🚘

موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

باقر شريف القرشي

موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

المؤلف:

باقر شريف القرشي


المحقق: مهدي باقر القرشي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
الطبعة: ٢
الصفحات: ١٥٢
🚘 الجزء ١ و ٢ 🚘 الجزء ٣ و ٤ 🚘 الجزء ٥ و ٦ و ٧ و ٨ 🚘 الجزء ٩ و ١٠ و ١١
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ )

النحل : ٦٤

( سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً )

الفتح : ٢٣

( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )

الحشر : ٧

( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها )

الشمس : ٩ و١٠

( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ )

الحاقّة : ٤٠

٣
٤

تقديم

١

تأتي السنّة النبوية في الأهميّة بعد القرآن الكريم ، فلها دورها المشرق في بناء صرح الإسلام ، وإنشاء قواعده ، وتأسيس حضارته ... وهي منهج كامل لجميع ما يسعد به الإنسان نفسيا واجتماعيا ، فقد أقامت له قواعد الأخلاق ، واصول الآداب ، وما يتميّز به الإنسان من الصفات الحميدة ، والأوصاف الشريفة ، فقد عبّدت له الطريق وأوضحت له القصد ، وحرّرته من جميع الخلفيات التي تلقي به في قرار سحيق من مآثم هذه الحياة.

٢

وتكفّل القرآن الحكيم بتأسيس القواعد العامّة للتكاليف الشرعية من العبادات والمعاملات ، والعقود والايقاعات من دون أن يعرض إلى كيفيّاتها وكمياتها وأجزائها وشرائطها وموانعها ، إلاّ انّ السنّة قد تبنّت تفصيل ذلك ، وأوضحت جميع ما يرتبط بالتكاليف الشرعية ، فكانت بذلك عنصرا مهما في بناء العقيدة الإسلامية ، فقد ارتبطت بالقرآن الكريم ارتباط الجزء بالكلّ ، وكلاهما يعملان على تطوير حياة الإنسان ، وتهذيب سلوكه ، وإبعاده عن شرور هذه الحياة.

٥

٣

ونعني بالسنّة النبوية قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفعله وتقريره ، أمّا قوله : فهو ما يؤثر عنه من الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية ، وفنون الآداب ومكارم الأخلاق. وأمّا فعله فهو أن يعمل شيئا ، وهو دليل على إباحته بالمعنى الأعم ولو كان غير مشروع لما جاز أن يعمله. وأمّا تقريره فهو أن يرى أحدا من المسلمين يعمل شيئا فأقرّه عليه ، وهو دليل على مشروعيته ؛ إذ لو كان محرّما لوجب عليه أن ينهاه ويصدّه عنه.

٤

وترى الشيعة أنّ من صميم السنّة النبوية قول أئمّة الهدى عليهم‌السلام وفعلهم وتقريرهم ، فإنّها امتداد ذاتي للسنة النبوية ، وهذا الرأي وثيق للغاية ، فإنّ من يلحظ سيرتهم يجدها تنبض بروح النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهديه وسلوكه واتّجاهاته والتزامه بحرفية الإسلام ، فهم أوصياؤه وخلفاؤه وأرصدته التي أقامها لاصلاح امّته ، فقد قرنهم بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وجعلهم سفن النجاة وأمن العباد ، فحديثهم حديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفعلهم فعله ، وتقريرهم تقريره ، وليس في ذلك خروج عن المناهج العلمية أو انحراف عن الطريق القويم.

٥

ولم يكتب للأحاديث النبوية أن تدوّن في عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما ظلّت محفوظة في

٦

قلوب أهل بيته وأصحابه وطبعت في ضمائرهم ودخائل نفوسهم ، وبعد انتقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حضيرة القدس ، رأى مفكّرو الصحابة ضرورة تدوين الأحاديث النبوية خوفا عليها من التلف والضياع والزيادة والنقصان ، وعرضوا ذلك على أبي بكر ومستشاره ووزيره عمر بن الخطاب ، فلم يستجيبا لهم بحجّة أنّها لو سجّلت في كتاب واحد لا نشغل بها المسلمون عن قراءة كتاب الله تعالى!؟ وهو اعتذار مهلهل ، والذي نراه بمزيد من التأمل الذي لا يخضع لهوى ولا لعاطفة أنّ السبب في ذلك هو أنّ كوكبة من الأخبار قد أشادت بفضل أهل البيت ، وألزمت المسلمين بمودّتهم وطاعتهم وترشيحهم لقيادة الامّة. الأمر الذي يتنافى مع احتلالهم لمركز الخلافة ، وإبعاد أهل البيت عليهم‌السلام عن قيادة الامّة ، وجعلهم بمعزل عن الحياة السياسية العامّة في البلاد.

