مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني - ج ١

الشيخ علي كاشف الغطاء

مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني - ج ١

المؤلف:

الشيخ علي كاشف الغطاء


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: مطبعة الآداب
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين :

وبعد فيقول المفتقر إلى الله تعالى علي نجل المرحوم الشيخ محمد رضا نجل المرحوم الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء قد وضعت هذا الكتاب للبحث عن الأدلة والاصول التي تستمد منها الفقهاء القوانين الشرعية وتستنبط منها المسائل الفرعية وترجع إليها في معرفة الأحكام الفقهية سواء أفادت القطع بالحكم الشرعي أو الظن المعتبر به أو كانت مما يرجع إليها في مقام الشك في الحكم الشرعي كالأصول العملية بل يمكن لأرباب القوانين المدنية ان يستفيدوا منها وينهلوا من معين معدنها متوخيا في ذلك سبيل الاختصار المثمر الذي لعله يغنيهم عن التطويل وباحثا عن كل دليل أو أصل اتخذه الفقهاء مستندا للحكم الشرعي الفرعي أو اتخذه أرباب القوانين المدنية مصدر وسميته ب «مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني».

والله الموفق للانتفاع به.

٣

المصدر الاول

القرآن الكريم

القرآن المجيد كتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ودستورا من دساترة رب العالمين أنزل على الرسول الكريم (ص) في ٢٣ سنة وقد اشتمل على أغلب القواعد الفقهية وروعي فيه بيان الأحكام الشرعية ممزوجة بالوعظ والارشاد والوعد والوعيد وقصص الانبياء والصالحين وما ناله الكفار والمخالفين من العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة لتقوية الضمير في الطاعة والبعد عن المعصية وإيجاد الوازع الديني نحو المثل العليا والأخلاق الفاضلة. والحجة فيه هو النص أو الظاهر.

أما النص فهو الدال على المراد من غير احتمال لغيره. ويقابله المجمل بالمعنى الأعم أعني ما دل على المراد مع احتمال غيره وبالمعنى الأخص هو خصوص الذي لا يعرف معناه.

وأما الظاهر فهو ما دل على المراد مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا وفي مقابله المتشابه.

وأما المؤول فهو الذي أراد به المتكلم خلاف ظاهره. وقد يطلقون المتشابه ويريدون به المجمل بالمعنى الأخص والمؤول. والقرآن قطعي الصدور لتواتر نقله عند المسلمين من حين نزوله حتى الوقت الحاضر.

وأما من حيث الدلالة فقد يكون قطعيا إذا كان اللفظ لا يحتمل فيه إلا معنى واحدا كنصوصه. وقد تكون دلالته ظنيه إذا كان اللفظ

٤

يحتمل أكثر من معنى واحد كظواهره.

أما حجية نصوصه وظواهره فقد منع بعض الاخباريين منها وقالوا أن الكتاب ليس بحجة مطلقا إلا ما روي تفسيره عن المعصوم. ويقال أن أول من فتح هذا الباب صاحب الفوائد المدنية وقبل أنه يظهر من كلام الشيخ الطوسي في التبيان وأن العلامة الحلي في نهاية الأصول نسبه إلى الحشوية. ويدل على حجيته السيرة المستمرة بين المسلمين على التمسك به من زمن الرسول (ص) إلى زمن الصحابة والتابعين والسلف الصالحين وثقات رواة المعصومين بلا رادع من أحد منهم ـ مع ما في الاخبار المتسالم على صحتها دلالة واضحة على حجيته مثل حديث الثقلين المشهور بين الفريقين شهرة كادت أن تبلغ حد التواتر وهو قوله (ص) «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي» وقوله (ص) «إذا التبست عليكم الفتن كالليل المظلم فعليكم بالقرآن» وقوله (ص) «القرآن هدى من الضلالة» ونحو ذلك ما ورد من الأمر بعرض الأخبار على الكتاب ورد الشروط المخالفة للكتاب والأمر بالرجوع إليه ويؤيد ذلك الآيات الآمرة بالأخذ به والعمل به كقوله تعالى في سورة البقرة (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) وكقوله تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) وغيرهما من عشرات الآيات. نعم لا يجوز التمسك بالمتشابه منه وهو الذي ليس بنص ولا له ظاهر بدون دليل ولا شاهد على المراد منه بل بمجرد رأي واستحسان ما أنزل الله به من سلطان. ولقد كانت الآيات المكية منه تبعث نحو تكوين العقيدة والأخلاق الكريمة ولهذا تجد فيها القصر والايجاز ليسهل على القارئ والمستمع وعيها وتفهمها بخلاف الآيات المدنية فانها كانت تبعث نحو تفهم الأحكام الشرعية ولهذا تجد

