أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

بعض آثار المؤلف رضوان الله تعالى عليه

١ ـ رسالتان فى الارث ونفقة الزوجة. طبعتا فى مجلد بقم

٢ ـ المكاسب المحرّمة ورسالة الخمس. طبعتا فى مجلد بقم

٣ ـ كتاب البيع. طبع فى مجلدين بقم

٤ ـ كتاب الخيارات. طبع فى مجلد بقم

٥ ـ كتاب الطهارة. طبع فى مجلدين بقم

٦ ـ الحاشية على درر الاصول. طبعت مع الدرر بقم

٧ ـ الحاشية على عروة الوثقى. طبعت بقم

٨ ـ هذا الكتاب مع مجلده الأوّل. طبع بقم

٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين.

الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ،

واللعن على أعدائهم أبد الآبدين ودهر الداهرين.

«المقصد السابع»

في الاصول الأربعة العمليّة أعني : البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب.

المسألة الاولى فى الشك فى التكليف

قد مرّ تقسيم المكلّف بين القاطع والظانّ والشاكّ ـ على وجه لم يتداخل الأقسام ـ عند الشروع في مبحث حجيّة القطع ، وكذا الكلام في وجه الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري وأنّهما طوليان ومترتّبان ، فلا نطيل الكلام بالإعادة ، والمهمّ هنا بيان الحال في الشكّ وهو إمّا في حقيقة التكليف وأصل الإلزام ، سواء كان في نوعه أيضا أم لا ، بأن كان النوع على تقدير الجنس معلوما ، وإمّا في المكلّف به.

٥

والمقصود بالبحث هنا القسم الأوّل أعني الشكّ في حقيقة التكليف ، وهو إمّا أن يكون في الحكم الكلّي الإلهي كالشكّ في حكم شرب التتن أنّه الحليّة أو الحرمة ، ومعياره ما كان رفعه بيد الشارع ومن وظيفته ، وإمّا في الحكم الجزئي كالشكّ في حرمة مائع خاص لأجل الشكّ في كونه خمرا أو ماء ، ومعياره ما لم يكن رفعه من وظيفة الشارع.

ثمّ كلّ من القسمين إمّا يكون الاشتباه والترديد فيه بين الحرمة وغير الوجوب ، وإمّا يكون بين الوجوب وغير الحرمة ، والمبحوث عنه في مبحث البراءة الذي هو محلّ النزاع بين الاصوليين والأخباريين إنّما هو الشبهة في الحكم الكلّي بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل مع تردّد الأمر بين الحرمة وغير الوجوب ، أو الوجوب مع غير الحرمة مع عدم الحالة السابقة التكليفية. وأمّا الشبهة في الحكم الجزئي فإنّما يذكر تطفّلا.

ثمّ الشكّ في الحكم الكلّي المردّد بين الحرمة وغير الوجوب أو العكس منشائه أحد امور ثلاثة ، إمّا فقد النص ، وإمّا إجماله ، وإمّا تعارض النّصين ، والكلام في كلّ من هذه الأقسام إنّما هو في مقتضى القاعدة الأوّليّة العقليّة مع قطع النظر عن الثانويّة التعبديّة ، ولا شكّ أنّ الكلام من هذه الجهة أعني من حيث حكم العقل من البراءة أو الاحتياط لا يتفاوت فيه الحال بحسب هذه الأقسام الثلاثة حتّى نحتاج لكلّ إلى عقد باب على حدة والتكلّم في كلّ على انفراده.

نعم غاية ما في الباب أنّه بعد الفراغ عن القاعدة الأوّليّة المشتركة بين الجميع ينفرد الأخير منها ، وهو ما كان منشأ الشكّ فيه تعارض النصّين بوجود القاعدة الثانويّة التعبديّة فيه على خلاف القاعدة الأوّليّة وهو الرجوع إلى أرجحهما سندا لو كان ، وإلّا فإلى أحد المتعارضين على سبيل التخيير.

وحينئذ نقول : من المسلّم عند من قال بالحسن والقبح من الأخباري و

٦

الاصولي هو أنّ العقاب على مخالفة التكليف بدون بيان للتكليف قبيح (١) ، فالكلام في هذا المقام إنّما هو في أنّه مع احتمال التكليف الثابت في هذه الشبهة هل يكون في البين بيان للتكليف الواقعي على تقدير ثبوته ، فلا يكون العقاب على مخالفته بلا بيان ، أو لا يكون حتى يكون العقاب بلا بيان؟ ، فالمهمّ بيان هذا المطلب.

فاعلم أنّ ما توهّم أو يمكن أن يتوهّم في تصوير البيان امور.

الأوّل : أنّ دفع الضرر المحتمل واجب بحكم العقل ، فإذا احتمل التكليف كان الحجّة عليه موجودا ، وهو الاحتمال بضميمة هذا الحكم العقلي.

والجواب أنّ الضرر على ضربين ، الأوّل : ما يكون تابعا للتكليف ، والتكليف متبوعا ومنشأ له وهو العقاب ، والآخر ما يكون التكليف تابعا له وهو متبوع ومنشأ للتكليف وهو المفسدة والمصلحة المترتبتان على ذات الشيء كسكر الخمر وبرودة الماء ونحوها ، والأوّل يدور مدار علم المكلّف ومخالفته وعصيانه ، والثاني لا مدخل للعلم والجهل فيه ، بل هو مترتّب مطلقا كخواص جميع الأشياء.