٦

ولو دوّنت الأحاديث النبوية بإشراف الإمام عليّ عليه‌السلام وغيره من كبار الصحابة لما مني الإسلام بكارثة الوضّاعين الذين لا يرجون لله وقارا ، فقد عمدوا إلى افتعال الأحاديث ونسبتها إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعظمها قد حملت معول الهدم على الأفكار الإسلامية المشرقة التي تدعو إلى تحرير الإنسان ، وسلامته من الانحطاط والتأخر.

ومن المؤسف جدا أنّ كثيرا من الأخبار الموضوعة قد دوّنت في الصحاح والسنن من دون دراية المؤلّفين لها بوضعها وافتعالها ، ونحن على ثقة أنّهم لو علموا زيفها لما سجّلوها في كتبهم ، وتبرّءوا منها.

٧

وتشكّلت لجان الوضع بصورة رسمية ومكشوفة في عهد معاوية عميد الاسرة

٧

الأموية ، الذي لم يأل جهدا في محق الإسلام ، وإطفاء نوره وإخفاء معالمه ، وليس في هذا القول تجنّيا عليه أو انقيادا لعاطفة ، وإنّما الدراسة الواعية لأحداث التأريخ هي التي تدلّل على ذلك ، فقد تفجرت سياسته بكلّ ما خالف كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه والتي منها إعدامه لأعلام الإسلام أمثال حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ، واغتياله لسبط رسول الله الإمام الحسن عليه‌السلام وغير ذلك من الأحداث الجسام.

وعلى أي حال فقد عمد معاوية إلى عصابة من حزبه وعملائه إلى افتعال الحديث وتنسيقه ليعارض به الأحاديث النبوية البالغة حدّ الاعجاز في فصاحتها وبلاغتها ، وفعلا فقد وضعت الأحاديث ، وهي ذات ألوان متعدّدة بعضها في فضائل الصحابة ، وبعضها في ذمّ أهل البيت عليهم‌السلام دعاة العدل الاجتماعي ، وبعضها في الحطّ من قيمة الأنبياء عليهم‌السلام.

وقد عرض لزيفها الإمام شرف الدين ، والعلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية في كتابه « أضواء على السنّة المحمّدية » وكانت بحوثهما عن الأحاديث الموضوعة مشرقة بالروح العلمية النزيهة التي لم تجنح لعاطفة ولا لتقليد.

٨

واستخدمت الحكومات القائمة في تلك العصور من الأمويين والعباسيين الأحاديث الموضوعة سلّما لسياساتهم القائمة على الظلم والجور ، وعلى إرغام الناس على ما يكرهون ، فقد تمسّكوا بما وضعه الوضّاعون من إعفاء زعيم الدولة عمّا يقترفه من السيّئات والآثام ، وأنّ الله تعالى لا يحاسبه عليها في الدار الآخرة ، وأنّه ليس كبقية الناس الذين يحاسبهم الله تعالى على ما صدر عنهم من شرّ وإثم في دار الدنيا. وعلى أي حال فإنّ الأحاديث الموضوعة قد ألقت المسلمين في شرّ عظيم ، وصدّت الكثير منهم عن الطريق القويم الذي رسمه الإسلام ليكونوا قادة الامم والشعوب.

٨

٩

واستشف الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من وراء الغيب ما تقوم به بعض النفوس المريضة والضمائر الرخيصة من افتعال الحديث ونسبته إليه ، فحذّرهم وخوّفهم عقاب الله تعالى ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من كذب عليّ متعمّدا (١) فليتبوّأ مقعده من النّار » (٢). ولكنّهم لم يحفلوا بتحذير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأصرّوا على غيّهم فعمدوا إلى افتعال الأحاديث ، ونسبتها إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعظمها تتنافى مع روح الإسلام وهديه ، وقد انتهكت بموضوعاتهم حرمة الإسلام الذي بني على الصدق وقول الحقّ.

وعلى أي حال فقد أحصى المحقّق الأميني عدد الوضّاعين (٦٢٠) (٣) وضاعا ، فالويل لهم على ما اقترفوه من الإثم ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (٤).

