الرّوض المعطار في خبر الأقطار

محمّد عبدالمنعم الحميري

الرّوض المعطار في خبر الأقطار

المؤلف:

محمّد عبدالمنعم الحميري


المحقق: الدكتور إحسان عبّاس
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: مكتبة لبنان
المطبعة: مطابع هيدلبرغ
الطبعة: ٢
الصفحات: ٧٤٥

اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمّد وآله

ربّ يسر وأعن

الحمد لله الذي جعل الأرض قرارا ، وفجّر خلالها أنهارا ، وجعل فيها رواسي ألزمتها استقرارا ، ومنعتها اضطرابا وانتثارا ؛ جعلها قسمين فيافي وبحارا ، وأودع فيها من بدائع الحكم وفنون المنافع ما بهر ظهورا وانتشارا ، وأطلع في آفاقها شموسا وأقمارا ، جعلها ذلولا ، وأوسعها عرضا وطولا ، وأمتع بها شيبا وشبابا وكهولا ، وعاقب عليها غيوثا وقبولا ، وأغرى في المشي في مناكبها تسويغا للنعمة الطولى ، وتتميما لإحسانه الذي نرجوه في الآخرة والأولى ، إن في ذلك لعبرة لمن صار له قلب وسمع وبصر وفهم منقولا ومعقولا (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) أحمده على جزيل آلائه التي والى امدادها ، وأحصى أعدادها ، وعمّ بها البرية وبلادها ؛ صلى الله على نبيّه الكريم الذي زويت له الأرض فرأى غايتها ، وأبصر نهايتها ، وأخبر أن ملك أمّته يبلغ ما رآه ، وينتهي إلى حيث قدره الخالق وأنهاه.

وبعد ؛ فإني قصدت في هذا المجموع ذكر المواضع المشهورة عند الناس من العربية والعجمية والأصقاع التي تعلقت بها قصّة ، وكان في ذكرها فائدة أو كلام فيه حكمة ، أو لها خبر ظريف أو معنى يستملح أو يستغرب ويحسن إيراده. أما ما كان غريبا عند الناس ولم يتعلق بذكر فائدة ولا له خبر يحسن إيراده ، فلا ألّم بذكره ولا أتعرّض له غالبا استغناء عنه واستثقالا لذكره ، ولو ذهبت إلى إيراد المواضع والبقاع على استقصاء لطال الكتاب وقلّ امتاعه ، فاقتصرت لذلك على ذكر المشهور من البقاع وما في ذكره فائدة : ونكبت عمّا سوى [ذلك] ورتبته على حروف المعجم لما في ذلك من الاحماض المرغوب فيه ولما فيه من سرعة هجوم الطالب على اسم الموضع الخاص من غير تكلّف عناء وتجشم تعب ، فقد صار هذا الكتاب محتويا على فنّين مختلفين : أحدهما ذكر الأقطار والجهات وما اشتملت عليه من النعوت والصفات ، وثانيهما الأخبار والوقائع والمعاني المختلفة بها الصادرة عن مجتلبها.

واختلست ذلك من ساعات زمني ، وجعلته فكاهة نفسي ، وان نصب فيه فكري وبدني. ورضته حتى انقاد للعمل ، وجاء حسب الأمل (١) ، فأصبح طاردا للغموم ملقيا للهموم وشاهدا بقدرة القيّوم ، مغنيا عن مؤانسة الصحب ، منبها على حكمة الرب ، باعثا على الاعتبار ، مستحضرا لخصائص الأقطار ، مشيرا لآثار الأمم وأحداثها ، مشيرا إلى وقائع الأجيال (٢) وأنبائها. ثم إني قسته بالكتاب الأخباري المسمى بنزهة المشتاق فوجدته أعظم فائدة ، وأكثر أخبارا وأوسع في فنون التاريخ وصنوف الأحداث مجالا ، حتى في وصف البلاد فإنه دائما يذكر نبذة منها وشيئا قليلا في مواضع مخصوصة معدودة ؛ بل إنما عظم حجمه بما اشتمل عليه من قوله : «ومن فلانة إلى فلانة خمسون ميلا أو عشرون فرسخا ومن فلانة إلى فلانة كذا وكذا». أما الخبر عن الأصقاع بما يحسن إيراده ويلذّ سماعه من خبر ظريف أو وصف يستغرب أو يستملح فإنما يوجد فيه في مواضع قليلة معدودة ، إلى غير ذلك من عسر وجدان الناظر فيه مطلوبه بأول وهلة بل بعد البحث والتفتيش ؛ وجعلت الايجاز في هذا الكتاب قصدي ، وحرصت على الاختصار جهدي ، حتى جاء نسيج وحده مليحا في فنّه ، غريبا في معناه ، مبهجا للنفوس المتشوّقة ، مذهبا للأفكار المؤرقة ، مؤنسا لمن استولى عليه الإفراد ورغب عن معاشرة الناس ، ومع هذا فقد لمت نفسي على التشاغل بهذا الوضع الصادّ عن الاشتغال بما

__________________

(١) بروفنسال : حسب الأصل. ولعل الصواب «حسب الأمل».

(٢) بروفنسال : الأخبار.

١

لا يغني عن أمر الآخرة ، والمهمّ من العلم المزلف عند الله تعالى ، وقلت هذا من شغل (١) البطالين وشغل من لا يهمّه وقته ، ثم رأيت ذلك من قبيل ما قيل فيه : «روّحوا هذه النفوس» ومن جنس تعليلها بالمباح المنشط إلى ما هي به أعنى ، ثم هو مهيع سلكه الناس واعتنى به طائفة من العلماء وقيده جماعة من أهل التحصيل فلا حرج في الاقتداء بهم ، بل أقول أعوذ بالله من علم لا ينفع ، وأستغفره وأستقيله وأسأله التجاوز عن الهفوات والصفح عن الاشتغال بما لا يفيد في الآخرة ، فيا رب عفوا عن أقتراف ما لا رضى لك فيه ، فأنت على كل شيء قدير.

__________________

(١) بروفنسال : من شأن.

٢

حرف الهمزة

آمد : مدينة من كور الجزيرة من أعمال الموصل والجزيرة ما بين دجلة والموصل ، وآمد بمقربة من ميافارقين فتحها عياض بن غنم بعد قتال على مثل صلح الرها ، فإنه لما أتى الرها خرج إليه أهلها فقاتلوه فهزمهم المسلمون حتى ألجأوهم إلى المدينة فطلبوا الأمان والصلح ، فأجابهم عياض إليه وكتب لهم (١) : «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها انكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا لي عن كل رجل منكم دينارا أو مدّ قمح فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم ، عليكم ارشاد الضالّ وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين شهد الله وكفى بالله شهيدا». فعلى مثل هذا الصلح صالح أهل آمد وأهل ميافارقين وكفر توثا بعد قتال أيضا على مثل صلح الرها.

ومدينة آمد كبيرة حصينة على جبل في غربي دجلة وهي كثيرة الشجر والجبل عليها مطل نحو مائة قامة وعليها سور بحجارة الأرحى السود ، ولها داخل سورها مياه جارية ومطاحن على عيون تطّرد وأشجار وبساتين ، وبينها وبين ميافارقين مرحلتان ، ولها أربعة أبواب : باب التل وباب الماء وباب الجبل وباب الروم ، وفي شمالها سوران ، وفي قبليّها برج كبير يسمى برج الزينة ، وعلى باب الروم برجان ، وقصبة السلطان في شرقها. والمدينة مستعلية على شرف ، وهي أكبر من ميافارقين ؛ وداخل آمد عين ثرّة. وتأتيها دجلة من شمالها وتخرج من شرقيها ، وبساتينها غربا وقبلة عنها إلى دجلة ، وفي صحن جامعها أوتاد حديد قائمة معترضة من بلاط إلى بلاط ارتفاع الظاهر منها فوق الأرض ذراعان قد عقد بها كلها سلسلتان من حديد يذكر أهلها أن السرج كانت تقد عليها في سالف الأزمان.

ومن العجائب (٢) جبل بآمد فيه صدع فمن انتضى سيفه وأولجه فيه وهو قابض عليه اضطرب السيف في يده وارتعد هو ولو كان أشد الناس ؛ وأعجوبة أخرى أنه من حدّ بذلك الجبل سكينا أو سيفا وحمله على الابر والمسال جذبها أكبر من جذب المغنيطس ، والحجر نفسه لا يجذب الحديد ولو بقي يحد عليه مائة عام لكانت تلك القوة فيه قائمة ، وهو أقوى من حجر المغنيطس لأن الثوم يذهب قوّة المغنيطس ، وهذا مثل الذي بحوز مورور من الأندلس من أعمال قرطبة ، وأخبر من حدّ به سيفا في الحجر مكانه من الجبل وقد تقادم عهده فوجده يجذب من تحت غمده وتعلق الابر بالغمد ، وذكر صاحب هذا السيف انه قد صقله مرارا فما زالت تلك القوة فيه.

ومن آمد إلى ميافارقين خمسة فراسخ. وفي سنة (٣) ست وثمانين ومائتين نزل المعتضد أمير المؤمنين خليفة بغداد على آمد بعد وفاة أحمد بن عيسى بن الشيخ وقد تحصّن بها ولده محمد بن أحمد ابن عيسى ، فبث جيوشه حولها وحاصرها ، فحدّث شعلة بن شهاب اليشكري قال : وجهني المعتضد إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ لأخذ الحجة عليه ، قال : فلما صرت اليه واتصل الخبر بأمّ الشريف أرسلت إلي فقالت : يا ابن شهاب ، كيف.

خلّفت أمير المؤمنين؟ فقلت : خلّفته والله ملكا جزلا وحكما عدلا أمّارا بالمعروف فعّالا للخير متعززا على الباطل متذلّلا للحق لا تأخذه في الله لومة لائم ، قال : فقالت لي : هو والله أهل ذاك ومستحقه ومستوجبه ، وكيف لا يكون كذلك وهو ظل الله الممدود على بلاده ، والخليفة المؤتمن على عباده ، أعزّ به دينه وأحيا به سنّته

__________________

(١) فتوح البلدان : ١٠٦.

(٢) ابن الفقيه : ٦٧ ، ١٣٤.

(٣) المروج ٨ : ١٣٤ ، والمنتظم ٦ : ١٦.

٣

وثبّت به شريعته ، ثم قالت لي : وكيف رأيت صاحبنا ، تعني ابن أخيها محمد بن أحمد ، قال فقلت : رأيت غلاما حدثا معجبا قد استحوذ عليه السفهاء فاستمد بآرائهم ونصت لأقوالهم يزخرفون له الكلام ويوردونه الندم ، فقالت لي : فهل لك أن ترجع اليه بكتاب فلعلنا أن نحل ما عقد السفهاء ، قال قلت : أجل ؛ فكتبت اليه كتابا حسنا لطيفا أجزلت فيه الموعظة وأخلصت فيه النصيحة ، وكتبت في آخره هذه الأبيات

اقبل نصيحة أُمّ قلبها وجعٌ

عليك خوفاً واشفاقاً وقل سَدَدا

واستعمل الفكر في قولي فإنك إن

فكرت الفيتَ في قولي لك الرشدا

ولا تثق برجال في قلوبهمُ

ضغائن تبعث الشنآن والحسدا

مثل النعاجِ خمول في بيوتهمُ

حتى إذا أمِنوا الفيتهم أُسدا

وداوِ داءك والأدواء ممكنة

وإذ طبيبك [قد] ألقى إليك يدا

واعطِ الخليفة ما يرضيه منك ولا

تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا

واردف أخا يشكر ردءا يكون له

ردءا من السوء لا تشمت به أحدا

قال : فأخذت الكتاب وصرت به إلى محمد بن أحمد ، فلما نظر فيه رمى به إلي ثم قال : يا أخا يشكر ما بآراء النساء تُساسُ الدول ، ولا بعقولهن يساس الملك ، ارجع إلى صاحبك ، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته الخبر على حقه وصدقه ، فقال : وأين كتاب أم الشريف؟ فأظهرته ، فلما عرض عليه أعجبه شعرها وعقلها ثم قال : والله إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم. فلما كان من فتح آمد ما كان ونزول محمد بن أحمد على الأمان لما عمّهم القتال وجّه إلي أمير المؤمنين فقال : يا شعلة بن شهاب هل عندك عِلم من أم شريف؟ قال ، قلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، قال : فامض مع هذا الخادم فإنك تجدها في جملة نسائها ، قال : فمضيت ، فلما بصرت بي أسفرت عن وجهها وأنشأت تقول :

رَيبُ الزمان وصرفه

وعتوه كشف القناعا

وأذلّ بعد العزّ من

ا الصعبَ والبطل الشجاعا

ولقد نصحتُ فما أُطِع

تُ وكم حرصت بأن أُطاعا

فأبى بنا المقدار ا

لا أن نقسّم أو نباعا

يا ليت شعري هل نرى

يوما لفرقتنا اجتماعا

ثم بكت وضربت بيدها على الأخرى وقالت : يا ابن شهاب كأني والله كنت أرى ما أرى فإنا لله وإنا إليه راجعون ، قال فقلت : إن أمير المؤمنين قد وجهني اليك وما ذاك إلا لحسن رأيه فيك ، قال فقالت لي : فهل لك أن توصل اليه كتابي هذا بما فيه؟ قلت : نعم ، فكتبت اليه بهذه الأبيات :

قل للخليفة والإمام المرتضى

وابن الخلائف من قريش الأبطحِ

بك أصلح الله البلاد وأهلها

بعد الفساد وطال ما لم تصلح

وتزحزحت بك قبة العز التي

لولاك بعد الله لم تتزحزح

وأراك ربّك ما تحب فلا ترى

ما لا تحبّ فجُد بعفوك واصفح

يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها

هب ظالمين ومفسدين لمصلح

قال : فأخذت الكتاب وصرت به إلى أمير المؤمنين ، فلما عرضت عليه الأبيات أعجبته ، فأمر أن تحمل إليها تخوت من ثياب وجملة من المال وإلى ابن أخيها محمد بن أحمد بن عيسى مثل ذلك ، وشفعها في كثير من أهلها ممن عظم جرمه واستحق العقوبة.

