مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ١

آية الله مكارم الشيرازي

مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ١

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-533-048-3
ISBN الدورة:
964-533-53-X

الصفحات: ٥٧٥

١

٢

٣

٤

مقدمّة :

إنّ القرآن الكريم يمثّل أعظم رأسمال في حياتنا نحن المسلمين ففي هذا الكتاب السماوي كل شيء يتصل بحياة الإنسان الدنيوية والأخروية من معارف ، وأحكام ، ومنهج حياة ، وسياسة إسلامية ، وطريقة معنوية في حركة الفرد نحو مقام القرب الإلهي وغير ذلك.

على هذا الأساس فإنّ وظيفة كل مسلم تكمن في التعرف أكثر فأكثر على مضامين هذا الكتاب الإلهي ، هذا من جهة ...

ومن جهة أخرى فإنّ صوت الإسلام ـ بعد الصحوة الإسلامية التي يشهدها المسلمون وخاصة بعد الثورة الإسلامية في ايران ـ قد ملأ آفاق العالم ، وأثار فضول غير المسلمين ورغبتهم في الإطلاع أكثر على أسرار ومعارف هذا السفر السماوي. ولهذا السبب ترتفع من كل مكان أصوات تطالب بترجمة وتفسير القرآن الكريم بمختلف اللغات الحيّة في العالم ، وبالرغم من قصور حركة الاستجابة لهذه المطالبات على مستوى الواقع ، إلّاأننا يجب علينا السعي بجدّية لنكون على مستوى الأمل والطموح في عملية الاستجابة وتحقيق هذه المطالبات.

ولحسن الحظ فإنّ حضور القرآن الكريم في حركة حياة المسلمين الفردية والاجتماعية في العالم ، وخاصة في أجواء بلدنا ايران ، يزداد ويشتد يوماً بعد آخر ، وعدد القرّاء الكبار والحافظين الأجلاء والمفسّرين العارفين في مجتمعنا والحمد الله ، ليس بالقليل ، وقد صار فرع التفسير في الحوزة العلمية في قم أحد الفروع التخصصية المهمّة في الدراسات العلمية في الحوزة التي تحظى باستقبال واسع من قبل الطلّاب وصار درس التفسير من الدروس الرسمية في الحوزة وأحد موارد الامتحان فيها ، ومن هنا جاء «التفسير الأمثل» لعبّر عن استجابة طبيعية لهذه المرحلة ، وهي تفسير يتميّز بالوضوح والمرونة والسهولة وفي ذات الوقت عميق المضامين دقيق المحتويات وناظر في معارفه لما يعيشه المسلمون من مسائل وتحديات يفرضها الواقع الاجتماعي والحضاري في حركة الحياة. ولعل من عوامل استقبال الناس الواسع لهذا التفسير هو ما تقدم من توجّه الناس في العصر الحاضر للقرآن الكريم.

وبالرغم من أنّ جهوداً كبيرة بذلت ولمدّة خمسة عشر سنة ، لإخراج هذا التفسير إلى حيز الوجود وبمشاركة مجموعة من الفضلاء الأعزاء في الحوزة العلمية في قم وهم حجج الإسلام السادة : محمد رضا الآشتياني ، محمد جعفر الإمامي ، داود الالهامي ، أسد الله الإيماني ، عبدالرسول الحسني ، السيد حسن الشجاعي ، السيد نور الله الطباطبائي ، محمود عبداللهي ، محسن قراءتي ،

٥

محمد محمدي الاشتهاردي ، ومساهمة الاخوة الأفاضل الاستاذ محمد علي آذرشب ، الشيخ محمد رضا آل صادق ، الاستاذ خالد توفيق عيسى ، السيد محمّد الهاشمي ، الاستاد قصي هاشم فاخر ، الاستاذ أسد مولوي ، الشيخ مهدي الأنصاري ، والسيد أحمد القبانچي ، والشيخ هاشم الصالحي في تنقيح هذا السفر الجليل.

ولكن الاستقبال الواسع ، الذي حظى به هذا التفسير من قبل مختلف شرائح المجتمع الإسلامي بما فيهم خواننا أهل السنّة ، قد أزال جميع الاتعاب المذكورة وغرس في قلوب الأعزاء الأمل بأن يقع هذا العمل مورد قبول ورضا الله تبارك وتعالى.

* * *

وبعد طبع ونشر «التفسير الأمثل» طلب الكثير من الناس العمل على نشر خلاصة لهذا التفسير القيّم ، ولرغبتهم في التعرف على مضمون إجمالي للآيات الكريمة وبنفقات أقل وفي ذات الوقت يستفاد من هذه الخلاصة بعنوان متن دراسي في عملية التفسير.

