🚘

عين اليقين - ج ١

محمّد بن المرتضى [ الفيض الكاشاني ]

عين اليقين - ج ١

المؤلف:

محمّد بن المرتضى [ الفيض الكاشاني ]


المحقق: فالح عبدالرزاق العبيدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحوراء للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٢
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة التحقيق

قال الله تعالى في كتابه العزيز :

(إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (١)

لقد حثّ الإسلام على التعلّم ، وطلب العلم ، والاستزادة من المعارف الّتي تزيّن النفس الإنسانية ، وترفع من شأنها ، وزيادة قدرها ، وتجعلها في مقام لا يناله إلّا من بذل جهده ، وأتعب نفسه ، وأسهر ليله.

فنحن نرى أنّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن في كتابه العزيز المنزلة الرفيعة للعالم ، وأنّه لا يستوي مع غيره ، فقال تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (٢) ، فإنّ أولئك قد نالوا شرف العلم ، وحصلوا على مرتبة العالم ، فلهم المقام السامي ، والشرف الرفيع ، وحقّهم المدح ، وكثرة الثواب ، نتيجة لما بذلوه من الجهود الّتي حطّموا من خلالها أسوار الجهل ، وتحمّلوا المشاق من أجل الوصول إلى مراتب أعلى ، ونيل الدرجات الرفيعة الّتي خصّها الله سبحانه

__________________

(١) ـ سورة فاطر ، الآية ٢٨.

(٢) ـ سورة الزمر ، الآية ٩.

٥

وتعالى بالعلماء ، فقد ورد في الذكر الحكيم : (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١) ، فقد خصّ الله سبحانه وتعالى الذين أوتوا العلم بدرجات ، لا بدرجة واحدة ، نتيجة لما بذلوه من أجل إسعاد البشرية ، وإنقاذها من ظلمات الجهالة الّتي تسودها بين الفينة والأخرى.

فلكلّ مرحلة من الزمان منقذ ، ولكلّ آونة من يد تنتشل الإنسانية من الغرق في أوهام الجاهلين.

ولم يقتصر الحثّ من قبل النبي وأهل بيته عليهم‌السلام ، بل نجد أنّ الحثّ ورد كذلك من قبل رسل الله تعالى وأوليائه عليهم‌السلام على العلم والتعلّم ، والركون إلى العلماء من أجل الحصول على مزيد من العلوم الّتي تعشقها النفوس الإنسانية ، فقد ورد عن لقمان الحكيم ، وهو يوصي ولده بوصايا ، منها قوله : «يا بني ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتك ...» (٢) ، فإنّ من جالس العلماء فإنّه سوف يجد نفسه أمام شخصية بذلت ما في وسعها ، وأتعبت نفسها ، وأسهرت ليلها من أجل نيل ما خصّه الله سبحانه وتعالى للإنسان من الدرجات الرفيعة ، والمقامات السامية ، فباحتكاكه معهم تتطرق إلى آذانه الكلمات الّتي لا يسمعها من عوام الناس ، بل كلمات تنبع من قلب خشع أمام عظمة الله تعالى ، بتبحّره في علمه.

فالعالم يجهد فكره في بلورة المعلومات في قوالب وأطر جديدة ، بعد تمحيصها وسبكها بصياغات تتناسب وأفهام الناس ، فإنّ فكر العالم في دوّامة مستمرة لا تهدأ من أجل تحصيل ما يسد الفراغ العلمي الطارىء على ذهنيته نتيجة حصوله على معلومات ولّدت فراغا آخر.

__________________

(١) ـ سورة المجادلة ، الآية ١١.

(٢) ـ روضة الواعظين : ١ : ١١.

٦

فهو يجهد نفسه من أجل الآخرين ، وهذه تضحية فردية مقابل إنقاذ مجتمعات وانتشالها من غياهب الظلمات إلى ساحل النور ، والهداية إلى طريق السلامة ، فإنّ الشمعة إنما تحرق نفسها من أجل إنارة الدرب للسائرين في المسالك المظلمة ، فهذه تضحية ويا لها من تضحية ، فإنّ السائر في درب مظلم يجد نفسه تأنس بما يشاهده من نور ، ولو كان بعيدا ، فضلا عن كونه قريبا منه.