٥

فيها الطول لاحتياج شرح الحكم وبيان حدوده إلى البسط والتوضيح : وقد ذكروا أن مجموع آيات الأحكام (٥٠٠) آية وأن الباقي منها تتعلق بالعقائد الدينية والأخلاق الحميدة والقصص التي فيها الموعظة الحسنة والامثال المتنوعة التي ترشدنا لما فيه الخير والصلاح والسعادة والفلاح.

ثم أن أقوى ما يتمسك به المانعون من العمل بالقرآن المجيد وجوه :

أحدها : الاخبار المتواترة المدعى ظهورها في المنع عن ذلك مثل النبوي : «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» والنبوي «من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» وعن الرضا (ع) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) قال : «قال رسول الله (ص): إن الله عزوجل ، قال في الحديث القدسي ، ما آمن بي من فسر كلامي برأيه ، وما عرفني من شبهني بخلقي ، وما على ديني من استعمل القياس في ديني» وعن مجمع البيان ، أنه قد صح عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وعن الأئمة القائمين مقامه (ع) أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح وقوله ، ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إلى غير ذلك مما ادعى في الوسائل في باب القضاء تجاوزها عن حد التواتر ومرجع هذا الوجه إلى أن المتكلم به لم يقصد إفادة مراده بنفس هذا الكلام فهو خارج عن قواعد الخطابة.

والجواب عن ذلك منع دلالتها على المنع عن العمل بالظواهر الواضحة المعنى بعد الفحص عن نسخها وتخصيصها وإرادة خلاف ظاهرها في الاخبار إذ ليس ذلك تفسيرا إذ التفسير كشف القناع لا مطلق حمل

٦

اللفظ على معناه ولو سلم ذلك فالمراد بالرأي هو الاعتبار العقلي الظني الراجع إلى الاستحسان فلا يشمل حمل اللفظ على ظاهره اللغوي والعرفي فالتفسير بالرأي إما حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد احتماليه لرجحان في نظره القاصر وعقله الفاتر.

الوجه الثاني : طروّ التقيد والتخصيص والتجوز في أكثر القرآن وظواهره فأوجب فيه الاجمال وفيه :

أولا : النقض بظواهر السنة للقطع بطرو مخالفة الظاهر في أكثرها.

وثانيا : إن غاية ذلك وجوب الفحص دون السقوط لأن المعلوم اجمالا هو وجود مخالفات كثيرة في الواقع فيما بأيدينا بحيث يظهر تفصيلا بعد الفحص وأما وجود مخالفات في الواقع زائدا على ذلك فغير معلوم ينفى بالأصل وحينئذ فالمانع من العمل قبل الفحص هو احتمال وجود مخصص يظهر بالفحص وهذا المانع يزول بعد الفحص قطعا والذي يبقى بعد الفحص هو احتمال وجود مخصص في الواقع لم نظفر به بعد الفحص ومقتضى الاصل عدمه.

الوجه الثالث : ما ذكره بعضهم أنه ما من آية متعلقة بالفروع والأصول إلا ورد في بيانها أو في الحكم الموافق لها خبرا وأخبار كثيرة بل انعقد الاجماع على أكثرها مع أن جل آيات الاصول والفروع بل كلها مما تعلق الحكم فيها بأمور مجملة لا يمكن العمل بها إلا بعد أخذ تفصيلها من الأخبار ، وفيه أن هذا وإن تم في الآيات الواردة في باب العبادات جلا أو كلا إلا أنه غير جار فيما ورد في باب المعاملات ضرورة إن الإطلاقات الواردة فيها مما يتمسك بها في الفروع الغير المنصوصة أو المنصوصة بالنصوص المتعارضة كثيرا جدا مثل قوله

٧

تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) (فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ) (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ) ، (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) ، (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ) ، (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) ، (عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) ، (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) إلى غير ذلك بل وفي العبادات أيضا كذلك مثل قوله (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) ، وغير ذلك مثل آيات التيمم والوضوء والغسل والصلاة وغيرها وهذه وإن ورد فيها أخبار في الجملة إلا أنه ليس كل فرع مما يتمسك فيه بالآية ورد فيه خبر سليم عن المعارض فلاحظ.