هذا الطلب المتكرر دعانا للتفكير في القيام بتخليص جميع هذه الدورة التفسيرية المكوّنة من ١٥ جزءاً في خمسة أجزاء ، ولكن هذا العمل لم يكن باليسير وقد استغرق التحضير ودراسة جميع تفاصيله مدّة من الزمان حتى أخذ حجّة الإسلام الشيخ الفاضل أحمد علي بابائي ـ دامت تأييداته ـ على عهدته إنجاز هذا المشروع المهم.

وبدوري فقد كنت أقوم بعملية الاشراف ومطالعة ما كتب فضيلته باستمرار وأبدي ملاحظاتي بالمقدار اللازم في الموارد التي تحتاج إلى إلفات نظر وتذكير ، وبالجملة فأنا اعتقد أنّ هذا العمل ـ وبحمد الله ـ هو عمل قيّم ومثمر ويتضمّن شرحاً وافياً للآيات الشريفة من جهة ، وتفسيراً مختصراً لمن يروم قراءة تفسيرية سريعة للقرآن الكريم ، وقد سمّي «مختصر الأمثل».

وإذا أتقدم بالشكر والتقدير للجهود التي بذلها فضيلة الشيخ في هذ السبيل ، فكلّي أمل في أن يقع هذه الخلاصة ، التي تتضمّن مقتطفات مهمّة وحسّاسة من التفسير الكبير ، مورد قبول أصحاب الخبرة وعامّة الناس من أهل القرآن ويكون هذا الجهد ذخيرتنا جميعاً يوم القيامة.

ونسأل الله سبحانه أنّ يوفّق كل العاملين على إعلاء راية القرآن في العالم ويسدّد خطاهم وينصرهم على أعدائهم.

ونسأله جلّ وعلا أن يوفّق العلماء والمفكّرين الواعين الملتزمين إلى قيادة هذا التحرك الإسلامي المتصاعد في كل أرجاء العالم الإسلامي ، قيادة أصلية قائمة على هدى القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، إنّه تعالى سميع مجيب.

قم ـ الحوزة العلمية

ناصر مكارم الشيرازي

٦

١

سورة الفاتحة

خصائص السورة : لهذه السورة مكانة متميزة بين سائر سور القرآن الكريم ، وتتميز بالخصائص التالية :

١ ـ سياق السورة : تختلف سورة الحمد عن سائر سور القرآن في لحنها وسياقها ، شاء الله في هذه السورة أن يعلّم عباده طريقة خطابهم له ومناجاتهم إيّاه.

تبدأ هذه السورة بحمد الله والثناء عليه ، وتستمر في إقرار الإيمان بالمبدأ والمعاد «بالله ويوم القيامة» ، وتنتهي بالتّضرع والطلب.

٢ ـ سورة الحمد أساس القرآن : في تفسير العياشي أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لجابر بن عبد الله الأنصاري : «يا جابر! ألا اعلّمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه»؟ فقال له جابر : بلى بأبي أنت وامّي يا رسول الله ، علّمنيها. فعلّمه الحمد ام الكتاب. ثم قال : «يا جابر ألا اخبرك عنها»؟ قال : بلى بأبي أنت وامي ، فأخبرني فقال : «هى شفاء من كل داء ، إلّاالسّام ، والسّام الموت».

وفي تفسير مجمع البيان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ، هى ام الكتاب وهي السبع المثاني ، وهي مقسومة بين الله وبين عبده ولعبده ما سأل».

«الام» : يعني هنا الأساس والجذر ، ولعل ابن عباس ينطلق من هذا الفهم إذ يقول :

٧

«إنّ لكل شيء أساساً ... وأساس القرآن الفاتحة» (١).

وفي تفسير مجمع البيان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «أيّما مسلم قرأ فاتحة الكتاب اعطي من الأجر كأنّما قرأ ثلثي القرآن واعطي من الأجر كأنّما تصدّق على كل مؤمن ومؤمنة».

٣ ـ سورة الحمد شرف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : يتحدّث القرآن الكريم عن سورة الحمد باعتبارها هبة إلهية لرسوله الكريم ، ويقرنها بكل القرآن إذ يقول : (وَلَقَدْءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ) (٢).

٤ ـ التأكيد على تلاوة هذه السورة : تلاوة هذه السورة تبعث الروح والإيمان والصفاء في النفوس ، وتقرّب العبد من الله ، وتبعده عن ارتكاب الذنوب والانحرافات ، ولذلك كانت ام الكتاب صاعقة على رأس (إبليس) كما ورد في تفسير نور الثقلين عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام : «رنّ إبليس أربع رنّات ، أوّلهن يوم لعن ، وحين اهبط إلى الأرض ، وحين بعث محمّد ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ على حين فترة من الرسل ، وحين انزلت ام الكتاب».