ولعله لهذا ورد في الأخبار : «النظر إلى وجه العالم عبادة» (١) ، فلعل من وجوه الحكمة فيها أنّ الّذي ينظر إلى وجه العالم يجد نفسه مطمئنة بأنّ هناك من هو ينير له الدرب باستمرار من خلال سيره نحو بناء نفسه وكيانه ، والله العالم.

وهكذا جاء الحثّ من قبل الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله على هذا المقام الرفيع للعالم ، فقد جاء في الروايات : «مجالسة العلماء عبادة» (٢) ، فإنّ من رافق العلماء ، وحضر مجالسهم ، ودأب على حضور المحافل الّتي يرتادونها ، فإنّه يجد نفسه في حيرة دائما أمام هذه الشخصيات الّتي ما فتئت تطارد الجهل في أو كاره ودهاليزه المظلمة ، فهذه الشخصيات الّتي جعلت على عاتقها سدّ الثغرات الّتي يحاول الجهل أن يزرعها في أسوار الحياة الإنسانية ، من أجل أن يجعلها وسيلة له في هدم سور العلم الحصين ، فإنّ السور الّذي تكثر فيه مثل هذه الثغرات ينهدم بسهولة ، فإذا بثلّة من هذه البشرية قامت بمهمة صعبة للغاية وهي مهمة رأب الصدع بما يجعله صعب النفوذ ، بل تبدّله بجدار رصين أمام التيّارات الثقافية الجاهلة ، والّتي تنطلق بين الحين والآخر من منطلق لا يستند إلى أي ثقافة علمية ، بل لا تجد في مثل هذه التيارات غير الأكاذيب والألاعيب

__________________

(١) ـ من لا يحضره الفقيه : ٢ : ٢٠٦ ، ح ٢١٤٤.

(٢) ـ كشف الغمّة : ٢ : ٢٦٨.

٧

الملتوية ، والّتي تحمل في طياتها الغش والخداع ، فالعالم يجد نفسه أمام صراع فكري دائم.

ولهذا نجد بعض العبارات الّتي وردت لبيان مثل هذه الحقيقة ، حيث جاء في بعض الأخبار : «وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة» (١) ، فإنّ كلّ عالم له من الميزات الّتي لا يحملها غيره ، فكلّ إنسان له طريقة خاصة في التفكير ، وكل شخص له منهجه الخاص في الاكتراع من منهل الفكر العلمي ، وكل عالم له مبدأ يحاول أن يدافع عنه في كلّ المجالات الّتي يستطيع من خلالها أن يثبت وجوده في معترك الساحة الفكرية من خلال كبح جماح الهزات الّتي تتعرّض لها الإنسانية جمعاء.

فهذه العبارة الّتي ذاع صيتها في البلدان وعلى مرّ الأزمان ، وتناقلتها الألسن في الأوطان ، كلّ ذلك للمنزلة الرفيعة الّتي يحتلها العالم ، والمكانة المرموقة الّتي يستحوذ عليها من بين الأقران ، نتيجة لما يحمله بين جوانحه من علوم جمّة ، وأفكار تنير الدرب للسائر في طريق طلب الحقيقة ، والناشد للضالّة الفكرية.

فالعالم قد أجهد نفسه وأتعب بدنه ، وأرهق فكره ، في سبيل غاية منشودة يطلبها في نفسه ، لا لأجل نفسه والعياذ بالله ، بل لأجل الطموح الكامن بين جوانحه ، لأجل إيصال ما يجنيه من جهوده إلى الاخرين ، فهو يبذل نفسه في سبيل إنارة الدرب لغيره ، ولعله للإيثار العظيم الّذي طبعت نفوس علمائنا الأعلام عليه ، والتضحية النبيلة الّتي جعلت منهم منارا للأمم ، الّتي جنحت بها التيارات العاصفة في أن تبتعد عن ساحل الأمان ، وتتجه على عكس ما تريد ،

__________________

(١) ـ المحاسن : ١ : ٢٣٣ ، ح ١٨٥.

