الدّرر النجفيّة - ج ٤

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الدّرر النجفيّة - ج ٤

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


المحقق: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٨

١
٢

٣
٤

٥
٦

٦٧

درة نجفية

في حكم فضلات الإنسان من ريقه وعرقه ونحوهما

من المشهورات الشائعة والمذكورات الذائعة تحريم فضلات الإنسان من ريقه وعرقه ودموعه ونحوها ، فلو وقع شي‌ء من هذه في مائع حرم أكله ، ولو عضّ على فاكهة ونحوها بحيث تعدّت رطوبة فمه إلى ذلك المكان حرم ، ونحو ذلك. حتى إنّ بعض المعاصرين ادّعى اتفاق الأصحاب والأخبار على هذا الحكم ، حيث إنّه سئل عن العرق المتساقط في مرق اللحم ونحوه ، فكتب في الجواب : (فأمّا تحريم الإنسان وكل شي‌ء منه أكلا وشربا فلا أعلم أحدا من المتقدمين والمتأخرين خالف في ذلك ، ومناطيق (١) الأخبار مصرحة بذلك ، ولا أعلم أحدا استثنى من ذلك العرق المختلط بالمرق ، على أن المستثنى عليه البيان وإقامة البرهان ، ونحن باقون على عموم الحكم حتى يثبت المزيل ، والله الهادي إلى سواء السبيل) انتهى. أقول : أمّا ما ادّعاه من اتفاق الفقهاء على ذلك فإنه لا يخفى على من راجع كتبهم أنه لم يصرح أحد منهم بهذه المسألة ، وإنّي بعد التتبع التام لم أقف لأحد فيها على كلام ، لأنّ محلّها اللائق بها هو كتاب المطاعم والمشارب الموضوع لبيان ما يحلّ ويحرم ، وقد ذكروا فيه جملة المحرّمات ، ولم يتعرضوا لهذه المسألة لا تصريحا ولا إشارة.

__________________

(١) من «ح» وفي «ق» : ومناطق.

٧

إلا إنّه يظهر من عبارات جملة من المتأخّرين في مطاوي أبحاث كتاب الصوم ذلك ـ كما نقلنا ذلك في كتابنا (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) (١) ، وفّق الله تعالى لإتمامه ـ كشيخنا الشهيد الثاني (٢) والمحقق الأردبيلي (٣).

والمحقق المذكور بعد أن نقل عنهم ذلك اعترف بأنّه لم يقف لهم على دليل ، وكرر ذلك في غير موضع ، فقال ـ بعد الكلام في ريق الإنسان نفسه ـ : (وأمّا ريق غيره فقالوا أيضا : إنّه حرام. وما أعرف دليلهم ، وما رأيت دليل تحريم فضلات الحيوان) (٤) انتهى.

وبه يظهر لك ما في كلام المعاصر ـ سلّمه الله ـ من أنه لا يعلم أحدا من المتقدّمين والمتأخرين خالف في ذلك ، وأمّا ما ادّعاه من الأخبار فهو عجيب وأيّ عجيب! حيث إنّ الأمر بالعكس كما لا يخفى على الموفّق المصيب ، وسيظهر لك إن شاء الله تعالى في المقام.

وبالجملة ، فإني لا أعرف لهم دليلا ، إلّا أن يدّعوا كون هذه الأشياء من الخبائث ، وهو على إطلاقه ممنوع ؛ لما ستعرف من دلالة الأخبار صريحا على حلّ الريق والدمع.

أخبار حليّة لعاب الإنسان ونحوه

والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلّقة بهذه المسألة ؛ منها ما رواه ثقة الإسلام في (الكافي) في الصحيح إلى الحسن بن زياد الصيقل قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «مرّت امرأة مدنيّة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يأكل ، وهو جالس على

__________________

(١) الحدائق الناضرة ١٣ : ٧٩ ـ ٨٠.

(٢) مسالك الأفهام ٢ : ٣٢.

(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٥ : ٢٨.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٥ : ٢٩.