محتوى السورة : يمكن تقسيم هذه السورة ، من جهة أخرى إلى قسمين : قسم يختص بحمد الله والثناء عليه ، وقسم يتضمن حاجات العبد. وإلى هذا التقسيم يشير الحديث الشريف في عيون الأخبار عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

«قال الله عزوجل : قسّمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل.

إذا قال العبد : «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ». قال الله جلّ جلاله : بَدأ عبدي باسمي وحق عليّ أن اتمّم له اموره وابارك له في أحواله.

فإذا قال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ). قال الله جلّ جلاله : حمدني عبدي وعلم أنّ النعم التي له من عندي ، وأنّ البلايا التي دفعت عنه فبتطوّلي ، اشهدكم أنّي اضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا.

وإذا قال : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). قال الله جلّ جلاله : شهد لي عبدي أنّي الرّحمن الرّحيم ، اشهدكم لِاوفّرنّ من رحمتي حظّه ولُاجزلنّ من عطائي نصيبه.

__________________

(١) تفسير مجمع البيان ، بداية سورة الحمد.

(٢) سيأتي تفسير «سبعاً من المثاني» في ذيل الآية (٨٧) من سورة الحجر.

٨

فإذا قال : (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ). قال الله تعالى : اشهدكم كما اعترف بأنّي أنا مالك يوم الدّين لُاسهّلنّ يوم الحساب حسابه ، ولأتقبّلنّ حسناته ، ولأتجاوزنّ عن سيّئاته.

فإذا قال العبد : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). قال الله عزوجل : صدق عبدي ، إيّاي يعبد اشهدكم لُاثيبنّه على عبادته ثواباً يغبطه كل من خالفه في عبادته لي.

فإذا قال : (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). قال الله تعالى : بي استعان عبدي ، وإليّ إلتجأ ، اشهدكم لُاعيننّه على أمره ، ولُاغيثنّه في شدائده ولآخذنّ بيده يوم نوائبه.

فإذا قال : (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). إلى آخر السورة ، قال الله عزوجل : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل وقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمّل وآمنته ممّا منه وجل».

لماذا سمّيت فاتحة الكتاب؟ «فاتحة الكتاب» اسم اتّخذته هذه السورة في عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما يبدو من الأخبار والأحاديث المنقولة عن النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وهذه المسألة تفتح نافذة على مسألة مهمة من المسائل الإسلامية ، وتلقي الضوء على قضية جمع القرآن ، وتوضّح أنّ القرآن جُمع بالشكل الذي عليه الآن في زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، خلافاً لما قيل بشأن جمع القرآن في عصر الخلفاء ، فسورة الحمد ليست أوّل سورة في ترتيب النّزول حتى تسمى بهذا الإسم ، ولا يوجد دليل آخر لذلك ، وتسميتها بفاتحة الكتاب يرشدنا إلى أنّ القرآن قد جمع في زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الترتيب الذي هو عليه الآن.

وثمّة أدلة اخرى تؤيّد حقيقة جمع القرآن بالترتيب الذي بأيدينا اليوم في عصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وبأمره.

روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : «إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ : يا علي! القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس ، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة فانطلق عليّ فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه في بيته وقال : لا أرتدي حتى أجمعه».

وهنا يثار سؤال حول المشهور بين بعض العلماء بشأن جمع القرآن بعد عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي الجواب نقول : إنّ ما روي بشأن جمع القرآن على يد الإمام علي عليه‌السلام بعد عصر الرسول ، لم يكن جمعاً للقرآن وحده ، بل هو مجموعة تتضمن القرآن وتفسيره وأسباب نزول الآيات وما شابه ذلك ممّا يحتاجه الفرد لفهم كلام الله العزيز.

كما يؤكد (حديث الثقلين) المروي في المصادر الشيعية والسنية ، حيث أوصى رسول

٩

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بوديعته : كتاب الله وعترته ، أنّ القرآن كان قد جمع في مجموعة واحدة في عصر الرسول الأعظم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)

دأبت الأمم والشعوب على أن تبدأ كل عمل مهم ذي قيمة بإسم كبير من رجالها أي أنّ أصحاب المؤسسة يبدأون العمل باسم تلك الشخصية ، ولكن أليس من الأفضل أن يبدأ العمل في اطروحة اريد لها البقاء والخلود باسم وجود خالد قائم لا يعتريه الفناء؟

فصفة الخلود والأبدية يختص بها الله تعالى من بين سائر الوجودات ، ومن هنا ينبغي أن يبدأ كل شيء باسمه وتحت ظله وبالإستمداد منه ولذلك كانت البسملة أوّل آية في القرآن الكريم.