٨

فتحاول أن تجد وسيلة ـ وبأي طريقة كانت ـ كي تهتدي بها إلى الرسو على اليابسة ، ولهذا نجد في الموانىء وسواحل البحار أنهم يضعون فنارا عاليا كي تحاول السفن أن تسير نحوه عندما تواجه المشاكل في الاهتداء إلى البرّ ، فهذه الفنارات واضحة المعالم في الليل ، كما هي في وضح النهار.

فالعالم يكون هو الرمز الحقيقي الّذي به يمكن للأمم أن تصمد أمام التيارات الفكرية ، والّتي تحاول أن تبعد البشرية عن الاهتداء بنور الهداية الإلهية ، وتعرقل دائما مسيرة الدين من خلال وضع العراقيل الّتي تمنع من الوصول بسرعة إلى مكامن الخير والسعادة البشرية.

وقد جاء في بعض التعابير ما يظهر مثل هذه الخصائص للعلماء ، وأنهم باقون ما بقي الدهر «العلماء باقون ما بقي الليل والنهار» ، كما هو الوارد في غرر الحكم «العالم حي وإن كان ميتا» (١) ، فهو تجسيد حيّ لما ورد في الأخبار «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ...» ، فالعالم حيّ بروحه ، وبفكره ، نتيجة لما أسسه من القواعد والأسس الرصينة الّتي بثّها في الساحة العلمية ، وارتكزت عليها النظريات العلمية الّتي تظهر في الساحة العلمية خلال مرحلة المسيرة الإنسانية.

وهكذا علماؤنا ـ قدس الله أسرار الماضين ، وحفظ الباقين ـ فهم الذين نالوا شرف المدح والثناء من قبل الله سبحانه وتعالى ، وكذلك من قبل النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار عليهم‌السلام ، فكانت لهم مكانتهم المرموقة ، والجاه الرفيع عند أئمتنا عليهم‌السلام ، نظرا لما يبذلونه من قصارى الجهود ، وسهر الليالي ، من أجل

__________________

(١) ـ أنظر : غرر الحكم : ٤٧ ، الفصل الثالث في العالم / فضل العلماء ، تجد الكثير من الأحاديث الّتي وردت في خصوص بيان فضل العلماء.

٩

التوصّل إلى إبراز الحقائق من مكامنها ، وإظهارها لطلّاب الحقيقة ، لا لكي يتعبدوا بها ، بل لكي تكون لهم تلك العلامة المنصوبة على طريق الهداية.

المؤلف في سطور :

ونحن الآن أمام أنموذج من هذه الشخصيات الّتي كابدت الكثير ، وعانت ما عانت ، من أجل الوصول إلى ما يهيّىء للباحث ما يحتاجه من المعلومات المؤطّرة بموازين علمية ، تستمد شرعيتها من مبادىء الدين الحنيف المتمثل بالتعاليم السماوية الّتي نادى بها القران الكريم ، وجسّدها النبي وأهل بيته «صلوات الله عليهم أجمعين» ، من خلال إغناء الأمة الإسلامية بما تحتاجه من المؤن والزاد في مسيرتها الحياتية ، كي لا تقع الأمة في حيرة الضلالة ، والتيه في الجهل الفكري.

كان المؤلف رحمه‌الله من أعلام القرن الحادي عشر ،

ونكتفي ـ في معرفة شخصية هذا العالم الجليل ـ بما قيل في جلالة منزلته ، من خلال عرض ما قاله بعض العلماء الأعلام في حقه ، والتعريف به ، في كتاباتهم الّتي سطّروها بأقلامهم الشريفة ، من أجل إبراز الصورة الحقيقية للمؤلف ، وتأطير شخصيته بما تستحقّه من المميزات الّتي اختص بها من دون أقرانه. فنقول :

١ ـ قال الحر العاملي : المولى الجليل محمّد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني. كان فاضلا ، عالما ، ماهرا ، حكيما ، متكلّما ، محدّثا ، فقيها ، محقّقا ،

١٠

شاعرا ، أديبا ، حسن التصنيف ، من المعاصرين (١).

٢ ـ وقال صاحب روضات الجنّات : اسمه كما يظهر من تقريرات نفسه محمّد ، وأمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول ، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول ، وكثرة التصنيف والتأليف مع جودة التعبير والترصيف ، أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد. وعمره كما استفيد لنا من تتبع تصانيفه الوافره تجاوز حدود الثمانين ، ووفاته بعد الألف من الهجرة الطاهرة بنيف يلحق تمام التسعين ، ومرقده الشريف معروف بالكرامة والمقامة في دار المؤمنين (٢).