٨

الحضيض (١) ، فقالت : يا محمد ، إنك لتأكل أكل العبد».

إلى أن قال : «فقالت : ناولني لقمة من طعامك. فناولها ، فقالت : لا والله إلّا الذي في فمك. فأخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اللقمة من فمه فناولها ، فأكلتها».

قال أبو عبد الله عليه‌السلام : «فما أصابها داء حتى فارقت الدنيا» (٢).

وما رواه في (الكافي) أيضا في باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني عليه‌السلام ، في حديث طويل يتضمن إنكار إخوة الرضا عليه‌السلام وعمومته للجواد عليه‌السلام بعد ولادته ؛ حيث إنه حائل اللون ، وطلب القافة ليلحقوه بأبيه. قال علي بن جعفر رضي‌الله‌عنه راوي الحديث : فقمت فمصصت ريق أبي جعفر عليه‌السلام ، ثمّ قلت : أشهد أنك إمامي عند الله (٣).

وفعل علي بن جعفر ذلك بمحضر الرضا عليه‌السلام ، فتقريره عليه وعدم إنكاره ذلك أظهر ظاهر في الجواز.

وروى الشيخ في (التهذيب) في الصحيح عن أبي ولّاد الحنّاط قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إني اقبّل بنتا لي صغيرة وأنا صائم ، فيدخل في جوفي من ريقها شي‌ء. قال : فقال لي : «لا بأس ، ليس عليك شي‌ء» (٤).

وروى أيضا في الكتاب المذكور في الموثق عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الصائم يقبّل؟ قال : «نعم ، ويعطيها لسانه تمصّه» (٥).

__________________

(١) الحضيض : القرار من الأرض عند منقطع الجبل. الصحاح ٣ : ١٠٧١ ـ حضض.

(٢) الكافي ٦ : ٢٧١ / ٢ ، باب الأكل متكئا ، وسائل الشيعة ٢٤ : ٢٥٥ ، أبواب آداب المائدة ، ب ٨ ، ح ٢.

(٣) الكافي ١ : ٣٢٢ ـ ٣٢٣ / ١٤ ، باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني عليه‌السلام.

(٤) تهذيب الأحكام ٤ : ٣١٩ / ٩٧٦ ، وسائل الشيعة ١٠ : ١٠٢ ، أبواب ما يمسك عنه الصائم ، ب ٣٤ ، ح ١.

(٥) تهذيب الأحكام ٤ : ٣١٩ / ٩٧٤ ، وسائل الشيعة ١٠ : ١٠٢ ، أبواب ما يمسك عنه الصائم ، ب ٣٤ ، ح ٢.

٩

وروى فيه أيضا عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل الصائم أله أن يمص لسان المرأة وتفعل المرأة ذلك؟ قال : «لا بأس» (١).

وروى السيد السعيد رضي الدين بن طاوس قدس‌سره في كتاب (الملهوف على قتلى الطفوف) عن الصادق عليه‌السلام : «إن زين العابدين عليه‌السلام بكى على أبيه أربعين سنة ، صائما نهاره ، قائما ليله ، فإذا كان وقت إفطاره أتاه غلامه بطعامه وشرابه ، فيقول : قتل أبو عبد الله جائعا ، قتل أبو عبد الله عطشانا ، [و] يبكي حتى يبلّ طعامه بدموعه ، ويمزج شرابه بدموعه ، فلم يزل [كذلك] حتى لحق الله عزوجل» (٢).

وقد تقدّم في سابق هذه الدرة في حديث سليم بن قيس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وضع رأس علي عليه‌السلام في حجره ، وتفل في فيه وقال : «اللهم املأ جوفه علما وفهما وحكما» (٣) ، والكتاب المذكور من الاصول المعتمدة.

وقد نقل ثقة الإسلام في (الكافي) جملة من رواياته ، ومن ذلك صحيحة الحلبي ، أو حسنته على المشهور بابراهيم بن هاشم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، أنه سئل عن المرأة يكون لها الصبي وهي صائمة ، فتمضغ له الخبز تطعمه؟ فقال : «لا بأس» (٤).