ومن العلماء المنسوبين إلى آمد المتأخرين السيف الآمدي

٤

أبو الحسن علي بن أبي الحسن (١) الفقيه الأصولي الناظر الحافظ مصنّف «احكام الاحكام» و «منتهى السول» و «أبكار الأفكار» والجدل والخلافيّات وغيرها من تصانيفه ، وفيه يقول القائل :

إني نصحت لأهل العلمِ إن قبلوا

وكل قابل نصح سوف ينتفعُ

لا تلتقوا السيفَ يوما في مناظرة

فكلّ من يلتقيه السيف ينقطعُ

آزمّور (٢) : مدينة في بلاد المغرب فيها صنّف الأديب الكاتب أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن زنون الكتاب المسمّى «الفرائد التّؤام والفوائد التّوام في أسماء الخيل المشاهير الاعلام» صنّفه لصاحب سبتة أبي علي الحسن ابن خلاص (٣) سنة تسع وثلاثين وستمائة ، وهو كتاب حسن مفيد مليح في فنه ، وقال في آخره : صنّفه مؤلفه علي بن محمد بن علي بن زنون بمدينة آزمّور.

وحدّث محمد بن عقيل بن عطية قال : كانت بيني وبين الأديب ابي عبد الله محمد بن حماد صحبة ومودة ثم اجتزت عليه بمقربة من آزمور مقدما للقضاء فوجدته في حمّام قد حجر ، مباح الدخول فيه لسلطانه ، فحاولت الدخول اليه فمنعت ، فنسبت ذلك إلى سوء أدب الخدام ، فانتظرته بباب الحمّام ، فلما خرج وصافحته أنكر مني ما ألف ، وجهل من حقي ما عرف ، فكتبت اليه :

ألا أيها القاصي الذي خلتُ عهده

تحولُ الليالي وهو ليس يحولُ

أَجدّك هل أيقنت اني طالب

جداك فلم يمكن لديك قبولُ

وهل خلتني آتيك أشفع شافعا

وذلك شيء ما إليه سبيلُ

فلم نؤتَ لما أن أتيتُ بجانب

وأعرضتَ عني حين حان وصولُ

ووالله ما أقضي للقياك حاجة

سوى رعي عهد والوفاء قليل

وما كنت إلا زائر البيت ليلة

ويحفزني من بعد ذاك رحيلُ

ولو قلت للشعرى أترضين أن أرى

نزيلكِ قالت طاب منك نزيلُ

فكيف ولم أعرض بشيء يخصّني

ولا في طباعي أن يقال دخيلُ

ولي في مناديح الرئاسة مذهب

أبيت على وعد بها وأقيلُ

وقد كان لي لب بذكرك عامر

وظنّ على طول البعاد جميلُ

فلما تلاقينا تلاشت مَبَرّة

ويا ليت أني قبل ذاك عليلُ

آمل : بضمّ الميم بعد المد وآخره لام ، مدينة من مدن خراسان بينها وبين مرو على شط نهر جيحون ست مراحل خفاف تكون مائة ميل وأربعة وعشرين ميلا ، وبين آمل وجيحون ثلاثة أميال ، وهي مدينة حسنة متوسطة القدر لها بساتين وعمارات وفيها ناس وتجارات وحمّامات ، ومن آمل إلى مدينة خوارزم المسماة الجرجانية اثنتا عشرة مرحلة.

وحكى البكريّ أن آمل من بلاد طبرية وأن منها محمد بن جرير الطبري الإمام ولعلها مدينة أخرى تسمى كذلك (٤).

وفي سنة ست عشرة ومائة ظفر أسد بن عبد الله وهو أخو خالد بن عبد الله القسري بخداش صاحب الدعوة فقطع يده ورجله وشخص به إلى آمل فقطع بها لسانه وسمل عينيه وصلبه ، وكان خداش قد غيّر وبدّل ورخص في أشياء لا تحلّ ونقش خاتما

__________________

(١) ابن خلكان ٣ : ٢٩٣ (رقم : ٤٣٢).

(٢) بفتح الزاي وتشديد الميم وضمّها ، ومعناها باللغة البربرية : «الزيتون البرّي».

(٣) تولى سبتة سنة ٦٣٧ ثم ثار على الموحّدين سنة ٦٤١ وأعلن تبعيته للأمير أبي زكريا الحفصي صاحب تونس ، وكانت وفاته سنة ٦٤٦ (البيان المغرب ٣ : ٣٥٩ وديوان ابن سهل ، طبع بيروت ١٩٦٧. واختصار القدح المعلى : ٩٨).

(٤) قال ياقوت (آمل) عن الطبري : أصله ومولده من آمل ؛ والصواب أن يقول المؤلف «طبرستان» لا طبرية ، وإن كانت النسبة إلى طبرستان «طبري».

٥

على خاتم الإمام وأظهر كتبا مفتعلة ووجدت له كتب فيها خداش الروح وفيها سأريكم دار الفاسقين بني أميّة فنيل بما نيل به ، وظفر أسد بعد بجماعة من الشيعة فضرب وقطع وكسر الثنايا.

قال البكريّ : آمل هي المدينة العظيمة المتواصفة من مدائن طبرستان وبها كان بنو الخليل وهم قوم من أشراف العجم لهم بها نعم جليلة. وكان إبراهيم ومروان ابنا الخليل يركبان عند السفر إلى الديلم في ثمان مائة من مماليكهما سوى الموالي والخول والأتباع ، وإنما كانوا أصحاب ضياع لم يدخلوا في عمل السلطان قط.

أمسيول (١) : هو جبل بجاية ، ويأتي ذكره عند ذكر بجاية إن شاء الله تعالى.

أبّة (٢) : في البلاد الافريقية وهي على اثني عشر ميلا (٣) من مدينة الأربس في غربيها ، وكان بها من الزعفران ما يضاهي الزعفران الأندلسي كثرة وجودة. وبوسط ابّة عين ماء جارية منها شرب أهلها ، عذبة (٤) ماؤها غزير ، وكان على أبّة فيما سلف من الزمان سور مبني بالطين ، وأسعارها رخيصة ، وأكثرها الآن خراب.

أبّذة (٥) : مدينة بالأندلس بينها وبين بياسة سبعة أميال ، وهي مدينة صغيرة وعلى مقربة من النهر الكبير ، ولها مزارع وغلات قمح وشعير كثيرة جدا ؛ وفي سنة تسع وستمائة مالت عليها جموع النصرانية بعد كائنة العقاب وكان أهلها قد أنفوا من إخلائها كما فعل جيرانها أهل بياسة ، ولم ترفع تلك الجموع يدا عن قتالها حتى ملكتها بالسيف ، وقتل فيها كثير ، وأسروا كثيرا. ووقع على ما كان فيها بين أجناس النصارى خصام آل إلى الشحناء والافتراق وكفى الله المسلمين بذلك شرّا كثيرا ، وكان بعضهم قد طلب أبّذة فتنافسوا فيها ولم يأخذها أحد منهم وخربوا أسوارها.

أبال (٦) : حصن بالأندلس في شمال قرطبة وعلى مرحلة منها ، وهو الحصن الذي فيه معدن الزئبق ، وفيه يعمل الزنجفور (٧) ومنه يتجهز بالزئبق والزنجفور إلى جميع أقطار الأرض ، ويخدم هذا المعدن أزيد من ألف رجُل فقوم للنزول وقطع الحجر ، وقوم لنقل الحطب لحرق المعدن ، وقوم لعمل أواني السبك والتصفية ، وقوم لبنيان الأفران والحرق ، ومن وجه الأرض إلى أسفله فيما حكي أكثر من مائة قامة (٨).

أبواطا : جزيرة في اقليم برذيل وهي بازاء موضع نهر برذيل وأبواطا يأوي إليها المجوس بمراكبهم عند ارتجاج البحر ، فإذا ركدت الريح وسكن البحر وأمكنهم الفرصة دخلوا النهر فجأة فيغيرون في ضفتيه حيثما أمكنهم ثم يرجعون اليها ؛ وفي هذه الجزيرة آثار بنيان ومعالم عمران ، وهي كثيرة الشّعراء ملتفة الأشجار بها مياه عذبة ومزارع جمة ، وإذا اتصلت بهم أهوال الشتاء فامتنعوا من ركوب البحر وأصابهم الجهد عمدوا إلى نوع من الشجر يكثر بهذه الجزيرة فيقتاتون به الشهر والشهرين.

الأبواء (٩) : قرية جامعة بين مكّة والمدينة شرّفهما الله تعالى وسطا من المسافة ، ومعنى (١٠) الأبواء أخلاط من الناس ، وفي واديها من نبات الطرفاء ما لا يعرف بواد أكثر منه ، وهي قرية حصينة كثيرة الأهل وماؤها من الآبار ، والبحر منها قريب ، وبينها وبين السقيا سبعة وعشرون ميلا ، وبها ماتت آمنة بنت وهب (١١) أمّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ابن ست سنين ، وكانت قدمت به صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى مكّة ، فكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع جدّه عبد المطلب بن هاشم.

قال ابن اسحاق (١٢) : وخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى بلغ ودّان وهي غزوة الأبواء يريد قريشا وبني ضمرة وبني بكر بن عبد مناة فصالح بعضهم ثم رجع ولم يلق كيدا وذلك بعد اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

أبان (١٣) : بفتح أوله ، جبل ، وهما أبانان الأبيض والأسود ،.

__________________

(١) الادريسي (ب بيريس) مسيون ، ص : ٦٢ ، وفي بعض أصول الادريسي (د دوزي) : ٩٠ : أمسينون.

(٢) النقل عن الادريسي (ب / د) : ٨٦ / ١١٧ ، وانظر أيضا البكري : ٥٣.

(٣) البكري : ستة أميال ، وهو مخالف لما عند الادريسي.

(٤) الادريسي : غدقة.

(٥) الادريسي (د) : ٢٠٣ وبروفنسال : ١١ والترجمة : ١٥ (Ubada).

(٦) الادريسي (د) : ٢١٣ وبروفنسال : ١٠ والترجمة : ١٥ (Owejo).

(٧) دوزي : الزنجفر.

(٨) الادريسي (د) : مائتي قامة وخمسين قامة.

(٩) معجم ما استعجم ١ : ١٠٢.

(١٠) في ع ص : وفي

(١١) ابن هشام ١ : ١٦٨.

(١٢) ابن هشام ١ : ٥٩١.

(١٣) معجم ما استعجم ١ : ٩٥.

٦

فالأبيض لبني فزارة والأسود لبني والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بينهما فرسخ ، وإياهما عنى مهلهل بقوله يعني ابنته : انكحها فقدها الاراقم في جنب وكان الحباء من أَدَمِ لو بأبانين جاء يخطبها ضرّج ما أنفُ خاطب بدمِ

أبرق العزّاف (١) : واد بالحجاز يقال إنه لا يتوارى جنّه ، قال خريم بن فاتك الاسدي صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قلتُ لعمر ابن الخطّاب رضي‌الله‌عنه : ألا أُحدّثك كيف كان بدء إسلامي ، قال : بلى ، قال رضي‌الله‌عنه : خرجت في طلب إبل لي ... وبقية الحكاية في حرف الخاء من ابن عساكر «خريم بن فاتك» فانظره (٢).