١٠

ونعود للحديث عما اثر عن إمام المتقين الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام من الأحاديث التي

__________________

(١) قال المحقق الكبير الشيخ محمود أبو رية رحمه‌الله : « وقد عنيت بالبحث عن حقيقة هذا الحديث حتى وصلت بعد طول السعي إلى أنّ كلمة ( متعمّدا ) لم تأت في روايات كبار الصحابة ... » ـ أضواء على السنّة المحمّدية : ص ٧.

(٢) الحديث متواتر صحيح.

(٣) الغدير ١٠ : ١٨٥ ـ ٢٣٦.

(٤) البقرة : ٧٩.

٩

رواها عن أخيه وابن عمّه سيّد المرسلين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ معظمها تتعلّق بالآداب وحسن السلوك ، وبناء شخصية الإنسان المسلم على اسس رفيعة متوازنة من الكمال وحسن الأخلاق ، وما يتعلّق بروابطه الاجتماعية ، من الاهتمام بالصالح العام ، وتبنّي قضايا مجتمعه وغير ذلك ممّا يتعلّق بتطوّر الحياة الإسلامية في جميع مناطق العالم الإسلامي. إنّ أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي يرويها وصيّه وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام تتميّز بما تحمله من طاقات ندية خلاّقة ، تسمو بالمجتمع الإسلامي إلى أرقى مستويات الكمال والتهذيب ، وتحقّق له القيادة العامة لشعوب العالم.

١١

ألّف المؤرخ الكبير أبو جعفر الطبري كتابا أسماه « تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأخبار » عرض فيه للأخبار النبوية التي رواها أعلام الصحابة ، وهو يقع في عدّة أجزاء ، نسب كل جزء منها إلى علم من أعلام الصحابة ، سجّل فيه ما رواه عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعنوان مسند الصحابي فلان ، ومن هذه المسانيد ( مسند عليّ ) ذكر فيه روايات عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن مزايا هذا المسند أنّه دون الرواية التي يرويها الإمام عليه‌السلام ثمّ ذكر لها مماثلا من طرق اخرى ، ثمّ ما ذكر بعد ذلك ما يعارضها من الروايات ، ويختار بعد ذلك ما يذهب إليه ، والكتاب طريف ومفيد للمعنيين بهذه البحوث ، وعدد ما جاء في مسنده عن الإمام عليه‌السلام (٤٣) حديثا.

١٢

وأودّ أن أعرض إلى أنّ ما سجّلته في هذا الكتاب من روايات الإمام عليه‌السلام عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

١٠

ليست هي جميع رواياته عنه ، وإنّما هي جزء بسيط منها ، فإنّ الإمام عليه‌السلام من ألصق الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو باب مدينة علمه ، وقد وعى بصورة جازمة جميع أحاديثه ، وسجّلها في دخائل نفسه ، وأشاعها بين الناس ، فليس هذا الكتاب إلاّ بعض أحاديثه عنه ، والمتتبّع يجد أضعافها في مصادر الحديث والسنّة.

ومن الخطأ الواضح أن أدّعي الاحاطة التامّة والمستوعبة لجميع أحاديث الإمام عليه‌السلام عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّ ذلك أمر بعيد المنال ، وأستغفر الله تعالى إن صدرت عنّي دعوى ذلك.

إنّه تعالى وليّ التوفيق

النّجف الأشرف

باقر شريف القرشى

٢٥ / ذي القعدة / ١٤١٩ هـ

١١
١٢

اضواء على

السّنّة المحمّديّة

١٣
١٤

وألقى الإمام عليه‌السلام الأضواء بصورة موضوعية وشاملة على رواة الأحاديث النبوية ، وعرض بتحليل رائع لدوافع رواياتهم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، التي هي متباينة كأشدّ ما يكون التباين ، فقد عمد بعضهم إلى وضع الأحاديث وافتعالها ، وسها آخرون عن نصوص الأحاديث فرووا ما يغايرها ، إلى غير ذلك من الدوافع والأغراض ، ومن المؤكّد أنّ المسلمين لو علموا أو ميّزوا الأحاديث المفتعلة لتبرّؤا منها ، وما سجّلها الثقات في السنن والصحاح.