والتقريب فيها أن الظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في عدم جواز إطعام الصبي الطعام المحرّم ؛ لأنّ الصبي وإن كان غير مكلّف إلا إنّ التكليف هنا يتوجه للفاعل به ذلك ؛ فلو كان الأمر كما يدّعونه من التحريم في أمثال ذلك لما سوّغ الإمام عليه‌السلام لها ذلك. وبذلك يظهر لك ما في حكمهم بالتحريم على الإطلاق.

نعم ، ربّما يمكن القول بذلك في مثل المخاط والبلغم ، بناء على كونه من

__________________

(١) تهذيب الأحكام ٤ : ٣٢٠ / ٩٧٨ ، وسائل الشيعة ١٠ : ١٠٢ ، أبواب ما يمسك عنه الصائم ، ب ٣٤ ، ح ٣.

(٢) اللهوف في قتلى الطفوف : ١٢١.

(٣) كتاب سليم بن قيس : ٢٠٠.

(٤) الكافي ٤ : ١١٤ / ١ ، باب في الصائم يذوق المرق ..

١٠

الخبائث ، وحينئذ فيرجع الأمر إلى أن التحريم من حيث كونه من الخبائث لا من حيث كونه من فضلة الإنسان. على أن الحكم بذلك فيما ذكرناه أيضا لا يخلو من إشكال.

نعم ، يبقى الكلام هنا في روايتي أبي بصير وعلي بن جعفر المتقدمتين ، ومثلهما صحيحة أبي ولّاد ؛ من حيث دلالتها على عدم إفطار الصائم بمصّ لسان زوجته أو زوجه ، فإن ظاهر الأصحاب أن ذلك موجب للإفطار.

وجملة منهم أجابوا عن روايتي أبي بصير وعلي بن جعفر بأنّ تجويز الامتصاص لا يستلزم الازدراد (١). وفيه أن صحيحة أبي ولاد صريحة في أنه يدخل في جوفه من ريقها ، مع أنه عليه‌السلام قال : «لا بأس ، ليس عليك شي‌ء».

وأما ما أجاب به بعضهم عن الصحيحة المذكورة من الحمل على أن يبلع شيئا من ريقها من غير شعور وتعمّد (٢) ، ففيه أنهم قد صرّحوا بأنه (٣) لو وضع في فمه شيئا من المفطرات عبثا ولعبا ، ثمّ ابتلعه بغير اختيار ، فإنه يبطل صومه ، بخلاف ما لو كان وضعه لغرض صحيح شرعي ، فإنه لا يبطل (٤) ، وما نحن فيه من قبيل الأول. وحينئذ فلا فرق في حصول الإبطال بين تعمّد ابتلاعه ولا عدمه.

وبالجملة ، فإن الأخبار المذكورة مع اتفاقها على الحكم المذكور لا معارض لها إلّا بعض العمومات التي يمكن تخصيصها بهذه الأخبار ، والخروج عن ظاهرها بغير معارض مجازفة. وإلى ما ذكرنا يميل كلام المحقق المولى الأردبيلي قدس‌سره (٥) ، والاحتياط ممّا لا ينبغي تركه ، والله العالم.

__________________

(١) الدروس ١ : ٢٧٨ ، مسالك الأفهام ٢ : ٣٤.

(٢) منتهى المطلب ٢ : ٥٦٣.

(٣) من «ح» ، وفي «ق» : به.

(٤) مسالك الأفهام ٢ : ٣٢.

(٥) مجمع الفائدة والبرهان ٥ : ١٢١ ـ ١٢٣.

١١
١٢

٦٨

درة نجفية

في تحقيق معنى العدالة

روى الصدوق ـ عطّر الله مرقده ـ في (الفقيه) (١) في الصحيح ، والشيخ قدس‌سره في (التهذيب) (٢) عن عبد الله بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : بما تعرف عدالة الرجل من المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال : «أن يعرفوه بالستر والعفاف ، وكفّ البطن والفرج واليد واللسان ، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار ، من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه ، حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس فإذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة المسلمين ، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة».

