🚘

تراثنا ـ العددان [ 79 و 80 ] - ج ٧٩ و ٨٠

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 79 و 80 ] - ج ٧٩ و ٨٠

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٣٠
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢ 🚖 الجزء ٣ 🚖 الجزء ٤ 🚖 الجزء ٥ 🚖 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧-٨ 🚘 الجزء ٩ 🚘 الجزء ١٠ 🚘 الجزء ١١ 🚘 الجزء ١٢ 🚘 الجزء ١٣ 🚘 الجزء ١٤ 🚘 الجزء ١٥ 🚘 الجزء ١٦ 🚘 الجزء ١٧ 🚘 الجزء ١٨ 🚘 الجزء ١٩ 🚘 الجزء ٢٠ 🚘 الجزء ٢١ 🚘 الجزء ٢٢ 🚘 الجزء ٢٣ 🚘 الجزء ٢٤ 🚘 الجزء ٢٥ 🚘 الجزء ٢٦ 🚘 الجزء ٢٧ 🚘 الجزء ٢٨ 🚘 الجزء ٢٩ 🚘 الجزء ٣٠-٣١ 🚖 الجزء ٣٤ 🚘 الجزء ٣٥-٣٦ 🚘 الجزء ٣٧ 🚘 الجزء ٣٨-٣٩ 🚘 الجزء ٤١ ـ ٤٢ 🚘 الجزء ٤٣-٤٤ 🚘 الجزء ٤٥ - ٤٦ 🚘 الجزء ٤٧ - ٤٨ 🚘 الجزء ٤٩ 🚘 الجزء ٥٠ - ٥١ 🚘 الجزء ٥٢ 🚘 الجزء ٥٣ و ٥٤ 🚘 الجزء ٥٥ و ٥٦ 🚘 الجزء ٥٧ 🚘 الجزء ٥٨ 🚘 الجزء ٥٩ و ٦٠ 🚘 الجزء ٦١ 🚘 الجزء ٦٢ 🚘 الجزء ٦٣ و ٦٤ 🚘 الجزء ٦٥ 🚘 الجزء ٦٦ و ٦٧ 🚘 الجزء ٦٨ 🚘 الجزء ٦٩ و ٧٠ 🚘 الجزء ٧١ و ٧٢ 🚘 الجزء ٧٣ و ٧٤ 🚘 الجزء ٧٥ و ٧٦ 🚘 الجزء ٧٧ و ٧٨ 🚘 الجزء ٧٩ و ٨٠ 🚘 الجزء ٨١ و ٨٢ 🚘 الجزء ٨٣ و ٨٤ 🚘 الجزء ٨٥ و ٨٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

تراثنا

صاحب المتياز :

موسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث

المدير المسؤول :

السيد جواد الشهرستاني

العددان الثالث والرابع [٧٩ ـ ٨٠]

السنة العشرون

محتويات العدد

* الفوائد البديعة من «وسائل الشيعة» (١).

....................................................... السيّد علي الحسيني الميلاني ٧

* مكانة «العقل» في التشريع

............................................................. السيّد علي الهاشمي ٥١

* العزاء والرثاء سُنّة قرآنية

........................................................... الشيخ محمّد السند ١١٥

* فهرس مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين العامّة / النجف الأشرف (١٧).

............................................... السّد عبد العزيز الطباطبائي قدس‌سره ٢٣١

٣

رجب ـ ذو الحجّة

١٤٢٥ هـ

* مصطلحات نحوية (٢٦)

....................................................... السيّد علي حسن مطر ٢٨٧

* من ذخائر التراث :

* نُبذَةٌ من السياسة الحسينية ـ للعلّامة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ، المتوفّى سنة ١٣٧٣ هـ.

..................................................... تحقيق : علي جلال باقر ٣٠١.

* من أنباء التراث.

................................................. هيئة التحرير / عامر الشوهاني ٤١٠

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة «مصباح السالكين» للشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني ، المولود سنة ٦٣٦ هـ ، والمتوفّى بين السنوات ٦٧٩ ـ ٦٩٩ هـ ، والذي تقوم مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث بتحقيقة.

٤

٥
٦

الفوائـد البديـعة

مـن

«وسائل الشـيعة»

(١)

السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني

بسـم الله الرحمن الرحـيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمّـد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأوّلين والآخرين.

وبعـد ..