والبسملة لا ينبغى أن تنحصر في اللفظ والصورة ، بل لابدّ أن تتعدّى ذلك إلى الإرتباط الواقعى بمعناها ، وهذا الإرتباط يخلق الإتجاه الصحيح ويصون من الإنحراف ، ويؤدي حتماً إلى نتيجة مطلوبة مباركة ، لذلك جاء في الحديث النبوي الشريف : «كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو أبتر» (١).

وفي تفسير الميزان عن الإمام محمّد بن علي الباقر عليه‌السلام قال : «... وينبغي الإتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك به».

وبعبارة موجزة : فإنّ بقاء العمل وخلوده يتوقف على إرتباطه بالله.

من هنا كانت الآية الاولى التي أنزلها الله على نبيّه الكريم تحمل أمراً لصاحب الرسالة أن يبدأ مهمّته الكبرى باسم الله : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ) (٢).

ولذلك أيضاً فإنّ نوحاً عليه‌السلام حينما أراد أن يركب السفينة في ذلك الطوفان العجيب ، ويمخر عباب الأمواج الهادرة ، ويواجه ألوان الأخطار على طريق تحقيق هدفه يطلب من أتباعه

__________________

(١) بحار الأنوار ٧٣ / ٣٠٥.

(٢) سورة العلق / ١.

١٠

أن يردّدوا البسملة في حركات السفينة وسكناتها : (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَيهَا) (١).

وسليمان عليه‌السلام يبدأ رسالته إلى ملكة سبأ بالبسملة : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٢).

وانطلاقاً من هذا المبدأ تبدأ كل سور القرآن بالبسملة ، كي يتحقق هدفها ، وهوالأصل المتمثل بهداية البشرية نحو السعادة ، ويحالفها التوفيق من البداية إلى ختام المسيرة. وتنفرد سورة التوبة بعدم بدئها بالبسملة ، لأنّها تبدأ بإعلان الحرب على مشركي مكة وناكثي الإيمان ، وإعلان الحرب لا ينسجم مع وصف الله بالرّحمن الرّحيم.

وطبيعي أنّ البدء باسم الله الذي تفوق قدرته كل قدرة ، يبعث فينا القوة ، والعزم ، والثقة ، والإندفاع ، والصمود والأمل أمام الصعاب والمشاكل ، والإخلاص والنزاهة في الحركة.

والإمام الصّادق عليه‌السلام قال : «ولربّما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا بسم الله الرّحمن الرّحيم فيمتحنه الله بمكروه وينبّهه على شكر الله تعالى والثناء عليه ويمحو فيه عنه وصمة تقصيره عند تركه قول بسم الله» (٣).

بحوث

١ ـ هل البسملة جزء من السورة؟ أجمع علماء الشيعة على أنّ البسملة جزء من سورة الحمد وكل سور القرآن ، وكتابتها في مطالع السور أفضل شاهد على ذلك ، لأنّنا نعلم أن النصّ القرآني مصون عن أية إضافة ، وذكر البسملة معمول به منذ زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

أضف إلى ذلك ، أنّ سيرة المسلمين جرت دوماً على قراءة البسملة في مطالع السور لدى تلاوة القرآن ، وثبت بالتواتر قراءة النبي لها ، وكيف يمكن أن تكون أجنبية عن القرآن والنبي والمسلمون يواظبون على قراءتها لدى تلاوتهم القرآن.

والمسألة واضحة إلى درجة كبيرة حتى روى صاحب السنن الكبرى : صلّى معاوية بالمدينة صلاة فلم يقرأ البسملة ، فلما سلم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان ، يا معاوية! أسرقتَ أم نَسيتَ؟

٢ ـ لفظ الجلالة جامع لصفاته تعالى : إنّ كلمة «اسم» هي أوّل ما تطالعنا في البسملة من

__________________

(١) سورة هود / ٤١.

(٢) سورة النمل / ٣٠.

(٣) بحار الأنوار ٧٣ / ٣٠٥.

١١

كلمات ، وهو في رأي علماء اللغة من «السموّ» على وزن «العُلوّ» ، ومعناه الإرتفاع.

وبعد كلمة الإسم نلتقي بكلمة «الله» وهي أشمل أسماء ربّ العالمين ، فكل إسم ورد لله في القرآن الكريم وسائر المصادر الإسلامية يشير إلى جانب معين من صفات الله ، والإسم الوحيد الجامع لكل الصفات والكمالات الإلهيّة أو الجامع لكل صفات الجلال والجمال هو «الله».

ولذلك اعتبرت بقية الإسماء صفات لكلمة «الله» مثل : «الغفور» و «الرّحيم» و «السميع» و «العليم» و «البصير» و «الرزّاق» و «ذوالقوّة» و «المتين» و «الخالق» و «الباري» و «المصوّر».