وعلى أي حال فيعتبر حديث الإمام عليه‌السلام في هذا الموضوع من أروع الدراسات العلمية عن الأحاديث النبوية ، وقد روى ذلك الثقة الزكي سليم بن قيس الهلالي (١)

__________________

(١) سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي ، من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وأصحاب الأئمّة : الحسن والحسين وعليّ بن الحسين عليهم‌السلام ، كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي في رجاله ، وقد طلبه الحجّاج الطاغية الأثيم ليقتله فهرب منه ، وأوى إلى أبان بن أبي عيّاش ، فاستقام عنده ، ولمّا حضرته الوفاة دفع إليه كتابه الذي سجّل فيه الأحاديث المروعة التي وقعت بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعانى ويلاتها وكوارثها عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ويعتبر كتابه عند النعماني من أكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم ، وأنّ جميع ما فيه صحيح قد صدر من المعصوم عليه السلام ولا بدّ من تصديقه وقبول رواياته إلاّ أنّ الشيخ المفيد رحمه الله لم يوثق هذا الكتاب لأنّه قد حصل فيه خلط وتدليس.

وقد أطال السيّد الاستاذ الخوئي رحمه‌الله البحث في تحقيق هذا الكتاب ، ومدى صحّة الناقدين له ، وقد ناقش جملة من أقوال الناقدين ، وأنّها بعيدة عن الصحّة ، يراجع في ذلك معجم رجال الحديث ٨ : ٢١٨ ـ ٢٣٠.

١٥

قال : قلت لأمير المؤمنين : إنّي سمعت من سلمان الفارسي والمقداد وأبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن ، وأحاديث عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير ما في أيدي الناس ، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعمّدين ، ويفسّرون القرآن بآرائهم؟

لقد طلب سليم من الإمام عليه‌السلام أن يوضّح له الحال في شأن بعض الأخبار ، وتفسير بعض آيات الذكر الحكيم التي ينقلها حماة الإسلام أمثال سلمان الفارسي وأبي ذرّ والمقداد ، والإمام يقرّها ، وهناك طائفة من الأخبار وتفسير بعض الآيات ، والإمام ينكرها ، فما هو الصحيح منهما؟

فأجابه الإمام بهذا الجواب الرائع قائلا :

« قد سألت فافهم الجواب ، إنّ في أيدي النّاس حقّا وباطلا ، وكذبا ، وناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما ، وقد كذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عهده حتّى قام خطيبا ، فقال :

أيّها النّاس ، قد كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار.

ثمّ كذب عليه من بعده. وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :

رجل منافق يظهر الايمان ، متصنّع بالإسلام (١) ، لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعمّدا ، فلو علم النّاس أنّه منافق كذّاب ، لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ، ولكنّهم قالوا : هذا قد صحب

__________________

(١) متصنع بالإسلام : أي مدلس به.

١٦

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورآه وسمع منه ... وأخذوا ـ أي الناس ـ عنه ، وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ، ووصفهم بما وصفهم فقال عزّ وجلّ : ( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) (١) ، ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة والدّعاة إلى النّار بالزّور والكذب والبهتان ، فولّوهم الأعمال ، وحملوهم على رقاب النّاس ، وأكلوا بهم الدّنيا ، وإنّما النّاس مع الملوك والدّنيا إلاّ من عصم الله ... ».

وحكى هذا المقطع من حديث الإمام عليّ عليه‌السلام امورا بالغة الأهمّية وهي :

أولا : أنّ ما بأيدي الناس من الأحاديث التي يروونها عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متباينة لا يعرفون واقعها ، فبعضها صدق ، وبعضها كذب ، وهي بين عامّ وخاصّ ، ومحكم ومتشابه ، وناسخ ومنسوخ ، وقد جهلوا ذلك ، ولم يميّزوا بعضها عن بعض.

ثانيا : أنّ الكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يحدث بعد وفاته ، وإنّما كان في حياته ، ممّا دعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحذّر الكاذبين ، وشدّد عليهم النكير ، وبشّرهم بنار جهنّم.

ثالثا : ذكر أنّ نقلة الحديث أربعة أشخاص ، وذكر القسم الأوّل وهم المنافقون الذين يظهرون الإسلام بألسنتهم وقلوبهم مطوية على الكفر والإلحاد ، وهؤلاء لا يتحرّجون من الكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وافتعال الأحاديث الباطلة ونسبتها له ، ولو علم الناس بافتعال أحاديثهم لما أخذوا بها واجتنبوها ، لقد اغترّ الناس بهم لأنّهم رأوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحبوه وسمعوا منه ، وظنّ الناس بهم خيرا ، ولم يعرفوا واقعهم أنّهم على ضلال ... وهؤلاء المنافقون أمثال سمرة بن جندب وعمرو بن العاص

__________________

(١) المنافقون : ٤.

