كتاب الجيم - ج ١

أبي عمرو الشيباني

كتاب الجيم - ج ١

المؤلف:

أبي عمرو الشيباني


المحقق: ابراهيم الأبياري
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣١٥
الجزء ١ الجزء ٢

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تصدير

بقلم الأستاذ محمد خلف الله أحمد

عضو المجمع

يعد «أبو عمرو الشيبانى» ـ مؤلِّفُ كتاب «الجيم» ـ فى ضليعة الثقات من رواة اللغة والأَدب فى القرن الثانى الهجرى ، وتكثر الإِشارة فى أُمهات المراجع إلى جهده الضخم فى جمع أَشعار ما يزيد على ثمانين من القبائل العربية ، ويَعْقِد له بعضُ العلماءِ المتقدمين لواءَ السبق على معاصريه من أَعلام الرواة «كالأَصْمَعِىّ» و «أَبى عبيدة معمر بن المثنى» فى سعة المحفوظِ والمروِىّ من اللغة وشواهدها.

و «أَبو عمرو» راوية كوفى ، أَخذ اللغة عن العرب مشافهة ، ودخل البادية ، وسمع من أَهلها ، وعنه أَخذ كثير من الرواة الذين عاصروه أَو جاءوا بعده ، وكانت له مشاركة فى رواية الحديث. وقد صنف فى اللغة كتبا كثيرة ، أَشهرها «كتاب الجيم» ، وهو معجم مرتب على حروف الهجاءِ وفْقَ ترتيبها المعروف لنا اليوم ، يغلب على مفرداته طابع البداوة ، ويشيع فيها الغريب ، وأَكثر شواهدها من الأَشعار والأَرجاز والأَمثال. ومما يستلفت النظر فى منهج المصنِّف أَنه كثيرا ما يستطرد فيذكر مع بيت الشاهد أَبياتا تطول أَحيانا ، فيحتاج إلى تفسير ما ورد فيها من الغريب تفسيرا لغوياً. وبذلك يقع الفصل بين تتابع المواد فى بابها ، وتلك واحدة من صعوبات تحقيق هذا المعجم ، ويضاف إِليها أَن المصنِّف لم يلتزم قاعدة معينة لترتيب الأَلفاظ داخل الباب الواحد ، بل كثيرا ما أَوردها دون مراعاة لترتيب الحرف الثانى والثالث من الكلمة.

ومهما يكن من أَمر تلك الصعوبات ـ وقد وقد ناقشها المحقق فى مقدمته ـ فإِن الكتاب يعدّ مرجعا أَصيلا من مراجع اللغة ، وهو يمتاز بثروته الضخمة من الأَلفاظ التى تتصل بحياة البادية ، وبعنايته بلغات العرب ولهجاتها ، وبنسبة هذه اللغات إِلى أَصحابها فى كثير من المواضع

٣

وقد قرر مجمع اللغة العربية بالقاهرة نشر الكتاب محققا بأُسلوب علمىّ حديث ، وعهد بتحقيق الجزءِ الأَول منه إلى «الأستاذ إِبراهيم الأبيارى» ، وهو ذو خبرة طويلة فى هذا الميدان ، وذو مشاركات مثمرة فى تحقيق ما ينشر المجمع من أمهات التراث. وكان لى حظ مراجعة هذا الجزء ، ومتابعة ما بذل المحقق من الجهد فى التأصيل والتخريج والبحث عن الشواهد فى مظانها ، والاجتهاد فى ضبط الأَلفاظ ، وترجيح وجه على آخر من وجوه دلالتها المحتملة ، والكلام عن مخطوطات الكتاب ، والتعليل لتسميته ، وللطريقة التى سار عليها المصنف فى ترتيب مادته. وقد جاءت المقدمة الطويلة التى قدم بها المحقق لهذا الجزءِ دراسة علمية للكتاب وللمصنف. ونشأَته وشيوخه وتلاميذه ، كما جاءت التعليقات والفهارس التى زود بها الكتاب مُيَسِّرَةً للإِفادة منه والرجوع إِليه ، وبذلك تحقق ما قصد إِليه المجمع من إِضافة حلقة جديدة هامة فى سلسلة عنايته باللغة ، وحفاظه على تراثها وتقريبه للناس.