(الفقيه) : «فإذا كان كذلك لازما لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس ـ فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا : ما رأينا منه إلّا خيرا ـ مواظبا على الصلوات ، متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه ، فإن ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين».

__________________

(١) الفقيه ٣ : ٢٤ / ٦٥ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٩١ ـ ٣٩٢ ، كتاب الشهادات ، ب ٤١ ، ح ١.

(٢) تهذيب الأحكام ٦ : ٢٤١ / ٥٩٦ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٩١ ـ ٣٩٢ ، كتاب الشهادات ، ب ٤١ ، ح ١ ـ ٢.

١٣

(ش) (١) : «ذلك أنّ الصلاة ستر وكفارة للذنوب».

(الفقيه) : «وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه ، ولا يتعاهد جماعة المسلمين ، وإنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي ، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيّع».

(ش) : «ولو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح ، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين».

(التهذيب) : «لأنّ الحكم جرى من الله ورسوله بالحرق في جوف بيته».

(الفقيه) : «فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هم بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين ، وقد كان فيهم من يصلّي في بيته ، فلم يقبل منه ذلك. وكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عزوجل ومن رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه بالحرق في جوف بيته بالنار؟».

(ش) : «وقد كان يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلّا من علة».

(التهذيب) : «وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا غيبة لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا ، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته ، وسقطت بينهم عدالته ، ووجب هجرانه ، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره ، فإن حضر جماعة المسلمين وإلّا احرق عليه بيته. ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم».

أقول : تحقيق الكلام في هذا الخبر الشريف يقتضي بسطه في مقامات :

الأول : العدالة لغة واصطلاحا

اعلم أن العدالة ـ لغة ـ مأخوذة من العدل ، وهو القصد في الامور ، ضد

__________________

(١) هذه العلامة تذكر في كتب الحديث للإشارة إلى اشتراك جميع المصادر ـ المذكورة في صدر الحديث ـ في اللفظ ، انظر معجم الرموز والإشارات : ١٣١.

١٤

الجور (١). وقيل : من العدالة ، بمعنى الاستواء والاستقامة ، كما يقال : هذا عدل هذا ، أي مساو له ، واعتدل الشيئان ، أي استويا (٢). وظنّي أن الأوّل أقرب.

العدالة في اصطلاح الحكماء

وفي اصطلاح أرباب الحكمة وأهل العرفان هي : تعديل القوى النفسانية وتقويم أفعالها ، بحيث لا يغلب بعضها على بعض (٣).

وتوضيح ذلك أن للنفس الإنسانية قوة عاقلة هي مبدأ الفكر والتمييز والشوق إلى النظر في الحقائق والتأمل في الدقائق ، وقوة غضبية هي مبدأ الغضب والجرأة لدفع المضار والإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط على الرجال ، وقوة شهوية هي مبدأ طلب الشهوات (٤) واللذات من المآكل والمشارب والمناكح وسائر الملاذ البدنية والشهوات الحسية.

وهذه القوى متباينة جدا ، فمتى غلب أحدها انقهرت الباقيتان ، وربّما أبطل بعضها فعل بعض ، والفضيلة التسوية بتعديل هذه القوى ؛ لأنّ لكلّ من هذه القوى طرفي إفراط وتفريط : أمّا القوة العاقلة فالسفاهة والبلاهة ، والقوة الغضبية التهور والجبن ، والقوة الشهوية الشره وخمود الشهوة. فالقوة العاقلة يحصل من تعديلها فضيلة العلم والحكمة ، والقوة الغضبية يحصل من تعديلها فضيلة الشجاعة ، والقوة الشهوية يحصل من تعديلها فضيلة العفّة.