فكلمة «الله» هي وحدها الجامعة ، ومن هنا اتخذت هذه الكلمة صفات عديدة في آية كريمة واحدة ، حيث يقول تعالى : (هُوَ اللهُ الَّذِى لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبّرُ) (١).

وأحد شواهد جامعية هذا الاسم أنّ الإيمان والتوحيد لا يمكن إعلانه إلّابعبارة «لا إله إلّا الله» ، وعبارة (لا إله إلّاالقادر ... أو إلّاالخالق ... أو إلّاالرزّاق) لا تفي بالغرض.

٣ ـ الرحمة الإلهية الخاصة والعامة : المشهور بين جماعة من المفسرين أنّ صفة «الرّحمن» تشير إلى الرحمة الإلهيّة العامة ، وهي تشمل الأولياء والأعداء ، والمؤمنين والكافرين ، والمحسنين والمسيئين ، فرحمته تعمّ المخلوقات ، وخوان فضله ممدود أمام جميع الموجودات.

وصفة «الرّحيم» إشارة إلى رحمته الخاصة بعباده الصالحين المطيعين ، قد استحقوها بإيمانهم وعملهم الصالح ، وحُرم منها المنحرفون والمجرمون.

لذلك فإنّ صفة «الرّحمن» ذكرت بصورة مطلقة في القرآن الكريم ممّا يدل على عموميتها ، لكن صفة «الرّحيم» ذكرت أحياناً مقيدة ، لدلالتها الخاصّة ، كقوله تعالى : «وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَّحِيمًا» (٢). وأحياناً اخرى مطلقة كما في هذه السورة.

وفي الكافي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام قال : «والله إله كل شيء الرّحمن بجميع خلقه ، والرّحيم بالمؤمنين خاصة».

لِم لَم تَرد بقية صفات الله في البسملة؟ في البسملة ذكرت صفتان لله فقط هما : الرحمانية والرحيمية ، فما هو السبب؟

__________________

(١) سورة الحشر / ٢٣.

(٢) سورة الأحزاب / ٤٣.

١٢

الجواب يتضح لو عرفنا أنّ كل عمل ينبغي أن يبدأ بالإستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل كل الموجودات ، وتنقذ المستغيثين في اللحظات الحساسة.

هذه حقيقة يوضحها القرآن في الآية (١٥٦) من سورة الأعراف إذ يقول : (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ).

ومن جانب آخر نرى الأنبياء وأتباعهم يتوسلون برحمة الله في المواقف الشديدة الحاسمة. فقوم موسى تضرعوا إلى الله أن ينقذهم من تجبّر فرعون وظلمه ، وتوسلوا إليه برحمته فقالوا : (وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ) (١).

وبشأن هود وقومه ، يقول القرآن : (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحمَةٍ مِنَّا) (٢).

فإنّ أفعال الله تقوم أساساً على الرحمة ، والعقاب له طابع استثنائي لا ينزل إلّافي ظروف خاصة ، كما نقرأ في دعاء الجوشن الكبير المروية عن آل بيت رسول الله : «يا من سبقت رحمتُه غضبَه».

فالمجموعة البشرية السائرة على طريق الله ينبغي أن تقيم نظام حياتها على هذا الأساس أيضاً ، وأن تقرن مواقفها بالرحمة والمحبة ، وأن تترك العنف إلى المواضع الضرورية.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (٢)

العالم مغمور في رحمته تعالى : بعد البسملة ، يأتي أول واجبات العباد وهو أن يستحضر دوماً مبدأ عالم الوجود ، ونعمه اللامتناهية ، هذه النعم التي تحيطنا وتغمر وجودنا ، وتهدينا إلى معرفة الله من جهة ، وتدفعنا على طريق العبودية من جهة اخرى.

وعندما نقول أنّ النعم تشكّل دافعاً ومحرّكاً على طريق العبودية ، لأنّ الإنسان مفطور على البحث عن صاحب النعمة حينما تصله النعمة ، ومفطور على أن يشكر المنعم على إنعامه.

من هنا فإنّ علماء الكلام (علماء العقائد) يتطرقون في بحوثهم الأولية لهذا العلم إلى «وجوب شكر المنعم» باعتباره أمراً فطرياً وعقلياً دافعاً إلى معرفة الله سبحانه.

وإنّما قلنا إنّ النعم تهدينا إلى معرفة الله ، لأنّ أفضل طريق وأشمل سبيل لمعرفته سبحانه ، دراسة أسرار الخليقة ، وخاصة ما يرتبط بوجود النعم في حياة الإنسان.

__________________

(١) سورة يونس / ٨٦.

(٢) سورة الأعراف / ٧٢.