الأبطح (٣) : بمكّة شرّفها الله تعالى ، وقريش فريقان : قريش البطاح وقريش الظواهر ، فقريش البطاح هم الذين ينزلون بطحاء مكّة وهم بنو عبد مناف وبنو عبد الدار وبنو عبد العزى وبنو عدي ابن قصي بن كلاب وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم وبنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح ، وقريش الظواهر الذين ينزلون حول مكّة وهم بغيض بن لؤي وبنو الأدرم بن غالب ومحارب والحارث ابنا فهم ، وسائر قريش الذين ليسوا من الأباطح ولا من الظواهر هم : سامة بن لؤي وخزيمة بن لؤي وبنو عوف بن لؤي ، ويقال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الأبطحي لأنه من ولد عبد مناف ، وكان يقال لعبد المطلب سيّد الأباطح. وقال أبو رافع ، وكان على ثقل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم يأمرني أن أنزل بالأبطح ولكن ضرب قبته فنزله.

أبهر : بلد ما بين قزوين وزنجان ، من قزوين اليها اثنا عشر فرسخا ومنها إلى زنجان خمسة عشر فرسخا. قالوا : وأبهر أيضا في أصبهان ينسب اليها أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري الفقيه المالكي (٤) جمع بين القراءات وعلو الأسانيد وتفقّه ببغداد وشرح مختصر ابن عبد الحكم ، وانتشر عنه مذهب مالك رحمه‌الله في البلاد. ومولده قبل التسعين والمائتين ، ومات سنة خمس وسبعين وثلثمائة.

أبيورد : من مدن خراسان ، فيها ولد الفضيل بن عياض الزاهد بمكة سنة سبع وثمانين ومائة ؛ قال سفيان بن عيينة (٥) : دعانا الرشيد فدخلنا عليه ودخل الفضيل آخرنا مقنّعا رأسه بردائه ، فقال : يا سفيان أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت : هذا ، فقال : أنت يا حسن الوجه الذي أمرُ هذه الأمّة كلها في عنقك؟ لقد تقلدت أمرا عظيما ؛ فبكى الرشيد ، ثم أتي كل رجل منا ببدرة فكلّ قبلها إلا الفضيل ، فقال الرشيد : يا أبا علي إن لم تستحلّ أخذها فخذها فأعطها ذا دين وأشبع بها جائعا واكس عاريا وفرّج بها عن مكروب ، فاستعفاه منها ، فلما خرج قلت له : يا أبا عليّ أخطأت ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البرّ ، فأخذ بطرف لحيتي ثم قال : يا أبا محمد أنت فقيه البلد والمنظور اليه وتغلط هذا الغلط! لو طابت لاولئك لطابت لي ، قال سفيان : فصغّر والله إليّ نفسي.

ومن أهل أبيورد محمد بن أحمد الأموي أبو المظفر الأبيوردي (٦) أوحد عصره في معرفة اللغة والأنساب وغير ذلك له تصانيف كثيرة ، منها «تاريخ ابيورد ونسا» و «المختلف والمؤتلف» و «طبقات العلم في كل فن» و «ما اختلف وائتلف في أنساب العرب» ، وله في اللغة مصنفات ما سبق اليها ، وكان متصرفا في فنون جمة ، فصيح الكلام حاذقا بالتصنيف وافر العقل ، سئل عن أحاديث الصفات فقال : بعر وتمر ، وقال في قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ليس لعرق ظالم حق» ، العروق أربعة : عرقان ظاهران وعرقان باطنان ، فالظاهران الغرس والبناء والباطنان البئر والمعدن (٧) وله :

تنكّر لي دهري ولم يدر أنني

أعزّ وأحداث الزمان تهونُ

فظلّ يريني الخطبَ كيف اعتداؤهُ

وظلتُ أُريه الصبر كيف يكونُ

وله :

__________________

(١) معجم ما استعجم ٢ : ٩٤٠.

(٢) تهذيب ابن عساكر ٥ : ١٢٨ ـ ١٣٢ ؛ والقصة طويلة ، وخلاصتها أنه سمع هاتفا يهتف باسم الرسول ويدعوه إلى الرشد فتوجه إلى المدينة وأسلم.

(٣) معجم ما استعجم ١ : ٢٥٧ (البطحاء) ، ١ : ٩٧.

(٤) الديباج المذهب : ٢٥٥.

(٥) انظر القصة في ابن خلكان ٤ : ٤٧ (رقم : ٥٣١).

(٦) ابن خلكان ٤ : ٤٤٤ (رقم : ٦٧٤).

(٧) قال ابن الأثير في النهاية (٣ : ٨٦ ـ ٨٧) في تفسير الحديث : هو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسا غصبا ليستوجب به الأرض ، وانظر ارشاد الساري ٤ : ١٨٤ ، ونقل عن ابن شعبان في الزاهي قوله : العروق أربعة : عرقان ظاهران ، وعرقان باطنان ، فالظاهران البناء والغراس والباطنان الآبار والعيون.

٧

فيا ويح نفسي لا أرى الدهر منزلا

لعلوة إلا ظلت العين تذرف

ولو دام هذا الوجد لم يبق عبرة

ولو أنني من لجة البحر أغرفُ

وله :

بأبي ريم تعرّض لي

عن رضا في طيه غضبُ

فأراني صبح وجنته

بظلام الصدغ ينتقبُ

فأتى بالكأسِ مترَعة

كضرام النار يَلتهبُ

فهي شمس في يَدَي قمر

وكلا عقديهما الشهبُ

ولها من ذاتها طرب

فلهذا يرقصُ الحَبَبُ

وتوفي سنة سبع وخمسمائة بأصبهان.

الأبُلّة (١) : بضم الهمزة والباء واللام المشددة ، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي في شمالها ، وجانبها الآخر على غربي دجلة ، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاهية.

وهي في قول محمد بن سيرين القرية التي مرّ بها موسى والخضر عليهما‌السلام فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ، قالوا : وهم أبخل أهل قرية وأبعدها من السخاء ، ويحكى أن أهلها رغبوا إلى عمر بن الخطّاب رضي‌الله‌عنه في أن يثبت في المصحف : فأتوا أن يضيفوهما ـ بالتاء المثناة بدل الباء ـ وقالت فرقة : بل القرية انطاكية ، وقيل : هي برقة ، ويقال : إنها الجزيرة الخضراء بالأندلس.

وكان عمر بن الخطّاب رضي‌الله‌عنه قد أمر بحفر نهر الأبُلّة فلما ولي عثمان رضي‌الله‌عنه جعل نصف النفقة على أهل الخراج والنصف الثاني على بيت المال ، فمدّوه إلى البصرة. والأبُلّة مدينة قديمة عامرة فتحها عتبة بن غزوان في زمن عمر رضي‌الله‌عنه (٢) ، ولما نزل عتبة الخريبة وبالأبلة خمسمائة من الاساورة وكانت مرفأ الصين وما دونها ، خرج اليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة ، وأمر رجُلين من أصحابه فقال لهما : كونا في عشرة فوارس في ظهورنا فتردّان المنهزم وتمنعان من أرادنا من ورائنا ، ثم التقوا فاقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها ، ثم منحهم الله تعالى أكتافهم فولوا منهزمين حتى دخلوا المدينة ، ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياما وألقى الله عزوجل في قلوبهم الرعب ، فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خفّ وعبروا الفرات وخلوا المدينة ، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا فاقتسموا العين ، وولي نافع ابن الحارث أقباض الأبلّة فأخرج خمسة ثم قسم الباقي بين من أفاء الله عليه ، وشهد فتح الأبلّة مائتان وسبعون. قالوا (٣) : ولما خرج الناس لقتال أهل الأبلة قالوا للعدوّ : نعبر اليكم أو تعبرون الينا؟

فقالوا : اعبروا الينا ، فأخذوا خشب العشر وأوثقوه وعبروا ، فقال المشركون : لا نأخذ أولهم حتى يعبر آخرهم ، فلما صاروا على الأرض كبّروا تكبيرة ثم كبّروا الثانية فقامت دوابهم على أرجلها ثم كبّروا الثالثة فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض وجعلنا ننظر إلى رؤوس تندر لا نرى من يضربها ، وفتح الله على أيديهم المدينة. وقال سلمة بن فلان (٤) : شهدت فتح الأبلة فوقع في سهمي قدر نحاس ، فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون الف مثقال ، وكتب في ذلك إلى عمر رضي‌الله‌عنه ، فكتب أن يحلف سلمة بالله لقد أخذتها يوم أخذتها وهي عنده نحاس فإن حلف سلمت اليه ، وإلا قسمت بين المسلمين ، فحلفت فسلمت لي ، قال : فأصول أموالنا اليوم منها. وقال خالد بن عمير : شهدت فتح الأبلّة مع عتبة بن غزوان فأصبنا سفينة مملوءة جوزا فقال رجل منا : ما هذه الحجارة؟ وكسرناها فأكلنا منها فقلنا هذا طعام طيّب.

وقال علي بن سعيد : كان فخر الدين علي بن الدامغاني قدمه الخليفة المستنصر على ديوان الزمام ، قال : وصحبته من مدينة السلام إلى أسافل دجلة لجمع الأموال فانحدرنا إلى البصرة وحللنا بين نهر معقل ونهر الأبلّة ، فنصب فخر الدين هناك خيمة وتزاحم الوفود عليه من المسلمين واليهود والنصارى والصابئة والمجوس ، فقلت له :

ما بين نهر الأبلّه

وبين معقل حِلّه

__________________

(١) انظر ياقوت (الأبلة) ونزهة المشتاق : ١٢١.

(٢) الطبري ١ : ٢٣٨٤.

(٣) الطبري ١ : ٢٣٨٧.

(٤) هو سلمة بن المحبق كما في الطبري.

٨

قد حلّها كلّ جود

وأمّها كل مله

بدت لديها بدور

دارت عليها الأهله

يمّم ذراها لتلقى

بأُفقها المجد كله

فاستحسن ذلك فخر الدين ، قال : وكان نزولنا في جنوبي نهر معقل وبينه وبين نهر الأُبلة في الجنوب فرسخ ، ويخرج من أعلى هذا النهر فيض ومن أصل النهر الآخر فيض يختلطان فيصير منهما النهر الذي يمتد مع البصرة في شرقيها ، ويجمع ذلك المكان أصناف الزهر وأشتات الرياحين والنخل ، فأنشد فخر الدين :

انظر إلى نهرين قد أخرجا

من دجلة ما لهما من مثيل

وإن تشا قلت أرى دارغا

في كل كف منه سيف صقيل

والنخل والأدواحُ قد أحدقت

تحكي رعيلا قد تلاه رعيل

ولما دخل الططر مدينة السلام أبقوه على جباية البلاد لمعرفته بها ثم قدّموه للشنق سنة تسع وخمسين وستمائة لأنهم اتهموه بمواطأة صاحب مصر عليهم.

أبطير (١) : حصن بالأندلس بمقربة من بطليوس من بناء محمد ابن أبي عامر ، من جليل الصخر داخله عين ماء خوارة ، وهو اليوم خال ، وعلى مقربة منه بنحو ثلاث غِلاء (٢) قبر في نشز من الأرض قد نحت في حجر وقد نضد عليه صفائح الحجارة ويُعرف بقبر الشهيد ولا يعلم له وقت لقدمه ، يُرفَع عنه بعض تلك الصفائح فيرى صحيح الجسم لم يتغير ، نابت الشعر.

أبركاوان : جزيرة في البحر بينها وبين سيراف مائة وخمسون فرسخا وفيها قلاع شتى وفيها أجوان كثيرة ومستقى ومحتطب كثير ، وفيها معادن الحديد ، وطولها اثنا عشر فرسخا ، وبينها وبين ساحل بحر فارس فرسخان.

ابرشهر : هي مدينة نيسابور ، وقصدها غازيا الأحنف بن قيس من قِبَل ابن عامر فلقيه الهياطلة فقاتلهم فهزمهم ، ثم أتى ابن عامر نيسابور فافتتح مدينة ابرشهر هذه ، قيل صلحا وقيل عنوة ، وفتح ما حولها : طوس وبيورد ونسا وسرخس ، ولمّا افتتحها ابن عامر أعطوه جاريتين من آل كسرى.