فإنّه لمّا وصلنا إلى أحكام نافلة الليل في بحوثنا الفقهيّة في كتاب الصلاة ، استوقفني ما جاء في إحدى روايات المسألة ، ونبّهني على أمر كنت في غفلة منه حتّى تلك الساعة ..

وهذا أوّلاً نصّ الرواية :

«عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبـد الله عليه السلام أنّه قال : قلت له : إنّ رجلاً من مواليك ، من صلحائهم ، شكا إلَيّ ما يلقى من النوم ، وقال : إنّي أُريد القيام بالليل ...

٧

قلت : فإنّ من نسائنا أبكار الجارية ، تحبّ الخير وأهله وتحرص على الصلاة ، فيغلبها النوم ، حتّى ربّما قضت وربّما ضعفت عن قضائه ، وهي تقوى عليه أوّل الليل.

فرخّص لهنّ في الصلاة أوّل الليل إذا ضعفن وضيّعن القضاء» (١).

فقلت في نفسي : سبحان الله! كنّا ـ ولا نزال ـ نرجع إلى كتاب وسائل الشيعة لننظر في أدلّة الأحكام الشرعيّة ، وأمّا الفوائد الأُخرى المشتملة عليها تلك النصوص ، فلم نلتفت إليها ولم نهتمّ بها.

انظر إلى هذه الرواية .. كيف علّم الأئمّة عليهم السلام الشيعة وأدّبوهم على الأحكام والسُـنن فضلاً عن العمل بالأحكام الإلزامية ، حتّى إنّ الجواري الأبكار في البيوت «تحرص» على صلاة الليل ، بحيث لمّا يغلبها النوم «تقضي» الصلاة بالنهار ، لكنّها لمّا تضعف عن القضاء «تشكو» إلى وليّها ما تلقاه من غلبة النوم ثمّ من الضعف عن القضاء ، فيأتي الرجل إلى الإمام عليه السلام ليسأل لها عن الوظيفة الشرعيّة في هذه الحالة!!

نعم .. هكذا ربّى أهل بيت النبيّ الشيعة ، يلتزمون بالنوافل ، حتّى «أبكار الجارية» منهم ، وإلى هذا الحدّ يحرصون عليها ولا يتركونها ..

وهكذا شأن أهل بيت النبيّ ، الّذين كانوا أوصياءه وخلفاءه في الغرض الذي من أجله بُعث ، كما في قوله تعالى : (هُوَ الَّذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كانوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين) (٢).

وإلاّ لَما أمر بالتمسّك بهم ـ دون غيرهم ـ من بعده ، في قوله صلّى

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ / ٢٥٥ ح ٥٠٧٨ و ٥٠٧٩.

(٢) سورة الجمعة ٦٢ : ٢.

٨

الله عليه وآله وسلّم في حقّهم : «إنّي تارك فيكم الثقلين ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض».

ولَما شبّههم في النجاة بسفينة نوح ; إذ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : «أهل بيتي كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق» (١).

ولَما حثّ على الكون معهم في جميع الأحوال ، كما في الحديث الوارد عنه ـ في كتب الفريقين ـ بتفسير قوله تعالى : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (٢).

ولمّا عزمت ـ على أثر التدبّر في الرواية المذكورة ـ على دراسة شاملة لروايات كتاب الوسائل ـ في مفاهيمها عدا الأحكام التكليفيّة ـ وقفت على مناهج تربويّة راقية ، وتعاليم أخلاقيّة عالية ، وفوائد قيّمة من علوم مختلفة ... ممّا يتجلّى به جانب ممّا أفاضه الله عليهم من العلوم ، وأوقفهم عليه من الحقائق ... ما لا يوجد في غيرهم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أبداً.

إنّ مَن يدرس الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام دراسة واعية ، يطّلع على بعض حالاتهم القدسيّة وملكاتهم المعنويّة ، التي جعلتهم القادة والقدوة في سبيل تحصيل المعارف الحقّة وطريق السير إلى الله ، كما ورد عنهم عليهم السلام في قولهم : «بنا عُرف الله وبنا عُبد الله» (٣).

وإنّ مَن يدرس ما ورد عنهم ـ في الأبواب المختلفة ـ لا يشكّ في

__________________

(١) وسائل الشيعة ٢٧ / ٣٤ ح ٣٣١٤٥.

(٢) سورة التوبة ٩ : ١١٩.

(٣) كتاب التوحيد ـ للشيخ الصدوق ـ : ١٥٢.