١٣

وممّا تقدم نفهم لماذا ابتدأت سورة الحمد بعبارة : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ).

«الحمد» في اللغة : الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيار ، أي حينما يؤدّي شخص عملاً طيّباً عن وعي ، أو يكتسب عن اختيار صفة تؤهله لأعمال الخير فإنّنا نحمده ونثني عليه. ولو علمنا أنّ الألف واللام في (الحمد) هي لاستغراق الجنس ، لعلمنا أنّ كل حمد وثناء يختص بالله سبحانه دون سواه.

فثناؤنا على الآخرين ينطلق من ثنائنا عليه تعالى ، لأنّ مواهب الواهبين كالأنبياء في هدايتهم للبشر ، والمعلمين في تعليمهم ، والكرماء في بذلهم وعطائهم ، والأطباء في علاجهم للمرضى وتطبيبهم للمصابين ، إنّما هي في الأصل من ذاته المقدسة.

وهكذا الشمس حين تغدق علينا بأشعتها ، والسحب بأمطارها ، والأرض ببركاتها ، كل ذلك منه سبحانه ، ولذلك فكل الحمد له.

جدير بالذكر أنّ الحمد ليس بداية كل عمل فحسب ، بل هو نهاية كل عمل أيضاً كما يعلمنا القرآن. يقول سبحانه في الآية (١٠) من سورة يونس عن أهل الجنة : (دَعْوَيهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَيهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ).

أمّا كلمة «ربّ» : فهي في الأصل بمعنى مالك وصاحب الشيء الذي يهتم بتربيته واصلاحه. وكلمة «عالمين» : جمع «عالم» والعالم : مجموعة من الموجودات المختلفة وحين تجمع بصيغة «عالمين» فيقصد منها كل مجموعات هذا العالم.

وفي تفسير نور الثقلين عن الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام في تفسير «ربّ العالمين» قال : «ربّ العالمين وهم الجماعات من كل مخلوق من الجمادات والحيوانات».

(الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٣)

إنّ صفتي «الرّحمن» و «الرّحيم» تتكرران في البسملة والحمد ، «والملتزمون» بذكر البسملة في السورة يكررون هاتين الصفتين في صلواتهم اليومية الواجبة ثلاثين مرّة ، وكذلك في الحمد وبذلك يصفون الله برحمته ستين مرّة يومياً. وهذا في الواقع درس لكل جماعة بشرية سائرة على طريق الله ، وتواقة للتخلق بأخلاق الله ، أنّه درس يبعد البشرية عن تلك الحالات التي شهدها تاريخ الرق في ظل القياصرة والأكاسرة والفراعنة.

١٤

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (٤)

الإيمان بيوم القيامة : في هذه السورة تلفت الأنظار إلى أصل مهم آخر من اصول الإسلام ، هو يوم القيامة : (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ) وبذلك يكتمل محور المبدأ والمعاد ، الذي يعتبر أساس كل إصلاح أخلاقي واجتماعي في وجود الإنسان.

إنّ تعبير «مالك» يوحي بسيطرة الله التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء وعلى كل فرد في ذلك اليوم ، حيث تحضر البشرية في تلك المحكمة الكبرى للحساب ، وتقف أمام مالكها الحقيقي للحساب ، وترى كل ما فعلته وقالته ، بل وحتى ما فكرت به ، حاضراً ، فلا يضيع أي شيء ـ مهما صغر ـ ولا ينسى ، والإنسان ـ وحده ـ يحمل أعباء نتائج أعماله ، بل نتائج كل سنّة استنّها في الأرض أو مشروع أقامه.

ومالكية الله في ذلك اليوم دون شك ليست ملكية اعتبارية ، نظير ملكيتنا للأشياء في هذا العالم ، فملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق ، وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق اخرى ، لكن ملكية الله لعالم الكون ملكية حقيقية. وبعبارة اخرى : مالكية الله نتيجة خالقيته وربوبيته ، فالذي خلق الموجودات ورعاها وربّاها ، وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة ، هو المالك الحقيقي للموجودات.

وقد يسأل سائل فيقول : لماذا وصفنا الله بأنّه (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ) بينما هو مالك الكون كله؟ والجواب هو أنّ الله مالك لعالم الدنيا والآخرة ، لكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر ، لأنّ الإرتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تتلاشى كلها في ذلك اليوم ، وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ إلّابأمر الله : (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (١).

إنّ الإيمان بيوم القيامة ، وبتلك المحكمة الإلهيّة الكبرى التي يخضع فيها كل شيء للإحصاء الدقيق ، له الأثر الكبير في ضبط الإنسان أمام الزلّات ، ووقايته من السقوط في المنحدرات ، وأحد أسباب قدرة الصلاة على النهي عن الفحشاء والمنكر هو أنّها تذكّر الإنسان بالمبدأ المطلع على حركاته وسكناته وتذكره أيضاً بمحكمة العدل الإلهي الكبرى.