وإذن فالضرر الذي يحكم بوجوب دفعه في هذا المقام إن كان المراد به هو الذي يكون فرع العلم بالتكليف في حصول المخالفة والعصيان ويكون معلولا للتكليف أعني العقاب ، فلا يمكن كون هذه القاعدة بيانا إلّا على وجه يستلزم الدور ؛ فإنّ هذه القاعدة بل كلّ قاعدة لا يمكن أن يكون حكمها محدثا وسببا وعلّة لموضوعها ، وإلّا لدار ، فحكم وجوب دفع الضرر المحتمل فرع وجود احتمال الضرر الذي هو الموضوع ، ووجوده فرع وجود سببه وهو البيان ، ووجود هذا السبب قد فرض أنّه فرع ثبوت الحكم بالوجوب ، وهذا معنى الدور.

__________________

(١) فإنّ من المركوز في ذهن كلّ أحد السؤال عن علّة الضرب والإيلام الوارد من الغير عليه وأنّه لأيّ جهة ، ولو لم يكن قبيحا من دون جهة لما كان للسؤال عن الوجه وجه. منه قدس‌سره الشريف.

٧

وبعبارة اخرى : نحن نتكلّم مع المستدلّ في هذا المقام بتلك القاعدة في الصغرى وهي قوله : نحن نحتمل الضرر ، قبل أن نحكم عليها بالكبرى وهي قوله : وكلّ ضرر محتمل واجب الدفع ، ونقول : ما السبب لحدوث هذا الضرر المحتمل ومن أين جاء؟ فإن قال : سببه نفس التكليف بوجوده الواقعي ، فهو ليس بسبب ، بل السبب هو البيان ، وإن قال : هو البيان ، فنقول : أين البيان؟ ، فإن قال : هو الحكم الذي يترتّب على هذا الموضوع ، فهذا معنى تحقّق الموضوع من قبل الحكم ، وهو الدور.

وإذن فقاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على هذه القاعدة ، بمعنى أنّ احتمال الضرر مفقود بعد فرض توقّف وجوده على البيان وعدم صلاحيّة الحكم المزبور للبيانيّة ، ويصير الضرر مقطوع العدم بقضيّة القاعدة ، ولا عكس ، يعني لا يكون الحكم المذكور واردا على قاعدة القبح المذكورة ؛ لما ذكرنا من أنّ الحكم المذكور يكون موجدا لموضوعه وهو محال.

ولكن القاعدة لا يكون حكم القبح فيها موجدا لعدم البيان الذي هو موضوعه ، بل يكفي في تحقّقه عدم صلاحيّة الحكم المذكور للبيانيّة ، بل نقول : إنّ الحكم المذكور ليس من شأنه إيجاد احتمال الضرر حتى على قول من يجوّز العقاب بلا بيان ، فإنّ مفاده إنّما هو أنّ احتمال العقوبة الذي تحقّق أسبابه في موضوع يجب عليك أن تدفعها من نفسك ، لا أن يكون نفس هذا الحكم محدثا للاحتمال.

وإن كان المراد بالضرر هو ما يكون التكليف معلولا له أعني المفسدة التي هي من خاصيّة الشيء ولا مدخل فيها لعلم المكلّف وجهله ، فهو وإن كان محتملا لعدم حاجته إلى البيان ، ولكن ـ بعد تسليم الصغرى من كون هذا من أفراد الضرر المحتمل ـ لنا أن نمنع الكبرى ، وهو أنّ الضرر المحتمل واجب الدفع ، ويمكن نفي وجوب دفع الضرر بمعنى أن يكون فعله حسنا وتركه قبيحا عند العقل ، فإنّ معيار الحسن والقبح العقليين أن يكون فاعل الفعل علاوة على خاصيّة نفس الفعل موردا لشيء آخر من مدح العقلاء أو ذمّهم.

٨

فمن يفعل الظلم فهو علاوة على ابتلائه بأثر الظلم ـ وهو ظلمة الباطن مثلا ـ يذمّه العقلاء ويرونه مستحقّا للضرب والشتم ، وهذا بخلاف دفع الضرر ؛ فإنّه أمر قد جبلت النفوس عليه ، فإنّ النفوس مجبولة على دفع المكاره عن أنفسها لحبّها بها ، حتى الحيوانات.

فلو فرض أنّ أحدا تحمّل الضرر وأوقع نفسه في مظانّه غير مبال بتضرّره ، فليس في هذا العمل سوى نفس هذا الضرر الذي أوقع نفسه في مظنّته ، وليس ورائه شيء آخر من ذمّ العقلاء والاستحقاق لسياسة المولى ، كيف ولا ضرر أعظم من دخول النار ، فلو فعل أحد ما يوجبه فدخل النار فليس في هذا الفعل إلّا نفس هذا الضرر ، لا أنّه مستحقّ لدخول نار آخر عقوبة على إقدامه على العمل الذي عاقبته دخول النار.

فتحصّل أنّ الضرر الأخروي تكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان دافعا له ، والضرر الدنيوي وإن لم تكن القاعدة دافعا له ، ولكنّ الإقدام عليه لا يورث العقاب كما يورثه الإقدام على الافعال القبيحة في نظر العقل ، بل نقول على تقدير الإيراث أيضا لا يجدي بالمدّعى ، فإنّه مستحقّ حينئذ للعقوبة من جهة هذا القبيح الذي ارتكبه أعني الإقدام على محتمل المفسدة ، وأين هو من الاستحقاق على القبيح الواقعي المحتمل.

ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من عدم إيراث الإقدام على الضرر للعقاب إنّما هو مع قطع النظر عن تحريم الشرع إيّاه وأنّ العقل بنفسه لا يستقلّ على الاستحقاق ، بل يستقلّ على عدمه ، وأمّا مع النظر إلى (١) حكم الشرع بتحريم بعض أقسام الضرر

__________________

(١) وحاصل هذا الكلام إمكان التّمسك بالأدلّة الشرعية الواردة في تحريم إلقاء النفس في الضرر مثل آية (وَلا تُلْقُوا) وأمثالها ، وحاصل الجواب أنّ الضرر والتهلكة التي يكون الإلقاء فيها بمقتضى الآية محرّما إن كانت هو العقاب الاخروي فهو لا بيان عليه ، والحكم المذكور في الآية أيضا لا يمكن أن يحقّق موضوع نفسه ، وإن كانت هو المصلحة والمفسدة اللتين يقول بهما العدليّة فأوّلا ـ

٩

فلا شكّ في كون ارتكاب هذا البعض مورثا للعقاب شرعا وعقلا أيضا من باب مخالفة المولى.

والحاصل أنّه يمكن أن يقال بأنّ من أتلف نفسه لملالته من حياة الدنيا فلو لا تنصيص الشرع على تحريم عمله لم يكن للعقل حكم بتحريمه ، فعلى فرض تسليم كون احتمال المفسدة الذات الشيئيّة احتمال الضرر ، لا نسلّم حكم العقل حتى نستكشف به حكم الشرع ، ويكون هو البيان في مورد احتمال التكليف.

ثمّ بعد تسليم حكم العقل الذي هو كبرى المطلب يمكن منع الصغرى وهو قيام احتمال الضرر في مورد احتمال التكليف من حيث إنّ المفاسد الكائنة في ذوات الأشياء ليست إلّا عبارة عن الحسن والقبح العقليين ، بمعنى حبّ العقل للشيء متى تصوّره أو بغضه له ، وليس وراء محبوبيّة نفس الشيء ومكروهيّته لدى العقل أمر آخر ، فلا يلزم وجود ضرر في الشيء لتكون المفسدة والقبح باعتباره ، بل هو ذاتا قبيح ولا يقبل قبحه السؤال ب «لم» ولهذا قبح الظلم يدركه من لا يتديّن بدين ولا يعتقد بالعقوبة الاخرويّة كالدهريّة ، وإلّا فمع قطع النظر عن القبح الذاتي في الشيء القبيح فربّما لا يتضرّر فاعله ، بل ينتفع كالظالم ، نعم ربّما تكون المنفعة أو المضرّة مناطا للحكم شرعا وعقلا.

وأمّا الكلام في نفس المفسدة مع قطع النظر عن الضرر فلا شكّ أنّها مع العلم بها واضح أنّ العقل مستقبح ، وهو مستتبع لحكم الشرع وهو يكون بيانا ، وأمّا مع احتمالها كما هو فرض المقام فهنا ثلاث مراتب من الكلام.

الأوّل : إنّ من ارتكب محتمل المفسدة فهو على تقدير إصابة احتماله للواقع و

__________________

ـ لا نسلّم كون كل مفسدة ومصلحة راجعة إلى الضرر والنفع ، وثانيا أنّ الآية محمولة على ما هو التهلكة بنظر العرف والعامّة ، وأمّا مثل هذا الذي لا يخطر بأذهان العوام ، بل الخواص مختلفون ، فبين من يعتبر المصالح والمفاسد في نفس المتعلّقات وبين من يكتفي بوجودها في نفس الأحكام والإنشاءات ، فيمكن دعوى القطع بخروجه عن مدلول الآية ، منه قدس‌سره الشريف.

١٠

وجود المفسدة واقعا لا يحصل له إلّا الوقوع في تلك المفسدة ، ولا يلزمه شيء علاوة عليها.

والثاني : أن يقال : إنّ العقل يستقبح هذا العنوان ـ أعني محتمل المفسدة ـ كاستقباحه سائر الأشياء ذات المفسدة من حيث إنّه هذا العنوان مع قطع النظر عن المفسدة المحتملة ووجودها وعدمها ، فيلزم من ارتكابه ـ على هذا ـ الوقوع في المفسدة الاخرى علاوة على المفسدة المحتملة على تقدير الإصابة ، والوقوع في المفسدة الاولى فقط على تقدير الخطاء.

والثالث : أن يقال بأنّ حاله عند العقل حال الأوامر الطريقيّة التي جعلها الشارع احتياطا واهتماما بالواقعيات ، فيكون المقدم على تقدير الإصابة واقعا في المفسدة المحتملة ومفسدة الإقدام على محتمل المفسدة ، وعلى تقدير الخطاء لا يلزمه شيء.