٩

إحاطتهم بكافّة العلوم ، وأنّهم هم ورثة علم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعنهم أُخذ ، وبواسطتهم انتشر في البلاد الإسلاميّة ، من الحجاز والعراق والشام واليمن وغيرها ..

ولذا ورد عنهم عليهم السلام : «إنّه ليس أحد عنده علم إلاّ شيء خرج من عند أمير المؤمنين عليه السلام ، فليذهب الناس حيث شاؤوا فوالله ليس الأمر إلاّ ههنا. وأشار بيده إلى بيته» (١).

وورد عنهم القول لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة : «شرّقا وغرّبا ، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت» (٢).

وإنّ مَن يدرس كلامهم ـ كما ورد عنهم ـ وينقله بلا دخل أو تصرّف من عنده ... فإنّ الناس سوف يتبعونهم ، كما روي عنهم من «أنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا» (٣).

فعلينا أن ندرس كلامهم ، وأن ننقل ما درسنا منه إلى الناس ، وأن يكون نقلنا له بلا تصرّف فيه ، وأمّا المخالفون لهم ، فقد سعوا في إنكاره وكتمه ، ومنعوا من نقله وتعليمه ..

وبعد ، فقد كانت تلك الرواية هي الحافز لدراسة الروايات من تلك الجهات ، وبالتالي تأليف هذا الكتاب ، ثمّ كانت الأُمور المذكورة هي الداعي إلى نشـره ; لعلّي أكون قد أدّيت بعض الواجب ، وقد سمّيته بـ :

«الفوائد البديعة من أخبار وسائل الشيعة»

وبالله التوفيق.

__________________

(١) وسائل الشيعة ٢٧ / ٦٩ ح ٣٣٢٢٣.

(٢) وسائل الشيعة ٢٧ / ٦٩ ح ٣٣٢٢٤. وسنشرح بالتفصيل انتشار العلوم عنهم في موضـعه ; فانتظر.

(٣) وسائل الشيعة ٢٧ / ٩٢ ح ٣٣٢٩٧.

١٠

(١)

بُني الإسلام على خمس ،

على : الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية

عقد الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله ـ قبل الورود في أدلّة الأحكام الشرعيّة بحسب الأبواب الفقهيّة ، ابتداءً بكتاب الطهارة وانتهاءً بكتاب الديّات ـ أبواباً بعنوان : «أبواب مقدّمة العبادات» ، فأورد في الباب الأوّل روايات كثيرة بالمضمون المذكور ، يعبّر عنها بـ : «مباني الإسلام» .. والذي نقصده نحن هو : فهم المراد من «الولاية» في هذه الروايات ، فلنذكر بعضها مرقّمةً بأرقامها ، ثمّ نتكلّم عليها :

٢ ـ عن أبي جعفر عليه السلام : «بُني الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية».

قال زرارة : وأيّ شيء من ذلك أفضل؟

فقال : الولاية أفضل ; لأنّها مفتاحهنّ ، والوالي هو الدليل عليهنّ.

٤ ـ عن عمرو بن حريث أنّه قال لأبي عبـد الله عليه السلام : «ألا أقصّ عليك ديني؟

قال : بلى.

١١

قلت : أدين الله بشهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّـداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، والولاية ...» وذَكَر الأئمّة عليهم السلام.

«فقال : يا عمرو! هذا دين الله ودين آبائي ، الّذي أدين الله به في السرّ والعلانيّة».

٦ ـ وفي رواية عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال : «وولايتنا».

قال الشيخ الحرّ : الجهاد من توابع الولاية ولوازمها ; لِما يأتي ، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٧ ـ وفي رواية عنه : «أثافي الإسلام ثلاثة : الصلاة والزكاة والولاية ، لا تصـحّ واحـدة منها إلاّ بصاحبتها».

٩ ـ وفي رواية عجلان بن أبي صالح : «قلت لأبي عبـد الله عليه السلام : أوقفني على حدود الإيمان.

فقال : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّـداً رسول الله ، والإقرار بما جاء من عند الله ، وصلاة الخمس ، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا ، والدخول مع الصادقين».

١٠ ـ وعن أبي جعفر عليه السلام : «بُني الإسلام على خمس ... والولاية ، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية».

١٢

١٣ ـ وعن أبي عبـد الله عليه السلام : «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّـداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحجّ البيت ، وصيام شهر رمضان ; فهذا الإسلام».

٢٠ ـ وفي خبر عرض عبـد العظيم الحسني دينه على الإمام عليّ بن محمّـد الهادي عليهما السلام : «انّ الفرائض الواجبة بعد الولاية : الصلاة والزكاة والصوم ...».