٢٦ من ذى القعدة سنة ١٣٩٤ ه‍

الموافق ١٠ من ديسمبر سنة ١٩٧٤ م

محمد خلف الله أحمد

٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة

بقلم : إبراهيم الابيارى

وتنتظم الحديث عن

١ ـ أبى عمرو الشيبانى ٢ ـ كتاب الجيم ٣ ـ منهج التحقيق

مراجع البحث :

إنباه الرواة على أنباء النحاة ، القفطى أبو الحسن على بن يوسف ، ٦٤٦ ه‍ (١ : ٢٢١ ـ ٢٣٠) ـ البداية والنهاية ، ابن كثير أبو الفدا إسماعيل بن عمر ، ٧٧٤ ه‍ (١٠ : ٢٦٥ ـ ٢٦٧) ـ بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز ، الفيروزابادى محمد بن يعقوب ١٨٧ ه‍ (٢ : ٣٥١) ـ بغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة ، السيوطى عبد الرحمن بن أبى بكر ، ٩١١ ه‍ (ص : ١٩٢) ـ البلغة فى تاريخ أئمة اللغة ، الفيروزابادى محمد بن يعقوب (ص : ٣٨) ـ تاريخ الآداب العربية ، بروكلمان (١ : ١١٦) ـ تاريخ آداب اللغة العربية ، جرجى زيدان (٢ : ١٢٢ ـ ١٢٣) ـ تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ، ابن حجر العسقلانى أحمد بن على ، ٨٥٢ ه‍ (ص : ١٢٧١) ـ تقريب التهذيب ، ابن حجر أحمد بن على (ص : ٣٧ ، ٦٣) ـ تلخيص أخبار النحويين ، ابن مكتوم أحمد بن عبد القادر ، ٧٤٩ ه‍ (ص : ٤١) ـ تهذيب التهذيب ، ابن حجر أحمد بن على (١٢ : ١٨٢ ـ ١٨٤) ـ تهذيب الكمال ، المزّى جمال الدين يوسف بن الزكى ، ٧٤٢ ه‍ (ص : ٨١٦) ـ تهذيب اللغة ، الأزهرى محمد بن أحمد ، ٣٧٠ ه‍ (١ : ٦ ، مقدمة) ـ خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ، الخزرجى أحمد بن عبد الله ، القرن العاشر الهجرى (ص : ١٨٤) ـ روضات الجنات فى أحوال العلماء والسادات ، محمد باقر ، القرن التاسع الهجرى (ص : ١٠٠) ـ سلم الوصول إلى طبقات الفحول ، حاجى خليفة مصطفى بن عبد الله ، ١٠٦٧ ه‍ (ص : ١٧٩) ـ شذرات الذهب فى أخبار من ذهب ، العماد الحنبلى عبد الحى بن أحمد ، ١٠٨٩ ه‍ (٢ : ٢٣ ، ٣١) ـ طبقات ابن قاضى شهبه أبى بكر تقى الدين ، ٨٥١ ه‍ (١ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠) ـ طبقات النحويين ، الزبيدى محمد بن الحسن ، ٣٧٩ ه‍ (ص : ١٣٤ ـ ١٣٥) ـ الفهرست ، ابن النديم إسحاق بن إبراهيم ، ٢٣٥ ه‍ (ص : ٦٨) ـ كشف الظنون ، حاجى خليفة مصطفى بن عبد الله (ص : ١٠٤ ، ٧٢٢ ، ١٢٠٩ ، ١٣٨٣ ، ١٤١٠ ، ١٤١٥ ، ١٤٦٦ ، ١٩٨٠) ـ لسان الميزان ، ابن قايماز محمد بن أحمد ، ٨٥٢ ه‍ (ص : ٥٤) ـ المجلة الآسيوية الملكية (سنة ١٩٢٤ ، ص : ٢٦٩ ـ ٢٧٠ ، سنة : ٩٢٥ ، ص : ٧٠١ ـ ٧٠٦) ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان ، فى معرفة ما تغير