فالكلام الأوّل لا منكر له ولا يقبل للنزاع ، فلا بدّ أن يكون مدّعى الأخباري أحد الأخيرين ، وحاصلهما أنّ المقدم على ما فيه احتمال المفسدة على تقدير تحقّق المفسدة واقعا يقع زائدا على هذه المفسدة في شيء آخر وهو تقبيح العقلاء وتذميمهم إيّاه على ارتكاب محتمل المفسدة ، وهذا يمكن القطع بعدمه وأنّ الإقدام المذكور ليس فيه على تقدير الواقعيّة سوى هذه المفسدة وليس معه وجدان قبح آخر للعقل.

والحاصل أنّ في ارتكاب محتمل المفسدة لا يكون حكم عقلي حتى يكون مستتبعا للشرعي حتى يكون احتمال التكليف من هذه الجهة بيانا ، هذا مع أنّه بعد تسليم الحكم العقلي يمكن إخراج احتمال المفسدة عن الاحتماليّة إلى الوهميّة ، وذلك لأنّ العدليّة في قبال الأشعري قائلون بكون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، ولا فرق عند المشهور من العدليّة بين كون المصالح والمفاسد في متعلّقات الأحكام أو في نفس الأحكام.

وإذن فيصير الاحتمال في محتمل التكليف ثلاثة ، الأوّل : عدم التكليف رأسا ،

١١

والثاني : وجوده مع المصلحة أو المفسدة في متعلّقة ، والثالث : وجوده مع المصلحة في نفس الحكم ، فيكون احتمال المصلحة أو المفسدة في نفس الفعل موهوما ، إلّا أن يقال بأنّ المفسدة لكونها عظيمة يكون موهومها أيضا واجب الدفع عند العقل ، هذا.

وأمّا الخدشة في الاستدلال بقاعدة دفع الضرر على فرض إرادة المفسدة الذات الشيء مع الإغماض عن عدم كون المفسدة مستلزما للضرر وتسليم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بأنّ المقام من باب الشبهة الموضوعيّة التي تكون موردا للبراءة باتفاق الأخباريين ، وذلك لأنّ من جملة المحرّمات الشرعيّة إلقاء النفس في المضارّ الدنيويّة والاقتحام في الشبهة المذكورة يشكّ في أنّه مصداق للمفهوم المذكور أو لا؟.

فالإنصاف عدم إمكان إلزام الخصم بها ؛ إذ له أن يجيب بأنّ الشبهة الموضوعيّة التي قد انعقد اتّفاقنا فيه على البراءة إنّما هي خصوص التي لم يكن رفعها وظيفة للشرع وكان منشؤها الامور الخارجية كالشبهة في أنّ المائع خمر أو ماء لأجل ظلمة الهواء مثلا ، دون الشبهة التي رفعها وظيفته ، كما في المقام ، فإنّه بعينه محلّ الكلام.

والثاني من وجوه تقرير البيان على مسلك الأخباري وإن لم يوجد تعرّض له في كلماتهم أن يقال : بأنّ نفس احتمال التكليف بيان ، من دون حاجة إلى ضميمة القاعدة المزبورة ، وتقريره أن يقال : إنّ حجّة المولى على العبد يصير تماما بمجرّد احتماله وجود التكليف في الواقع ، وأن يكون عدم وصوله إليه لأجل إخفاء الظالمين ، فلو ارتكبه مع ذلك يحتمل أن يكون التكليف في الواقع متحقّقا ، فيقع في مقام مؤاخذة المولى ، فيقول له : أما كنت تحتمل كون هذا الفعل محبوبا لي أو مبغوضا لي ، فلم تركته أو جئت به ، ألم تكن في محبوبات نفسك ومبغوضاتك تعامل مع محتملاتها معاملة المعلومات؟ فلو وضع عندك إناء تحتمل بعد الفحص كونه سمّا لكنت تجتنبه ، فلم صار محبوبي ومبغوضي عندك أهون من محبوبك ومبغوضك؟.

١٢

وبعبارة اخرى : ألم أكن لك مالكا وأنت مملوكا لي؟ وأ ليس المملوك بمنزلة اليد للمالك ، فإنّ من ليس له مملوك لا بدّ أن يصلح اموره بمعاونة يده ، وأمّا من له المملوك فيده مملوكه؟ فإذا كنت في مقام المحبوبات والمبغوضات الشخصيّة لنفسك مراعيا للاحتمال كالعلم، فلا بدّ أن تعامل مع محبوباتي ومبغوضاتي حيث كنت مالكا لك أيضا كذلك ، فلم صرت مجتنبا عن محتمل مبغوضك ومرتكبا لمحتمل مبغوضي ، وأتيت بمحتمل محبوبك وتركت محتمل محبوبي ، والإنصاف أنّ العبد يصير ملزما ومفحما بهذا الاحتجاج ، وليس له جواب في قبال مولاه.

ومن جهة هذا التقرير يشكل الأمر على الاصولي غاية الإشكال ، فإنّ الشيخ المرتضى قدس‌سره يعوّل في ردّ الاستدلال بأخبار التوقّف والاحتياط على تقييدها بالشبهة التي يكون فيها البيان ، والعمدة في صرفه إيّاها عن المقام هو التعويل على هذه القاعدة العقليّة أعني قبح العقاب بلا بيان ، فإذا اخذت هذه القاعدة من يد الاصولي لأجل وجود البيان يصير أمره صعبا ، فالعمدة الاهتمام في دفع هذا.