أبيض المدائن : ويقال له القصر الأبيض ، وهو الذي لا يُدرى من بناه وهو من المدينة العتيقة من المدائن دار ملك الأكاسرة بالعراق ، وهو المشار إليه في حديث النسائي (٣) عن البراء بن عازب رضي‌الله‌عنهما ، قال : لما أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول بيده وقال : «بسم الله» فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أكبر. أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر قصورها الحمر الآن من مكاني هذا» ؛ قال : ثم ضرب أخرى وقال : «بسم الله» وكسر ثلثا آخر وقال : «الله أكبر. أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض» ، ثم ضرب ثالثة وقال : «بسم الله» فقطع [بقية] الحجر وقال : «الله أكبر. أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأنظر باب صنعاء» ، وهذا الحديث أوضح في المعنى من حديث سلمان رضي‌الله‌عنه الذي في السير (٤) ، وذلك أن المدائن على مسافة يوم من بغداد ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقا وغربا ، ودجلة تشق بينها ولذلك سميت المدائن : الغربية منها تسمى بهر سير ، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة ، وفيها القصر الأبيض الذي لا يُدرى مَن بناه ، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأُخرى التي كانت الملوك تنزلها ، وفيها إيوان كسرى العجيب الشأن الشاهد بضخامة مُلك بني ساسان ، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه وهو من أكابر ملوكهم ؛ وقد ذكر أبو عبادة البُحتري هذا القصر الأبيض وما كان مصوّرا فيه من الصخور العجيبة والتماثيل البديعة في قصيدته السينيّة البارعة الفريدة (٥) :

حضرت رحلي الهموم فوجه

تُ إلى أبيض المدائن عنسي

أتسلّى عن الحظوظ وآسى

لمحل من آل ساسان درسِ

ذكرتنيهم الخطوب التوالي

ولقد تذكر الخطوب وتنسي

__________________

(١) بروفنسال : ١١ والترجمة : ١٦ ولم يعرّف بها.

(٢) الغلاء : جمع غلوة ، وهي رمية السهم.

(٣) سنن النسائي ؛ باب الجهاد (٦ : ٤٣) وليس فيه رواية عن البراء بن عازب ، وإنما الرواية عن البراء في مسند أحمد ٤ : ٣٠٣ قريبة الشبه بما أورده المؤلف.

(٤) انظر ابن هشام ٢ : ٢١٩.

(٥) ديوان البحتري : ١١٥٢.

٩

وهم خافضون في ظل عال

مشرف يحسر العيون ويخسي

حلل لم تكن كاطلال سعدى

في قفار من المهامه ملسِ

ومساع لولا المحاباةُ مني

لم تطقها مسعاة عنس وعبسِ

لو تراه علمت أن الليالي

جعلت فيه مأتما بعد عرسِ

وهو ينبيك عن عجائب قوم

لا يشاب البيان فيهم بلبسِ

فإذا ما رأيت صورة انطاكيّ

ة ارتعت بين روم وفُرسِ

والمنايا مواثل وأنوشروان يزجي

الصفوف تحت الدرفسِ

في اخضرار من اللباس على اخ

ضر يختال في صبيغة ورسِ

وعراك الرجال بين يديه

في خفوت منهم واغماض جرسِ

من مشيح يهوي بعامل رمح

ومليح من السنان بترسِ

تصف العين أنهم جد أحيا

ء لهم بينهم إشارة خرسِ

يغتلي فيهمُ ارتيابيَ حتى

تتقراهُم يدايَ بلمسِ

أبيار (١) : بفتح أوله ، قرية من كور البلاد المصرية منها أبو الحسن علي بن اسماعيل الصنهاجي الفقيه شارح «البرهان».

الأبلق الفرد : هو حصن السموأل بن عاديا ؛ قالوا : إذا خرجت من المدينة وأنتَ تريد تيماء فتنزل الصهباء ثم تنزل كذا ثم تنزل العين ثم كذا ثم تسير ثلاث ليال في الجناب ثم تنزل تيماء وهي [لطيء](٢). وبتيماء حصن الأبلق الفرد الذي كان ينزله السموأل ، والعرب تضرب المثل بهذا الأبلق الفرد في الحصانة والمنعة فتقول : تمرّد مارد وعزّ الأبلق (٣). وزعموا أنه من بنيان سليمان عليه‌السلام.

وكان الحارث بن أبي شمر الغساني بلغه أن امرأ القيس أودع سلاحا وكراعا عند السموأل فبعث اليه رجلا من أهل بيته يقال له الحارث بن مالك فلما دنا من حصنه أغلق بابه وسأله ما الذي جاءَ به؟ فقال له الحارث : جئتك لتدفع إليّ كراع امرئ القيس ، فأبى عليه ، وكان للسموأل خارج الحصن ابن يقتنص يومه فلما رجع قال له الحارث : إن لم تعطني ما سألتك قتلت ابنك هذا ، فقال : لا سبيل إلى ذلك فاصنع ما أنت صانع ، فقتل ابنه ، فضربت به العرب المثل في الوفاء وقالت : أوفى من السموأل ، وفي ذلك يقول أعشى قيس (٤) :

كن كالسموألِ إذ طاف الهمام به

في جحفل كهزيع الليل جرّارِ

بالأبلقِ الفردِ من تيماءَ منزله

حصن حصين وجار غير غدّار

خيّره خطّتي خسف فقال له

مهما تقولن فإني سامع دارِ

فقال ثكل وغدر أنت بينهما

فاختر وما فيهما حظ لمختارِ

فشك غيرَ طويل ثم قال له

اقتل أسيرك إني مانع جاري

أباغ (٥) : عين أباغ في طرف أرض العراق مما يلي الشام فيها أوقع الحارث الغساني وهو يدين لقيصر بالمنذر بن المنذر وبعرب العراق وهم يدينون لكسرى وقتل المنذر يومئذ. وقال الرياشي : عين أباغ بين بغداد والرقة وأنشد :

بعين أباغ قاسمنا المنايا

فكان قسيمها خير القسيم

وبعين أباغ مات صالح بن علي بن عبد الله بن العبّاس عمّ أبي جعفر المنصور وهو يريد الشام ، وروي أن صالحا هذا ظفر ببشر بن عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فقال : انه قد كان من بلاء أبي هذا عندنا واحسانه الينا ما يوجب حفظه ، فقال له بشر : فلينفعني هذا عند الأمير اليوم ، فقال : أما قتلك فلا بدّ منه لكتاب أمير المؤمنين إليّ بذلك وأنه لا سبيل إلى مخالفته ، ولكني أقدم الذي سعى بك فأضرب عنقه بين يديك وأكافئ الذي آواك ، ففعل ذاك.

__________________

(١) ياقوت : (أبيار) وانظر ترجمة الأبياري في الديباج : ٢١٣ وكانت وفاته سنة ٦١٦ ، والبرهان من مؤلفات الجويني.

(٢) معجم ما استعجم ١ : ٣٢٩ والنصّ بتمامه : فتنزل الصهباء لأشجع ثم تنزل أشمذين لأشجع ثم تنزل العين ثم سلاح لبني عذرة ثم تسير ثلاث ليال في الجناب ... الخ.

(٣) فصل المقال : ١٣٠ ـ ١٣١ والميداني ١ : ٨٤ والعسكري ١ : ١٧٩.

(٤) ديوان الأعشى : ١٢٦.

(٥) معجم ما استعجم ١ : ٩٥.

١٠

أبين (١) : باليمن ، قيل فيه بكسر الألف وفتحها ، وهو اسم رجل في الزمن القديم إليه تنسبُ عدن أبين من بلاد اليمن وبينها وبين عدن اثنا عشر ميلا. وفي كلام شق في تفسير رؤيا ربيعة ابن نصر : أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران ، إلى آخر أسجاعه.

الأثيل : واد في حيز بدر طوله ثلاثة أميال ، بينه وبين بدر ميلان حيث كانت الوقعة المباركة بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكفّار قريش سنة اثنتين ، وكانت بدر موسما من مواسم العرب ومجمعا من مجامعهم في الجاهلية ، وبها قصور وبئار ومياه تستعذب بأرض يقال لها الأثيل ويقرب منها ينبع والصفراء والجار والجحفة (٢) ، وإياها أرادت قتيلة بنت الحارث وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بقتل أخيها النضر هنالك ، فقالت (٣) :

يا راكبا إن الأثيل مظنة

من صبح رابعة وأنت موفّق

أبلغ بها ميتا بأن تحية

ما إن تزال بها الركائبُ تخفقُ

مني اليك وعبرة مسفوحة

جادت بدرتها وأُخرى تخنقُ

الأبيات إلى آخرها.

اثل (٤) : هي مدينة الخزر وقصبتها باب الأبواب ومنها إلى سمندر أربعة أيام في عمارة ، ومن سمندر إلى اثل أربعة أيام ، واثل مدينتان عامرتان من ضفتي النهر المسمّى بها والملك يسكن في المدينة التي في الضفّة الغربية من النهر ، والتجار والسوقة وعامة الناس يسكنون المدينة التي في الضفة الشرقية ، وطول مدينة اثل نحو ثلاثة أميال ، ويحيط بها سور منيع ، وأكثر أبنيتها قباب يتخذها الأتراك من لبود ، وجلتهم يبنون بالتراب والطين ، وقصر ملكها مبني بالآجر ، ولا يبني أحد هناك بالآجر خوفا من الملك.

والخزر نصارى ومسلمون وفيهم عبّاد أوثان ، ولا يغيّر أحد على أحد في أمر دينه ، وزراعات أهل اثل على ما جاور النهر من الأرضين ، فإذا زرعوا وحان الحصاد خرجوا إليه ، قريبا كان أو بعيدا ، فحصدوه ثم نقلوه بالمراكب في النهر ، وأكثر طعامهم السمك والأرز ؛ ونهر اثل مبدؤه من جهة المشرق من ناحية الأرض الخراب حتى يقع في بحر الخزر ، ويقال إنه يتشعب منه نيف وسبعون نهرا ، ويبقى عمود النهر فيجري إلى بحر الخزر ، وهذه المياه المفترقة إذا اجتمعت في أعلى النهر تزيد على مياه جيحون وبلخ كثيرا كبرا وغزر مياه وسعة على وجه الأرض.

ويركب هذا البحر التجار بأمتعتهم من أرض المسلمين إلى أرض الخزر وهو فيما بين الران والجبل وطبرستان وجرجان ، وقد يسافر أهل اثل إلى جرجان ؛ والخزر بلاد أمم كثيرة ، ولهم بلاد ومدن منها سمندر والباب والأبواب وبلنجر وغيرها ، وكل هذه البلاد بناها كسرى أنوشروان ، وهي الآن قائمة عامرة.

أجأ (٥) : يهمز ولا يهمز ، أحد جبلي طيء وهما أجأ وسلمى سميا برجل وامراة فجرا فصلبا عليهما ، أما أجأ فهو ابن عبد الحي وأما سلمى فهي سلمى بنت حام. وفي شعر امرئ القيس (٦) : أبت أجأ أن تسلم العام جارها وفي السير (٧) في غزوة تبوك أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يخرجنّ احد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له» ، ففعلوا إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له ، فأما الذي ذهب لحاجته فخنق على مذهبه ، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء ، فأخبر بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه» ، ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي ، وأما الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين قدم المدينة. وفي شعر ابن هانئ الأندلسي (٨) :

سلوا طيء الأجبال أين خيامها وما أجأ إلا حصان ويعبوبُ

أجدابية (٩) : مدينة في حيز برقة وهي آخر ديار لواتة ، وهي في صحصاح من حجر مستو ، وكان لها فيما سلف سور ولم يبق

__________________

(١) معجم ما استعجم ١ : ١٠٣.

(٢) حدد مؤلف المناسك موقع الأثيل في أسفل وادي الصفراء ؛ وهو المكان المعرف اليوم بالجديد ويبعد عن بدر بمسافة تقرب من عشرة كيلومترات (انظر تعليقات الشيخ حمد الجاسر على ديوان كثير : ٥٥١).

(٣) ابن هشام ٢ : ٤٢ وقد أورد منها سبعة أبيات أخرى.

(٤) نزهة المشتاق : ٢٧١.

(٥) رحلة الناصري : ٢٠٨.

(٦) عجز البيت : فمن شاء فلينهض لها من مقاتل ؛ وانظر معجم ما استعجم ١ ؛ ١١٠.

(٧) ابن هشام : ٥٢١.

(٨) ديوان ابن هانئ : ٢١.

(٩) الادريسي (د / ب) : ١٣٢ / ٩٨.

١١

منه الآن إلا قصران في الصحراء ، والبحر منها على أربعة أميال ولا شيء حولها من النبات ، وفيها يهود ومسلمون ويطيف بها خلق من البربر ، وليس بها ماء جار إنما مياههم في المواجل والسواني التي يزرعون عليها الشعير وقليل الحنطة وضروبا من القطاني.