٥

من حوادث الزمان ، اليافعى أبو محمد عبد الله بن أسعد ، ٧٦٨ ه‍ (٢ : ٥٧) ـ مراتب النحويين ، أبو الطيب اللغوى عبد الواحد بن على ، ٣٥١ ه‍ (ص : ١٤٨) ـ المزهر فى علوم اللغة وأنواعها ، السيوطى عبد الرحمن ابن أبى بكر (انظر فهرست الكتاب) ـ مسالك الأبصار فى أخبار ملوك الأمصار ، العمرى أحمد بن يحيى ، ٧٤٩ ه‍ (الجزء الرابع ، المجلد الثانى : ٢٢٣ ـ ٢٢٤) ـ المشتبه فى أسماء الرجال ، الذهبى أبو عبد الله محمد بن أحمد ، ٧٤٨ ه‍ (ص : ٥٨٣) ـ المعارف ، ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم ، ٢٧٦ ه‍ (ص : ٤٢٦ : ، ٥٤٥) معجم الأدباء ، ياقوت بن عبد الله ، ٦٢٦ ه‍ (٦ : ٧٧ ـ ٨٤) ـ المقتبس فى أخبار النحويين البصريين ، المرزبانى محمد بن عمران بن موسى ، ٣٨٤ ه‍ (انظر نور القبس) ـ النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ، ابن تغرى بردى يوسف ، ٨٧٤ ه‍ (٢ : ١٩١) ـ نزهة الألبا فى طبقات الأدبا ، ابن الانبارى عبد الرحمن بن محمد ، ٥٧٧ ه‍ (ص : ١٢٠ ـ ١٢٥) ـ نور القبس من المقتبس (ص : ٦٨) ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، ابن خلكان أحمد بن محمد بن إبراهيم ، ٦٨١ ه‍ (١ : ٦٥) ـ هذا غير كتب مختلفة فى فروع متعددة.

(١)

أبو عمرو الشيبانى

(ا) نسبه :

هو إسحاق بن مِرَار ، ويكنى : أَبا عمرو ، بابن له اسمه عمرو ، وينسب إلى بنى شيبان ، فيقال له : الشيبانى. وثمة آخر من العلماءِ معروف بهذه الكنية ثم الشهرة بالبلد أَيضا ، يقال له هو الآخر : أَبو عمرو الشيبانى الكوفى ، ولكنه للتفرقة بينه وبين رجلنا هنا يقال له الأَكبر ، واسمه سعيد بن إياس ، وكان محدّث أَهل البصرة. كما أَنه ثمة أَبو عمرو آخر يقال له : السيبانى ، بالسين المهملة ، واسمه زرعة ، لهذا يقيد أَصحاب التراجم صاحبنا بالعبارة فيقولون : بالشين المعجمة.

وتسكت جل المراجع فلا تجلو شيبانية أَبى عمرو ، إذ ثمة شيبانيون ينتهون إِلى ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل ، وآخرون ينتهون إِلى علقمة بن زرارة ، وآخرون ينتهون إِلى محارب بن فهر ، وآخرون إِلى معن بن مالك. وآخرون إِلى وائل بن غنم. وإِن كنا نجد كتب النسب حين تتحدث عن المنسوبين إِلى شيبان تقتصر على المنحدرين من شيبان ، الذى هو من بكر بن وائل.

٦

والذى سكتت عنه جل المراجع يجلوه ياقوت فى كتابه معجم الأُدباء فيقول : كان يؤدب ولد هارون الرشيد ، الذين كانوا فى حجر يزيد بن مزيد الشيبانى.

ويزيد بن مزيد هذا ينتهى نسبه إِلى ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن على بن بكر بن وائل.

ومن قبل يزيد هذا كان لبنى عمومته من ذهل شأْن بالكوفة مع الأَيام الأُولى من حياة أَبى عمرو ، إذ دخل الكوفة منهم الضحاك بن قبس بن الحصين بن عبد الله ابن ثعلبة بن زيد مناة بن أَبى عمرو بن عوف بن ربيعة بن محلم بن ذهل بن شيبان ، فى نحو سنة ١٢٧ ه‍ وملكها ، وكان عندها أَبو عمرو صبيا ، كما ستعرف هذا بعد قليل ، فلقد كان مولده على رأْس المائة الأُولى يزيد شيئا أَو ينقص شيئا ، وكان الضحاك هذا على مذهب الصفرى ، وبايعه بالخلافة وسلم عليه بها جماعة من قريش ، منهم عبد الله ، ابن أَمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.

ونحن نعلم أَن الرشيد ولى الخلافة فيما بين سنتى ١٧٠ ه‍ ، وسنة ١٩٣ ه‍ ، وأَن مولده كان سنة ١٤٩ ه‍ ، ولو صح ما يقوله ياقوت فلقد كان هذا الذى كلف به أَبو عمرو من تنشئة أَولاد للرشيد كانوا فى حجر يزيد بن مزيد ، بعد سنة ١٧٠ ه‍ ، أَى وأَبو عمرو يخطو إِلى السبعين.

