تراثنا ـ العددان [ 77 و 78 ] - ج ٧٧ و ٧٨

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 77 و 78 ] - ج ٧٧ و ٧٨

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٧٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦ الجزء ٧-٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠-٣١   الجزء ٣٤ الجزء ٣٥-٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨-٣٩ الجزء ٤١ ـ ٤٢ الجزء ٤٣-٤٤ الجزء ٤٥ - ٤٦ الجزء ٤٧ - ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ - ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ و ٥٤ الجزء ٥٥ و ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ و ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ و ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ و ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ و ٧٠ الجزء ٧١ و ٧٢ الجزء ٧٣ و ٧٤ الجزء ٧٥ و ٧٦ الجزء ٧٧ و ٧٨ الجزء ٧٩ و ٨٠ الجزء ٨١ و ٨٢ الجزء ٨٣ و ٨٤ الجزء ٨٥ و ٨٦ الجزء ٨٧ و ٨٨

١

تراثنا

صاحب الامتیاز :

مؤسسة آل البيت لإحياء التراث

المدير المسوؤل :

السيّد جواد الشهرستاني

العددان الأوّل والثاني [٧٧ و ٧٨]

          السنة العشرون

محتويات العدد

* كلمة التحرير:

* الإرهاب الفكري

................................................................. هيئة التحرير ٧

* تشييد المرجعات وتفنيد المكابرات (٢٦).

................................................... السيّد علي الحسيني الميلاني ١٣

* عدالة الصحابة (١٣).

.......................................................... الشيخ محمّد السند ٩٠

* زواج اُمّ كلثوم .. قراءة في نصوص زواج عمر من اُمّ كلثوم بنت عليّ (٢).

..................................................... السيد علي الشهرستاني ١٢٩

* معجم شواهد غريب الحديث (١).

............................................................. أسعد الطيّب ٢١٥

٢

محرّم ـ جمادى الآخرة

١٤٢٥ هـ

* فهرس مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين العامّة / النجف الأشرف (١٦).

................................................ السيد عبد العزيز الطباطبائي ٢٢٩

* مصطلحات نحوية (٢٥).

..................................................... السيد علي حسن مطر ٣٤٥

من ذخائر التراث :

* الأربعون حديثاً في المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ للحافظ أبي نُعيم الأصبهاني ، المتوفّى سنة ٤٣٠ هـ.

................................................... تحيقيق : علي جلال باقر ٣٥٧

* من أنباء التراث

............................................... هيئة التحرير / عامر الشوهاني ٤٥٤

* صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة «الأربعون حديثاً في المهدي» للحافظ أبي نُعيم الأصبهاني ، المتوفّى سنة ٤٣٠ هـ ، المنشورة في هذا العدد ، ص ٣٥٧ ـ ٤٥٣.

٣
٤

٥
٦

كلمة العـدد :

الإرهاب الفكري

بسـم الله الرحمن الرحـيم

تسامى الفكر الإسلامي الأصيل ـ عبر حقب التأريخ المتفاوتة ـ فوق كلّ التيّارات والنظريّات والمقولات والنزعات ، التي أرادت إجهاضـه وشـطبه ، عزله وتهميشـه ، تشويهه وتحريفه ، فبقي مُمسكاً بخيوط الخلاص البشري ; لغناه الايديولوجي ذي الشمولية المترامية والتكيّف المشـهود.

وحينما نخـوض اليوم مواجهةً حضاريةً كبيرةً على صُعد شتّى ، كـ : نظام العولمة ونزعة التكفير وغيرهما ، فلا ريب أنّنا نتعرّض لإرهاب فكري ، منظّم أنيق جميل تارةً ، وقبيح خشن مشوِّه تارةً أُخرى.

فهو على كلا الحالين معتركٌ معرفي ثقافي مثير ، وصراع عقائدي يستنهض النهج القويم ، والقراءة الواعية ، والاستنباط الفطن ، والعزم الأكيد ; كي يكون خطابنا مستوعباً لظروف المرحلة ، ومتفوّقاً فيها.