٣ ـ وقال عنه الشيخ عباس القمّي : الفيض : لقب العالم الفاضل ، الكامل ، العارف ، المحدّث ، المحقّق ، المدقّق ، الحكيم ، المتألّه ، محمّد بن المرتضى ، المدعو بالمولى محسن الكاشاني. صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة كالوافي ، والصافي ، والشافي ، والمفاتيح ، والنخبة والحقائق ، وعلم اليقين ، وعين اليقين ، وخلاصة الأذكار ، وبشارة الشيعة ، ومحجة البيضاء في إحياء الأحياء ، إلى غير ذلك ممّا يقرب من مائة تصنيف (٣).

٤ ـ وقال صاحب جامع الرواة : العلّامة ، المحقّق ، المدقّق ، جليل القدر ، عظيم الشأن ، رفيع المنزلة ، فاضل ، كامل ، أديب ، متبحّر في جميع العلوم ، له قريبا من مائة تأليفات ، منها كتاب تفسير الصافي ، وكتاب الوافي ، وكتاب الشافي

__________________

(١) ـ أمل الآمل : ٢ : ٣٠٥.

(٢) ـ روضات الجنّات : ٦ : ٧٩.

(٣) ـ الكنى والألقاب : ٣ : ٣٩ ـ ٤٢.

١١

ملخّص الصافي ، و... (١).

٥ ـ وقال السيد ميرزا علي بن أحمد في سلافة العصر : أعيان العجم وأفاضلهم الذين هم من أهل هذه المائة كثير والعدد ، متوفر والمدد ... فمن أعظم فضلائهم ، وأكبر نبلائهم الذين لم أترجم لهم في هذا الكتاب ... منهم المولى العلّامة محمّد بن المرتضى ، الشهير بملّا محسن القاشاني ، له كتب ومصنّفات جليلة في الفقه ، والحديث ، والكلام ، والحكمة ، وهو من أهل العصر الموجودين الآن (٢).

ولد المؤلف قدس‌سره في سنة «١٠٠٨ ه‍» ، وتوفي في كاشان ، ودفن فيها سنة «١٠٩١ ه‍».

مؤلفاته :

١ ـ كتاب الوافي.

٢ ـ كتاب سفينة النجاة في طريقة العمل.

٣ ـ تفاسير ثلاثة (كبير وصغير ومتوسط).

٤ ـ كتاب عين اليقين.

٥ ـ كتاب حق اليقين.

٦ ـ كتاب علم اليقين.

__________________

(١) ـ جامع الرواة : ٢ : ٤٢.

(٢) ـ سلافة العصر.

١٢

٧ ـ كتاب الأصول الأصيلة.

٨ ـ رسالة الجمعة.

٩ ـ ترجمة الصلاة.

١٠ ـ الكلمات الطريفة.

١١ ـ رسالة في التفقه.

١٢ ـ رسالة في نفي التقليد.

١٣ ـ النخبة.

١٤ ـ مفاتيح الشرايع.

١٥ ـ منهاج النجاة.

١٦ ـ كتاب معتصم الشيعة في أحكام الشريعة.

١٧ ـ كتاب المحجة البيضاء في إحياء الأحياء.

١٨ ـ كتاب ميزان القيامة.

١٩ ـ كتاب مرآة الآخرة.

٢٠ ـ كتاب تسهيل السبيل بالحجة في انتخاب كشف المحجة لابن طاوس.

٢١ ـ كتاب نقد الأصول الفقهية.

٢٢ ـ كتاب خلاصة الأذكار.

٢٣ ـ كتاب ترجمة العقائد.

١٣

٢٤ ـ كتاب مرآة الصواب.

٢٥ ـ كتاب النخبة الصغرى.

٢٦ ـ كتاب النخبة الكبرى.

٢٧ ـ كتاب جهاز الأموات.

٢٨ ـ كتاب الضوابط الخمس في أحكام الشك والسهو والنسيان.

٢٩ ـ رسالة ولاية عقد البكر.