فنقول وبالله التوكيل : الحقّ جريان هذه القاعدة في المقام وعدم كون نفس الاحتمال بيانا ومنجّزا ، وبيان ذلك أنّا نرى العرف إذا كان في الفعل احتمال الخطر ونفع قطعي يقدمون عليه ، مع أنّ هذا الخطر لو كان قطعيّا أيضا لم يكونوا مقدمين ، كما لو كان شرب الدواء المخصوص نافعا لتصفية المزاج واستقامة الاشتهاء بطريق القطع ، واحتمل إيجابه للصداع الشديد ، فإنّهم يقدمون عليه مع أنّ الصداع الشديد لو كان مقطوعا لما أقدموا عليه، وأمثال ذلك كثيرة ، وليس إلّا لأنّ الاحتمال البدوي بعد الفحص ليس عندهم منجّزا وبيانا ، نعم لو كان الخطر المحتمل ممّا يكون الاهتمام به كثيرا كالخطر النفسي أو العرضي كان احتماله أيضا منجّزا وموجبا لعدم الإقدام ولو مع ترقّب نفع قطعي.

وحينئذ فجواب العبد للمولى أن يقول : ليس قضيّة العبوديّة وخالقيّة المولى إلّا أن يرجّح العبد ميل مولاه وإرادته في مقام التزاحم على ميل نفسه وإرادته ، و

١٣

يجعل غرض المولى أعلى بالنسبة إلى غرض نفسه ، فكلّما تزاحم الميلان وكان كلاهما مقطوعين بحيث اقتضى أحدهما الوقوع والآخر اللاوقوع اختار جانب إرادة المولى ، فلو كان في شرب الخمر غرض نفساني اقتضى وقوعه ، والفرض أنّ ميل المولى وغرضه مقتض للّاوقوع وجب عليه تقديم اللاوقوع.

وكذا كلّما وصل إليه من المولى كبرى مهتمّة وجب أيضا مراعاة محتمله وتقديمه على الغرض القطعي لنفسه كما في باب الدماء والفروج.

ولهذا لو كان شخص مردّدا بين مهدور الدم ومحقونه حرم قتله ، ولو تردّد امرأة بين كونها زوجته أو أجنبيّة حرم وطئها ، وأمّا في غير ذلك ممّا يكون للعبد غرض قطعي يقتضي الوقوع مثلا ، وللمولى غرض احتمالي يقتضي عدمه ولم يصل منه كبرى اهتماميّة ـ كما هو محلّ الكلام ـ فلا حجّة للمولى على عبده ؛ إذ لم يعامل مع أغراض المولى إلّا مثل معاملته مع أغراض نفسه ، ولو كان للمولى غرض اهتمامي كان عليه البيان ، فحيث ما بيّن ليس له حجّة ، لما عرفت من أنّ العبد يقدّم الغرض الأدنى المقطوع على الأعلى المحتمل ما لم يكن اهتماميّا.

لا يقال : ليس في مقامنا وهو الإقدام على الشبهات نفع شخصي قطعي للعبد في قبال ما يحتمل من غرض المولى.

لأنّا نقول : لا يعقل أن يصدر من العاقل عمل بدون غرض إليه ، بمعنى أنّه وإن كان يمكن الاختلاف شدّة وضعفا في الدواعي إلّا أنّه ما لم ينقدح في نفسه الإرادة الحتميّة والشوق المؤكّد لا يمكن أن يصدر عنه العمل.

لا يقال : سلّمنا الغرض القطعي لنفسه ، لكنّ الغرض المحتمل للمولى مردّد بين الاهتمامي وغيره ، ولا شكّ أنّه في أغراض نفسه لو تردّد الخطر المحتمل بين المهتمّ وغيره لما كان مقدما (١).

__________________

(١) حاصل الإشكال أنّه لو بنينا على ما ذكر من وجوب تحصيل أغراض المولى على وجه أكمل من أغراض نفسه ، فنقول : لا شبهة أنّ الإنسان كما يحتاط في مورد إحراز كون كبرى الغرض على تقدير انطباقها على المورد اهتماميّة ، كذلك لو دار أمرها بين الاهتماميّة وغيرها ، ومجرّد كون الاهتمام حينئذ يصير محتملا في محتمل حيث إنّه محتمل على تقدير محتمل لا يوجب الفرق ؛ إذ ـ

١٤

لأنّا نقول : نعم الأمر كما ذكرت في أغراض نفسه ، ولكنّه من جهة أنّ ما يحتمله من الخطر الاهتمامي يكون من بين كبريات معلومة من قطع الرأس وشقّ البطن وهتك العرض وغير ذلك ، وأمّا في المقام فليس كبرى اهتماميّة معلومة

__________________

ـ بالأخرة هو يحتمل كون هذا الشرب مثلا مورثا لهلاكه ، فلا محالة يحتاط منه.

وحينئذ نقول هذا المعنى موجود فى كل مقام شك فى تطبيق كبرى شرعية ملزمة عليه إلّا اذا احرز انها على تقدير الوجود والانطباق غير اهتمامية وإلّا فبعد القطع بانّ للشارع كسائر ذوى الاغراض قسمين من الاغراض اهتماميّا وغيره فلا محالة فى كل مورد شبهة يحتمل كون الغرض على تقدير الوجود من كل واحد من القسمين.