٧

ويطرح الأوّل ، المتلبّس بالأناقة والجمال «مفهوم العولمة» كمنهج وأُسلوب واستراتيجية في خوض المنافسة وإنهائها لصالحه.

فهو يتّخذ ـ أحياناً ـ من الإثارات الشعورية وتنشيط الرغبات الحسّية والمتطلّبات الحياتية ، كـ : الحرية والديمقراطية والرفاهية ، سبيلا يخترق به الحنايا والأعماق ; ليسهل حينها بذر نواة الهيمنة على العقول والأذهان ، فيسلبها فرصة التفكير العقلاني الواعي الرافض للرؤى المستوردة الرخيصة ذات المضامين المادّية المضلّة.

والإجماع منعقدٌ على كون هذا الأُسلوب من أرقى أساليب مفهوم العولمة ، وأفتك أسلحته التي تجعله ممسكاً بزمام المبادرة.

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ مصطلح «العولمة» يرجع في جذوره ـ كما يقال ـ إلى مفهوم القرية الكونية ، الذي استنبطه أُستاذ جامعة تورنتو : «مك ليوهان» في الستّينات من استدلاله للحتمية التكنولوجية ، القائم على قاعدة التقدّم الكهربائي ـ الألكتروني ، المبشّر بقدوم عالم دعامته الأساسية التمدّد الآلي لحواسّ الإنسان ـ التكنولوجيا ـ الدعامة التي تصنع من إنسان عالمنا إنساناً متحوّلاً في عالَم تُحدّد مُثله ونظمه وقيمه وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية.

وقد جاء العصر التكنولوجي مضادّاً للحتمية التاريخية في سياق مقولة : «نهاية الايديولوجيا» ، التي نشرها «دانيال بل» عام ١٩٥٩ م ، ورُوّج لها في الستّينات ، على غرار ما رُوّج لمقولة «فاكوياما» : «نهاية التأريخ» في مطلع التسعينات ، وكان الهدف من مقولة : «نهاية الايديولوجيا» و «الحتمية التكنولوجـية» هو : التمهـيد لمقولة : إنّ الليبرالية والديمقراطية قضية ، ولا مستقبل لغيرها ، وهي التي انتصرت في جميع أرجاء العالم.

٨

وإذ تعمّقت شبكة العولمة باجتيازها مراحل عدّة ، إنّما كان ذلك عبر الحذف والنفي ، وعلى حساب الأُمم والقيم ، وانتهاك الحدود ومقدّسات الآخرين ، وتفرز القراءة الاستقرائية على أنّها ايديولوجية التسويغ بشتّى الآليات لمحاولة فرض الهيمنة والغطرسة الإنجلوسكسونية على دول العالم قاطبة.

فهي آلة حرب ، جنون ، غسل دماغ ... وتعني قبل كلّ شيء : أنّ مَن يكتب الشيكات هو الذي يصوغ القوانين ، ويملك وسائل الاتّصال ومصادر المعلومات وموظفي أدوات الاتّصال الجماعي ، من أكاديميين إلى إعلاميين إلى دعائيين وغيرهم.

وذهب آخرون إلى أنّها : عملية تاريخية تعدّ نتيجة لازمة لتفاعلات معقّدة ، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية وتكنولوجية ، وهي حقبة التحوّل الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء ، في ظلّ هيمنة دول المركز وقيادتها وسيطرتها ، بسيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ ; فهو إذاً انتصارٌ ـ إن صحّ التعبير ـ لنمط معيّن من أنماط الملكية والسيطرة التامّة .. إنّها رسملة العالم بما يتناسب مع المصالح الأساسية والحيوية.

ولربّما عدّها بعضهم سليلاً طبيعياً لمقولة الإسكندر المقدوني ، التي أطلقها في مأدبة «أوبيس» عام ٢٣٢ ق. م ، القائلة بوحدة القلوب وبكومنويلث مشـترك بين الفرس والمقدونيّـين على قاعدة الأُخوّة الإنسانـية.