١٧

ومروان بن الحكم وأشباههم من المنافقين.

رابعا : أنّ المنافقين من الرواة قد تقرّبوا إلى السلطة الأموية الظالمة ، وأخذوا ينشرون بين الناس الأحاديث المنكرة تقرّبا للأمويين ، فمنحتهم السلطة الوظائف المهمّة في الدولة ، وحملوهم على رقاب الناس ... وهؤلاء الصنف الأوّل من الرواة.

ثمّ يأخذ الإمام عليه‌السلام في بيان بقية أصناف الرواة قائلا :

« ورجل سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه ، ولم يتعمّد كذبا ، فهو في يده يقول به ، ويعمل به ، ويرويه ، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه ... ».

وهذا الصنف الثاني من الرواة الذين سمعوا من رسول الله حديثه إلاّ أنّهم على غفلة ووهم ، فإنّهم لم يحملوا الحديث على وجهه وظاهره وأخذوا بالوهم منه ، وهؤلاء لم يتعمّدوا الكذب ولا افتعال الحديث فحديثهم مرفوض لأنّهم لم يأخذوا بظاهره وتأوّلوه ، ثمّ يأخذ الإمام في بيان الصنف الثالث من رواة الحديث قائلا :

« ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ النّاسخ ، ولو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه ... ».

الصنف الثالث من الرواة أنّهم سمعوا حديثا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أمر به ثمّ نهى عنه ، فحفظوا ما أمر به وأشاعوه بين الناس ، ولم يحفظوا ناسخه ، وهم كانوا على حسن نيّة لم يتعمّدوا الكذب وافتعال الحديث إلاّ أنّهم غافلون ، وهؤلاء ينبغي التوقّف في حديثهم وعدم الأخذ به.

ويستمر الإمام عليه‌السلام في بيان الصنف الرابع من رواة الحديث قائلا :

١٨

« وآخر رابع لم يكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لم ينسه ـ أي الحديث ـ بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ، ولم ينقص منه ، وعلم النّاسخ من المنسوخ ، فعمل بالنّاسخ ورفض المنسوخ ، فإنّ أمر النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ، وخاصّ وعامّ ، ومحكم ومتشابه ، قد يكون من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكلام له وجهان كلام عامّ ، وكلام خاصّ مثل القرآن ، وقال الله عزّ وجلّ في كتابه : ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله ».

الصنف الرابع من الرواة وهم المتحرّجون في دينهم الذين يخافون الله ولا يكذبون ، وهم الذين يحفظون الحديث على وجهه ، ويشيعونه بين الناس ، قد عرفوا الناسخ من المنسوخ ، والخاصّ من العامّ ، والمحكم من المتشابه ، وهؤلاء حديثهم من أرقى أصناف الحديث ، ومن أكثره صدقا ، ويجب الأخذ به.

ويستمر الإمام عليه‌السلام في حديثه قائلا :

« وليس كلّ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسأله عن الشّيء فيفهم ، وكان منهم من يسأله ، ولا يستفهمه ، حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابيّ ، والطّاري (٢) فيسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يسمعوا ... ».

تحدّث الإمام عليه‌السلام في هذه الكلمات عن أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّهم ليسوا على مستوى واحد من الإدراك والفهم ، فبعضهم يسأل عن الشيء فيجيبه

__________________

(١) الحشر : ٧.

(٢) الطّاري : الغريب.

١٩

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيفهم الجواب ، والبعض الآخر يسأل ولا يعرف الجواب ، وأنّهم كانوا بشوق لمجيء أعرابي أو غريب ليسألا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيجيبهما ، فيقفوا على ما دار بينهما ويفهموا ما أراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ويستمر الإمام في حديثه فيعرب عن سموّ منزلته وعظيم مكانته عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلا :

« وقد كنت أدخل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّ يوم دخلة وكلّ ليلة دخلة فيخلّيني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه لم يصنع ذلك بأحد من النّاس غيري ، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر ذلك.

وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله ، أخلاني ، وأقام عنّي نساءه فلا يبقى عنده غيري ، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عنّي فاطمة ، ولا أحد من بنيّ.

وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتّ عنه ، وفنيت مسائلي ابتدأني.

فما نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ فاكتتبتها بخطّي ، وعلّمني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ، ولا علما أملاه عليّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا.

وما ترك شيئا علّمه الله من حلال ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية ، إلاّ علّمنيه وحفظته ، فلم أنس حرفا واحدا.

٢٠