهو من عوامل الطغيان والعصيان والانحراف المهمة ، فيذكّرهم بالأمم السالفة ومصائرهم المؤلمة ، وبذلك يحذر هؤلاء الذين غطت أبصارهم غشاوة الغرور ، ويقول : (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ) (١).

ولكنهم لما استمروا على طريق الطغيان ، لم تستطع هذه الإمكانات إنقاذهم من العقاب الإلهي : («فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًاءَاخَرِينَ).

__________________

(١) «المدرار» : في الأصل من «درّ» اللبن ، ثم إنتقل إلى ما يشبهه في النّزول كالمطر ، والكلمة صيغة مبالغة.

٨

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) (منتهى العناد :) يشير القرآن هنا إلى الطلب الذي تقدّم به جمع من عبدة الأصنام ويقول :

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ). أي إنّ عنادهم قد وصل حدّاً ينكرون فيه حتى ما يشاهدونه بأعينهم ويلمسونه بأيديهم فيعتبرونه سحراً لكيلا يستسلموا للحقيقة.

وَقَالُوا لَوْ لَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١٠) (خلق المبررات :) من عوامل الكفر والإنكار الاخرى ، روح التحجج والبحث عن المبررات. ومن جملة الحجج التي احتج بها المشركون على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأشار إليها القرآن في كثير من آياته ـ ومنها هذه الآية ـ هي أنّهم كانوا يقولون : لماذا يقوم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وحده بهذا الأمر العظيم؟ لماذا لا يقوم معه بهذا الأمر أحد من غير جنس البشر ، من جنس الملائكة؟ أيمكن لإنسان من جنسنا أن يحمل بمفرده هذه الرسالة على عاتقه؟ «وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ».

يرد القرآن عليهم بجملتين في كل منهما برهان :

الاولى : (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَايُنظَرُونَ). أي لو نزل ملك لمعاونة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لهلك الكافرون.

الثانية : هي أنّ الرسول الذي يبعثه الله لقيادة الناس وتربيتهم وليكون اسوة لهم ، لابد أن يكون من جنس الناس أنفسهم وعلى شاكلتهم من حيث الصفات والغرائز البشرية ، لذلك فالقرآن في الجواب الثاني يقول : لو شئنا أن يكون رسولنا ملكاً حسبما يريدون ، لوجب أن يتصف هذا الملك بصفات الإنسان وأن يظهر في هيئة إنسان : «وَلَوْ جَعَلْنهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنهُ رَجُلاً».

٩

ثم يستنتج من ذلك أنّهم ـ في هذه الحالة أيضاً ـ كانوا سيعترضون الإعتراض نفسه ، وهو : لماذا أوكل الله مهمّة القيادة إلى بشر وأخفى عنّا وجه الحقيقة : «وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ». وفي الختام يهوّن الأمر على رسوله ويقول له : «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ».

هذه الآية في الواقع تسلية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يطلب الله فيها منه أن لا تزعزعه الزعازع ، ويهدد في الوقت نفسه المخالفين والمعاندين ويطلب منهم أن يتفكّروا في عاقبة أمرهم المؤلمة.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) لكي يوقظ القرآن هؤلاء المعاندين المغرورين يسلك في هذه الآية سبيلاً آخر فيأمر رسوله أن يوصيهم بالسياحة في أرجاء الأرض ليروا بأعينهم مصائر اولئك الذين كذّبوا بالحقائق ، فلعلّ ذلك يوقظهم من غفلتهم «قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ».

لا شك أنّ لرؤية آثار السابقين والأقوام التي هلكت بسبب إنكارها الحقائق تأثيراً أعمق من مجرد قراءة كتب التأريخ ، لأنّ هذه الآثار تجسّد الحقيقة ناطقة ملموسة ، ولهذا استعمل جملة «انظروا» ولم يقل «تفكروا».

قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) يواصل القرآن مخاطبة المشركين ، ففي الآيات السابقة دار الكلام حول التوحيد وعبادة الله الأحد وهنا يدور الحديث عن المعاد ، وبالإشارة إلى مبدأ التوحيد يواصل القول عن المعاد بطريقة رائعة. يتكوّن الاستدلال هنا على المعاد من مقدمتين :

أوّلاً : يقول : (قُلْ لِّمَن مَّا فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ). ثم يقول مباشرة : أجب أنت بلسان فطرتهم وروحهم : (قُلْ لِّلَّهِ). فبموجب هذه المقدمة يكون كل عالم الوجود ملكاً لله وبيده وتدبيره.

١٠

ثانياً : إنّ الله هو وحده مصدر كل رحمة ، وهو الذي أوجب على نفسه الرحمة ، ويفيض بنعمه على الجميع : (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ).

هذه الرحمة نفسها توجب أن يرتدي الإنسان ـ الذي عنده إمكانية الخلود ـ لباس حياة جديدة بعد موته في عالم أوسع ، تدفعه يد الرحمة في سيره التكاملي الأبدي ، لذلك يقول بعد هاتين المقدمتين : (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ لَارِيْبَ فِيهِ).

في نهاية الآية إشارة إلى مصير المشركين المعاندين وعاقبتهم ، فهؤلاء الذين أضاعوا رأس مال وجودهم في سوق تجارة الحياة ، لا يؤمنون بهذه الحقائق : (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَايُؤْمِنُونَ).

الآية السابقة تشير إلى أنّ الله مالك كل شيء يستوعبه ظرف «المكان» أمّا هذه الآية فتشير إلى ملكية الله لما يستوعبه ظرف «الزمان» الوسيع وتقول : (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ).

وفي نهاية الآية وبعد ذكر التوحيد ، تشير الآية إلى صفتين بارزتين في الله فتقول : (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). أي أنّ إتساع عالم الوجود ، والكائنات في آفاق الزمان والمكان لا تحول أبداً دون أن يكون الله عليماً بأسرارها.

(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) (١٦)

الهدف من نزول هذه الآيات هو إثبات التوحيد ومحاربة الشرك وعبادة الأصنام فالمشركون ، وإن اعتقدوا أنّ الله هو خالق العالم ، كانوا يتخذون من الأصنام ملجأً لأنفسهم ، ولربّما اتخذوا صنماً لكل حاجة معينة ، فلهم إله للمطر ، وإله للظلام ، وإله للحرب والسلم ، وإله للرزق ، وهذا هو تعدد الأرباب الذي ساد اليونان القديم.

ولكي يزيل القرآن هذا التفكير الخاطىء ، يأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ).

١١

هذه الآية تقتصر على توكيد إتصاف الله باطعام مخلوقاته ورزقهم ، ولعل ذلك إشارة إلى أنّ أقوى حاجات الإنسان في حياته المادية هي حاجته إلى «لقمة العيش» كما يقال ، وهذه اللقمة هي التي تحمل الناس على الخضوع لأصحاب المال والقوة ، وقد يصل خضوعهم لُاولئك حد العبودية ، ففي هذا يقرر القرآن أنّ رزق الناس بيد الله لا بيد هؤلاء ولا بيد الأصنام ، فأصحاب المال والقوة هم أنفسهم محتاجون إلى الطعام ، وأنّ الله هو وحده الذي يطعم الناس ولا يحتاج إلى طعام.

ثم للردّ على اولئك المشركين الذين كانوا يدعون رسول الله إلى الإنضمام إليهم ، يؤكد القرآن على ضرورة رفض دعوة هؤلاء إنطلاقاً من مبدأ نهي الوحي الإلهي عن ذلك ، إضافة إلى نهي العقل : (قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

الآية التالية فيها توكيد أشدّ لهذا النهي الإلهي عن إتّباع المشركين : (قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). أي يأمر الله رسوله أن يقول بأنّه ليس مستثنى من القوانين الإلهية ، وأنّه يخاف ـ إن ركن إلى المشركين ـ عذاب يوم القيامة.