فإذا حصلت هذه الفضائل الثلاث التي هي في حاق الأوساط وتعادلت ، حدثت عنها فضيلة رابعة وملكة راسخة هي أمّ الفضائل ، وهي المعبر عنها بالعدالة ؛ فهي إذن ـ ملكة نفسانية يصدر عنها المساواة في الامور الصادرة عن

__________________

(١) مجمع البحرين ٥ : ٤٢١ ـ عدل.

(٢) أجوبة الشيخ سليمان الماحوزي : ٨٠.

(٣) شرح المقاصد ٣ : ٣٤٥ ، أجوبة الشيخ سليمان الماحوزي : ٧٨.

(٤) من «ح» ، وفي «ق» : الشهوة.

١٥

صاحبها. وتحت كل واحدة من هذه (١) الفضائل الثلاث المتقدمة فضائل اخرى ، وكلّها داخلة تحت العدالة ؛ فهي دائرة الكمال وجماع الفضائل على الإجمال.

العدالة في اصطلاح الفقهاء

وأمّا في اصطلاح أهل الشرع الذي هو المقصود بالذات ، فالمشهور بين أصحابنا المتأخّرين ـ عطّر الله مراقدهم ـ أنّها ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروءة (٢).

واحترزوا بالملكة عمّا ليس كذلك من الأحوال المنتقلة بسرعة ، كحمرة الخجل ، وصفرة الوجل ، بمعنى أنّ الاتصاف بالوصف المذكور لا بد أن يصير من الملكات الراسخة التي يعسر زوالها.

اختلاف العلماء في معنى التقوى

واختلف كلامهم في تحقيق التقوى ، فقيل : هي اجتناب الكبائر والصغائر من المكلّف الكامل العاقل. ونسبه الشهيد الثاني قدس‌سره (٣) إلى جماعة من أجلّاء الأصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ كالشيخ المفيد (٤) ، والتقي أبي الصلاح الحلبي (٥) ، والفاضل محمد بن إدريس (٦) ، وأبي الفضائل أمين الإسلام الطبرسي (٧) ، والقاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي (٨).

وقيل : هي (٩) اجتناب الكبائر كلّها وعدم الإصرار على الصغائر ، أو عدم كونها

__________________

(١) من «ح».

(٢) الدروس ٢ : ١٢٥.

(٣) مسالك الأفهام ١٤ : ١٦٦.

(٤) أوائل المقالات (ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) ٤ : ٨٣ ـ ٨٤.

(٥) الكافي في الفقه : ٤٣٥.

(٦) السرائر ٢ : ١١٧.

(٧) مجمع البيان ٣ : ٥١.

(٨) المهذب ٢ : ٥٥٦.

(٩) من «ح».

١٦

أغلب ، فلا تقدح الصغيرة النادرة. وألحقوا بها ما يؤول بالعرض وإن غايرها بالأصل ، كترك المندوبات المؤدي إلى التهاون بالسنن في أظهر الوجهين. ونسبه شيخنا البهائي ـ طيّب الله تعالى مرقده ـ في (الحبل المتين) (١) إلى الأصحاب.

تحقيق معنى الكبيرة

وكذلك اختلفت أقوالهم في تحقيق الكبائر على أقوال منتشرة وآراء متعدّدة ، والأقرب عندي منها هو ما توعّد الله عزوجل عليه النار في (الكتاب) المجيد.

ويدلّ عليه أخبار مستفيضة ؛ منها ما رواه ثقة الإسلام في (الكافي) في الصحيح عن الحسن بن محبوب قال : كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه‌السلام يسأله عن الكبائر كم هي ، وما هي؟ فكتب : «الكبائر : من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفّر الله عنه سيئاته إذا كان مؤمنا ، والسبع الموجبات : قتل النفس الحرام ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا ، والتعرب بعد الهجرة ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف» (٢).