ونحن لهذا نميل إِلى أَنَّ أَبا عمرو لقب بهذا اللقب مبكرا ، وهذا يعنى أَنه عاش حياته الأُولى فى الكوفة فى جوار بنى عمومة يزيد بن مزيد الشيبانيين ، الذين هم من أَهل الضحاك بن قيس ، وأَنه ـ أَعنى أَبا عمرو ـ عاش منذ صباه يستمتع بهذا اللقب إِلى أَن اختاره يزيد بن مزيد ، بعد رحلة أَبى عمرو إِلى بغداد. لتربية أَولاد الرشيد. أَما إِذا ملنا إِلى الأَخذ بما يقول ياقوت فهذا يعنى أَن ذلك اللقب خلع على أَبى عمرو متأخرا ، وما نظنها كانت إلا الأُولى ، أَى أَبا عمرو كان يعيش فى جوار أَهل الضحاك بن قيس ، وأَنه كان مولى لبعضهم ، وقد يكون عنى بتربية بعض أَولادهم.

٧

وهذه النسبة كما وقعت لأَبى عمرو ، من جراء تربيته لأَولاد من بنى شيبان ، وقعت لمثله لمثل هذا السبب ، فلقد كان أَبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أَبى محمد يؤدب ولد يزيد بن منصور الحميرى ، فنسب إِليه ، وقيل له : اليزيدى.

* * *

ومِرار ، هذا الذى تذكر المراجع أَنه والد إسحاق ، مختلف فيه ، وأَكثر هذه المراجع على أَنه مِرار ، ويكاد يكون المرزبانى فى كتابه المقتبس هو أَسبق الذين تعرضوا لتحرير هذا الاسم بالعبارة ، فقال : ومرار ، بكسر الميم وبعدها راءان بينهما أَلف. ثم تبعه فى هذا الضبط غيره ، مثل ابن خلكان فى وفيات الأعيان ، وابن حجر فى التقريب ، والسيوطى فى البغية.

ولم يخالف فى إيراد الاسم براءَين غير الأَزهرى فى مقدمته على كتابه التهذيب ، فإِنه أَورده فى موضعين بدال مهملة آخرا ، وكذا نرى ابن الأنبارى فى كتابه نزهة الأَلبا ، فإِنه يذكره هو الآخر : مراد ، بدال مهملة.

وثمة نسخة من نسخ التهذيب أَوردته على صورة أُخرى ، وهى : مراء ، بهمزة فى آخره. وأَكبر الظن أَن هذه وتلك من أخطاءِ النساخ ، ولكن الغريب أَن نجد رجلا كالقفطى يعدها على الأَزهرى من هناته ، ويشير إِليها فيقول : «فأَخطأَ فى اسم أَبيه ـ يعنى أَبا أَبى عمرو ـ فقال : مراد ، وهو خطأُ كبير من مثله ، ويروى ذلك بخطه فى مقدمة الكتاب».

ولقد كان ما خطه الأَزهرى يصبح حجة للقفطى لو أَن الأَزهرى قيده بالعبارة ، أَما وهو لم يعد الرسم فما أميلنا إلى أَن نعده من قبيل الإِبهام ، هذا ونحن نعلم أَن الأَزهرى أَلف كتابه التهذيب بعد بلوغه السبعين ، كما يقول هو فى مقدمته ، والرجل بعد السبعين مشكوك فى جودة خطه ، هذا إِذ كان الأَزهرى أَولا من المجودين فى الخط. ثم إِن الذى يرويه القفطى فى هذه ـ أَعنى : مراد ، بدلا من مرار ـ ليس عن مطالعته

٨

هو لخط الأَزهرى ، بل هو نقل عن ياقوت ، حين يقول : «شاهدت بمرو نسخة من الكتاب ـ يعنى التهذيب ـ بخط الأَزهرى ، عند بنى السمعان ، وفيها : مراد».

ثم يقول : وكتب هذا المذكور ـ يعنى ياقوت ـ من هذه النسخة نسخة ، وأَحضرها فى صحبته خراسان.

وواضح أَن اعتماد القفطى فيما قال كان على تلك النسخة التى نسخها ياقوت عن النسخة الأُولى ، وحملها معه من خراسان.