فالإنصاف عدم تماميّة هذا الوجه لحسم المادّة ، فالوجه أن يقال : لا بدّ من ملاحظة الطريقة المسلوكة بين الموالي والعبيد الظاهريّة ، وإذا راجعناهم نراهم يتمسّكون في قبال الموالي بقول : «ما علمت بارادتك» ، فيجعلون الحجّة مطلقا هو العلم ، فإن كان التكليف معلوما فهو ، وإن قام عليه طريق علمي فهو أيضا منته إلى العلم ، وإن لم يكن شيء منهما لكن علم أنّ التكليف على تقدير ثبوته اهتمامي يستكشف إيجاب الاحتياط ويكون هو الحجّة العلميّة ، لا أنّ نفس الشكّ والاحتمال حجّة ، وإن علم أنّ على تقدير الثبوت غير اهتمامي فيقطع بعدم الحجّة ، وإن كان مردّدا بين الأمرين فإيجاب الاحتياط الذي هو الحجّة لا يكون حينئذ علميّة ، وقد فرضناه المعيار دون نفس الاحتمال حتى يقال : المحتمل في المحتمل محتمل.

وأمّا دعوى أنّه مع فرض كون المعيار إيجاب الاحتياط أيضا وهو في هذا الفرض موجود ، فيكذّبه مراجعة ما هو المتعارف بين الموالي والعبيد ، فإنّهم في موارد احتجاجاتهم بعدم العلم كثيرا ما يحتملون بين الكبريات المحتمل انطباقها وجود الاهتمامي ، وليس كلّ مورد معلوم الحال عندهم.

ومن هنا يظهر وجه اندفاع أنّ احتجاجهم إنّما هو في مورد الغفلة وعدم الالتفات رأسا ، فإنّه أيضا يكذّبه الوجدان والعيان ، وكذلك اندفاع دعوى اختصاص ذلك بالموالي والعبيد المتجاورين ، حيث إنّ السكوت مع كونه حاضرا واصل اليد إلى العبد طريق عقلائي إلى عدم الإرادة ، وأمّا العبيد البعيدون عن الموالي إذا احتملوا أنّ المولى لو كان حاضرا لما سكت ، بل كان يأمر أو ينهى ، فليس لهم طريق عقلائي إلى العدم ، وحالنا مع الشارع هكذا ، لأنّا نحتمل صدور التكليف منه واقعا واختفائه علينا ، فإنّ ذلك أيضا يكذّبه الوجدان ، فإنّ صريح احتجاجهم بقول : «ما علمت» في العربيّة و «چه مى دانستم» في الفارسيّة أنّ المعيار هو العلم لا مجرّد الاحتمال. منه قدس‌سره.

١٥

في البين أصلا ، وأمّا العقاب والدخول في النار فاحتماله فرع وجود المنجّز والبيان ، فإذا فرضنا أنّ نفس الاحتمال ليس ببيان فلا وجه لاحتماله.

فتحقّق أنّه وإن كان الشبهة البدويّة قبل الفحص والشبهة المحصورة بيانا ، لكن الشبهة البدويّة بعد الفحص لا يكون بيانا ، فاحفظ هذا واغتنمه ، فإنّه العمدة لاستقامة مطلب الاصولي.

والوجه الثالث : أنّ هناك قاعدة ظاهرية جارية على لسان الشرع مفيدة لتحريم الشبهات ووجوب الاحتياط فيها ، وهي مستفادة من الآيات والأخبار ، أمّا الآيات الدالّة فطائفتان :

الاولى : ما تدلّ على حرمة القول بغير علم.

والجواب أنّ الاستدلال بها مبنيّ على كون الاصولي مفتيا وقائلا في الشبهة على طرف الإباحة بأن يقول بأنّ هذا حكم الواقعة بحسب الواقع ، ومن المعلوم خلافه وأنّ قوله بالإباحة إنّما هو في مرحلة الظاهر ؛ لاستناده على قبح العقاب بلا بيان ، فما يقوله الاصولي من الإباحة الظاهريّة لا يكون قولا بغير علم ، وما يكون قولا بغير علم من الإباحة الواقعيّة لا يقوله الاصولي ، فالآية لا ترتبط به أصلا.

الثانية : الآيات الآمرة بالتقوى ، وتقريب الاستدلال أنّ للتقوى مراتب يصدق على كلّ منها هذا الإسم ، الاولى : هو الإتيان بالواجبات المعلومة والاجتناب عن المحرّمات المعلومة ، والمرتبة الأعلى من هذا هو التجنّب عن المحرّمات المحتملة والإتيان بالواجبات المحتملة ، وإذا كان اللفظ مطلقا فهو ظاهر في كلتا مرتبتيه ، فإذا تعلّق الوجوب بهذا المفهوم على ما هو قضيّة ظاهر الهيئة ثبت وجوب التقوى بجميع مراتبه.

والجواب أنّ للتقوى مرتبة اخرى أعلى من المرتبتين المتقدّمتين وهي الإتيان بالمستحبّات والتجنيب عن المكروهات ، ودعوى عدم صدق التقوى على هذه المرتبة وأنّه في ذلك على حذو لفظة الخشية من الله في عدم الصدق إلّا

١٦

على خصوص المرتبتين السابقتين ، مدفوعة بملاحظة مرادفه في اللغة الفارسيّة أعني «پرهيزكارى» حيث يساوي نسبته إلى جميع المراتب الثلاث.