ولكي يتّضح أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يستطيع شيئاً بغير الاستناد إلى لطف الله ورحمته ، فكل شيء بيد الله وبأمره ، وحتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه يترقّب بعين الرجاء رحمة الله الواسعة ، ومنه يطلب النجاة والفوز : (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوزُ الْمُبِينُ).

(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (١٨)

قدرة الله القاهرة : قلنا إنّ هدف هذه السورة هو استئصال جذور الشرك وعبادة الأصنام ، وهاتان الآيتان تواصلان تحقيق ذلك. فالقرآن يتساءل أوّلاً : لماذا تتوجّهون إلى غير الله ، وتلجأون إلى معبودات تصطنعونها لحلّ مشاكلكم ودفع الضر عن أنفسكم واستجلاب الخير لها؟ بينما لو أصابك أدنى ضرر فلا يرفعه عنك غير الله ، وإذا أصابك الخير والبركة والفوز والسعادة فما ذلك إلّابقدرة الله ، لأنّه هو القادر القوي : (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) (١).

__________________

(١) «الضر» : هو كل نقيصة يتعرّض لها الانسان إمّا في الجسم مثل نقص عضو والمرض ، وإمّا في النفس مثل الجهل والسفاهة والجنون ، وإمّا في امور اخرى مثل ذهاب المال أو المقام أو الأبناء.

١٢

في الواقع إنّ سبب الإتجاه إلى غير الله إمّا لتصوّرهم أنّ ما يتّجهون إليه مصدر الخيرات ، وإمّا لإعتقادهم بقدرته وأنّه يدرأ عنهم المصائب ويحلّ لهم مشاكلهم.

وفي الآية التي تليها إكمال للبحث ، فيقول : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).

ولإزالة كل وهم قد يخطر لأحدهم بأنّ الله قد يسيء استعمال قدرته غير المتناهية كما هو الحال في ذوي القدرة من البشر ، يقول القرآن : (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ). أي أنّه صاحب حكمة وكل أعماله محسوبة لأنّه خبير وعالم ولا يخطىء في استعمال قدرته أبداً.

(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (٢٠)

أعظم الشاهدين : يذكر جمع من المفسرين أنّ عدداً من مشركي مكة جاءوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقالوا : كيف تكون نبيّاً ولا نرى أحداً يؤيّدك؟ وحتى اليهود والنصارى الذين سألناهم ، لم يشهدوا بصحة أقوالك بحسب ما عندهم في التوراة والإنجيل ، فهات من يشهد لك على رسالتك ، والآيتان المذكورتان تشيران إلى هذه الواقعة. في مواجهة هؤلاء المخالفين المعاندين الذين يغمضون أعينهم عن رؤية كل تلك الدلائل على صدق الرسالة ، ويطلبون مزيداً من الشواهد ، يؤمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن : (قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً). أهناك شهادة أعظم من شهادة ربّ العالمين : (قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ). وهل هناك دليل أكبر من هذا القرآن : (وَأُوحِىَ إِلَىَّ هذَا الْقُرْءَانُ).

هذا القرآن الذي لا يمكن أن يكون وليد فكر بشري ، خاصة في تلك الظروف الزمانية والمكانية ، هذا القرآن الذي يضمّ مختلف الشواهد على إعجازه ، فألفاظه معجزة ، ومعانيه معجزة ، أليس هذا الشاهد الكبير وحده كاف لأن يكون تصديقاً إلهياً للدعوة!

يستفاد من هذه العبارة أيضاً أنّ القرآن أعظم معجزة وأكبر شاهد على صدق دعوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ثم يشير إلى هدف نزول القرآن ويقول : (لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ). أي إنّ القرآن قد نزل عليّ لكي أنذركم ، وأنذر جميع الذين يصل إليهم ـ عبر تاريخ البشر ، وعلى إمتداد الزمان

١٣

وفي أرجاء العالم كافة ـ كلامي ، وأحذّرهم من عواقب عصيانهم.

ثم أمر الله رسوله أن يسألهم : (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِءَالِهَةً أُخْرَى) ويأمره أن : (قُلْ لَاأَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ).