الوجه الرابع : إن وجوب العمل بظواهر الكتاب بالاجماع مستلزم لعدم جواز العمل بظواهره لأن من تلك الظواهر ظواهر الآيات الناهية عن العمل بالظن مطلقا حتى ظواهر الكتاب.

وفيه أن فرض وجود الدليل على حجية الظواهر يوجب عدم ظهور الآيات الناهية في حرمة العمل بالظواهر لأنه أخص منها مع أن ظواهر الآيات الناهية لو نهضت للمنع عن ظواهر الكتاب لمنعت عن حجية أنفسها لأنها منها إلا أن يمنع شمولها لأنفسها فتأمل (وينبغي التنبيه) على أمرين :

الأول : إذا اختلفت القراءة وكان اختلافها موجبا لاختلاف الحكم الشرعي كما في قوله تعالى (حَتَّى يَطْهُرْنَ) حيث قرأ بالتشديد من التطهر الظاهر في الاغتسال وقرأ بالتخفيف من الطهارة الظاهرة في النقاء عن الحيض فمع التكافؤ في القراءة يتوقف ويرجع إلى غيرهما فيستصحب الحرمة فيما نحن فيه قبل الاغتسال أو بالجواز بناء أعلى عموم قوله تعالى :

٨

(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) للازمان خرج منه زمن الحيض على الوجهين بكون المقام من استصحاب حكم المخصص أو العمل بالعموم الزماني ومع عدم التكافؤ في القراءة يؤخذ بأقوى القراءتين.

الثاني : إنه لا يؤخذ بالقراءة الشاذة في العمل بالآية لكون ما عداها أرجح منها خلافا لما ينقل عن بعض العامة وعليه فلا يعمل بقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين : فصيام ثلاثة أيام متتابعات في وجوب التتابع في كفارة اليمين لأن القراءة المشهورة على خلافها.

٩

المصدر الثاني

الإجماع

والاجماع لغة بحسب التحقيق هو ضم المتفرق واجتماعه واتفاقه وهو يقابل الاختلاف والتفريق.

وفي الاصطلاح هو الاتفاق من أمة محمد (ص) على أمر من الأمور الدينية كما هو المحكي عن متقدمي أهل السنة كالقاضي والجويني والغزالي ولكن متأخريهم لما رأوا أن لا مقالة للعوام في أمور الدين لأنهم همج رعاع أتباع كل ناعق عدلوا عن ذلك واقتصروا على اعتبار قول العلماء وعرفوه بأنه «اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد على أمر من الأمور الدينية» وقيدوه بالدينية لاخراج الاتفاق في الأمور الغير الشرعية كالعقليات والعرفيات فان الاتفاق عليها ليس من الاجماع عند الفقهاء. وكان مالك يذهب إلى أن الاجماع يتحقق باتفاق فقهاء المدينة وداود الظاهري يذهب إلى أن الاجماع لا يعتبر إلا من الصحابة دون من بعدهم. وأنكر حجيته النظام المتوفى سنة ٣٣١ ه‍ معللا ذلك بأن الاجماع إن استند إلى دليل قطعي فيكون ذلك الدليل هو الحجة وإن استند إلى دليل ظني فلا يمكن تحقق الاجماع لاختلاف العلماء في الاستنباط منه. ونسب إنكار حجيته لفقهاء الاخباريين من الشيعة وأما الأصوليون من الشيعة فيذهبون إلى أنه أعظم حجة إذا كشف كشفا قطعيا عن رأي المعصوم بمؤداه سواء كان العلم من جهة اشتمال المجمعين عليه من دون تشخيصه كاتفاق علماء بلد كان المعصوم فيها كاتفاق أهل المدينة أو من

١٠

جهة الحدس لأن العادة قاضية بأن أصحاب الشخص إذا اتفقوا على شيء فهو لا بد وأن يكون قائلا به ، أو من جهة قاعدة اللطف فانها تقتضي ردع الله الأمة لو اتفقت على الباطل. فان من أعظم الألطاف من الله الواجبة إظهار كلمة الحق على لسان داع يدعو لها لأنه إذ ذاك ينكشف به الواقع.