وبينهما بون شاسع ; إذ إنّ عالمية المقدوني أسقطت نظرية التفوّق الإغريقي ، ومهّدت السبيل إلى المدرسة الرواقية ، التي أسّسها «الفينيقي الصغير» : «زينون» ، ودعا فيها إلى وحدانية البشرية والشعوب ، وقيام

٩

الدولة المدنية العالمية على قاعدة المساواة.

في حين تقوم عولمة عصرنا على قاعدة : «أميركا محور العالم» من خلال محاولة فرض الهيمنة بقوّة السلاح حيناً ، وبقوّة السوق حيناً آخر ، وبالغزو الثقافي ثالثاً ، و... وأنّ النظام العالمي الجديد هو إمبراطورية عالمية أميركية ، لدرجة أن تحمل الإمبراطورية العالمية هذه دمغة الروح الأميركية.

وقد صرّحت «وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي» بشخص الرئيس الأمريكي عام ٢٠٠٢ م بما يلي : سوف لن نسمح بأن تصبح أيّة دولة أقوى من الدولة الأميركية ، فنحن «الإمبراطورية» المهيمنة ... سوف لن نسمح بأن يسبقنا أحد في هذا الموضوع.

وبذلك فقد اتّضح خاطفاً ما يمثّله مفهوم العولمة ـ بنظامه الشمولي المترامي ـ من مصدر خطورة وقلق يرتقي معهما ، في واحدة من زواياه ، إلى أعلى مراحل الإرهاب الفكري المبرمج.

هـذه حـالةٌ ومصـداق لأبـرز محاور الصراع الحضاري المذكـور ، المتأنّق بمفاهيم العصرنة والحداثة ، المتسلّح بالتقنية العالمية والتفوّق العلمي.

وأمّا الآخر ، القبيح الخشن المشوِّه ، فيتمثّل بالتيّار التكفيري ، المقترن بأقذر وسائل العنف والتدمير المباشر والتصفية الجسدية ، مع غاية في القسوة والخشونة ، تعكس الروح الهمجية والنفس الحيوانية البهيمية.

إنّها نزعةٌ وتيارٌ وموجةٌ جابت العالم الإسلامي ـ بل الدنيا بأسرها ـ ولا تسـتثني أحداً ، فعلماء أهل السُـنّة كفّار ، ومثقّفوهم أكفر ، ومَن كان سلفياً وخالف آخـر مثله في اجتهاد أو رأي فهو كافر ، أمّا الشيعة الإمامية

١٠

فهم ليسوا كفّاراً فحسب بل أشـدّ خطراً من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم

إنّ النهج التكفيري يعدّ من أشدّ الانتكاسات التي تمرّ بها الصحوة الإسلامية ، وهو المحنة التي تواجه العقل المبدع الخلاّق ، والمعول الذي يهدم صرح الثقافة والتطوّر نحو الأفضل ، ومصداق الاستبداد والديكتاتورية والقهر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

وتشير دراسات علم النفس إلى أنّ الإرهابي النوعي يعاني من شعور بالإحباط كبير ، وإحساس بالفشل وعدم احترام الذات ، فيحاول أن يَظهر ; كي يسلّط الضوء على نفسه من خلال سلوكه الانحرافي ، ثمّ إنّه مهما كان خائفاً قلقاً فهو يعجز عن التعبير عن ذلك ، ورغبة الظهور تمنعه من إبدائه أبداً

وإذا أضفنا إلى هذه المعلومة ما يُنشر ضمن أدبيات الرؤية الأميركية من أنّ الخطر الذي يهدّدها قادمٌ من صوبنا ; يتضّح ـ حينها ـ عمق المواجهة التي نخوضها ، وشراسة غريمنا الذي يحيط بنا ، ليخترقنا وينال منّا ، ويمحونا بلا أيّة رحـمة.