قال بعض مشايخنا المعاصرين ـ نوّر الله تعالى مراقدهم أجمعين ـ : (قوله عليه‌السلام : «والسبع الموجبات» (٣) ، معناه : أنّها أكبر الكبائر وأشدها ، حتى إنّها أوجبت النار لفاعلها. ومن المستبين أن الإيجاب والحتم أمر آخر فوق الإيعاد لا يتطرق إليه الإخلاف ، بخلاف الوعيد المطلق ، فإن إخلافه حسن ، كما تقرر في الكلام (٤). فهذه السبع لعظمها كانت أوجبت النار ، فلا ينافي ما تضمّنه صدر الخبر من تفسيرها بما وعد الله عليه النار) (٥).

__________________

(١) لم نعثر عليه في الحبل المتين ، عنه في العشرة الكاملة : ٢٤٧.

(٢) الكافي ٢ : ٢٧٦ ـ ٢٧٧ / ٢ ، باب الكبائر.

(٣) من «ح».

(٤) منية الممارسين : ٢٩٨.

(٥) العشرة الكاملة : ٢٢٦ ـ ٢٢٧.

١٧

ومنها ما رواه في الكتاب المذكور عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، في قول الله عزوجل (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) (١) قال : «الكبائر (٢) : التي أوجب الله عزوجل عليها النار (٣)» (٤).

ومثله في (تفسير العياشي) عن كثير النواء عن الباقر عليه‌السلام (٥).

ومنها صحيحة ابن أبي يعفور المذكور ، وقوله عليه‌السلام فيها : «ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار ، من شرب الخمر» (٦) إلى آخر ما تقدّم.

وروى الثقة الجليل علي بن جعفر رضي‌الله‌عنه في كتابه عن أخيه موسى عليه‌السلام قال : سألته عن الكبائر التي قال الله عزوجل (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) (٧) قال : «التي أوجب الله عليها النار» (٨).

وأما الأخبار الدالة على حصرها في عدد مخصوص مثل ما رواه في (الكافي) في الحسن عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الكبائر ، فقال : «هنّ في كتاب علي عليه‌السلام سبع : الكفر ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا بعد البيّنة ، وأكل مال اليتيم ظلما ، والفرار من الزحف ، والتعرّب بعد الهجرة». قال : قلت : فهذا أكبر المعاصي؟ قال : «نعم» (٩) ـ الحديث ـ ونحو هذه الرواية رواية أبي

__________________

(١) النساء : ٣١.

(٢) من «ح» والمصدر.

(٣) في «ق» بعدها : وما رواه في الكتاب المذكور عن أبي جميلة عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، في قول الله عزوجل (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) قال : الكبائر : التي أوجب الله عليها النار ، وما أثبتناه وفق «ح» ، إذ أن هذا الحديث ورد في سنده كل من الحلبي وأبي جميلة.

(٤) الكافي ٢ : ٢٧٦ / ١ ، باب الكبائر.

(٥) تفسير العياشي ١ : ٢٦٥ / ١١٤.

(٦) الفقيه ٣ : ٢٤ / ٦٥ ، تهذيب الأحكام ٦ : ٢٤١ / ٥٩٦ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٩١ ، كتاب الشهادات ، ب ٤١ ، ح ١.

(٧) النساء : ٣١.

(٨) مسائل علي بن جعفر : ١٤٩ / ١٩١.

(٩) الكافي ٢ : ٢٧٨ / ٨ ، باب الكبائر.

١٨

بصير (١) المروية في الكتاب المذكور أيضا (٢) ، وغيرها من الأخبار المختلفة زيادة ونقصانا ، فقد أجاب عنها شيخنا المعاصر المتقدم ذكره بأن هذه الأخبار ـ مع تدافعها واحتياجها في أنفسها إلى التوفيق والتأويل ـ محمولة على التمثيل لا على الحصر ، أو على أكبر ممّا تحتها أو أشد ، على حدّ ما قلناه في معنى قوله في صحيحة الحسن بن محبوب : «والسبع الموجبات : قتل النفس» إلى آخره.

أقول : وهو تأويل جيّد.