٣٠ ـ كتاب الأحجار الشداد والسيوف الحداد في كسر الجواهر والأفراد.

٣١ ـ كتاب الانتخابات لمصنفات العلماء.

٣٢ ـ كتاب غنية الأنام في معرفة الساعات والأيام.

٣٣ ـ كتاب مدرك الساعات.

٣٤ ـ رسالة في فهرست مؤلفاته ، وذكر فيها أربعا وعشرين كتابا.

وغير ذلك (١).

فنحن ـ ومن خلال طرح هذا الأثر الفكري للمؤلف قدس‌سره إلى الساحة الفكرية ـ نحاول المساهمة ولو بشيء بسيط في كشف اللثام عن تلك المؤلفات القيّمة الّتي كانت تئنّ من تراكم الغبار الّذي يغطيها ، وهي مركونة على رفوف التأريخ ، من دون محاولة إنقاذ من طرف أو جهة معينة لأجل بثّ روح الحياة فيها من جديد ، لتفتح عينيها وترى النور في عالم الواقع المعاش.

هذا الكتاب القيّم الّذي جعله المؤلف ـ وكما هو مذكور في مقدمته ـ حيث

__________________

(١) ـ أمل الآمل : ٢ : ٣٠٥.

١٤

يحتوي على :

١ ـ مقدمة.

٢ ـ المقصد الأوّل : في أصول العلم.

٣ ـ المقصد الثاني : في العلم بالسماوات والأرض وما بينهما.

ونحن في هذه الطبعة قمنا بترتيب الكتاب على شكل جزئين :

الجزء الأوّل : ويحتوي على المقدمة ، والمقصد الأوّل.

الجزء الثاني : ويحتوي على المقصد الثاني.

منهج التحقيق :

لقد اتخذنا في منهج التحقيق الخطوات التالية :

١ ـ تم الاعتماد في طباعة الكتاب على النسخة الخطّية الموجودة في مركز إحياء التراث الإسلامي ، المرقمة (١٦٣٣) ، والمصورة على نسخة مكتبة السيد مرتضى النجومي في كرمانشاه ، وقد قال الناسخ في آخرها : «قد سرّ بالفراغ من نسخ هذه النسخة من نسخة نسخت من نسخة نسخها مؤلّفها ، وقرأت عليه ...».

٢ ـ تمت مطابقة الكتاب مع النسخة الخطية المذكورة ، وقد أعتمدنا في استخراج بعض الكلمات أو العبارات الّتي كانت غير واضحة في هذه النسخة على بعض المصادر الّتي نقل عنها المؤلف بعض المطالب.

٣ ـ تقويم الكتاب وفق الضوابط المقرّرة ، مع مراعاة القواعد العربية من التذكير والتأنيث وغيرها ، لتكون على النهج العربي.

١٥

٤ ـ استخراج المصادر الّتي نقل عنها المؤلف المطالب العلمية ، أو الروايات الّتي ذكرها خلال أبحاثه ، وإدراجها في الهامش ، ليتسنى للقارىء الكريم الرجوع إلى هذه المصادر عند الحاجة.

٥ ـ لقد ذكرنا في بعض الهوامش أن هناك اختلافا يسيرا مع النص الّذي ذكره المؤلف في المتن ، وهذا ما يجده القارىء بوضوح من خلال قراءته للكتاب ، فنحن اقتصرنا على إدراج نصّ العبارة في المتن بما هو في المخطوطة ، مع الإشارة إلى الاختلافات أحيانا ، وفي بعض الأحيان نقلنا بعض العبارات من المصدر المشار إليه ، ووضعناها بين معقوفتين ، فإنّ المؤلف قد يكون اعتمد على نسخة من المصدر المشار إليه الّذي نقل عنه غير النسخة الّتي اعتمدنا عليها في التحقيق.

٦ ـ أدرجنا المصادر في آخر الكتاب ، مع ذكر التفاصيل الّتي تميزها عن غيرها من الطبعات ، لئلّا يحصل الالتباس عند الرجوع إلى الطبعة الّتي اعتمدنا عليها.

٧ ـ ذكرنا فهرسا لمطالب الكتاب في كلّ جزء ، تسهيلا لمن أراد الرجوع إلى العنوان الّذي يريد مطالعته.