وإذن فإبقاء كلّ من الهيئة والمادّة في هذه الأوامر غير ممكن ، لعدم الوجوب بالنسبة إلى المرتبة الأخيرة ، فلا بدّ من ارتكاب أحد أمرين ، إمّا التصرّف في الهيئة وحملها على مطلق الرجحان الذي هو قدر مشترك بين الوجوب والندب ، فيكون بالنسبة إلى كلّ مرتبة على حسبها ، فيكون بالنسبة إلى الواجب وجوبا وإلى المستحب استحبابا.

وإمّا من إبقاء الهيئة على ظاهرها والتصرّف في المادّة بتقييدها بغير المرتبة الأخيرة ، وقاعدة التعارض بين الظهورين هو الأخذ بالأظهر لو كان ، وإلّا فالتوقّف ، ولا نسلّم أظهريّة الهيئة في الوجوب من المادّة في جميع المراتب ، وذلك لشيوع استعمال الهيئة في غير الوجوب حتى أنكر صاحب المعالم أصل ظهورها فيه ، لكون استعماله في الندب كثيرا شايعا ، ونحن وإن لم نسلّم ذلك وقلنا بظهوره في الوجوب ، لكن في خصوص ما إذا لم يعارض بظهور المادّة ولم يوجب تقييدها ، وأمّا في هذا المورد فإن لم نقل بأرجحيّة المادّة ، فلا أقلّ من التكافؤ والإجمال والسقوط عن قابليّة الاستدلال.

وأمّا الأخبار فما كان منها بمضمون الآيات من النهي عن القول بغير علم ، أو الأمر بالتقوى فقد ظهر جوابها ، وبعد ذلك يكون هنا ثلاث طوائف من الأخبار : الاولى : الطائفة الآمرة بالوقوف عند الشبهة في مقابل المضيّ معلّلا بأنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وهي كثيرة بالغة حدّ القطع ، والمراد بالتوقّف مقابل المضيّ الذي هو بمعنى المرور والحركة سمت العمل ، فيختصّ بالشبهات التحريميّة ؛ إذ هي التي يكون الاحتياط فيها التوقّف المذكور ، بخلاف الشبهات الوجوبيّة ، فإنّ الاحتياط فيها مقتض للحركة ، فيكون موضوعها مساوقا لمحلّ الكلام بناء على ما نسب إلى الأخباريين من القول بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة.

١٧

وكيف كان فتقريب الاستدلال بهذه الطائفة هو أنّ هذا النهي مفيد للتحريم بقرينة التعليل المذكور في بعض تلك الأخبار من أنّ الوقوف يكون بقباله الاقتحام في الهلكة ، وظاهر الهلكة هي الهلاكة الاخرويّة ، ومن المعلوم أنّ ما يترتّب عليه الهلاك الاخروي لا يكون إلّا طلبا إلزاميّا.

لا يقال : إنّ هذا النهي على ما يظهر من بعض الأخبار ـ حيث عبّر عن الشبهات بحول الحمى ـ إنّما هو بملاحظة خوف انجرار الأمر إلى ارتكاب المحرّمات المعلومة التي هي الحمى ، وإلّا فدخول الحول الذي هو ارتكاب المشتبهات من حيث هو ليس فيه حرمة.

لأنّا نقول : ينافي هذا ما في حديث التثليث من قوله : «وهلك من حيث لا يعلم» ؛ إذ على هذا لا تكون الهلاكة إلّا لأجل ارتكاب المحرّمات المعلومة ، وهذا هلاك من حيث يعلم ، لا من حيث لا يعلم ، فالمراد بالهلاكة هي المترتّبة على نفس ارتكاب الشبهة ، ووجه كونها من حيث لا يعلم عدم العلم بمصادفة العمل الذي فيه احتمال الحرمة واحتمال الحليّة مع الحرمة واقعا.

وقد يجاب عن الاستدلال بهذه الطائفة بأنّ التعليل بالهلاكة يوجب تقييد موضوع هذه الأخبار بالشبهة التي تحقّق فيها البيان ، وهي الشبهة البدويّة قبل الفحص والشبهة المحصورة ؛ إذ هي التي يترتّب عليه الهلاك ، وأمّا الشبهة البدويّة بعد الفحص التي هي محلّ الكلام فحيث لا بيان فيها فلا هلكة بمقتضى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، وتحقّق البيان بنفس هذا الأمر المتعلّق بالوقوف مستلزم لكون الحكم محقّقا لموضوعه وهو دور ، فيكون خارجا عن موضوع الأمر بالتوقّف والاحتياط ، فإنّ الحكم دائر مدار العلّة عموما وخصوصا.

فما نحن فيه نظير قول القائل : لا تأكل الرمّان لأنّه حامض ، فإنّ الموضوع وهو الرمّان وإن كان عامّا من حيث نفسه ، لكنّه خاص بالأفراد الحامضة بالنظر إلى التعليل المذكور ، والتعليل وإن لم يكن بمنزلة التقييد حتى لا يجوز التمسّك بالمعلّل عند الشكّ في تحقّق العلّة في بعض الأفراد ، ويكون من باب التمسّك

١٨

بالعام في الشبهة المصداقيّة ، بل عند الشكّ يرفع الشكّ بعموم العلّة ، ولكنّه عند العلم بعدم العلّة في الفرد ينتج نتيجة التقييد ، فيوجب رفع اليد عن الحكم المعلّل في هذا الفرد ، وفي مقامنا في مورد الشبهات البدويّة بعد الفحص نقطع بعدم جريان العلّة ، لعدم البيان فيها من غير جهة هذه الأخبار.