ونحن إذ نمتلك المحتـوى المتكامـل المستنبط من مدرسـة آل البيت عليهم‌السلام، لا نفتقر إلاّ إلى الآليّـة السليمة والأُسلوب المتقن بما يتلاءم ومتطلّبات العصر.

وحينئذ لا بُدّ أن نصنع ـ بالرؤى المعمّقة ، والشفافيّة الأنيقة ، وسعة الصـدر المعهودة ، والعقلانية الهادئة ـ السـبل المناسبة لمواجهة حضارية مصـيرية ، وليس الفلاح ببعيد عن أُمّة تترشّح قيمها من عمق القرآن الكريم

١١

ومدرسة آل العصمة والطهارة عليهم‌السلام، ولنا في أقطابنا العظام ، ربائب الدرجة النبوية ـ الّذين ما برحوا يتألّقون رفعةً وسمّواً بكياستهم وحكمتهم وتدبيرهم ، المشهود بها لدى المناوئ والموالي ـ أُسـوةٌ حسـنة.

والحـمد لله ربّ العالمين والصلاة على نبيّنا محمّـد وآله الطاهرين.

هيئـة التحـرير

١٢

تشـييد المـراجَعـات

وتفنيد المكابَـرات

(٢٦)

السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني

المراجـعة (٧٢) ـ (٧٤)

حول عائشـة وإنكارها للوصيّة

بعـد أنْ أثبت السـيّد ـ رحمه الله ـ أنّ أمـير المؤمـنين عليه‌السلامهـو الوارث والوصيّ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بالاستناد إلى أحاديـث القوم في أصـحّ وأشـهر كتبهم ، وجد نفسه مظطرّاً للتعرّض لعائشة بنت أبي بكر ; بمناسـبة روايتـهم عنها أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات بلا وصـيّة ..

وهو في هذا الفصل ـ من مراجعاته أيضاً ـ معتمد كذلك على كتب القوم ورواياتهم المعتبرة ، ولم يتجاوزها إلى سائر الكتب ; التزاماً منه بأُصـول البحث وقواعد المناظرة ، وهو ديدن سائر علمائنا الأبرار ، كما أنّه لم ينسب إليها ـ أي عائشة ـ شيئاً من الصفات والحالات ، إلاّ في حدود ما دلّت عليه تلك الأحاديث الواردة عندهم عن الرواة الثقات.

ونحن أيضاً سوف لا نخرج عن هذا الإطار ، وبالله التوفيق.

١٣

قال السـيّد ـ رحمه الله ـ :

«إنّ لأمّ المؤمنين عائشة فضلها ومنزلتها ، غير أنّها ليست بأفضل أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكيف تكون أفضلهنّ مع ما صحّ عنها ، إذ قالت : ذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خديجة ذات يوم ، فتناولتها فقلت : عجوز كذا وكذا ، قد أبدلك الله خيراً منها.

قال : ما أبدلني الله خيراً منها ; لقد آمنت بي حين كفر بي الناس ، وصدّقتني حين كذّبني الناس ، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها؟! الحديث (١).

وعن عائشة قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيّام ، فأدركتني الغيرة فقلت : هل كانت إلاّ عجوزاً! فقد أبدلك الله خيراً منها ، فغضب حتّى اهتزّ مقدّم شعره من الغضب ، ثمّ قال : لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ; آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذّبني الناس ، وواستني في مالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء .. الحديث.

فأفضل أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خديجة الكبرى ، صدّيقة هذه الأُمّة ، وأوّلها إيماناً بالله ، وتصديقاً بكتابه ، ومواساةً لنبيّه.

__________________

(١) هذا الحديث والذي بعده من صحاح السُـنن المستفيضة ; فراجعهما في أحوال خديجة الكبرى من الاستيعاب ; تجدهما بعين اللفظ الذي أوردناهما ..

وقد أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحيهما بلفظ يقارب ذلك.

١٤

وقد أُوحي إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبشّرها (١) ببيت لها في الجنّة من قصب ، ونصّ على تفضيلها ، فقال : أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّـد ، وآسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران.