٢٣ ـ وفي رواية عن «عبـد الرزّاق بن همام ، عن معمر (١) بن قتادة ، عن أنس ، قال رسول الله : جاءني جبرئيل فقال لي : يا أحمد! الإسلام عشـرة أسـهم ... والعاشرة : الطاعة ، وهي : العصمة».

٢٤ ـ وعن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر عليه السلام : «بُني الإسلام على خمس ... والولاية لنا أهل البيت. فجعل في أربع منها رخصـةً ، ولم يجعل في الولاية رخصـة ... والولاية صحيحاً كان أو مريضاً أو ذا مال أو لا مال له ، فهي لازمة».

٢٦ ـ وعن أبي عبـد الله عليه السلام : «المحمديّة السهلة ـ السمحة ـ

__________________

(١) الظاهر أنّه معمر ـ وهو ابن راشد ـ وأنّه قتادة ـ أي ابن دعامة ـ فالصحيح «عن» بدل «بن».

١٣

إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام شهر رمضان ، وحجّ البيت الحرام ، والطاعة للإمام ، وأداء حقوق المؤمن».

٢٩ ـ وفي رواية عنه عليه السلام : «بُني الإسلام على خمس دعائم : على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ وولاية أمير المؤمنين والأئمّة من ولده عليهم السلام».

٣٤ ـ وفي أُخرى (١) عنه عليه السلام : «أيّ الأعمال أفضل بعد المعرفة؟

فقال : ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة ... وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا ، وخاتمته معرفتنا ...».

٣٥ ـ وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «ثمّ الولاية ، وهي خاتمتها والحافظة لجميع الفرائض والسُـنن».

٣٨ ـ وفي رواية ، عن معاذ بن مسلم ، عن أبي عبـد الله عليه السلام : «إنّه سُئل عن الدين الذي لا يقبل الله من العباد غيره ، ولا يعذرهم على جهله؟ فقال :

شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّـداً رسول الله ، والصلاة الخمس ...

__________________

(١) في هذه الرواية : «والذي بعث محمّـداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بالحقّ بشيراً ونذيراً ، لقضاء حاجة امرئ مسلم وتنفيس كربته أفضل من حجّة وطواف ...».

١٤

والايتمام بأئمّة الحقّ من آل محمّـد».

٣٩ ـ وعن أبي جعفر : «عشـر من لقي الله بهنّ دخل الجنّة ... والولاية لأولياء الله ، والبراءة من أعداء الله».

أقـول :

لا ريب في أنّ الصلاة والزكاة والصيام والحجّ من فروع الدين ، ومن الأحكام الشرعيّة الضروريّة ، وأنّ الجاحد لها ـ بعد قيام الحجّة عليها له ـ كافر مرتدّ ، وقد عقد الشيخ الحرّ الباب اللاحق لهذا المعنى ، وعنوانه : «باب ثبوت الكفر والارتداد بجحود بعض الضروريات وغيرها ، ممّا تقوم الحجّة فيه بنقل الثقات» ... وجاء في جملة تلك الأخبار :

«عن عبـد الرحيم القصير ، عن أبي عبـد الله عليه السلام ـ في حديث ـ قال : الإسلام قبل الإيمان ، وهو يشارك الإيمان ; فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عنها ، كان خارجاً من الإيمان وثابتاً عليه اسم الإسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ولم يخرجه إلى الكفر والجحود والاستحلال ..

وإذا قال للحلال : هذا حرام ، وللحرام : هذا حلال ، ودان بذلك ، فعندها يكون خارجاً من الإيمان والإسلام إلى الكفر». إلاّ أنّ الكلام في : «الولاية» ; فما المراد منها في مباني الإسلام؟

قد تُفسّر «الولاية» في هذه الأخبار بـ : «الحكومة» ، بأن يكون المراد : إنّ الله فرض على المؤمنين الصلاة والزكاة ونحوهما ، وفرض عليهم السعي لقيام حكومة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، وذلك :

١٥

* أوّلاً : لمجيء «الولاية» في سياق الصلاة والزكاة ... ممّا هي من فروع الدين.