ولا يمكن تحقّقه من قبلها أيضا ؛ لأنّ ظاهرها أنّ الأمر بالوقوف مسبّب عن الهلكة المتحقّقة في الشبهة على تقدير ثبوت التكليف ، فلا بدّ أن يكون تحقّق الهلكة التي هي العقاب من غير قبل هذه الأخبار وببيان خارجي ؛ إذ بيانيّتها مستلزمة للدور.

فإن قلت : الأمر بالوقوف متعلّق بطبيعة الشبهة من غير تقييد بقيد كونها بدويّة أو غيرها ، قبل الفحص أو بعده ، والتعليل بثبوت الهلكة أيضا وارد على نفس هذه الطبيعة على الإطلاق ، وحيث إنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مخصّص لبّي ونقطع بعدم أمر الشارع بالوقوف مع عدم نصب البيان في الشبهة البدويّة بعد الفحص نستكشف بأصالة الإطلاق المعمول بها في الشبهة المصداقيّة في المخصّصات اللبيّة أنّ الشارع نصب على الواقع المحتمل في مورد الشبهة بيانا منفصلا عن هذه الأخبار وهو جعل إيجاب الاحتياط.

قلت : المصحّح للعقاب ليس مجرّد وجود البيان الواقعي ولو لم يصل إلى العبد ، بل هو خصوص الواصل ، ولا يكفي وصوله بهذا الأمر بالوقوف أيضا لما مرّ ، فإنّه كما لا يمكن تحقّق أصل البيان بهذا الأمر للزوم تحقيق الحكم لموضوعه ، فكذلك لا يمكن تحقّق قيده الذي هو الوصول لعين تلك الجهة.

ويمكن دفعه بأنّ الظاهر المتبادر من تعليق حكم على طبيعة ثمّ تعليل هذا الحكم بعلّة هو سريان هذه العلّة إلى جميع أفراد هذه الطبيعة ، فحال العلّة حال نفس الحكم في الظهور المزبور ، فإذا قيل : كل الدواء الفلاني لأنّه مزيل للصفراء فهو من حيث نفسه ظاهر في اتّصاف جميع أفراد هذه الطبيعة بهذه الخاصيّة ، نعم لو علمنا من الخارج بعدم ثبوتها لفرد خاص ، علم خروجه عن تحت الحكم.

١٩

وإذن فنقول : تعليل الأمر بالتوقّف المعلّق على موضوع الشبهة بالوقوع في الهلاك ظاهر في ثبوت هذه العلّة في جميع أفراد الشبهة ، غاية ما في الباب أنّ المانع عن ذلك بالنسبة إلى بعض الأفراد هي القاعدة العقليّة المذكورة ، فلو كان الجمع بينها وبين الظهور المذكور ممكنا تعيّن ، والجمع بينهما ممكن.

بيانه : أن يكون مخاطبة الإمام في تلك الروايات للسائلين ونهيهم عن ارتكاب الشبهات لأنّ فيها الاقتحام في الهلكة مبنيّة على ثبوت البيان من الشارع بغير هذه الروايات بالنسبة إلى هؤلاء السائلين وأنّه كان الشارع قد بيّن لهم قانونا ظاهريّا بإيجاب الاحتياط في جميع الشبهات.

والحاصل أنّ هذه الروايات ـ بعد عدم إمكان كون نفسها بيانا ، لأنّ الظاهر منها التهلكة الخارجية الثابتة مع قطع النظر عن هذه الروايات دون الجائية من قبل نفسها ، مضافا إلى لزوم الدور من جعل نفسها بيانا ، كما مرّ بيانه في ما تقدّم ـ تكون كاشفة بطريق الإنّ عن ثبوت حكم مولوي كان هو البيان بالنسبة إلى المشافهين.

وهذا نظير ما لو أخبر المتكلّم الذي نعلم بأنّه لا يتكلّم هزوا ولغوا بأنّ ارتكاب الشبهات باعث للهلاكة ، فإنّ سماع هذا الإخبار من هذا المتكلّم مع الالتفات إلى الحكم العقل القطعي بقبح العقاب بلا بيان يكون كاشفا بطريق الإنّ عن وجود بيان وحجّة في حقّ المخاطب وراء هذا الكلام يصحّ بملاحظته مؤاخذته ، كما يكشف عن جامعيّته لسائر الشرائط العقليّة للتكليف من العقل والقدرة.

وبالجملة ، فالأخبار المذكورة حكم إرشادي نستكشف منها الحكم المولوي بطريق الإنّ بالنسبة إلى المشافهين ، فإذا ثبت هذا الحكم الظاهري لهم بهذا الطريق يثبت لنا بدليل الشركة في التكليف ، ويكفي هذا المقدار في البيانية في حقّنا أيضا.

ولا يخفى أنّه لا يمكن دعوى أنّه لعلّ الإطلاق كان من جهة إحراز القيد ؛ فإنّ ذلك العصر كان عصر التمكّن من المعصوم عليه‌السلام ، فالشبهات كانت شبهة قبل الفحص ، وجه عدم الإمكان أنّ جميع أفراد الشبهة في حقّ السائل لم يكن محصورة في ما يمكن السؤال عن حكمها عن المعصوم ؛ إذ لعلّ شبهة وقعت له و

٢٠