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خير نساء العالمين أربع : ... ثمّ ذكرهنّ.

وقال : حسبك من نساء العالمين : مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّـد ، وآسية امرأة فرعون ..

إلى كثير من أمثال هذه النصوص ، وهي من أصحّ الآثار النبويّة وأثبتها (٢).

على أنّه لا يمكن القول بأنّ عائشة أفضل ممّن عدا خديجة من أُمّهات المؤمنين ، والسنن المأثورة والأخبار المسطورة تأبى تفضيلها عليهنّ ، كما لا يخفى على أُولي الألباب ..

وربّما كانت ترى أنّها أفضل من غيرها ، فلا يقرّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ذلك ، كما اتّفق هذا مع أُمّ المؤمنين صفيّة بنت حيي ، إذ دخل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليها وهي تبكي ، فقال لها : ما يبكيك؟

قالت : بلغني أنّ عائشة وحفصة تنالان منّي ، وتقولان نحن خير من صفيّة.

__________________

(١) كما أخرجه البخاري في باب غيرة النساء ووجدهن ، وهو في أواخر كتاب النكاح ٣ / ١٧٥ من صحيحه.

(٢) وقد أوردنا جملة منها في المطلب الثاني من كلمتنا الغرّاء ، فليراجعها من أراد الاستقصاء.

١٥

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا قلتِ لهنّ : كيف تكنّ خيراً منّي وأبي هارون ، وعمّي موسى ، وزوجي محمّـد (١).

ومن تتبّع حركات أُمّ المؤمنين عائشة في أفعالها وأقوالها ، وجدها كما نقول.

أمّا إعراضنا عن حديثها في الوصيّة ; فلكونه ليس بحجّة ، ولا تسألني عن التفصيل».

ثمّ قال السـيّد :

«أبيت ـ أيّدك الله ـ إلاّ التفصيل ، حتّى اضطررتني إليه ، وأنت عنه في غنية تامّة ; لعلمك بأنّا من ها هنا أُتينا ، وإنّ هنا مصرع الوصيّة ومصارع النصوص الجليّة ، وهنا مهالك الخمس والإرث والنحلة ، وها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة (٢) ، حيث جابت في حرب أمير المؤمنين الأمصار ، وقادت في انتزاع ملكه وإلغاء دولته ذلك العسكر الجرّار.

وكان ما كان ممّا لسـت أذكره

فظُن خيراً ولا تسـأل عن الخبرِ

فالاحتجاج على نفي الوصيّة إلى عليّ بقولها ـ وهي من ألدّ خصومه ـ مصادرة لا تُنتظر من منصف ، وما يوم عليّ منها بواحد.

__________________

(١) أخرجه الترمذي من طريق كنانة مولى أُمّ المؤمنين صفيّة ، وأورده ابن عبد البرّ في ترجمة صفيّة من الاستيعاب ، وابن حجر في ترجمتها من الإصابة ، والشيخ رشيد رضا في آخر ص ٥٨٩ ج ١٢ من مناره ، وغير واحد من نقلة الآثار.

(٢) بحكم صحاح السُـنّة ; فراجع من صحيح البخاري باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ، من كتاب الجهاد والسير ١٢٥ / ٢ تجد التفصيل.

١٦

وهل إنكار الوصيّة إلاّ دون يوم الجمل الأصغر (١) ، ويوم الجمل الأكبر ، اللّذين ظهر بهما المضمر ، وبرز بهما المستتر؟!

ومثل بهـما شأنـها من قبل خروجها على وليّها ووصيّ نبيّها ، ومـن بعد خـروجها عليه ، إلى أن بلغـها موته فسـجدت لله شكراً ، ثمّ أنشـدت (٢) :

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى

كما قرّ عيناً بالإيـاب المسافـر

وإن شئت ضربت لك من حديثها مثلاً يريك أنّها كانت في أبعد الغايات.