أمّا الذين قالوا : إنّ أهل الكتاب لم يشهدوا لنبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّ الآية التي بعدها تردّ عليهم وتقول : (الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ). أي إنّ معرفتهم به لا تقتصر على مبدأ ظهوره ودعوته فحسب ، بل إنّهم يعرفون حتى التفاصيل والخصائص وعلاماته الدقيقة أيضاً.

والآية تعلن في آخر مقاطعها النتيجة النهائية : (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَايُؤْمِنُونَ). أي إنّ الذين لا يؤمنون بالنبي ـ مع كل ما تحيطه من دلائل وعلامات واضحة ـ هم فقط اولئك الذين خسروا كل شيء في تجارة الحياة.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (٢٤)

أشدّ الظلم : تواصل هذه الآيات المنهج القرآني في مقارعة الشرك وعبادة الأصنام بشكل شامل. تقول الآية الاولى بصراحة وبصورة استفهام إستنكاري : (وَمَن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بَايَاتِهِ).

الجملة الاولى إشارة إلى إنكار التوحيد والثانية إشارة إلى إنكار النبوة حقّاً لا ظلم أكبر من أن يتخذ المرء قطعة جماد لا قيمة لها ، أو إنساناً ضعيفاً مثله شريكاً لربّ لا تحدّه حدود وله الحكم على كل عالم الوجود.

فلا شك إذن في أنّ أيّ ظالم ـ وعلى الأخص اولئك الذين لظلمهم جوانب متعددة ـ لا يمكن أن يرى السعادة والفلاح : (إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).

الآية التالية تشير إلى مصير المشركين يوم القيامة مبيّنة أنّهم باعتمادهم على مخلوقات ضعيفة كالأصنام ، لا هم حققوا لأنفسهم الراحة في هذا العالم ، ولا هم ضمنوا ذلك في الحياة

١٤

الآخرة ، فتقول الآية : (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ). أين هم ؛ لماذا لا يأتون اليوم لإنقاذكم؟ لماذا لا يظهرون أيّ حول ولا يبدون أيّة قوة؟

فيستولي على هؤلاء الرعب والخوف ويبهتون ولا يحيرون جواباً ، سوى أن يقسموا بالله إنّهم لم يكونوا مشركين ، ظنّاً منهم أنّهم هناك أيضاً قادرون على إخفاء الحقائق : (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).

الآية الثالثة ومن أجل أن يعتبر الناس بمصير هؤلاء الأفراد تقول : (انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ).

وتنهار المساند التي إختاروا الاستناد عليها وجعلوها شريكة لله ، وخابوا في مسعاهم (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ).

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (٢٦)

في هذه الآية إشارة إلى الوضع النفسي لبعض المشركين ، فهم لا يبدون أيّة مرونة تجاه سماع الحقائق ، بل أكثر من ذلك ، يناصبونها العداء ، ويقذفونها بالتهم ، فيبعدون أنفسهم وغيرهم عنها عن هؤلاء. تقول الآية : (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىءَاذَانِهِمْ وَقْرًا) (١).

إنّ نسبة هذه الامور إلى الله ، إنّما هى إشارة إلى قانون «العلة والمعلول» وخاصية «العمل» ، أي إنّ أثر الاستمرار في الانحراف والإصرار على المعاندة والتشاؤم يظهر في إتصاف نفس الإنسان بهذه المؤثرات ، لقد أثبتت التجربة أنّ المنحرفين والمذنبين يحسّون أوّل الأمر بعدم الرضا عن حالهم ، ولكنهم يعتادون ذلك بالتدريج ، وقد يصل بهم الأمر إلى اعتبار أعمالهم القبيحة لازمة وضرورية.

__________________

(١) «أكنة» : جمع «كنان» وهو كل ستار أو حاجز ؛ و «الوقر» : بمعنى ثقل السمع.