وممن ينتسب إليها علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الأجدابي أحد فقهاء القيروان الجلة ، روى عن أبي الفضل محمد بن يحيى بن عباس قال : كان حي من الجن يقال لهم بنو أسد يزجرون الطير فأرادوا أن يختبروا علم بني أسد من الانس في زجر الطير فتمثلوا ثلاثة أشخاص وأتوا إلى بني أسد من الانس فسلموا عليهم وقالوا : إنّا قوم ذهبت لنا لقاح فابعثوا معنا من يزجر الطير لعلنا نجدها ، فبعثوا صبيا صغيرا منهم فما مشى إلا يسيرا إذ نظر إلى عقاب قد ضمت جناحا وفتحت جناحا ، فرجع الصبي إلى قومه وهو يبكي ويقول للأشخاص الثلاثة : ضمت جناحا وفتحت جناحا ، فاحلف بالله صراحا ، ما أنتم بانس ولا تبغون لقاحا.

ومن المنسوبين إلى أجدابية أيضا أبو اسحاق الأجدابي الأديب (١) صاحب «الكفاية» و «شحذ القريحة» و «العروض».

وأجدابية (٢) مدينة كبيرة في الصحراء وأرضها صفا وآبارها منقورة في ذلك الصفا ، طيّبة الماء والهواء وبها عين ثرة غدقة وبساتين ونخل يسير ، وبها جامع حسن بناه الشيعي وله صومعة مثمنة بديعة العمل ، وبها حمّامات وفنادق كثيرة وأسواقها حافلة مقصودة ، وأهلها ذوو يسار وأكثرهم أنباط وبها نبذ من صرحاء لواتة ، وليس لمبانيها سقوف خشب إنما هي أقباء من طوب لكثرة الرياح بها ، كذا كانت أول الأمر ثم أتى عليها من الأمر ما قدمناه.

أجرسيف (٣) : مدينة في أحواز تلمسان من أرض المغرب كبيرة لها بساتين كثيرة وهي على نهر ملوية وهو نهر كبير من الأنهار المشهورة ، وكانت اجر سيف قرية كبيرة على النهر المذكور حتى خرج الملثمون من الصحراء فنزلوها ومدنوها وبنوا عليها سورا من طوب.

أجنادين : بفتح الهمزة والنون والدال ، بعدها ياء ونون على لفظ التثنية ، موضع بالشام من بلاد الأردن ، قال كثّير (٤) :

فالا تكن بالشام داري مقيمة

فان بأجنادين مني ومسكن

مشاهد لم يعفُ التنائي قديمها

وأُخرى بميافارقين فموزن

مسكن بالعراق وهو موضع معسكر مصعب وبه قُتِل ، يخبر كثّير انه كان مع عبد الملك في حروبه تلك ، وبأجنادين كانت الوقعة بين المسلمين والنصارى في آخر خلافة الصدّيق رضي‌الله‌عنه ، وهي أول وقعة عظيمة كانت بالشام ، وكانت (٥) سنة ثلاث عشرة قبل وفاة أبي بكر رضي‌الله‌عنه بأربع وعشرين ليلة ، قتل المسلمون منهم في المعركة ثلاثة آلاف واتبعوهم يقتلونهم ويأسرونهم ، وخرج كل الروم إلى ايليا وقيسارية ودمشق وحمص فتحصّنوا في المدائن العظام ، وكتب خالد بن الوليد رضي‌الله‌عنه بالفتح إلى أبي بكر رضي‌الله‌عنه : أخبرك أيها الصدّيق أنّا لقينا المشركون وقد جمعوا لنا جموعا جمة بأجنادين وقد رفعوا صلبهم ونشروا كتبهم وتقاسموا بالله لا يفرّون حتى يفنونا أو يخرجونا من بلادهم ، فخرجنا اليهم واثقين بالله متوكلين عليه ، فطاعنّاهم بالرماح شيئا ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم بها قدر جزر جزور ، ثم إن الله أنزل نصره وأنجز وعده وهزم الكافرين فقاتلناهم في كل فج وشعب وغائط ، فالحمد لله على إعزاز دينه وإذلال عدوّه وحسن الصنع لأوليائه والسلام. وفتوح الشام متضمنة لبسط هذا الخبر المجمل.

أجياد : بفتح أوله واسكان ثانيه وبالياء أخت الواو والدال المهملة كأنه جمع جيد ، أحد جبال مكّة وهو الجبل الأخضر العالي بغربيّ المسجد الحرام ، وفي رأسه منار يذكر أن أبا بكر رضي‌الله‌عنه أمر ببنائه ينادي عليه المؤذنون في رمضان ، يقابل من الكعبة الركن اليماني يخرج اليه من باب إبراهيم عليه‌السلام ويقابل قعيقعان من ناحية الغرب ، وقال عمر بن أبي ربيعة (٦) :

هيهات من أَمَةِ الوهاب منزلنا

إذا حللنا بسيف البحر من عدنِ

__________________

(١) انظر رحلة التجاني : ٢٦٢ وتاريخ ليبيا : ٢١٣.

(٢) البكري : ٥.

(٣) الاستبصار : ١٧٧ وعند الادريسي (د) : ١٧٢ : آقرسيف.

(٤) ديوانه : ٢٥٠ ـ ٢٥١.

(٥) فتوح الأزدي : ٧٩.

(٦) ديوانه : ٤١٣.

١٢

واحتل أهلك أجيادا فليس لنا

إلا التذكر أو حظ من الحَزَنِ

وتفاخر رعاء الإبل (١) ورعاة الغنم عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأوطاهم رعاء الإبل غلبة وقالوا : ما أنتم يا رعاء النقد هل تخبون أو تصيدون؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد. فغلبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وبأجياد نزل السميدع بقطورا في الزمن الأقدم وكان يعشر من دخل مكّة من أسفلها ، قالوا : سمي بذاك لخروج جياد الخيل مع السميدع حين قاتل عمرو بن مضاض الجرهمي في خبر مشهور.

الأجم (٢) : قصر الأجم هو المعروف بقصر الكاهنة وبينه وبين المهدية من البلاد الإفريقية ثمانية عشر ميلا ، وذكر أن الكاهنة حصرها عدوّها في هذا القصر فحفرت سربا في صخرة صمّاء من هذا القصر إلى مدينة سلقطة يمشي فيه العدد الكثير [من الخيل](٣) وبينهما ثمانية عشر ميلا ؛ ويقال إن أخت الكاهنة كانت في سلقطة فكان الطعام يجلب إليها في ذلك السرب على ظهور الدواب ، وهذا القصر عجيب البنيان قد أحكم بحجارة طول الواحد منها ستة وعشرون شبرا ، وارتفاع القصر في الهواء أربع وعشرون قامة ، وهو من داخله كله مدرج إلى أعلاه ، وأبوابه طاقات بعضها فوق بعض.

وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح لمّا بعثه عثمان إلى إفريقية غازيا لقي جرجير صاحب سبيطلة ، وقاتله فقتله عبد الله بن الزبير وشن الغارات على سبيطلة ، وأصاب الروم رعب شديد ، ولجأوا إلى الحصون والقلاع ، فاجتمع أكثر الروم بقصر الأجم فطلبوا من عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلثمائة قنطار من ذهب على أن يكفّ عنهم ويخرج من بلادهم ، فقبل ذلك منهم وقبض المال ، وكان في شرطه ان ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردّوه لهم.

أحد : جبل بظاهر مدينة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في شمالها على مقدار ستة أميال وهو أقرب الجبال اليها ، وهو مطلّ على أرض فيها مزارع وضياع كثيرة لأهل المدينة ، وفيه قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا جبل يحبّنا ونحبّه».

ولمّا خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى غزوة أحد نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل ، فجعل عسكره وظهره إلى أحد ؛ قيل سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك ؛ قيل : أراد بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «يحبّنا ونحبّه» أهله وهم الأنصار ، وقيل : لأنه كان ينشرح إذا رآه عند قدومه من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب ؛ وقيل : بل حبه حقيقة وضع الحبّ فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبّحة مع داود عليه‌السلام وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله تعالى فيها (وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) (البقرة : ٧٤). وفي بعض الآثار المسندة أن أحدا يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها ، وفي بعضها أنه ركن لباب الجنة.

وعند أحد كانت الوقعة بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقريش في سنة ثلاث في شوّال بعد بدر بسنة ، حضرها من المسلمين ستمائة رجل وكانت قريش في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ، وقتل فيها حمزة عمّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قتله وحشي ، وحكى وحشي بعد أن أسلم ، قال : جئت فشهدت شهادة الحق عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «اجلس فحدّثني» ، فحدّثته كيف قتلت حمزة ، فقال : «غيّب وجهك عني فلا أراك» ؛ وفي قصة أحد نزلت الآيات من سورة آل عمران (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) (آل عمران : ١٢١) إلى آخر الآيات ، ووقف النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على حمزة رضي‌الله‌عنه ، وقد مثّل به ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو لا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع فيكون أعظم لأجره وأفضل لدرجته في الجنة» ثم بكى حتى اغرورقت عيناه واخضلت لحيته من دموعه ، وبكى الناس لبكائه وكثر الضجيج ، فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام فعزّاه به وقال : يا محمد قد بكى لبكائك أهل السماوات ولعنوا قاتل عمك ، والله عزوجل يقول (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) (الضحى : ٤) و (الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص : ٨٣) ، فاسترجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم أمر بالقتلى فجعل يصلّي عليهم وجعل يضع تسعة وحمزة فيكبّر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة رضي‌الله‌عنه ، ثم يجاء بتسعة

__________________

(١) معجم ما استعجم ١ : ١١٥.

(٢) سمّاه البكري : ٣١ قصر لجم ولعل فيه ادغاما كما يقولون «لربس» و «الأربس» وكلاهما صحيح. والنصّ هنا متابع في بعضه لما ورد عند البكري ، وانظر كذلك رحلة التجاني : ٥٨ ـ ٥٩ ، وتصحف في الاستبصار : ١١٨ إلى «قصر لخم».

(٣) زيادة من البكري ، غير واردة أيضا في الاستبصار.

١٣

كذلك حتى فرغ منهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما دخل صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة سمع النياحة في دور الأنصار والبكاء ، فقال : لكن حمزة لا بواكي له ، فمن أجل ذلك يبدأ في المدينة ومكة بحمزة قبل ميّتهم.

الأحساء (١) : مدينة على البحر الفارسي تقابل جزيرة اوال وهي بلاد القرامطة ؛ والأحساء مدينة صغيرة وبها أسواق تقوم بها (٢).

وكان أبو القاسم بن زكرويه القرمطي صاحب الشامة ينتهي إلى علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه ، وخرج أيام المكتفي بجهة السماوة سنة تسع وثمانين ومائتين ، فقوي أمره واشتدت شوكته ثم قتل على مقربة من دمشق ، فخرج بعده أخ له فصار يعترض الحجاج وبعث رجلا ليحارب بصرى وأذرعات ، فبعث اليه الخليفة الحسين بن حمدان بن حمدون التغلبي فآل الأمر إلى أن قتل وصلب ببغداد فرجمه الناس. وقيل لهم القرامطة لأنهم نسبوا إلى قرمط بن الأشعث لأنه كان يقرمط خطّه أو مشيه على ما ورد ، أي يقارب خطوه ؛ وكان أخذ أصل مقالته من رجل يقال له الفرج بن عثمان النصراني كان يزعم أنه داعية المسيح وأنه الكلمة وأنه الدابة المذكورة في القرآن والناقة وروح القدس ويحيى ابن زكريا والمهدي المنتظر ، وزعم أن الصلاة أربع ركعات : ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها وأن القبلة إلى المقدس والحج اليه ، والصوم يومان : المهرجان والنيروز ، والجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل ، وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا غسل من الجنابة ولا وضوء لصلاة ، في تخليط كثير ذكره الناس ، وفيه يقول أبو العلاء المعري (٣) :