وأما إذا لم يكشف الاتفاق عن رأي المعصوم فلا دليل على حجيته فلا يصح الاعتماد عليه في معرفة الحكم الشرعي ومن هنا يظهر لك إنه لو وجد مع الاجماع آية أو رواية أو مستند آخر احتمل أن فتوى المجمعين كانت مستندة له سقط الاجماع عن الحجية عند الشيعة لأنه حينئذ لم يكشف عن رأي المعصوم على سبيل القطع لأحتمال أن المجمعين استندوا في فتواهم لذلك المستند ولا بد حينئذ للمجتهد من ملاحظة ذلك المستند ومدى صحته واعتباره وحدود دلالته ولا وجه لانكار حجية الاجماع إذا حصل به الكشف عن رأي المعصوم لأنه يفضي إلى انكار حجية قول المعصوم وكلما دل على حجية قول المعصوم يدل على حجيته من العقل والنقل وإن أراد المنكر أنه لا يتحقق الاجماع المذكور ، أو لا يمكن العلم به ، أو لا يمكن كشفه عن رأي المعصوم فيكون إنكاره إنكارا لتحققه لا لحجيته :

الادلة على حجية الاجماع وإن لم يكشف عن قول المعصوم :

وقد استدل علماء أهل السنة على حجية الاجماع وإن لم يكشف عن قول المعصوم ذاهبين إلى وجود العصمة عن الخطأ في اجتماع العلماء على رأي واحد وإن جاز في كل واحد منهم الخطأ فيكون الاجماع عندهم حجة من باب التعبد الصرف كالاسباب الشرعية من اليد والفراش وغيرها لا من باب الكشف عن

١١

قول المعصوم ، واستدلوا على ذلك من العقل بما ذكره إمام الحرمين من أن الاجماع يدل على وجود دليل قاطع في الحكم المجمع عليه لأن العادة تقضي بامتناع اجتماع مثلهم على مظنون كاجتماعهم على أكل طعام واحد ولبس واحد وفعل واحد.

وفيه أن غاية ما يثبت بذلك إن إجماعهم عن مأخذ معتبر عندهم لا ما أفاد القطع لغيرهم بل لا يفيد ذلك أيضا إذا لم يعتبر فيهم العدالة واستدلوا على ذلك من الكتاب بقوله تعالى («وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ».) حيث توعد الله تعالى على أتباع غير سبيل المؤمنين ، وفيه أولا : أنه بقرينة العطف وكون فاعل (يتبع) ضمير يعود لمن يشاقق يكون المراد من سبيل المؤمنين هو سبيلهم في متابعة الرسول من الاقتداء به.

وثانيا : يحتمل أن المراد بالسبيل هو الصراط والطريق للمؤمنين في العقائد الدينية والمعارف الالهية لا في فتاويهم الشرعية.

وثالثا : أن فاعل (يتبع) ضمير يعود لمن يشاقق المتبين له الهدى. ولا ريب أن المتبين له الهدى إذا أتبع غير سبيل المؤمنين يعذب لا بمخالفته للمؤمنين بل لتبين الهدى له ، وعليه فتكون الآية ناظرة إلى أن من تبين له الهدى وعمل على الهدى ولم يتبع سبيل المؤمنين لا مؤاخذة عليه.

رابعا : إن المعصوم كالنبي (ص) أو الأئمة عند الشيعة من المؤمنين فلا بد أن يكون سبيله سبيل المؤمنين ومع عدم إحراز كون المعصوم متفقا رأيه مع أهل الإجماع لم يعلم أن السبيل غير سبيل المؤمنين بأجمعهم ومع عدم الاحراز لا حجية للإجماع لعدم احراز تحقق موضوعها

١٢

وهو كون السبيل سبيل المؤمنين.