وكما قرأَ ياقوت «مرارا» : مرادا ، قرأَها غيره من الناسخين بالهمز فى آخرها ، وهذا يعنى أَن رسم الكلمة لم يكن واضحا ، وأنها كانت مرارا ، وهذا ما أَجمعت عليه المراجع ، وما نظنه غاب عن الأَزهرى.

وهذا الذى جاءَ فى مقدمة كتاب التهذيب للأَزهرى ، من تحريف غير مقصود ، جاءَ مثله فى كتاب الأمالى للقالى (٢ : ٢٧٥) يقول : وقال أَبو عمرو إسحاق بن نزار الشيبانى.

ولا ندرى أَين نضع هذا الخلاف بين ما جاءَ متفقا عليه ، فالرجل ـ أعنى أَبا عمرو ـ ليس له نسب متصل يلقى ضوءًا على هذا وغيره ـ بل هو من الموالى كما مر بك ، ثم إن هذا الضبط بالعبارة ، الذى سبق إِليه المرزبانى فى كتابه المقتبس ، وتابعه عليه غيره ، يخرج عليه الخزرجى فى كتابه الخلاصة ، فيقول : مرار ، كضراب ، يعنى بفتح الميم وتشديد الراء ، كما قال المعقب على تهذيب التهذيب ، ولعل هذه جاءَت استئناسا بمرار آخر فى شيبان ، هو : مرار بن بشير الشيبانى ، وقد قيده صاحب القاموس تنظيرا كشداد ، وعلى حين جاءَ ما يسأْنس به ، فيما ذهب إِليه الخزرجى ، لا نجد ما يستأْنس به فيما ذهب إِليه أَصحاب الضبط الأَول.

وكما قيل لأَبى عمرو : الشيبانى ، قيل له : الأَحمر. وهذا اللقب قد لقب به أَربعة ، أَحدهم رجلنا أَبو عمرو ، والثلاثة هم : خلف بن حيان ، وعلى بن الحسن الكوفى ، وأبان بن عثمان بن يحيى اللؤلئى. وهذا اللقب ـ أَعنى الأَحمر ـ يغلب على من كان من

٩

ولد العجم ، ولقد كان خلف من أَبناءِ الصغد ، وكان على بن الحسن رجلا من الجند من رجال النوبة ، ويكاد لقب اللؤلئى يملى هو الآخر شيئا من ذلك ، وكما كان هؤلاءِ الثلاثة كان أَبو عمرو ، فلقد عرفت أَنه كان مولى ، وأزيدك هنا أَن أُمَّه كانت من الصغد ، يحدثنا بذلك أَبو زيد الأنصارى سعيد بن أَوس ، وقد كان معاصرا لأبى عمرو ، فلقد كانت وفاته فيما بين سنة عشرة وبين سنة خمس عشرة بعد المائتين ، فلقد قيل لأَبى زيد : إن أَبا عمرو الشيبانى يروى هذا الحرف للأَعشى :

بساياط حتى مات وهو محزرق

بكسر الراءِ ـ يعنى كلمة : محزرق ـ فقال : إنها نبطية ، وأُم أَبى عمرو نبطية ، فهو أَعلم بها منا. والنبط ، كما نعلم ، جيل كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين.

وهكذا نرى كيف لقب أَبو عمرو بالأَحمر مع هؤلاءِ الثلاثة الذين ذكرناهم ، والغريب أَن هذا اللقب ، وهو الأَحمر ، جاءَ فى معجم الأدباءِ : الأَحوص ، ولا ندرى كيف وقع هذا ، وأَكبر الظن أَنه تحريف ، وإِذا ذكرنا ما يرويه ياقوت ، عن أمالى أَبى إِسحاق النجيرمى ، أَن أَبا عمرو كان من الدهاقين ، أَى من تجار العجم ، تأَكد لنا ما يقوله أَبو زيد ، وتأَكد لنا لِمَ لُقب بالأحمر.

(ب) مولده ووفاته :

وتسكت المراجع كلها عن السنة التى ولد فيها أَبو عمرو ، ثم هى تختلف فى سنة وفاته ، فيذكر المرزبانى ، وابن النديم ، وهما أَقدم من أرخا له ، أَن وفاته كانت سنة ثلاث عشرة ومائتين ؛ ولقد تبعهما فى ذلك ابن خلكان ، وابن كثير ، والقفطى نقلا عن أَحمد بن كامل القاضى ؛ ويزيد القفطى وابن كثير أَن وفاته كانت ببغداد فى اليوم الذى مات فيه أَبو العتاهية وإِبراهيم الموصلى.