١٥

وهؤلاء وصلوا حدّاً تصفه الآية فتقول : (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّءَايَةٍ لَّايُؤْمِنُوا بِهَا) بل الأكثر من ذلك أنّهم عندما يأتون إليك ، لا يفتحون نوافذ قلوبهم أمام ما تقول ، ولا يأتون ـ على الأقل ـ بهيئة الباحث عن الحق الذي يسعى للعثور على الحقيقة والتفكير فيها ، بل يأتون بروح وفكر سلبيين ، ولا هدف لهم سوى الجدل والإعتراض : (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ). أنّهم عند سماعهم كلامك الذي يستقى من ينابيع الوحي ويجري على لسانك الناطق بالحق ، يبادرون إلى إتهامك بأنّ ما تقوله إنّما هو خرافات اصطنعها اناس غابرون : (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).

الآية التالية تذكر أنّ هؤلاء لا يكتفون بهذا ، فهم مع ضلالهم يسعون جاهدين للحيلولة دون سلوك الباحثين عن الحقيقة بما يشيعونه ويروّجونه من مختلف الأكاذيب ، ويمنعونهم أن يقتربوا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) ويبتعدون عنه بأنفسهم : (وَيَنَوْنَ عَنْهُ) (١). دون أن يدركوا أنّ من يصارع الحق يكن صريعه ، وأخيراً ، وبحسب قانون الخلق الثابت ، يظهر وجه الحق من وراء السحب ، وينتصر بما له من قوة ، ويتلاشى الباطل كما يتلاشى الزبد الطافي على سطح الماء ، وعليه فإنّ مساعيهم سوف تتحطم على صخرة الإخفاق والخيبة وما يهلكون غير أنفسهم ، ولكنهم لا يدركون الحقيقة : (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (٢٨)

في هاتين الآيتين إشارة إلى بعض مواقف عناد المشركين وفيهما يتجسد مشهد من مشاهد نتائج أعمالهم لكي يدركوا المصير المشؤوم الذي ينتظرهم فيستيقظون ، أو تكون حالهم ـ على الأقل ـ عبرة لغيرهم ، فتقول الآية : (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) لتبيّن لك مصيرهم السيىء المؤلم.

إنّهم في تلك الحال على درجة من الهلع بحيث إنّهم يصرخون : ليتنا نرجع إلى الدنيا لنعوّض عن أعمالنا القبيحة ، ونعمل للنجاة من هذا المصير المشؤوم ، ونصدّق آيات ربنا ،

__________________

(١) «ينأون» : من «نأى» بمعنى إبتعد.

١٦

ونقف إلى جاب المؤمنين : (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذّبَ بَايَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

الآية التالية تؤكد أنّ ذلك ليس أكثر من تمنّ كاذب ، وإنّما تمنّوه لأنّهم رأوا في ذلك العالم كل ما كانوا يخفونه ـ من عقائد ونيات وأعمال سيئة ـ مكشوفاً أمامهم ، فاستيقظوا يقظة مؤقتة عابرة : (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ).

غير أنّ هذه اليقظة ليست قائمة ثابتة ، بل إنّها قد حصلت لظروف طارئة ، ولذلك فحتى لو افترضنا المستحيل وعادوا إلى هذه الدنيا مرّة اخرى لفعلوا ما كانوا يفعلونه من قبل وما نهوا عنه : (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) لذلك فهم ليسوا صادقين في تمنّياتهم ومزاعمهم (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (٣٢)

هذه الآية إستئناف لأقوال المشركين المعاندين المتصلّبين الذين يتمنون ـ عندما يشاهدون أهوال يوم القيامة ـ أن يعودوا إلى دار الدنيا ليتلافوا ما فاتهم ، ولكن القرآن يقول إنّهم إذا رجعوا لا يتّجهون إلى جبران ما فاتهم ، بل يستمرون على ما كانوا عليه ، وأكثر من ذلك فإنّهم يعودون إلى إنكار يوم القيامة (وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).

الآية التالية تشير إلى مصيرهم يوم القيامة ، يوم يقفون بين يدي الله : (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هذَا بِالْحَقّ). فيكون جوابهم أنّهم يقسمون بأنّه الحقّ : (قَالُوا بَلَى وَرَبّنَا).