وفي الختام لا بدّ من تقديم الشكر الجزيل إلى منشورات دار أنوار الهدى في مدينة قم المقدّسة على مساعيها المبذولة من أجل المساهمة في نشر علوم أهل البيت عليهم‌السلام ، فجزى الله جميع المساهمين في هذا المشروع المبارك خير الجزاء ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقهم لما خير الدنيا والآخرة.

فالح العبيدي

٢٦ ربيع الأوّل ١٤٢٧ ه

١٦

١٧

١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه الاعتصام يا كريم

سبحان من حارت لطائف الأوهام في بيداء كبريائه وعظمته ، وسبحان من لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته ، إلّا بالعجز عن معرفته. عجزت العقول عن إدراك كنه جماله ، وقصرت الألسن عن وصف ثنائه ، كما يليق بجلاله.

ضلّت فيه الصفات ، وتفسّخت دونه النعوت. دلّ على ذاته بذاته ، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته ، ذلكم الله ربّكم ، لا إله إلّا هو ، نحمده على حسن توفيقه ، وسأله هداية طريقه ، وإلهام الحقّ بتحقيقه ، وقلبا موقنا بتصديقه ، وعقلا نورانيا بعناية تسبيقه ، ونفسا مطمئنة من الجهل وتضييقه ، وفكرا ساميا عن زخرف الفاني وتزويقه ، وبصيرة تشاهد سير الوجود في تغريب الدور وتشريقه ، وقريحة منقادة بزمام الشرع وتوثيقه ، ووقتا مساعدا بجمع الكلام وتفريقه.

والصلاة على من أوتي جوامع الكلم ، وبه تمّ كمال مرتبة النبوّة ، وختم ، الّذي بعثه بالرسالة في الأميين ، يتلو عليهم آياته ويزّكيهم ، ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

١٩

وعلى آله المطهّرين من الأدناس البشرية ، والأرجاس ، المحفوظين في سماء قدسهم ، وعصمتهم عن طعن أوهام أشباه الناس ولا ناس.

خزّان العلوم والحكم ، وهداة أمّته للّتي هي أقوم ، لا سيّما وصيّه الّذي نصبه بالنصّ الجلي ، قطب فلك الولاية ، ومركز دائرة الإمامة والخلافة ، منبع الفتوّة والكرم ، الّذي بولايته كمل الدين وتمّ ، وصلّى الله عليه وعليهم أجمعين وسلّم.

أمّا بعد :

فيقول الحقير في عيون العقلاء ، والفقير في فنون الفضلاء ، محمّد بن مرتضى ، الملقّب بمحسن ، أحسن الله عواقبه : هذه رموز ربّانية ، أوتيتها من فضل الله ، وكنوز عرفانية انتقدتها من نفائس خزائن أهل الله ، وأنوار ملكوتية ، اقتبستها من مشكاة المستضيئين بنور الله ، وأسرار جبروتيّة ، التمستها من هدي الراسخين في العلم من أولياء الله ، قد صرفت أياما من عمري في مدارستها ، متعمّقا في استكشاف حقائقها ، وقضيت أعواما من دهري في ممارستها ، ممعنا في استطلاع دقائقها ، بتمرينها مرّة بعد أخرى ، وتليينها كرّة غبّ أولى ، حتّى ازدادت لنفسي إشراقا ، واعتبارا ، وضياء ، واستبصارا ، فكشفت عنّي أكنّة أستارها ، وتبيّنت لي أعلامها ، ومنارها ، ببراهين نورانية ، أو إلهامات رحمانية ، أو إشارات فرقانية ، أو أمارات ذوقية وجدانية ، فاطمأنت نفسي إليها ، وسكن قلبي لديها ، وانشرح صدري لها ، كمن قد وجد ضالّة له ، عزيزة عليه ، بلى إنّ الحكمة ضالّة المؤمن ، والحكمة أعزّ على أهلها من الدنيا بما فيها ؛ لأنّهم بالحكمة عرفوها ، فاستقذروها ، واستنكفوا عنها ، وتركوها لأهلها وبنيها ، وشمّروا لما هو خير وأبقى ، تشميرا.

٢٠