ثم يذكر القفطى خبر تلك الوفاة مرتين أخريين ، إحداهما نقلا عن الجاحظ ، فيقول : إنها كانت سنة ست عشرة ومائتين ، ثم يذكرها مرة ثانية غير منسوبة ، فيقول : مات أَبو عمرو سنة عشر ومائتين يوم السعانين.

١٠

ولعل أَبعد من أَرخوا لأَبى عمرو فى تقدير سنة الوفاة هو صاحب التهذيب ، إِذ جعلها سنة ٢٢٠ ه‍ ، ولن نلتفت إِلى ما نقله صاحب كشف الظنون فى موضعين عند كلامه على كتابين من كتب أَبى عمرو هما : أشعار القبائل ، والنوادر. فقد قال : إن وفاة أَبى عمرو كانت سنة ٢٥٦ ه‍.

والقفطى فى هذه الرواية الأَخيرة مسبوق برواية البغدادى فى كتابه تاريخ بغداد ، وفعله ـ أَعنى القفطى ـ عن البغدادى نقل.

وينقل القفطى أَيضا عن محمد بن يوسف الكندى أَن وفاة أَبى عمرو كانت سنة ست ، أَو خمس ، ومائتين ، ويقول ابن الأَنبارى : إِن وفاة أَبى عمرو كانت سنة ست ومائتين فى خلافة المأْمون ، وقيل : سنة عشر ومائتين. وهذه الآراءُ كلها التى جاءَت عن السنة التى توفى فيها أَبو عمرو هى كما ترى تختلف فيما بين سنتى ٢٠٥ ، ٢٢٠.

وكما اختلفت تلك المراجع التى ترجمت لأَبى عمرو فى سنة الوفاة اختلفت أَيضا فى مقدار عمره ، يقول ابن السكيت (٢٤٤ ه‍) : إنه مات عن مائة وثمانى عشرة سنة ، وتبعه فيها المرزبانى ، وزاد ابن الانبارى فجعلها ١١٩ سنة.

ويقول محمد بن يوسف الكندى (٣٥٠ ه‍) فى كتابه الموالى ، على الأَرجح : إنه مات عن مائة سنة وعشر سنين. وهذه الرواية يوثقها ابن خلكان ويقول : وهو الأَصح.

ويذهب آخرون إِلى أَنه مات وقد أَربى على التسعين.

ونحن إِذا عدنا إِلى ما ذكره المؤرخون عن وفاة إِبراهيم الموصلى نرى الكثرة منهم تجمع على أَن وفاته كانت سنة ١٨٨ ه‍ ، على الأَصح ، وأَن القائلين منهم بأَن وفاته كانت سنة ٢١٣ ه‍ قلة ، وروايتهم مرجوحة ، وانظر فى ذلك على سبيل المثال الأَغانى لأَبى الفرج الأصبهانى (٥ : ٣٦ بولاق) ، ووفيات الأَعيان لابن خلكان (ترجمة إبراهيم الموصلى).

١١

أَما عن أَبى العتاهيه فالمؤرخون على أَن وفاته كانت سنة إِحدى عشرة ومائتين ، وقيل : ثلاث عشرة ومائتين ، فليس ثمة رأْى قاطع.

وهكذا نرى أَن هذا الذى ذكره ابن كامل ، ونقله عنه غير واحد ، من أَن وفاة أَبى عمرو كانت فى السنة التى توفى فيها إِبراهيم الموصلى وأَبو العتاهية ، كلام فيه نظر.

ويذكر ياقوت أَن أَبا عمرو عاش إِلى أَيام إِسماعيل بن حماد المعتزلى القاضى ، وأَن ثمة جدلا كان بينه وبينه ، يقول : حدثنى أَبو بكر محمد بن أَحمد بن النضر ، قال : حدثنى نقلا عن النضر ، قال كنت عشية الخميس عند إِسماعيل بن حماد بن أَبى حنيفة ، وجاءَ أَبو عمرو الشيبانى ، فقال لى : من هذا الشيخ؟ قلت : هذا أَبو عمرو الشيبانى صاحب العربية والغريب ، وكان قد أَتى عليه نحو من خمس عشرة سنة ومائة ، فالتفت إِليه أسائله عن أَيامه وسنه. ثم يسوق ياقوت ما كان بينهما من جدل حول خلق القرآن ، ويضيف صاحب لسان الميزان أَن تلك المجادلة كانت بعد أَن ولى إِسماعيل بن حماد قضاءَ بغداد. ويذكر الطبرى أَن ولاية إِسماعيل بن حماد لقضاءِ بغداد كانت سنة ٢٠٨ ه‍ ، ولاه إِياها المأْمون بعد أَن استعفى محمد بن سماعة.