عندئذ : (قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ). لا شك أنّ «الوقوف بين يدي الل» لا يعني إنّ لله مكاناً ، بل يعني الوقوف في ميدان الحساب للجزاء ، كما يقول بعض المفسرين ، أو أنّه من باب المجاز ، مثل قول الإنسان عند أداء الصلاة أنّه يقف بين يدي الله وفي حضرته.

الآية التي بعدها ، فيها إشارة إلى خسران الذين ينكرون المعاد ، فتقول : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ

١٧

 كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ).

إنّ المقصود بلقاء الله هو ـ كما قلنا من قبل ـ اللقاء المعنوي والإيمان الشهودي (الشهود الباطني) ، أو هو لقاء مشاهد يوم القيامة والحساب والجزاء.

ثم تبين الآية أنّ هذا الإنكار لن يدوم ، بل سيستمر حتى قيام يوم القيامة ، حين يرون أنفسهم فجأة أمام مشاهده الرهيبة ، ويشهدون بأعينهم نتائج أعمالهم ، عندئذ ترتفع أصواتهم بالندم على ما قصّروا في حق هذا اليوم : (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا). «الساعة» : هي يوم القيامة ؛ و «بغتة» : تعني فجأة وعلى حين غرّه ، إذ تقوم القيامة دون أن يعلم بموعدها أحد سوى الله تعالى.

ثم يقول القرآن الكريم : (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ).

«الأوزار» : جمع «وزر» وهو الحمل الثقيل ، وتعني الأوزار هنا الذنوب ، ويمكن أن تتخذ هذه الآية دليلاً على تجسّد الأعمال ، لأنّها تقول إنّهم يحملون ذنوبهم على ظهورهم.

وفي آخر الآية يقول الله تعالى : (أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).

ثم لبيان نسبة الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة ، يقول الله تعالى : (وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ). فهؤلاء الذين اكتفوا بهذه الحياة ، ولا يطلبون غيرها ، هم أشبه بالأطفال الذين يودون أن لو يقضوا العمر كله في اللعب واللهو غافلين عن كل شيء.

إنّ تشبيه الحياة الدنيا باللهو واللعب يستند إلى كون اللهو واللعب من الممارسات الفارغة السطحية التي لا ترتبط بأصل الحياة الحقيقية ، سواء فاز اللاعب أم خسر ، إذ كل شيء يعود إلى حالته الطبيعية بعد اللعب.

ثم تقارن الآية حياة العالم الآخر بهذه الدنيا ، فتقول : (وَلَلدَّارُ الْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ). فتلك حياة خالدة لا تفنى في عالم أوسع وعلى مستوىً أرفع ، عالم يتعامل مع الحقيقة لا المجاز ومع الواقع لا الخيال.

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (٣٤)

المصلحون يواجهون الصعاب دائماً : لا شك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في نقاشاته المنطقية ومحاوراته الفكرية مع المشركين المعاندين المتصلّبين ، كان يواجه منهم المعاندة واللجاجة

١٨

والتصلّب والتعنّت ، بل كانوا يرشقونه بتهمهم ، ولذلك كله كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يشعر بالغم والحزن ، والله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن يواسي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويصبّره على ذلك ، لكي يواصل مسيرته بقلب أقوى وجأش أربط ، كما جاء في هذه الآية : (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ). فاعلم أنّهم لا ينكرونك أنت ، بل هم ينكرون آيات الله ، ولا يكذّبونك بل يكذّبون الله : (فَإِنَّهُمْ لَايُكَذّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بَايَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ).

ومثل هذا القول شائع بيننا ، فقد يرى «رئيس» أنّ «مبعوثه» إلى بعض الناس عاد غاضباً ، فيقول له : «هوّن عليك ، فإنّ ما قالوه لك إنّما كان موجّهاً إليّ ، وإذا حصلت مشكلة فأنا المقصود بها ، لا أنت» وبهذا يسعى إلى مواساة صاحبه والتهوين عليه.