* وثانياً : لوجـود قرائن في نفس الأخبار على هذا المعنى ، كقوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الأوّل : «الولاية أفضل ; لأنّها مفتاحهنّ ، والوالي هو الدليل عليهنّ» ; فمعنى «مفتاحهنّ» أنّ الولاية ، أي «الحكومة» ، هي الطريق والسبب الموصل إليهنّ ، و «الوالي» ، أي «الحاكم» ، هو المرشد إليهنّ ، والحامـل للناس على العمـل بهـنّ ، ولولا الحكومـة ونفوذ الكلمة لَما حصل ذلك ..

وكقوله عليه السلام : «وولايتنا» في الخبر الثالث ، وهذا هو الذي فهمه الشيخ الحرّ إذ قال : «الجهاد من توابع الولاية ...» ; فلولا «الولاية» بمعـنى «الحكومـة» وبسـط اليد ونفـوذ الكلمة مـن «الحاكـم» الشرعـي ، لَما تحقّق الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين.

لكن التحقيق : أنّ المراد من «الولاية» في هذا المقام هو : «الولاية المطلقة» ، وهي : «الإمامة الكبرى» و «الخلافة العظمى» بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، التي من جملة شؤونها وأبعادها : «الحكومة».

وتوضـيح ذلك :

إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم له الولاية التشريعيّة ـ أي الأولويّة بالناس من أنفسهم ـ التي دلّ عليها قوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) (١) ، وغيره من الأدلّة ... وهذه الولاية تعمّ جميع الشؤون ، وتقتضي وجوب الإطاعة والانقياد له في أوامره ونواهيه على الإطلاق ،

__________________

(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٦.

١٦

سواء في الأُمور الخاصّة أو العامة ، في الحرب أو السلم ، وفي غير ذلك من المجالات.

ثمّ إنّ هذه الولاية بكلّ أبعادها قد ثبتت من بعده لأمير المؤمنين عليه السلام بالأدلّة القطعيّة من الكتاب والسُـنّة ، ومن ذلك حديث الغدير ، حينما خاطب صلّى الله عليه وآله وسلّم المسلمين مشيراً إلى الآية المذكورة : «ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : بلى. قال : فمَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ...».

ولذا عرّفوا الإمامة بعد النبيّ بأنّها : «رئاسة عامّة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ». فكانت الرئاسة العامّة والحكومة الدنيويّة من شؤون الإمامة يتولاّها الإمام الحقّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعلى الناس الإطاعة المطلقة له والانصياع التام لأوامره ونواهيه ..

فما قد يترآى من كلمات بعض من الترادف بين «الحكومة» و «الإمامة» فاشتباه فاحش ، بل الترادف هو بين «الخلافة» و «الإمامة» ، والتفريق بينهما اشتباه آخـر.

وعليه ، فإنّ المراد من «الولاية» في أخبار مباني الإسلام هو هذا المعنى ، لا الحكومة ; وذلك لأنّها وإن جاءت مع الصلاة و... في سياق واحـد مُعنونة بعنوان واحـد ، كـ : «الأثافي» و «الدعائم» و «التكاليف» و «الفرائـض» لكنّ الروايات الأُخـرى في الباب ، توضّح المراد وتفسّر ما يوهم الخلاف ; لأنّ الحديث يفسّـر بعضـه بعضاً (١) ..

__________________

(١) قاعدة حديثية مستفادة من النصوص ، يستدلُّ بها في البحوث عند الخاصّة والعامّة.

١٧

ففي الرواية (رقم ٤) : ذَكَر الأئمّة عليهم السلام ; وكان معرفتهم والقول بإمامتهم «ديـن الله ...» ، إلى جنب : «شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّـداً رسول الله ...».

وكذلك في الرواية (رقم ١٢) ; إذ جاء فيها : «عن دين الله الذي افترض الله عزّ وجلّ على العباد ، ما لا يسعهم جهله ، ولا يقبل منهم غيره؟

فقال ـ عليه السلام ـ : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّـداً رسول الله ، وإقام الصلاة ... والولاية».

وفي الرواية (رقم ٢٠) : «هذا ـ والله ـ دين الله الذي ارتضاه لعباده ...».

وفي الرواية (رقم ٩) : ذكر الشهادتين ثمّ الأربعة ، ثمّ قال : «وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا والدخول مع الصادقين» ، وكذلك في الرواية (رقم ٣٩) ، ولعلّ في قوله «والدخول مع الصادقين» إشارة إلى قوله تعالى : (وَكونوا مَعَ الصَّادِقينَ) المتقدّم سابقاً.