ويذكر الكندى أَن وفاة إسماعيل بن حماد كانت سنة ٢١٢ ه‍.

وهذا يدلنا على أَن أَبا عمرو كان حيًّا إِلى تلك المدة ، أَى فيما بين سنتى ٢٠٨ ، ٢١٢ ، فالقول بأَنه مات قبل سنة ٢٠٨ قول مردود ، وإِذ أَخذنا بالرأْى الذى وثقه ابن خلكان عن مقدار عمر أَبى عمرو ، وأَنه كان مائة سنة وعشرا ، استطعنا أَن نقول : إن مولده كان مع نهاية القرن الأَول الهجرى ، أَى على رأْس المائة الأُولى ، يزيد أَو ينقص قليلا. أَما إِذا أَخذنا بما ذكره ياقوت عن النضر من أَن عُمر أَبى عمرو كان عند ما زار إسماعيل بن حماد نحوا من خمس عشرة سنة ومائة ، كان قول من قال إن عمر أَبى عمرو امتد إِلى سنة عشرين ومائة له سنده ، وأن وفاة أَبى عمرو كانت كما يقول أَحمد ابن كامل سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وهذا يعنى أَن مولد أَبى عمرو كان دون تمام القرن الأَول بما يقرب من سنين خمس ، تزيد أَو تنقص قليلا.

١٢

(ج) عصره :

وهذا العصر الذى أظل أَبا عمرو الشيبانى هو العصر الذى بدأَت فيه الرواية للغة والشعر تأْخذ سبيلها. كما كان العصر الذى تبوأَت فيه الرواية مكانتها ، فمع أَواخر العصر الأُموى كان بدء الرواية ، ومع العصر العباسى الأَول كان تبوؤها مكانتها ، وكانت البصرة والكوفة مهد هذا وذاك ، فكان علماؤهما يخرجون عنهما إلى البادية يجمعون وينقلون عن ألسنة البدو الخُلَّص.

وكانت هجرتهم ـ أَعنى الرواة ـ إِلى من لم تخالط ألسنتهم عجمة ، ممن كانت قريش تتخير أَلفاظهم ، فكانت هجرتهم إِلى قبائل قيس وتميم وهذيل وبعض كنانة وطيئ ، ولم تكن لهم رحلة إِلى البدو المجاورين للحضر ، فلم يأْخذوا عن لخم وجذام لمجاورتهما أَهل مصر ، ولا عن قضاعة وغسان وإياد ، لمجاورتهم أَهل الشام ، إِذ جلهم كانوا نصارى على حظ من العبرية والسريانية ، كما لم يأخذوا عن بكر ، لمجاورتهم النبط والفرس ، ولا من عبد القيس والأزد وعمان ، إِذ كانوا وهم بالبحرين على صلة بالهند وفارس ، كما لم يأْخذوا من أَهل اليمن ، لمخالطتهم الهند والحبشة ، ولا من بنى حنيفة وسكان اليمامة ، ولا من ثقيف وأَهل الطائف ، لمخالطتهم تجار اليمن.

وما إِن أَحس ذلك الفصحاءُ من عرب البادية ، ممن يملكون ما يطمع فيه ، حتى أَخذوا هم الآخرون يرحلون إِلى البصرة والكوفة ، طمعا فى كسبٍ نظير ما يملون.

وكان من هؤلاء الفصحاءِ فى ذلك العصر ، الذى أَظل أَبا عمرو أَو قريبا منه ، ابو البيداءِ الرياحى ، وأَبو مالك عمرو بن كركرة ، وأَبو زياد الكلابى ، وأَبو سوار الغنوى ، وأَبو الشمخ ، وشبيل بن عرعرة الضبعى ، وأَبو ثوابه الأَسدى ، وأبو خيرة شل بن زيد ، وأبو شبل العقيلى ، وأبو محلم الشيبانى ، وأبو مَهْدِيَّة ، وأَبو مسحل ، وأَبو ضمضم الكلابى ، وجهم بن خلف المازنى ، وأَبو العميثل ، والفقعسى.