الآية الثانية تستأنف مواساة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وتبيّن له حال من سبقه من الأنبياء ، وتؤكد له أنّ هذا ليس مقتصراً عليه وحده ، فالأنبياء قبله نالهم من قومهم مثل ذلك أيضاً : (وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ).

ولكنهم صبروا وتحمّلوا حتى انتصروا بعون الله : (فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتهُمْ نَصْرُنَا) وهذه سنة إلهية لا قدرة لأحد على تغييرها : (وَلَا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ).

وعليه ، فلا تجزع ولا تبتئس إذا ما كذّبك قومك وآذوك ، بل اصبر على معاندة الأعداء وتحمّل أذاهم ، واعلم أنّ الإمدادات والألطاف الإلهية ستنزل بساحتك بموجب هذه السنّة ، فتنتصر في النهاية عليهم جميعاً ، وإنّ ما وصلك من أخبار الأنبياء السابقين عن مواجهتهم الشدائد والمصاعب وعن ثباتهم وصبرهم وإنتصارهم في النهاية ، لهو شهادة بيّنة لك : (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ).

تشير هذه الآية إلى مبدأ عام هو أنّ قادة المجتمع الصالحين الذين يسعون لهداية الشعوب عن طريق الدعوة إلى مبادىء وتعاليم بنّاءة ، وبمحاربة الأفكار المنحطّة والخرافات السائدة والقوانين المغلوطة في المجتمع ، يواجهون معارضة شديدة من جانب فريق الإنتهازيين الذين يرون في انتشار تلك التعاليم والمبادىء البنّاءة خطراً يهدد مصالحهم ، فلا يتركون وسيلة إلّا استخدموها لترويج أهدافهم المشؤومة ، وبكل ما يخطر لهم من سلاح لمحاربة اولئك المصلحين.

إلّا أنّ الحقيقة ، بما فيها من قوة الجاذبية والعمق ، وبموجب السنّة الإلهية ، تعمل عملها إلّا أنّ شرط هذا الإنتصار هو الصبر والمقاومة والثبات.

١٩

(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦)

الأموات المتحركون : هاتان الآيتان استمرار لمواساة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله التي بدأت في الآيات السابقة لقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يشعر بالحزن العميق لضلال المشركين وعنادهم ، وكان يود لو أنّه استطاع أن يهديهم جميعاً إلى طريق الإيمان بأيّة وسيلة كانت. فيقول الله تعالى : (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بَايَةٍ). أي إذا كان إعراض هؤلاء المشركين يصعب ويثقل عليك ، فشق أعماق الأرض أو ضع سلّماً يوصلك إلى السماء للبحث عن آية ـ إن استطعت ـ ولكن اعلم أنّهم مع ذلك لن يؤمنوا بك.

في هذه الآية يخبر الله نبيّه بأن ليس في تعليماتك ودعوتك وسعيك أي نقص ، بل النقص فيهم لأنّهم هم الذين رفضوا قبول الحق ، لذلك فإنّ أيّ مسعى من جانبك لن يكون له أثر فلا تقلق.

ولكن لكيلا يظن أحد أنّ الله غير قادر على حملهم على التسليم يقول : (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى). أي لو أراد حملهم على الإستسلام والرضوخ لدعوتك والإيمان بالله لكان على ذلك قديراً.

غير أنّ الإيمان الإجباري لا طائل تحته ، إنّ خلق البشر للتكامل مبني على أساس حرية الاختيار والإرادة ، ففي حالة حرية الاختيار وحدها يمكن تمييز «المؤمن» من «الكافر» و «الصالح» من «غير الصالح» و «الصادق» من «الكاذب».

ثم يقول سبحانه لنبيّه : (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ). أي لقد قلت هذا لئلا تكون من الجاهلين ، أي لا تفقد صبرك ولا تجزع ، ولا يأخذك القلق بسبب كفرهم وشركهم.

وما من شك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعلم هذه الحقائق ولكن الله ذكرها له من باب التطمين وتهدئة الروع.

في الآية التي تليها استكمال لما سبق ومزيد من المواساة للرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله فتقول الآية : (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ).

٢٠