يرتجي القوم أن يقوم إمام

ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب القوم لا إمام سوى العق

ل مشيرا في صبحه والمساءِ

كالذي قام يجمع الزنج بالبص

رة والقرمطيّ بالأحساءِ

الأحاسي : جزيرة الأحاسي على نحو عشرة أميال من المهدية بافريقية ذات أحساء بينها وبين البر مجاز قريب كان نزل به الرجّار طاغية صقلية في أسطول له أو من ناب عنه متوسلا إلى المهدية وبلاد المسلمين ، وطمع في أن يصادف في المسلمين غرة وينتهز منهم فرصة ، وذلك في عام سبعة عشر وخمسمائة ، فعكس الله تعالى عليه مقصوده ونصر المسلمين عليه وذلك في سلطان الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب المهدية ، ويكفي في التعريف بخبر هذه الكائنة كتاب الحسن هذا إلى بعض الجهات معلما بما سنّاه الله من الفتح فيه (٤) «ان الرجّار صيّر أسطوله المخذول نحو المهدية ، حماها الله تعالى ، في نحو من ثلثمائة مركب حمل على ظهورها ثلاثة آلاف راكب وزهاء ألف فارس ، وكان الرجّار قد رام إخفاء كيده ومكره فمنع السفر إلى سواحل المسلمين فسقط إلى الساحل مركب من حمالة أسطوله عرفنا من ركابه سريرة حاله ، ولم نكن قبل ذلك مهملين لما يقتضيه هذا الحادث من التأهب والاستعداد ، واستضمام الأجناد إلى الأجناد ، والتحريض على مفترض الجهاد ، فاستظهرنا باستضمام العرب المطيفة بنا فأقبلوا أفواجا أفواجا ، وجاءوا مجيء السيل يعتلج اعتلاجا ، ويتدفّق أمواجا ، وكلهم على نيات من الجهاد خالصة ، وعزمات غير معرّدة في مواقف الموت ولا ناكصة ، ووصل الأسطول المخذول ونزلوا على عشرة أميال من المهدية بجزيرة هنالك ذات أحساء ، بينها وبين البرّ مجاز متداني العبرين قريب ما بين الشطين ، هيّن مرامه ، سهل على الفارس والرّاجل خوضه واقتحامه ، فتبرع اليهم من جندنا ومن انضاف اليهم من العرب المنجدة لنا طائفة أوسعت أعداء الله طعنا وضربا ، وملأت قلوبهم خوفا ورعبا ، فلمّا عاينوا ما نزل بهم أنزلوا عن ظهور مراكبهم ما كان أبقاه الغرق من أفراسهم ، وكانت نحو ستمائة فرس ، وظنوا أنهم إن امتطوا متونها مستلئمين وصدموا بها جيوش المسلمين أمكنهم بعدها انتهاز فرصة ، فأكذب الله ظنونهم وخيّب آمالهم وجعل الدائرة عليهم وولوا أدبارهم يرون الهزيمة غنيمة والهرب غلبا ، وتركوا أفراسهم ومضاربهم وكثيرا من أسلحتهم وعددهم نهبا مقسما وفيئا مغتنما. والحمد لله الذي أيّد الإسلام ونصره ، وأعلاه وأظهره».

الأحقاف : هي منازل عاد قيل كانت بالشام ، وقيل هي بلاد رمل بين مهرة وعدن ، وقيل في بلاد الشحر الموصلة للبحر اليماني ، وقيل هي من حضرموت وعمان ، والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات العماد ؛ والأحقاف جمع حقف وهو

__________________

(١) نزهة المشتاق : ١٢١.

(٢) النزهة : تقوم بها في تصرفها.

(٣) اللزوميات ١ : ٤٨ ـ ٤٩.

(٤) أورد التجاني هذه الرسالة في رحلته : ٣٣٧ ، وانظر المكتبة الصقلية : ٣٩٧ وفي النصين بعض اختلاف ؛ وهذه المادة نشرها الأستاذ رتزيتانو مع ما نشره من موادّ متصلة بصقلية.

١٤

الحبل المستطيل من الرمل ، وقيل هي الرمال العظيمة ، وكثيرا ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل لأن الريح تصنع ذلك ، وفي ذلك قال الله تعالى (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ) (الأحقاف : ٢١) ، ونبيهم (١) هود عليه‌السلام ؛ ولما قال قائلهم (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) (الأحقاف : ٢٤) قيل لهم (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف : ٢٤) وذلك أنّ عادا بغت في الأرض وملكها الخلجان ابن الدهم ، كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى اليهم هودا فلم يجيبوا ، فمنعوا المطر ثلاث سنين وأجدبت الأرض فلم يدرّ لهم ضرع وكانت في نفوسهم مع ذلك هيبة الصانع والتقرب اليه بالتماثيل وعبادتها لأنها في زعمهم مقربة اليه ، وكانوا يعظمون موضع الكعبة وكان بربوة حمراء ، فوفدت عاد إلى مكة وفدا يستسقون لهم ويستغيثون وكان بمكة يومئذ العمالق ، فأتى الوفد مكة فأقبلوا على الشراب واللهو حتى غنّتهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر بشعر فيه حثّ لهم على ما وردوا من أجله ، وهو :

ألا يا قيل قم عجلا فهينم

لعلّ الله يسقينا غماما

فيسقي أرض عاد إنّ عادا

قد امسوا لا يبينون الكلاما

وإن الوحش تأتي أرض عاد

فلا تخشى لعاديّ سهاما

وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم

نهاركم وليلكم التماما

فقبّح وفدكم من وفد قوم

ولا لقّوا التحية والسلاما

فاستيقظ القوم من غفلتهم وبادروا إلى الاستسقاء لقومهم ، فكان من أمرهم في مجيء السّحب واختيارهم لما اختاروه منها ما هو مشهور ، وذلك أن الله تعالى أنشأ سحائب : بيضا وحمرا وسودا ثم نادى مناد من السّحاب : يا قيل اختر لقومك ، وكانوا قالوا : اللهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا ، فقال : اخترت السحابة السوداء ، فقيل له : اخترت رمدا رمددا ، لا تبقي من عاد أحدا ، لا والدا ولا ولدا ، إلا جعلته همدا ؛ وساق الله تعالى السحابة السوداء بالنقمة إلى عاد ، وفيهم يقول مرثد بن سعد :

عصت عاد رسولهم فأضحوا

عطاشا ما تبلهم السماء

ألا قبح الاله حلومَ عاد

فإن قلوبهم قفر هواءُ

فأرسل الله تعالى عليهم الريح العقيم كما قال عزوجل (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (الذاريات : ٤٢) خرجت عليهم من واد لهم ، فلما رأوا ذلك قالوا (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) وتباشروا بذلك ، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ) ، فأتتهم الريح يوم الاربعاء فلم تأتهم الأربعاء الثانية ومنهم حي ، فمن أجل ذلك [قيل] : أربعاء لا تدور ، ثم انفرد هود ومن معه من المؤمنين ، وفي ذلك يقول شاعرهم :

لو ان عادا سمعت من هود

واتبعت طريقة الرشيد

ما أصبحت عاثرة الجدود

صرعى على الآناف والخدود

وروى الكلبي (٢) عن رجاله عن الأصبغ بن فلان (٣) ، قال : كنا عند علي رضي‌الله‌عنه في خلافة عمر رضي‌الله‌عنه ، فسأل رجل من حضرموت فقال : أعالم أنت بحضرموت؟ فقال : إذا جهلتها فما أعلم غيرها ، فقال : أتعرف موضع الأحقاف؟ قال : كأنك تسأل عن قبر هود عليه‌السلام ، قال : نعم ، قال : خرجت وأنا غلام في أغيلمة من الحي نريد أن نأتي قبره لبعد صيته ، فسرنا في وادي الأحقاف أياما وفينا من قد عرف الموضع ، حتى انتهينا إلى كثيب أحمر فيه كهوف ، فانتهى بنا ذلك الرجل إلى كهف منها فدخلناه وأمعنا فيه فانتهينا إلى حجرين قد أطبق أحدهما فوق الآخر وفيه خلل يدخل منه النحيف متجانفا ، فرأيت رجلا على سرير شديد الادمة كث اللحية قد يبس على سريره وإذا لمست شيئا من جسده وجدته صلبا ، وعند رأسه كتابة بالعربية : أنا هود الذي آمنت بالله وأسفت على عاد لكفرها وما كان لأمر الله من مرد ، فقال علي رضي‌الله‌عنه : كذلك سمعته من أبي القاسم صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

اخميم (٤) : مدينة في البلاد المصرية في الجانب الشرقي من النيل لها ساحل ، وهي مدينة كبيرة قديمة فيها أسواق وحمّامات ومساجد كثيرة وفيها من البرابيّ وعجائب المباني والآثار ما يعجز الوصف عنه وهي بصعيد مصر.

وكان سوريد بن سهلون (٥) صاحب الأهرام ملكا عاقلا عالما

__________________

(١) ورد خبر عاد في عدة مصادر ، انظر الطبري ١ : ٢٣١ ـ ٢٤٤ وأخبار الزمان : ٨١ ـ ٨٢ ، وكتب التفسير (سورة الأحقاف) وكتب الأمثال ، والبكري (مخ) : ١٠.

(٢) قارن بمعجم ما استعجم ١ : ١١٩.

(٣) الأصبغ بن نباتة عند البكري.

(٤) الاستبصار : ٨٤.

(٥) اخبار الزمان (١٠٨) : فيلمون ؛ حسن المحاضرة : سهلوق ؛ الاستبصار : ٥٢ شوندين بن سلمون.

١٥

أوتي علما وحكمة ، فكان يتعهد مصالح رعيته ، واتخذ مرآة من أخلاط أقامها على منار في وسط قصره بمكان ينظر فيها جميع الأمم والأقاليم ويقابل ذلك بما يصلحه ، وقد كان عهد إلى رئيس كهنته أن يأمرهم بالنظر في كل يوم فيما يحدث في العالم ويخلد ذلك في كتاب ، فجمع اليه العلماء والكهناء والمنجمين من جميع الأقطار وعملوا له ما أراد من جميع الطلسمات وغير ذلك. وفي أيامه بنيت الأهرام (١) التي بأرض مصر بسبب أن هذا الملك كان رأى رؤيا هالته : رأى الكواكب البابانية (٢) في صور طير بيض كأنها تخطف العالم وتلقيهم بين جبلين وكأن الجبلين انطبقا عليهم ، وكأن الكواكب النّيرة مظلمة كاسفة كلها ، فأخبر بذلك كهانه وعلماءه ، فأوّلوا ذلك على أنه يدلّ على آفة نازلة من السماء مفسدة للأرض وأهلها وحيوانها وقالوا له : هي آفة محيطة بأقطار الأرض إلا اليسير ، وذلك إذا نزل قلب الأسد في أول دقيقة من السرطان وتكون الشمس والقمر في أول دقيقة من الحمل ، فقدر الملك أن ذلك غرق يأتي على الأرض ومن فيها ، فأمر ببناء الأهرام والبرابي لتخليد علومهم وصناعاتهم وسير ملوكهم وسنّتهم في رعيتهم ، وأمر ببناء أعلام عظام تكون خزائن أموالهم وكنوزهم وذخائرهم وقبورا لهم تحفظ أجسادهم من الفساد ، وأمر أن يكون ذلك كله في حجر صلد لا تغيّره الدهور ولا يفسده الطوفان ، وقيل أمر ببناء هذه الأهرام والبرابي من حجارة ومن طين ، فإن كان هذا الحادث ماء ذهبت التي هي من طين وبقيت التي هي من حجارة ، وإن كانت نارا ذهبت التي هي من حجارة وبقيت التي هي من طين ، فكان ذلك الحادث ماء فذهبت الطين وبقيت الحجارة ، ثم اختار موضعا لبناء تلك [الأعلام] بقرب النيل في الجانب الغربي منه ، وجعل طول حائط الهرم مائة وخمسين ذراعا في عرض مثل ذلك ، وارتفاعه في السماء أربعمائة ذراع وعمقها تحت الأرض مثل ارتفاعها فوق الأرض ، وعرض الحائط عشرين ذراعا. فلما تم بنيان الأهرام والبرابي أمر الملك أن يكتب على حيطان البرابي وسقوفها جميع الأشياء وغوامض الأمور ودلائل النجوم وعللها وسائر الطبائع وعمل الأدوية وتأليفها ومعرفة العقاقير وأسماؤها وصورها وعلم صنائع الكيمياء وغيرها مما ينفع ويضرّ ، كل ذلك ملخصا مفسرا لمن عرف كتابتهم ، وفهمها ، ونقش في حيطانها وسقفها جميع الطلسمات ، وكتب على كل طلسم خاصيته ونفعه وضرره ولما وضع ، وجعل في تلك الأهرام فنونا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة والجواهر النفيسة ، فلما تمت هذه الأهرام والبرابي على ما أراد الملك قال لهم : انظروا [هل] تفسد هذه الأعلام؟ فنظروا فوجدوها باقية لا تزول ، فقال لهم : هل يفتح فيها موضع أو يدخل اليها؟ فنظروا وقالوا : يفتح في الهرم الفلاني في الجانب الشمالي منه ، فقال : حققوا النظر في معرفة الموضع نفسه ، فنظروا وعرفوه أنه يكون لمدة أربعة آلاف دورة للشمس ، والدورة سنة ، فقال لهم : انظروا مقدار ما ينفق في فتح هذا الموضع ، فنظروا فعرفوه فقال : اجعلوا في الموضع الذي يوصل اليه من داخل الهرم ذهبا مقدار ما ينفق على فتحه ، ثم حثهم على الفراغ من بناء الأهرام والبرابي ففرغوا منها في ستين سنة ، وأمر أن يكتب عليها : بنينا هذه الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد هدمها في ستمائة سنة على أن الهدم أهون من البناء ، ثم قال لهم : انظروا هل يكون بمصر بعد هذه الآفة آفة أخرى ، فنظروا فإذا الكواكب تدل على وقت نظرهم على آفة أخرى نازلة من السماء تكون في آخر الزمان وهي ضد الأولى : نار محرقة لأقطار العالم ، فقال لهم : هل توقفونا على أمر آخر بعد هذه الأمور؟ فنظروا فقالوا : إذا قطع قلب الأسد ثلثي دورة وهو آخر دقيقة من العقرب لم يبق من حيوان الأرض متحرك إلّا تلف ، فإذا استتم أدواره تحللت عقد الفلك. فقال لهم : في أي يوم تنحلّ عقد الفلك؟ فقالوا له : اليوم الثاني من حركة الفلك ، فعجب من ذلك وأمر بتخليد ما قاله العلماء من هذه الحكم في الكتب وأن تستودع في تلك الأهرام ، فيقال ان فيها علوم الأولين والآخرين.