واستدلوا بقوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). فأنهم لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر. وفيه أنه يدل على عدم تعمد الخطأ لا عدم وقوعه لأن المراد ما هو معروف ومنكر بنظرهم لا في الواقع.

واستدلوا بقوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) باعتبار أن المخالفة لهم توجب أن تكون الامة شهداء عليه بالمخالفة ولو وافقهم تكون الامة شهداء عليه بالموافقة وتقريب الاستدلال بهذه الآية بهذا النحو أحسن مما ذكره القوم من الاستدلال بها باعتبار أنهم وسط بتفسيره بالعدل.

وفيه أن الشهادة عليه بالمخالفة لا توجب بطلان قوله في نظره إذا لم يكن مخالفا واقعا فان مجرد الشهادة بالفسق لا توجب الفسق واقعا ولذا ارتكاب العمل الموجب لشهادة الغير بالفسق لا توجب حرمة ذلك العمل عليه إذا لم يكن في الواقع معصية في نظره على أنه مع عدم إحراز موافقة المعصوم لهم لم يحصل إحراز شهادة الامة بأجمعها عليه.

واستدلوا على ذلك من الاخبار بما رواه العامة والخاصة عن النبي (ص) إنه قال : «لا تجتمع أمتي على ضلالة». كما في رواية أبي الليث السمرقندي وفيه :

أولا : فانه مع اجتماع الأمة بأجمعها لا بد وأن يكون المعصوم معها وإلا لم تكن الامة لأن المعصوم منها فمع الشك في دخول المعصوم مع المجتمعين لم يحرز اجتماع الامة.

وثانيا : أن الظاهر هو الاجتماع على الضلالة والمعصية بهذا العنوان

١٣

بأن تعلم الامة أن العمل الفلاني معصية وضلالة ويرتكبونه بأجمعهم وهذا أمر أجنبي عن الاجماع وإنما يرجع إلى اتفاقهم على العصيان غير واقع منهم.

طرق حصول الاجماع ومعرفتها وحجيتها :

إن للإجماع طرقا ثلاثة :

الطريق الاول : وهو المنسوب للمتقدمين من علماء المسلمين وقد سلكه أهل السنة وقدماء الشيعة من أن الاجماع اتفاق الكل. والكلام في هذا المسلك تارة في الصغرى وبيان اتفاق الكل بما يتحقق وكيف يعلم. وأخرى في الكبرى وبيان مدرك الحجية.

أما الكلام في الكبرى لإحراز دخول المعصوم فيهم لأنه من الكل المتفقون ودخوله يكون قولا أو فعلا أو تقريرا أو تركا كأن ترك جماعة الأذان في الصلاة وفيهم المعصوم يكون حجة. ومع عدمه فليس بحجة وعليه فلو افتى جماعة ولو أقل من عشرة وعلم أن أحدهم المعصوم كالنبي والأئمة (ع) كان قولهم حجة وإن خالفهم الجميع.

وأما عند أهل السنة فمجرد الاتفاق من الكل وإن لم يكن المعصوم داخلا معهم هو حجة. وتقدم في ذلك أدلتهم.

أما الكلام في الصغرى فهو أن إمكان الاجماع بل وقوعه مما لا ريب فيه ومجرد انتشار العلماء في الأقطار واختلاف القرائح والأنظار لو أثر فهو في العلم به لا في إمكانه أو وقوعه. والقول بأن الاجماع إن كان عن تخمين فلا يجوز اتباعه أو عن دليل قطعي فالعادة تقضي بنقله فيغني عن الاجماع أو ظني فتباين الأنظار واختلاف القرائح يمنع من الاجتماع عليه مدفوع بان ذلك يمنع من الاطلاع على الاجماع لا عن إمكانه ووقوعه بأن عدم وجوب الإتباع لو كان الاجماع عن