وفي تفسير نور الثقلين عن علىّ بن إبراهيم : كان عليّ بن الحسين عليه‌السلام : «إذا قرأ (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ) يكرّرها حتى يكاد أن يموت».

__________________

(١) سورة الانفطار / ١٩.

١٥

أمّا تعبير «يَوْمِ الدّينِ» فحيثما ورد في القرآن فهو يعني يوم القيامة ، وتكرر ذلك في أكثر من عشرة مواضع من كتاب الله العزيز ، وفي الآيات (١٧ إلى ١٩) من سورة الإنفطار ورد هذا المعنى بصراحة.

وأمّا سبب تسمية هذا اليوم بيوم الدين ، فلأنّ يوم القيامة يوم الجزاء ، و «الدين» في اللغة : «الجزاء» ، والجزاء أبرز مظاهر القيامة ، ففي ذلك اليوم تُكشف السرائر ويُحاسب الناس عمّا فعلوه بدقة ، ويرى كل فرد جزاء ما عمله صالحاً أم طالحاً.

وفي تفسير مجمع البيان عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام : «ملك يوم الدّين يعني يوم الحساب». و «الدين» استناداً إلى هذه الرواية يعني (الحساب).

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (٥)

الإنسان بين يدي الله : في هذه الآية يستشعر الإنسان ـ بعد رسوخ أساس العقيدة ومعرفة الله في نفسه ـ حضوره بين يدي الله ... يخاطبه ويناجيه ، يتحدث إليه أوّلاً عن تعبده ، ثم يستمد العون منه وحده دون سواه : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

فالآيات السابقة تحدثت عن توحيد الذات والصفات ، وهذه الآية تتحدّث عن توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.

فتوحيد العبادة : يعني الإعتراف بأنّ الله سبحانه هو وحده اللائق بالعبادة والطاعة والخضوع ، وبالتشريع دون سواه ، كما يعني تجنب أيّ نوع من العبودية والتسليم لغير ذاته المقدسة.

وتوحيد الأفعال : هو الإيمان بأنّ الله هو المؤثّر الحقيقي في العالم (لا مؤثّر في الوجود إلّا الله). وهذا لا يعني إنكار عالم الأسباب ، وتجاهل المسببات ، بل يعني الإيمان بأنّ تأثير الأسباب ، إنّما كان بأمر الله.

وثمرة هذا الاعتقاد أنّ الإنسان يصبح معتمداً على «الله» دون سواه ، ويرى أنّ الله هو القادر العظيم فقط ، ويرى ما سواه شبحاً لا حول له ولا قوّة ، وهو وحده سبحانه اللائق بالإتكال والاعتماد عليه في كل الامور. وهذا التفكير يحرر الإنسان من الإنشداد إلى أيّ موجود من الموجودات ، ويربطه بالله وحده.

إنّ كلمة «نعبد» و «نستعين» بصيغة الجمع تشير إلى أنّ العبادة ـ خاصة الصّلاة ـ تقوم

١٦

على أساس الجمع والجماعة ، وعلى العبد أن يستشعر وجوده ضمن الجمع والجماعة ، حتّى حين يقف متضرّعاً بين يدي الله ، فما بالك في المجالات الاخرى.

وهذا الاتجاه في العبادة يعني رفض الإسلام لكل ألوان الفردية والإنعزال.

الاستعانة به تعالى في كل الامور : يواجه الإنسان في مسيرته التكاملية قوى مضادة داخلية (في نفسه) ، وخارجية (في مجتمعه) ، ويحتاج في مقاومة هذه القوى المضادة إلى العون والمساعدة ، ومن هنا يلزم على الإنسان عندما ينهض صباحاً أن يكرر عبارة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ليعترف بعبوديته لله سبحانه ، وليستمد العون منه في مسيرته الطويلة الشاقة ، وعندما يجنّ عليه الليل لا يستسلم للرقاد إلّابعد تكرار هذه العبارة أيضاً ، والإنسان المستعين حقّاً ، هو الذي تتضاءل أمام عينيه كل القوى المتجبّرة المتغطرسة ، وكل الجواذب المادية الخادعة ، وذلك ما لا يكون إلّاحينما يرتفع الإنسان إلى مستوى القول : (إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ) (١).

(اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) (٦)

السير على الصراط المستقيم : بعد أن يقّر الإنسان بالتسليم لربّ العالمين ، ويرتفع إلى مستوى العبودية لله والإستعانة به تعالى ، يتقدم هذا العبد بأوّل طلب من بارئه ، وهو الهداية إلى الطريق المستقيم ، طريق الطّهر والخير ، طريق العدل والإحسان ، طريق الإيمان والعمل الصالح ، ليهبه الله نعمة الهداية كما وهبه جميع النعم الاخرى.