قالوا (٣) : فلما كان في زمن المأمون بن الرشيد أراد هدم الأهرام ، فعرّفه بعض شيوخ المصريين أن ذلك غير ممكن ولا يحسن بأمير المؤمنين أن يطلب شيئا لا يبلغه ، فقال : لا بد أن أعلم ما ما فيها ، ثم أمر بفتح هرم من أعظمها ، ففتح فيه ثلم في جانبه الشمالي لقلة دوام الشمس على من يعمل فيه ، فعملوا فيه فوجد حجرا صلدا يكل فيه الحديد ، فكانوا يقدون النار عند الحجر

__________________

(١) ورد الحديث عن الأهرام في كثير من المصادر ، وانظر بخاصة تحفة الالباب : ٧٤ ـ ٧٧ وخطط المقريزي ١ : ٣٠ ، وحسن المحاضرة ١ : ٢٩ ـ ٣٤ ، وكثير مما أورده المؤلف قد أورده السيوطي أيضا ، ولعل المؤلف ينظر في النقل إلى كتاب الاستبصار : ٥٢ وما بعدها.

(٢) كذا في ص ع ؛ وفي الاستبصار : الكوكب المعروف بالبانية.

(٣) متابع للاستبصار : ٥٦.

١٦

فإذا حمي رش بالخل ورمي بالمنجنيق بزبر الحديد ، وأقاموا على ذلك أياما حتى فتحوا الثلمة التي فيها الآن ، فدخلوا ذلك الهرم فوجدوا بنيانه بالحديد والرصاص ، ووجدوا عرض الحائط عشرين ذراعا ، ووجدوا بالقرب من الموضع الذي فتحوا مطهرة من حجر أخضر فيها مال ، فقال المأمون : زنوه ، فوزنوا الجملة [فوجدوا] فيها مالا معلوما ، وكان المأمون فطنا فقال : ارفعوا ما أنفقتم على فتح هذه الثلمة ، فوجدوه موازيا لما وجد من المال ، فعجب المأمون من معرفتهم بالموضع الذي يفتح على طول الزمان ، وازداد بعلم النجوم غبطة ، ووجد المأمون في الهرم صنما أخضر مادّا يده وهو قائم فلم يعلم خبره ، ونظر إلى الزلاقة والبئر التي في الهرم وأمر بالنزول فيه ، فأفضوا إلى صنم أحمر عيناه من جزعتين سواد في بياض كأنهما حدقتا إنسان ينظر إليهم ، فهالهم أمره وقدروا أن له حركة فجزعوا منه وخرجوا ، ويقال إنه وجد فيها مالا كثيرا. وسأل المأمون من وجد بمصر من علمائها هل لهذه الأهرام أبواب فقيل لها أبواب تحت الأرض في آزاج مبنية بالحجارة كل واحد منها عشرون ذراعا له باب من حجر واحد يدور بلولب إذا أطبق لم يعرف أنه باب ، وصار كالبنيان لا يدخل إليه الذر ولا يوصل إليه إلا بكلام وقرابين وبخورات معروفة ، وان في هذه الأهرام فنونا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيع والجواهر النفيسة ما لا يسعه وصف واصف ، وفيها من الكتب المستودعة فيها طرائف الحكمة وكمال الصنعة ومن التماثيل الهائلة من الذهب الملون على رؤوسها التيجان الفاخرة مكللة بالجواهر النفيسة ما ما يستدل به على عظم ملكهم ، وجعلوا على ذلك من الطلسمات ما يمنع منه ويدفع عنه إلى أوقات معلومة ، وقصدوا بذلك أن تكون تلك الأشياء ذخيرة لأعقابهم ولمن يكون بعدهم ليروا عظيم مملكتهم ، ووضعوا أساس تلك الأعلام وقت السعادة ، وجعلوا في أساس كل علم منها صنما ، وزبروا في صدورها دفع المضارّ والآفات عنها ، وفي يد كل صنم منها آلة كالبوق وهو واضعه على فيه ، والخبر عن هذه الأهرام والبرابي مذكور في المطولات.

ويقال (١) إن ذا النون الاخميمي الزاهد إنما قدر على ما قدر عليه من علوم البربى حتى عمل الصنعة الكبيرة لأنه خدم راهبا كان باخميم مدة صباه فعلّمه قراءة الخط الذي في البربى وعلّمه القربان والبخور واسم الروحاني وأوصاه أن يكتم ذلك ، فلما علم ذا النون ما علم من علم الكيمياء وغيرها عمد إلى طين الحكمة فطمس به على صنعة الكيمياء حتى لا يبلغ إليها أحد غيره وهو طين لا ينقلع أبدا.

وفي (٢) بعض الأخبار أنّ قوما قصدوا الأهرام فنزلوا في تلك الآبار وطلبوا أن يدخلوا من تلك المضايق التي تخرج منها تلك الرياح ، واحتملوا معهم سرجا في أواني زجاج ، فلما حصلوا في تلك المضايق التي تخرج منها الرياح ، خرجت عليهم ريح شديدة فأخرجتهم منها ، وأطفأت أكثر سرجهم ، فأخذوا أحدهم وكان أقواهم جأشا وأشدهم عزما وأصلبهم قلبا ، فربطوا وسطه بالحبال وقالوا له : ادخل فإن رأيت شيئا تكرهه جذبناك ، فلما دخل المغرور وزاحم تلك الرياح انطبق عليه الفتح فجذبوه فانقطعت حبالهم وبقي ذلك الرجل في ذلك الشق وهم لا يعلمون له خبرا ، فصعدوا هاربين حتى خرجوا من تلك البئر واغتموا لما أصاب صاحبهم ، فجلسوا عند الثلمة مفكرين في أمر صاحبهم وفي أمرهم وما أقدموا عليه ، فبينا هم كذلك إذ انفرجت من الأرض فرجة كالكرة وأنارت لهم ذلك الرجل عريانا مشوّه الخلق جامد العينين وهو يتكلم بكلام عجيب لا يفهم ، فلما فرغ من كلامه سقط ميتا ، فازداد وجلهم وتضاعف حزنهم ، وعلموا أنهم خلصوا من أمر عظيم ، فاحتملوا صاحبهم. واتصلت أنباؤهم بوالي مصر وهو يومئذ ابن المدبر وفي أيام المتوكل ، فسألهم عن أمرهم فأخبروه ، فعجب من ذلك وأمر أن يكتب الكلام الذي قاله ذلك الرجل الذي مات حسبما قاله ، وأقام ابن المدبر يطلب من يفسره له ، إلى أن وجد رجلا يعرف شيئا من ذلك اللسان ، ففسّره : هذا جزاء من طلب ما ليس له وأراد الكشف عما لم يخبأه ، فليعتبر من رآه. قال : فمنع حينئذ ابن المدبر أن يتعرض أحد للأهرام.

وفي خبر آخر (٣) أن جماعة دخلوا الهرم فوجدوا في بعض البيوت زلاقة إلى بئر ، فنزلوا فيها ، فوجدوا سربا فساروا فيه نصف يوم حتى انتهوا إلى حفير عميق وفي عدوته باب لطيف ، فكانوا يتبينون فيه شعاع الذهب والفضة والجواهر النفيسة ، ومن رأس الحفير مما يليهم إلى ذلك الباب المحاذي لهم الذي فيه الذهب والجوهر عمود حديد قد ألبس محورا من حديد يدور عليه ولا يستمسك

__________________

(١) الاستبصار : ٥٨.

(٢) الاستبصار : ٥٩.

(٣) المصدر نفسه : ٦٠.

١٧

في دورانه ، فاحتالوا في وقوفه وذهاب حركته فلم يقدروا على ذلك ، فربطوا أحدهم في حبل وتعلق بالعمود ليصل إلى الجانب الآخر فدار به المحور فتحير وسقط وانقطع الحبل الذي كان فيه فخرجوا هاربين لا يلوون على شيء.

وقال بعضهم (١) : رأيت في بربى اخميم صورة عقرب ، فألصقت عليها شمعا فلم أتركها في موضع إلا انحاشت إليها العقارب من كل مكان وموضع ، وإن كانت في تابوت اجتمعت حول التابوت وتحته ، قال فطلبها بعض اخواني فأخذها ، فرجعت إلى اخميم فوجدت تلك الصورة قد نقرت وأفسدت.

ومن المتعارف عند أهل اخميم انه كان في البربى التي عندهم شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة وقد رفعها إلى الهواء ، وفي جبهته وحواليه كتاب ، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط ، فقيل إنه من احتال لذلك الإحليل حتى ينقب عليه وينزعه من غير أن يتكسّر ويعلقه في وسطه لم يزل منعظا إلى أن ينزعه ويجامع ما أحبّ ، ولا ينكسر ما دام عليه. ولما ولي فلان (٢) ببلد اخميم أخبر بذلك ، فطلب تلك الصورة في البربى فلم يجد منها غير واحدة كانت بقرب سقف البربى فاحتال عليها حتى أخذ الإحليل ، فكان يستعمله فيخبر عنه بعجب. ومنه انه كان في البربى صور كثيرة فلم تزل تؤخذ حتى نفدت ، وكانت في هذه البرابي عجائب من الطلاسم في فنون شتى قد درس أكثرها وتهدّم أكثر البرابي. وأما الأهرام فباقية على حالها ما اختل منها شيء ، فيقال إن كل ما تهدم من هذه الهياكل وتغير سببه أن المنجمين تركوا الاستقصاء في أخذ الطالع وتصحيحه في وقت وضع الأساس وكذلك ما بقي منها فلقرب الطالع من التصحيح ؛ والقول في هذه الأهرام والبرابي على الاستقصاء في الكتب ، وفيما ذكرناه كفاية.

الأخدود : المذكور في قوله تعالى (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (البروج : ٤) (٣) ، كان في قرية من قرى نجران ، وأصحاب الأخدود قيل إنهم قوم كانوا على دين حق ، كان لهم ملك يزني بأخته ثم حمله بعض نسائه أن يسنّ في الناس نكاح الأخوات والبنات ، فحمل الناس على ذلك فأطاعه كثير وعصته فرقة ، فخذّ لهم أخاديد ، وهي حفائر طويلة كالخنادق ، وأضرم لهم نارا وطرحهم فيها ، ثم استمرت المجوسية بمن أطاعه وعلى هذا فقوله تعالى (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) إخبار بأنّ النار قتلتهم ، وقيل بل المعنى : فعل الله عزوجل بهم ، ذلك لأنهم أهل له ، فهو على جهة الدعاء بحسب [كلام] البشر ، وقيل [في] أصحاب الاخدود ان ملكا من ملوك حمير كان بمذارع من اليمن اقتتل هو والكفّار مع المؤمنين ثم غلب في آخر الأمر فحرّقهم على دينهم إذ أبوا دينه ، وفيهم كانت المرأة ذات الطفل التي تلكأت فقال لها الطفل : امضي في النار فإنك على الحق ؛ وعن علي رضي‌الله‌عنه قال : إن نبيّ أصحاب الأخدود كان حبشيا وان الحبشة بقية أصحاب الأخدود ، وقيل صاحب الأخدود ذو نواس في قصة عبد الله بن الثامر ، وهي مذكورة مشروحة في أول سير ابن اسحاق (٤) ، وقيل كان أصحاب الأخدود في بني إسرائيل.