١٤

تخمين يمنع الحجية دون الامكان والوقوع وكذلك إغناء القطعي عنه فتأمل ، واختلاف القرائح غير مانع عن الاتفاق بعد وجود الداعي هو الدليل المعتبر والحاصل أن إنكار الإمكان أو الوقوع مما يحكم بفساده الضرورة والوجدان وانما الاشكال في العلم به على هذه الطريقة لأن العلم بفتاوى كل واحد من العلماء الموجودين في عصر واحد مما كاد أن يلحق بالمحالات لتوقفه على مشافهة كل واحد منهم ومما لا يمكن عادة بعد انتشارهم في مشارق الارض ومغاربها وفي الاصقاع والأقطار والبراري والقفار وزوايا الخمول حتى لو رام المجتهد تحصيل الاجماع ولو في مسألة لا يحصل لو أفنى عمره مع أن احتمال السهو من المفتي والنسيان والتقية والتورية والرجوع عن فتواه مع الغض عن احتمال الكذب لا يكاد يخلو منه إنسان ونفيها أو نفي بعضها بالأصل لا يجدي في حصول العلم ولذا نذهب إلى أن طريقة القدماء على ما يساعده الاستقراء لا بد أن تكون حدسية بمعنى معرفة موافقة باقي العلماء من اتفاق هؤلاء الجماعة بالحدس لأنا قاطعون بأن المرتضى أو القاضي أو الاسكافي أو ابن زهرة أو سلار أو نحوهم من قدمائنا الكبار لم يشافه كل واحد منهم كل فرد من علماء عصره مع أن كتبهم مشحونة من دعوى الاجماع. والتحقيق أن يقال أن العلم بالإجماع لا يحصل إلا بأمور ثلاثة :

أحدها : الحدس بان يطلع على جملة من فتاوي العلماء المتبحرين فيحدس من ذلك موافقة الباقين لهم لانعقاده بعدم معقولية المخالفة لهم كما يقال ان علماء النحو مجمعون على ان الفاعل مرفوع مع عدم الاطلاع إلا على بعض فحول علمائهم ولعل دعاوي الإجماع من علماء أهل السنة بل ومن علماء الشيعة مع عدم الاطلاع على رأي باقي العلماء

١٥

لكثرت العلماء وصعوبة الاطلاع على أقوالهم كانت من هذا القبيل ثانيها : الحس بالاستقراء لجميع الفقهاء ضرورة عدم حصول العلم بالكل مع الشك في ثبوت الفتوى بالحكم لبعض الأفراد لم يحصل به بالحس باتفاق سائر الفقهاء.

ثالثها : الفعل بان يقوم على الفتوى دليل واضح الدلالة سهل الاطلاع عليه بحيث الوضوح والسهولة يوجبان حكم العقل باتفاق الفقهاء على الفتوى بمضمونه ومن هذا ما قامت عليه ضرورة الدين والاجماع في مثل هذه الايام غير مستند إلى الثاني وهو الحس لما ذكرنا من عدم امكان مشاهدة كل واحد من العلماء فضلا عن معرفة فتواهم في المسألة إلا إذا فرض كون علماء العصر معدودين حاضرين في مجلس واحد وهو مجرد فرض غير واقع مع أن باب احتمال الخلاف مع ذلك غير منسد لاحتمال أن بعضهم لم يحضر أو لاحتمال السهو في الفتوى والنسيان والخطأ ونحو ذلك بل حكى الرازي عن جماعة إنا لو فرضنا أن سلطانا جمع علماء العالم فرفعوا أصواتهم إنا أفتينا بكذا لما حصل العلم بالاجماع لجواز أن يكون مخالف خاف الجمع أو الملك أخفى صوته بالخلاف من ضجيج الخلائق. ولا إلى الثالث لعدم صحة الاعتماد على هذا الاجماع إنما المتبع هو ذلك الدليل فيؤخذ بمقدار دلالته وحدودهما بالاجماع لكونه تابع لها مع انه لم يكن معرفة الاجماع بطريق الحس بالفتوى منهم كما هو المفروض وأما الأول وهو الحدس فيمكن الأخذ به لمن حصل عنده الحدس القطعي بذلك. ولعل الاجماع المدعى من المتأخرين من الفريقين يكون من هذا القبيل وأما لو كان حصل عنده الحدس الظني بالاجماع فالظن ليس بحجه لأنه لم يقم دليل على اعتباره هذا مع انه لم تكن معرفة الفتوى منهم من طريق الحس كما

١٦

هو المفروض وإنما كانت من طريق الحدس هذا وان بعضهم قد تخيل ان هناك طريق رابع لمعرفة اتفاق المجتهدين على الفتوى بطريق المكاشفة كما يتفق لأهلها كثيرا بل قد يحكى عن بعض أهل الباطل دعوى الانكشاف القلبي في كل جزئي من الاحكام الشرعية بحيث لو لم يبعث الرسول أو لم يبلغها إلى الأمة وصل هو بنفسه إليها.