فالإنسان في هذه المرحلة مؤمن طبعاً وعارف بربّه ، لكنه معرّض دوماً بسبب العوامل المضادة إلى سلب هذه النعمة والانحراف عن الصراط المستقيم.

ثمّة سؤال يتبادر إلى الإذهان عن سبب طلبنا من الله الهداية إلى الصراط المستقيم ، تُرى هل نحن ضالون كي نحتاج إلى هذه الهداية؟ وكيف يصدر مثل هذا الأمر عن المعصومين وهم نموذج الإنسان الكامل؟

وفي الجواب نقول : أوّلاً : إنّ الإنسان معرض في كل لحظة إلى خطر التعثر والانحراف عن مسير الهداية ولهذا كان على الإنسان تفويض أمره إلى الله ، والإستمداد منه في تثبيت قدمه

__________________

(١) سورة الأنعام / ١٦٢.

١٧

على الصراط المستقيم. ثانياً : إنّ الهداية هي السير على طريق التكامل ، حيث يقطع فيه الإنسان تدريجياً مراحل النقصان ليصل إلى المراحل العليا.

وممّا تقدم نفهم سبب تضرع حتى الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام لله تعالى ليهديهم (الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فالكمال المطلق لله تعالى ، وجميع ما سواه يسيرون على طريق التكامل ، فما الغرابة في أن يطلب المعصومون من ربّهم درجات عليا.

ولمزيد من التوضيح نذكر الحديث التالى :

في معاني الأخبار عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه‌السلام قال في تفسير (إِهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) : «يعني أرشدنا للزوم الطّريق المؤدّي إلى محبّتك ، والمبلّغ إلى جنّتك ، والمانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب ، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك».

ما هو الصراط المستقيم؟ هذا الصراط كما يبدو من تفحص آيات الذكر الحكيم هو دين التوحيد والالتزام بأوامر الله ، ولكنه ورد في القرآن بتعابير مختلفة.

فهو الدين القيّم ونهج إبراهيم عليه‌السلام ونفي كل أشكال الشرك كما جاء في الآية (١٦١) من سورة الأنعام : (قُلْ إِنَّنِى هَدَينِى رَبّى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). فهذه الآية الشريفة عرّفت الصراط المستقيم من ناحية ايديولوجية.

إنّ «الراغب» يقول في مفرداته في معنى الصراط : إنّه الطريق المستقيم ، فكلمة الصراط تتضمن معنى الاستقامة ووصفه بالمستقيم كذلك تأكيد على هذه الصفة.

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) (٧)

خطّان منحرفان : إنّ هذه الآية تفسير واضح للصراط المستقيم المذكور في الآية السابقة ، إنّه صراط المشمولين بأنواع النعم (مثل نعمة الهداية ، ونعمة التوفيق ، ونعمة القيادة الصالحة ، ونعمة العلم والعمل والجهاد والشهادة) لا المشمولين بالغضب الإلهي بسبب سوء فعالهم وزيغ قلوبهم ، ولا الضائعين التائهين عن جادة الحق والهدى.

بحثان

١ ـ من هم (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الذين أنعم الله عليهم ، تبيّنهم الآية (٦٩) من سورة النساء إذ يقول : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا).

١٨

نحن ـ إذن ـ في سورة الحمد نطلب من الله ـ صباحاً ومساءاً ـ أن يجعلنا في خط هذه المجاميع الأربعة : خط الأنبياء ، وخط الصديقين ، وخط الشهداء ، وخط الصالحين ، ومن الواضح أنّ علينا أن ننهض في كل مرحلة زمنيّة بمسؤوليتنا ونؤدّي رسالتنا.

٢ ـ من هم (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ، ومن هم (الضَّالّينَ)؟ يستفاد من استعمال التعبيرين في القرآن أنّ «المغضوب عليهم» أسوأ وأحطّ من «الضالين» أي إنّ الضالين هم التائهون عن الجادة ، والمغضوب عليهم هم المنحرفون المعاندون ، أو المنافقون ، ولذلك استحقوا لعن الله وغضبه.

في الآية (٦) من سورة الفتح يقول تعالى : (وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ).

(الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ). إذن يسلكون ـ إضافة إلى كفرهم ـ طريق اللجاج والعناد ومعاداة الحق ، ولا يألون جهداً في توجيه ألوان التنكيل والتعذيب لقادة الدعوة الإلهيّة.

نهاية تفسير سورة الحمد

* * *

١٩

٢٠