أخسيكث (٥) : هي مدينة فرغانة ، كان أنوشروان بناها ونقل إليها من كل بيت قوما وسمّاها ، وقيل إن أخسيكث اسم الكورة ، وقيل هي قصبة فرغانة ؛ وأخسيكث على شط نهر الشاش في أرض مستوية ، بينها وبين الجبل نحو نصف فرسخ ـ وسيأتي ذكرها في حرف الفاء (٦) إن شاء الله تعالى ـ وفرغانة (٧) اسم الاقليم ، ومدينته أخسيكث مدينة جليلة على شمال النهر ولها ربض عامر وأسواقها في مدينتها ولها مياه تخترق أزقتها جارية في حياض كبيرة ، وأمامها إذا عبرت نهر الشاش مروج ومزارع كثيرة ورمال ومنها إلى قبا ثلاث مراحل.

الأخشبان (٨) : جبلا مكّة ويقال إن جبل أبي قبيس أحد الأخشبين ، وفي الحديث قال جبريل عليه الصلاة والسّلام : يا محمد إن شئت جمعت الأخشبين عليهم ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «دعني أنذر أمّتي» ؛ وعن ابن عمر رضي‌الله‌عنهما قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا كنت بين الأخشبين من منى ـ ونفح بيده نحو المشرق ـ فإن هناك واديا يقال له السّرر ، به سرحة سرّ تحتها سبعون نبيا».

__________________

(١) الاستبصار : وقال الوصيفي.

(٢) الاستبصار : ابن الغمر.

(٣) انظر الروايات في قصة أصحاب الأخدود في الثعلبي : ٤٣٦ ـ ٤٣٩.

(٤) انظر سيرة ابن هشام ١ : ٣٤.

(٥) انظر ابن حوقل : ٤٢٠.

(٦) يعني فرغانة.

(٧) نزهة المشتاق : ٢١٨.

(٨) قارن بمعجم ما استعجم ١ : ١٢٣ ـ ١٢٤.

١٨

الاخوان (١) : منزل بين القيروان والمهدية فيه قتل أبو يزيد (٢) النكّاري ميسرة الفتى في ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة ، قال علي ابن علي بن ظفر يمدح أبا يزيد هذا :

هذا وكم من وقعة مشهورة

أبقيتها مثلا لكلّ ممثلِ

بثنيّة الاخوين يوم تركتهم

متوسدين وسائدا من جندلِ

أذرعات (٣) : من بلاد دمشق بالشام يصرف ولا يصرف ، والتاء في الحالين مكسورة ويقال لها يذرعات بالياء ، وقال الخليل : من كسر الألف لم يصرف.

ولما قدم عمر رضي‌الله‌عنه الشام تلقاه أبو عبيدة رضي‌الله‌عنه ، فبينما هو يسير تلقاه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف والريحان ، فقال عمر رضي‌الله‌عنه : مه ردّوهم ، فقال أبو عبيدة رضي‌الله‌عنه : يا أمير المؤمنين هذه سنّة العجم ، إنك إن منعتهم منها يرون أن في نفسك نقضا لعهدهم ، فقال عمر رضي‌الله‌عنه :

دعوهم ، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة ؛ وتنسب إليها الخمر الجيدة ؛ ومرّ سحيم بن المخرّم وهو شاعر بدوي نجدي بأذرعات فتذكّر وطنه وحنّ إليه فقال :

ألا أيها البرق الذي بات يرتقي

ويجلو دجى الظلماء ذكّرتني نجدا

وهيجتني في أذرعات ولا أرى

بنجد على ذي حاجة طرب بُعدا

ألم تر أن الليل يقصر طوله

بنجدٍ وتزداد الرياحُ به بردا

ومن أهل أذرعات أبو يعقوب اسحاق بن إبراهيم الأذرعي (٤) ومن أهل أذرعات ، مدينة بالبلقاء ، وهو أحد الثقات وعباد الله الصالحين قال : خلوت في بعض الأوقات ففكرت وقلت : ليت شعري إلى ما نصير؟ فسمعت قائلا يقول : إلى رب كريم. وكان به إدرار البول فكانت القارورة [لا تفارقه](٥) ، فأعطاها مرة إلى من يغسلها أو يريق ما فيها واحتاج إليها ولم يحضره من يناوله إياها ، فقال : أسأل من حضر من اخواننا المسلمين والجيران (٦) يناولونيها ، فنوولها. وقال : سألت الله تعالى أن يقبض بصري فعميت فاستضررت في الطهارة ، فسألته إعادته فأعاده بفضله.

قال ابن عساكر : ولي دمشق في أيام المعتمد على الله في سنة ست وخمسين ومائتين وال يقال له ماحوز وكان صارما شجاعا لا يقطع في عمله الطريق ، فوجه مرة فارسا إلى أذرعات فمرّ باليرموك فصادفه أعرابي ، فنتف من سبال الجندي خصلتين من شعره ، فلما رجع الفارس واتصل بما حوز وأخبره ما فعل الأعرابي ، حبس الفارس وقال لكاتبه : اطلب لي معلما يعلم الصبيان ، فجاءه بمعلم ، فقال له : ها أنا أعطيك نفقة واسعة واخرج إلى اليرموك فقل إني معلم صبيانكم ، فإذا تمكنت فارصد الأعرابي وارتقب بها مدة طويلة ، فإذا وافى الأعرابي القرية فخذ هذا الكتاب الذي أعطيك وادفعه لأهل القرية حتى يقرءوه ، وأعطاه طيورا وقال له : أرسل إليّ بهذه الطيور بالخبر ؛ ففعل المعلم ذلك ، واقام باليرموك ستة أشهر حتى وافى الأعرابي القرية ، فلما رآه المعلم أخرج الكتاب إلى أهل القرية وفيه : «الله الله في أنفسكم اشغلوا الأعرابي حتى أوافيكم ، فإن جئت ولم أوافه خربت القرية وقتلت الرجال» ، وأطلق المعلم الطيور إلى دمشق بالخبر ، فلما وصل الخبر إلى ماحوز ضرب البوق وخرج من وقته حتى وافى اليرموك في أسرع وقت ، فأخذ الأعرابي وأردفه خلف بعض غلمانه ووافى به دمشق ، فلما أصبح دعا به فقال : ما حملك على ما فعلت برجل من أولياء السلطان لم يؤذك ولم يعارضك؟ قال : كنت سكران أيها الأمير لم أعقل ما فعلت ، فدعا بحجّام وقال له : لا تدع في وجه هذا الأعرابي ولا في رأسه ولا في سائر بدنه شعرة إلا نتفتها ، فبدأ بأشفار عينيه ثم بحاجبيه ثم بلحيته ثم بشاربه ثم برأسه ثم بذقنه فما ترك عليه شعرة إلا نتفها ، ثم قال : هاتوا الجلادين ، فضربه أربعمائة سوط ثم

__________________

(١) قارن بما عند البكري : ٣١.

(٢) في النسختين أبو أيوب ؛ ولا يلتئم مع ما بعده.

(٣) أوله عن معجم ما استعجم ١ : ١٣١ حتى قوله : «في طاعة أبي عبيدة» ؛ وصبح الأعشى ٤ : ١٠٥

(٤) تهذيب ابن عساكر ٢ : ٤٢٧ ، وكانت وفاة الأذرعي سنة ٣٤٤ وهو ابن نيف وتسعين سنة.

(٥) زيادة من ص.

(٦) التهذيب : من الجن.

١٩

حبسه ، فلما كان من الغد ضربه ثم قطع يديه ، وفي اليوم الثالث قطع رجليه ، وضرب رقبته في اليوم الرابع وصلبه ، ثم أخرج الجندي من الحبس فضربه مائة عصا وأسقط اسمه وقال له : أنت ليس فيك خير حيث رأيت أعرابيا واحدا فخضعت له حتى فعل بك ما فعل ، كيف يكون لي فيك خير إذا احتجت اليك؟ ثم طرده. ورؤي ماحوز هذا بعد موته في المنام فقيل له : ما فعل الله بك؟ قال غفر لي ، قيل له : بماذا؟ قال : بضبطي أطراف المسلمين وطريق الحاج.

أذنة : مدينة بالشام بينها وبين المصيصة اثنا عشر ميلا بناها هارون الرشيد وأتمها الأمين وبها كانت منازل ولاة الثغور لسعتها ، وهي على نهر جيحان (١) وليس للمسلمين عليه إلا أذنة هذه بين طرسوس والمصيصة ، وأهل أذنة أخلاط من موالي الخلفاء وغيرهم ، ومن أذنة إلى طرسوس اثنا عشر ميلا ، وهي مدينة جليلة عامرة ذات أسواق وصناعات وصادر ووارد ، وهي ثغر سيحان ، ونهر سيحان في قدره دون قدر نهر جيحان وعليه قنطرة عجيبة طويلة جدا.

وبالزاب من أرض افريقية مدينة اسمها أذنة (٢) أيضا على مقربة من المسيلة بينهما اثنا عشر ميلا وبينها وبين مدينة طبنة مرحلتان ، وأذنة هذه أخربها علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي سنة أربع وعشرين وثلثمائة ، وهي كثيرة الأنهار والعيون العذبة ، وهي مدينة رومية قديمة ، وكان حولها ثلاثمائة وستون قرية للروم كلها عامرة ، وهي كانت مملكة الروم بالزاب ؛ وكان عقبة بن نافع ، رحمه‌الله ، حين قدم إفريقية غازيا بعد انفصاله عن تلمسان ومحاربته لأهلها دخل يريد الزاب ، فسأل عن أعظم مدينة به فقيل له : مدينة يقال لها أذنة ، وهي دار ملكهم ، فتوجه إليها ، فلما بلغهم قدوم المسلمين هربوا إلى حصنهم وإلى الجبال ، فلما قدمها نزل على واد بينها وبينه نحو ثلاثة أميال في وقت المساء فكره قتالهم بالليل ، فتواقف القوم الليل كله لا راحة لهم ولا نوم ، فسمّاه الناس إلى اليوم وادي سهر لأنهم سهروا عليه ، فلما أضبح قاتلهم قتالا عظيما حتى يئس المسلمون من أنفسهم ، ثم هزم الله الروم وقتل فرسانهم وأهل النكاية منهم واستولت الهزيمة على بقيتهم ، وفي هذه الغزوة ذهب عز الروم بالزاب.

وكان المنصور بالله العبيدي في حروبه مع أبي يزيد النكّاري ركب متنزها إلى أذنة في أربعة آلاف فارس وركب معه زيري ابن مناد في خمسمائة من صنهاجة ، وكان النكار بالقرب منها فلما رأوا كثرة العسكر سكنوا ، فلما ولى منصرفا ركبوا ساقته وقامت الصيحة ، فعطف عليهم والتحم القتال ، ونزل أبو يزيد من الجبل وبين يديه ثلاثة بنود ومعه خلق عظيم ولم يعلم بمكان المنصور بالله ، وكان موضعا كثير التلال والروابي ، فأرسل المنصور إليه عسكره وأخرجت الطبول والبنود وقصدوا إلى أبي يزيد ، فلما رأى المظلّة ولّى فركبتهم السيوف فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وكانت القتلى منهم تزيد على عشرة آلاف.

أذربيجان : هي كورة تلي الجبل من بلاد العراق وهي مفتوحة الألف وتلي كور ارمينية من جهة المغرب ، ينسب إليها أذربي ، وفي خبر الصدّيق رضي‌الله‌عنه أنه قال حين حضرته الوفاة وعزم على استخلاف عمر رضي‌الله‌عنه لمن كره ذلك : فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه ، والله لتتخذنّ نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمنّ النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان ، يشير إلى ما كان من الاتساع في الدنيا.

والصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان ؛ ينسب إلى أذربيجان أبو عبد الله الحسن بن جابر الازدي صاحب كتاب «اللامع» في أصول الفقه ، وأهل أذربيجان مشهورون بالإكباب على العلم والاشتغال به ، وفيهم يقول الحافظ أبو الطاهر السلفي :

ديار أذربيجان في الشرقِ عندنا

كأندلسٍ في الغرب في النحو والأدب

فلستَ ترى في الدهر شخصا مقصّراً

من آهلها إلا وقد جدّ في الطلب

وكان عمر رضي‌الله‌عنه قد فرّق أذربيجان بين بكير ابن عبد الله وبين عتبة بن فرقد وأمر كلّ واحد منهما بطريق غير طريق صاحبه ، ثم جمع عمر رضي‌الله‌عنه أذربيجان كلّها لعتبة بن فرقد وعادت أذربيجان سلما ، وكتب عتبة بينه وبين

__________________

(١) في النسختين : جيحون.

(٢) البكري (١٤٤) : أدنة ـ بالدال المهملة.

٢٠