__________________

(١) كانت فتنة الجمل الأصغر في البصرة لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ٣٦ قبل ورود أمير المؤمنين إلى البصرة ، حيث هاجمتها أُمّ المؤمنين ومعها طلحة والزبير ، وفيها عامله عثمان بن حنيف الأنصاري ، فقتل أربعون رجلاً من شيعة عليّ عليه‌السلامفي المسجد ، وسبعون آخرون منهم في مكان آخر ، وأُسر عثمان بن حنيف ، وكان من فضلاء الصحابة ، فأرادوا قتله ، ثمّ خافوا أن يثأر له أخوه سهل والأنصار ، فنتفوا لحيته وشاربيه وحاجبيه ورأسه وضربوه وحبسوه ، ثمّ طردوه من البصرة ..

وقابلهم حكيم بن جبلّة في جماعة من عشيرته عبـد القيس وهو سـيّدهم ، وكان من أهل البصائر والحفاظ والنهى ، وتبعه جماعة من ربيعة ، فما بارحوا الهيجاء حتّى استشهدوا بأجمعهم ، واستشهد مع حكيم ابنه الأشرف ، وأخوه الرعل ، وفتحت البصرة ..

ثمّ جاء عليّ ، فاستقبلته عائشة بعسكرها ، وكانت وقعة الجمل الأكبر.

وتفصيل الوقعتين في تاريخي ابن جرير وابن الأثير ، وغيرهما من كتب السير والأخبار.

(٢) في ما أخرجه الثقات من أهل الأخبار ، كأبي الفرج الأصفهاني في آخر أحوال عليّ من كتابه مقاتل الطالبيّين.

١٧

قالت (١) : لمّا ثقل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واشتدّ به وجعه ، خرج وهو بين رجلين ، تخطّ رجلاه في الأرض ، بين عبّـاس بن عبـد المطّلب ورجل آخر .. قال المحدّث عنها ـ وهو عبيد الله بن عبـد الله ابن عتبة بن مسعود ـ : فأخبرت عبـد الله بن عبّـاس عمّا قالت عائشة ، فقال لي ابن عبّـاس : هل تدري مَن الرجل الذي لم تسـمّ عائشـة؟

قال : قلت : لا.

قال ابن عبّـاس : هو عليّ بن أبي طالب. ثمّ قال (٢) : إنّ عائشـة لا تطيب له نفساً بخير. انتهى.

قلت : إذا كانت لا تطيب له نفساً بخير ، ولا تطيق ذكره في مَن مشى معه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطوة ، فكيف تطيب له نفساً بذكر الوصيّة وفيها الخير كلّه؟

وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة في ص ١١٣ من الجزء السادس من مسنده : عن عطاء بن يسار ، قال : جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة ، فقالت : أمّا عليّ ، فلست قائلة لك فيه شيئاً ، وأمّا عمّار ، فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول فيه : لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما. انتهى.

__________________

(١) في ما أخرجه البخاري عنها في باب مرض النبيّ ووفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ص ٦٢ ج ٣ من صحيحه.

(٢) هذه الكلمة بخصوصها ـ أعني قول ابن عبّـاس : إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير ـ تركها البخاري ، واكتفى بما قبلها من الحديث ; جرياً على عادته في أمثال ذلك ، لكن كثيراً من أصحاب السُـنن أخرجوها بأسانيدهم الصحيحة ..

وحسبك منهم : ابن سعد في ص ٢٩ من القسم ٢ ج ٢ من طبقاته ; إذ أخرجها عن أحمد بن الحجّاج ، عن عبـد الله بن مبارك ، عن يونس ومعمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عبّـاس ; ورجال هذا السند كلّهم حجج.

١٨

وَي! وَي! تحذّر أُمّ المؤمنين من الوقيعة بعمّار لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما ، ولا تحذّر من الوقيعة في عليّ ، وهو أخو النبيّ ، ووليّه ، وهارونه ، ونجيّه ، وأقضى أُمّته ، وباب مدينته ، ومن يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، أوّل الناس إسلاماً ، وأقدمهم إيماناً ، وأكثرهم علماً ، وأوفرهم مناقب ..