وفيه أن المكاشفة إن صحت ففي استكشاف نفس قول المعصوم منها حينئذ كفاية عنه والعلم بالاجماع بذلك خارج عن كونه حسيا بل كان بالمكاشفة.

وفي مرآة العقول للمجلسي إن الاطلاع على الخبر المجمع عليه بطريق الإفتاء متعسر بل متعذر. وفي المعالم الحق امتناع الاطلاع على الاجماع. وعن الرازي إن الإنصاف أنه لا يمكن معرفة الإجماع إلا في عهد الصحابة حيث كان المسلمون قليلين أما بعد ذلك فلا. وعن الامام والقاضي كذلك. بل حكى عن العضدي عن أحمد أن من ادعى الإجماع فهو كاذب وكيف كان فلعل عدم إمكان الاطلاع عادة على هذه الطريقة من الاجماع غير قابل للخلاف والنزاع وربما يقال بأن العلماء من الفريقين يكثرون الاحتجاج بالاجماع بل ذكر بعضهم أن فهم جل الأحكام أو كلها لا يمكن إلا بضميمة الإجماع ، وفي كلمات الاقدمين فضلا عن غيرهم تصريحات بامكانه ووقوعه. ففي الذريعة وإما قول من نفي الإجماع لتعذر الطريق إليه فجهالة لأنا قد نعلم اجتماع الخلق الكثير على المذهب الواحد وترتفع عنها الشبهة في ذلك أما بالمشاهدة أو النقل ونعلم من اجتماعهم واتفاقهم على الشيء الواحد ما يجري في الجلاء والظهور مجرى العلم بالبلدان والامصار والوقائع الكبار ونحن نعلم أن المسلمين كلهم متفقون على تحريم الخمر

١٧

ووطء الامهات وإن لم نلق كل مسلم في الشرق والغرب والسهل والجبل ونعلم أيضا أن اليهود والنصارى متفقون على القول بقتل المسيح وصلبه وإن كنا لم نلق كل يهودي ونصراني في الشرق والغرب. ومن أنكر العلم بما ذكرناه كان مكابرا مباهتا.

هذا مع انا نعلم بوجود الاحكام الضرورية في الشريعة وتحقق الضرورة بها يستلزم وجود الاجماعات فيها والعلم بها أيضا كذلك مع إنا إذا راجعنا أنفسنا أيضا نرى في الفقه أحكاما كثيرة معلومة لا مأخذ للعلم بها غير الاجماع.

هذا ولكن الحق أن ذلك لا ينافي ما ذكرناه من عدم إمكان الاطلاع على الاجماع بالطريق المذكور أعني طريق الحس لأن إجماعاتهم التي تمسكوا بها صريحة أو ظاهرة في كون العلم به من طريق الحدس لا الحس واستلزام الضرورة للاجماع فرع انحصار طريق حصول الضرورة بالاجماع لإمكان العلم بالضروريات من وضوح الدليل عليها وسهولة الاطلاع عليه كما هو كذلك في الغالب ودعوى انحصار مدرك المسألة في الاجماع بحيث لم يرد فيها آية أو رواية لا عموما ولا خصوصا ولا أصل ولا قاعدة لعله مجرد فرض لا واقع له فلا يصح جعله مستندا لصحة العلم بالاجماع في الموارد الكثيرة والحاصل أن الاجماعات المدعاة في كلمات القدماء أقوى شاهد على أن مسلكهم في الاجماع موافق لمسلك المتأخرين في كونه حدسيا لا حسيا.