تحقيق معنى المروءة

ثم إنّهم فسّروا المروءة في التعريف المذكور باتّباع محاسن العادات ، واجتناب مساوئها وما ينفر عنه من المباحات ، ويؤذن بخسّة النفس ودناءتها (٣) قال شيخنا المتقدم ذكره : (ولم ينهض لنا إلى الآن دليل على اعتبارها في العدالة ، ويظهر لي أن أصل اعتبارها من العامّة (٤) ، واقتفاهم بعض أصحابنا غفلة واغترارا بظاهر اللفظ ، حيث إنّه قد ورد في بعض أخبارنا اعتبار ذلك في العدالة (٥) ، لكن لا بالمعنى المذكور) انتهى.

أقول : ما ذكر قدس‌سره من أنه لم ينهض له دليل على اعتبار قيد المروءة في العدالة ربّما أوهم بظاهره وجود دليل على العدالة بهذا المعنى المذكور ، وليس كذلك ؛ فإنّا لم نقف لذلك على دليل ، بل الظاهر أن تفسير العدالة بهذا المعنى إنّما هو للعامة ، وتبعهم فيه شيخنا العلّامة ، ومن تأخّر عنه ، فإنّا لم نقف عليه في كلام من تقدّم عليه ، كما سيأتي نقل جملة من عبائرهم إن شاء الله تعالى.

وكيف كان ، فالأخبار الواردة بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يركب الحمار العاري ويردف

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٨١ / ١٤ ، باب الكبائر.

(٢) من «ح».

(٣) العشرة الكاملة : ٢٤٢.

(٤) المغني ٩ : ١٦٧.

(٥) انظر الصفحة التالية ، الهامش : ٤.

١٩

عليا عليه‌السلام خلفه ، وكان يحلب الشاة ، وكان يخرج إلى الصلاة وهو (١) يأكل خبزا قد غمسه في اللبن (٢) ، ونحو ذلك ممّا هو مناف للمروءة بتفسيرهم المتقدّم ، أظهر ظاهر في بطلان التفسير المذكور.

وأمّا الخبر الذي أشار إليه شيخنا المشار إليه بقوله : (ورد في بعض أخبارنا اعتبار ذلك في العدالة) ، فهو ما روي عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من عامل الناس [فلم] (٣) يظلمهم ، وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت اخوّته ، وحرمت غيبته» (٤).

قال قدس‌سره بعد ذكر الخبر المذكور : (فإن المروءة هاهنا لم تعتبر فيها إلا الخصال الثلاث ، وهي واجبة. وقد كتبنا رسالة شريفة في وجوب الوفاء بالوعد) انتهى.

أقول : وقد روى الصدوق قدس‌سره في كتاب (معاني الأخبار) (٥) أخبارا في تفسير المروءة ، وليس فيها ما يدل على شي‌ء من هذا المعنى الذي ذكروه بالكلّية.

وكذا روي في (الكافي) (٦) و (الفقيه) (٧) بعض من تلك الأخبار ، ففي حديث جويرية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : «وأما المروءة فإصلاح المعيشة».

وفي آخر عن الرضا عليه‌السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ستة من المروءة ؛ ثلاثة منها في الحضر ، وثلاثة منها في السفر ؛ فأمّا التي في الحضر فتلاوة القرآن وعمارة المساجد واتخاذ الإخوان ، وأمّا التي في السفر فبذل الزاد.

__________________

(١) من «ح»

(٢) انظر : مناقب آل أبي طالب ١ : ١٩٠ ـ ١٩١ ، وفيه : عبده أو غيره ، بدل : عليا عليه‌السلام ، بحار الأنوار ٨٥ : ٣٠.

(٣) من المصدر ، وفي النسختين : ولم.

(٤) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٣٠ / ٣٤.

(٥) معاني الأخبار : ١١٩ ، باب معنى الفتوة والمروءة ، ح ١ ، و ٢٥٧ ـ ٢٥٨ ، باب معنى المروءة.

(٦) الكافي ٨ : ٢٠٢ / ٣٣١

(٧) الفقيه ٢ : ١٩٢ / ٨٧٧.

٢٠