ويلاحظ أنّه في الرواية (رقم ٣٩) ذكر الشهادتين و «الولاية لأولياء الله والبراءة من أعداء الله» ضمن أُمور «عشر من لقي الله بهنّ دخل الجنّة» ، كما ذكر الولاية كذلك في الرواية (رقم ٢٨) ، وقال : «أُولئك أهل الإيمان».

لكنّه في الرواية (رقم ١٣) لمّا بيّن الإسلام قال : «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس» ، فذكر الشهادتين والأربعة ، ولم يذكر «الولاية».

وبذلك يظهر :

أوّلاً : الفرق بين «الإسلام» و «الإيمان».

وثانياً : إنّ «الإيمان» شرط الدخول في الجنّة ; وهذا مفاد الرواية

١٨

(رقم ٢٥) : عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : «أطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جـنّة ربّكم» ; لأنّ المراد من «ولاة الأمر» هم : «الأئمّة المعصومون» ; إذ الأمر بإطاعة وليّ الأمر إطاعة مطلقة ، دليل على عصمة «وليّ الأمر» ، وإلاّ لم يؤمر بإطاعته كذلك ، ولا أحد من الحكّام في تاريخ الإسلام بمعصوم.

وثالثاً : إنّه لا يتحقّق «الإيمان» إلاّ بالولاية لأهل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم ، ولا تكفي الولاية بدون البراءة. ثمّ إنّ الرواية (رقم ٢١) تفيد أنّ الله فرض «الولاية» على الأُمّة «ليميّز الخبيث من الطيّب».

وفي الرواية (رقم ٢٨) مدح عظيم للشيعة ; ففيها : «من عادى شيعتنا فقد عادانا» ، و «من ردّ عليهم فقد ردّ على الله» ، ولا بدّ أن يكون ذلك من أجل تشيّعهم لأهل البيت عليهم السلام بالمعنى الصحيح ، واتّباعهم لهم حـقّ المتابعة والإطاعة ، كما هو ظاهر الرواية.

هذا ، وفي الرواية (رقم ٢٠) دلالة واضحة على اختلاف المرتبة بين «الولاية» و «الأربعة».

وجاء في الرواية (رقم ٣٤) : «وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا ، وخاتمته معرفتنا» ، وفي الرواية (رقم ٣٣) : «وختم ذلك بالولاية» ، وفي الروايتين نقاط :

١ ـ إنّه يعتبر في «الولاية» : «المعرفة».

٢ ـ إنّ الأربعة ـ وكذا غيرها ـ مشروطة بمعرفة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ; فلولاها لم يترتّب أثر على شيء من تلك الأُمور.

٣ ـ الموافاة أيضاً شرط .. بأن يقدم المؤمن على الله مع «المعرفة» ; فلو مات ـ حتّى مع قيامه بتلك الأعمال ، وحتّى مع المعرفة ـ منكراً لولاية

١٩

أهل البيت عليهم السلام ما تُقبّل منه شيء!

وأفادت الرواية (رقم ٣٦) ترتّب أثر دنيوي كبير على «الولاية» ؛ إذ قال عليه السلام : «انّ الله يدفع بمَن يصلّي من شيعتنا عمَّن لا يصلّي من شيعتنا ...» ، مضافاً إلى أنّ «الولاية» بالمعنى الصحيح لا تتحقّق إلاّ بالإطاعة في الواجبات والمحرّمات وغيرها.

هذا ، وقد عقد الشيخ الحرّ العاملي (الباب ٢٩) من أبواب مقدّمة العبادات للروايات الدالّة على النقاط الثلاث المذكورة ، وقد جعل عنوانه : «باب بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة عليهم السلام واعتقاد إمامتهم» ، وكان من جملة أخباره :

رقم ٢ : «عن أبي جعفر عليه السلام ـ في حديث ـ قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن : الطاعة للإمام بعد معرفته ; أمَا لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ، ما كان له على الله حقّ في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان».

وفي عدّة روايات بأسانيد مختلفة : والله لو عبـد عمره ما بين الركن والمقام ، صائماً نهاره وقائماً ليله ، ثمّ لقي الله بغير ولايتنا ، لم ينفعه ذلك شيئاً (١).

رقم ١٩ : عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى : (وإنّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (٢) ، قال : «ألا ترى كيف اشترط؟ ولن تنفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتّى اهتدى؟ والله ،

__________________

(١) وسائل الشيعة ١ / ١٢٢ ح ٣٠٨ ـ ٣١٢.

(٢) سورة طه ٢٠ : ٨٢.

٢٠