الطريق الثاني : من طرق الاجماع هو اتفاق جميع العلماء غير المعصوم منهم على حكم مع فقد الكتاب والسنة المتواترة عليه فيفارق المسلك الأول بخروج المعصوم بأن قول المعصوم على المسلك الأول مدلول تضمني دون هذا المسلك فانه حجية الاجماع من جهة كشفه عن رأي

١٨

المعصوم اللطف كما أنه يندرج نقل الاجماع على الاول في نقل السنة بخلافه على هذا المسلك لعدم ثبوتها إلا عند الحاكي وبذلك لا يصدق الاخبار عن المعصوم كما لو أخبر عن دخول الوقت اعتمادا على صوت الديك ، ثم أن هذا المسلك وإن اشتهر اختصاصه بالشيخ (ره) إلا أنه هو الظاهر من كلام الحمصي في التعليق العراقي وكلام كمال الدين ميثم البحريني في قواعد الكلام والمحقق الحلي في المعتبر والشهيد في الذكرى والمحكي عن العماد الداماد ولعله في كتابه البيع الشداد وعن كتاب الغيبة لشيخنا الطوسي بل عن المرتضى في الانتصار ، والشافي أيضا وعن الغنية لابن زهرة وعن كنز الفوائد للشيخ أبي الفتح الكراجكي وعن الكافي لأبي الصلاح الحلبي وعن أعلام الورى للطبرسى وكذلك عن مجمع للبيان له إلى غير ذلك من العلماء المستفاد منهم إن العلماء إذا اتفقوا على حكم لم يدل على خلافه آية محكمة أو سنة قاطعة ولم نعلم بمخالفة المعصوم منهم وجب القطع بكونهم على الحق وإلا لوجب عليه (ع) ـ (على المعصوم) ـ ردعهم إذ لو لا الردع لزم بقاؤهم على الضلالة بل تكليفهم بما لا يعلمون وأمرهم بما لا يطيقون وهما منافيان لقاعدة اللطف فانتفاء اللازم وهو الردع دليل انتفاء الملزوم أي بطلان ما أجمعوا عليه.

والحاصل ان مناط حجية هذا المسلك هو ان يقال أن ما أجمعوا عليه إن كان باطلا وجب على المعصوم ردعهم لأنه لطف واللطف واجب.

أما الصغرى فلصدق حده وهو ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية عليه.

وأما الكبرى فلان الاخلال باللطف نقض للغرض وهو قبيح بل

١٩

قد يقال إن نقل الأدلة الدالة على وجوب إيصال الاحكام إلى العباد قاضية بوجوبه في خصوص مورد الاجماع ، بل في المستفيض عنهم أن الأرض لا تخلو إلا وفيها عالم إذا زاد المؤمنون شيئا ردهم إلى الحق وإن نقصوا شيئا تممه لهم ولو لا ذلك لالتبس عليهم أمرهم ولم يفرقوا بين الحق والباطل ، وعن علي (ع) بطرق : ـ «اللهم إنك لا تخلي الأرض عن قائم بحجة أما ظاهر مشهور أو خائف مغمور لئلا يبطل حجتك وبيناتك «وفي عدة أخبار في تفسير قوله «إنما أنت منذر ولكل قوم هاد» إن المنذر رسول الله (ص) وفي كل زمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به النبي (ص) ، وعن أبي عبد الله (ع) أنه قال : «ولم تخل الارض منذ خلقها الله من حجة له فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ولم تخل إلى أن تقوم الساعة ولو لا ذلك لم يعبد الله قيل كيف ينتفع الناس بالغائب المستور قال كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب» إلى غير ذلك من أخبار الباب بل أن الحكمة الداعية إلى تشريع الحكم وبعث النبي ونصب الوصى داعية إلى ذلك أيضا ومثل إن الغرض من نصب المعصوم في كل وقت تبليغ الحكم إلا اذا قدّر عدم إمكان التبليغ في حقه بطل هذا الغرض. وهذا المسلك لا يتم إلا عند الشيعة الذين يقولون بأنه في كل عصر إلى يوم القيامة يوجد إمام له إما ظاهر أو مستور وإما عند أهل السنة فهو لا يتم إلا في زمن الرسول وخلاصة هذا المسلك يرجع لوجوه :

الأول : قاعدة اللطف.

الثاني : إن سكوت الامام مع وجوده يكون تقريرا لهم وتوضيح ذلك إنهم لما أجمعوا على الحكم للمسألة فلا بد اطلع المعصوم على إجماعهم لأنه المتولى لشئونهم ومع ذلك سكت ولم يمنعهم فيكون سكوته

٢٠