وَي! كأنّها لا تعرف منزلته من الله عزّ وجلّ ، ومكانته من قلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومقامه في الإسلام ، وعظيم عنائه ، وحسن بلائه ، وكأنّها لم تسمع في حقّه من كتاب الله وسُـنّة نبيّه شيئاً يجعله في مصاف عمّار.

ولقد حار فكري ـ والله ـ في قولها : لقد رأيت النبيّ وإنّي لمسندته إلى صدري ، فدعا بالطست ، فانخنث فمات ، فما شعرت ، فكيف أوصى إلى عليّ؟

وما أدري في أيّ نواحي كلامها هذا أتكلّم ، وهو محلّ البحث من نواحي شتّى ، وليت أحداً يدري كيف يكون موته ـ بأبي وأمّي ـ وهو على الحال التي وصفتها ، دليلاً على أنّه لم يوصِ ; فهل كان من رأيها أنّ الوصيّة لا تصحّ إلاّ عند الموت؟!

كلاّ ، ولكن حجّة مَن يكابر الحقيقة داحضة ، كائناً مَن كان ، وقد قال الله عزّ وجلّ مخاطباً لنبيّه الكريم ، في محكم كتابه الحكيم : (كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة) (١).

فهل كانت أُمّ المؤمنين تراه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكتاب الله مخالفاً ، وعن أحكامه صادفاً؟!

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ١٨٠.

١٩

معاذ الله وحاشا لله ، بل كانت تراه يقتفي أثره ويتّبع سوَره ، سبّاقاً إلى التعبّد بأوامره ونواهيه ، بالغاً كلّ غاية من غايات التعبّد بجميع ما فيه.

ولا أشكّ في أنّها سمعته يقول (١) : ما حقّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين ، إلاّ ووصيّته مكتوبة عنده. انتهى ..

أو سمعت نحواً من هذا ; فإنّ أوامره الشديدة بالوصيّة ممّا لا ريب في صدوره منه ، ولا يجوز عليه ولا على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، أنْ يأمروا بالشيء ثمّ لا يأتمرون به ، أو يزجروا عن الشيء ثمّ لا ينزجرون عنه ، تعالى الله عن إرسال مَن هذا شأنه علوّاً كبيراً.

أمّا ما رواه مسلم وغيره عن عائشة ، إذ قالت : ما ترك رسول الله ديناراً ولا درهماً ولا شاةً ولا بعيراً ، ولا أوصى بشيء ; فإنّما هو كسابقه.

على أنّه لا يصحّ أن يكون مرادها أنّه ما ترك شيئاً على التحقيق ، وأنّه كان صفراً من كلّ شيء يوصي به.

نعم ، لم يترك من حطام الدنيا ما يتركه أهلها ، إذ كان أزهد العالمين فيها ، وقد لحق بربّه عزّ وجلّ وهو مشغول الذمّة بدَيْن (٢) وعدات ، وعنده أمانات تستوجب الوصيّة ، وترك ممّا يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه وإنجاز عداته ، ويفضل عنهما شيء يسير لوارثه ، بدليل ما صحّ من مطالبة الزهراء بإرثها (٣) عليها السلام.

__________________

(١) في ما أخرجه البخاري في أوّل كتاب الوصايا من صحيحه ص ٨٣ ج ٢ ، وأخرجه مسلم في كتاب الوصيّة ص ١٠ ج ٢ من صحيحه.

(٢) فعن معمر ، عن قتادة : أنّ عليّاً قضى عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشياء بعد وفاته ، كان عامّتها عدَة ، حسبت أنّه قال : خمس مئة ألف درهم. الحديث ..

فراجعه في ص ٦٠ ج ٤ من كنز العمّال ، وهو الحديث ١١٧٠ من أحاديثه.

(٣) كما أخرجه البخاري في أواخر باب غزوة خيبر ، من صحيحه ص ٣٧ ج ٣ ،

٢٠