وقد تردد ذكر الكثير من هؤلاءِ فى كتاب الجيم لأَبى عمرو ، كما تجد فيه ذكرا للقبائل التى أَخذ عنها ، وأَنها كانت من القبائل التى لم تشع فيها عجمة.

١٣

أما عن رواة ذلك العصر الذين عاصرهم أبو عمرو ، أو قارب وتأَثر بهم ، فمنهم :

١ ـ قتادة بن دعامة السدوسى ، من أَهل البصرة ، وكانت وفاته سنة ١١٧ ه‍.

٢ ـ أَبو عمرو زبان بن العلاء ، وكانت وفاته سنة ١٥٤ ه‍.

٣ ـ حماد بن ميسرة الراوية ، نشأَ فى الكوفة ، وكانت وفاته سنة ١٥٤ ه‍.

٤ ـ المفضل بن محمد الضبى ، من أَكابر الكوفيين ، وكانت وفاته سنة ١٦٨ ه‍.

٥ ـ خلف بن حيان الأَحمر ، وكان من أَهل البصرة ، وكانت وفاته سنة ١٨٠ ه‍.

٦ ـ أَبو عبيدة معمر بن المثنى ، وكان يختلف بين البصرة وبغداد ، وكانت وفاته سنة ٢٠٩ ه‍.

٧ ـ الأَصمعى عبد الملك بن قريب ، من أَهل البصرة ، وكانت وفاته سنة ٢١٤ ه‍.

٨ ـ أَبو زيد سعيد بن أَوس الأَنصارى ، من أَهل البصرة ، وكانت وفاته سنة ٢١٥ ه‍.

٩ ـ أَبو عبيد القاسم بن سلام ، من أَهل هراة ، وكانت وفاته سنة ٢٢٣ ه‍.

١٠ ـ أَبو عبد الله محمد بن سلام الجمحى ، بصرى ، وكانت وفاته سنة ٢٣٢ ه‍.

وكما أَظلت هذا العصر الرواية نشأَة ونهضة ، وكانت تلك النشأَة وهذه النهضة فى البصرة والكوفة ، على يد من ذكرنا وأضرابهم ، كذلك أَظل هذا العصر استواء علم النحو ، وكان استواؤه أَيضا على أَيدى البصريين والكوفيين ، تحت سمع أَبى عمرو الشيبانى وبصره ، ونذكر من رجالات هذا العصر فى علم النحو :

١ ـ سيبويه أَبو بشر عمرو بن عثمان ، فى البصرة نشأَ ، وكانت وفاته سنة ١٨٣ ه‍.

٢ ـ أَبو مسلم معاذ الهرّاء ، وقد اختلف بين البصرة وبغداد ، وكانت وفاته سنة ١٨٧ ه‍.

٣ ـ الكسائى على بن حمزة ، كوفى ، وكانت وفاته سنة ١٨٩ ه‍.

٤ ـ الفرّاء أَبو زكريا يحيى بن زياد ، كوفى ، وكانت وفاته سنة ٢٠٧ ه‍.

١٤

٥ ـ ابن السكيت أَبو يوسف يعقوب بن إسحاق ، كوفى ، وكانت وفاته ٢٤٤ ه‍ ، وهو من تلامذة رجلنا أَبى عمرو ، وعنه أخذ النحو.

وفى أَواخر هذا العصر أَخذ علم الحديث تكمل له أُصوله وقواعده ، إِذ كان قبلُ يختلط بعلم الفقه ، وبقى الحديث مقصورا على ما ينقله محدِّث عن محدِّث ، وكان ثمة رجال متفرقون هنا وهناك فى الأمصار لهم جهود فى الجمع :

منهم فى البصرة :

١ ـ سفيان الثورى ، وكانت وفاته سنة ١٦١ ه‍.

٢ ـ السمان ، وكانت وفاته سنة ٢٠٣ ه‍.

٣ ـ عبد الله بن مسلمة ، وكانت وفاته سنة ٢٢١ ه‍.

ومنهم ببغداد :

١ ـ ابن جريج ، وكانت وفاته ١٤٩ ه‍.

٢ ـ كاتب الواقدى ، وكانت وفاته سنة ٢٣٠ ه‍.

ومنهم بالكوفة :

١ ـ زياد البكّائى ، وكانت وفاته ١٨٣ ه‍.

٢ ـ ابن عياش ، وكانت وفاته ١٩٣ ه‍.

وكان إِلى جانب هؤلاءِ الجامعين محدثون ، كما قلنا ، يؤخذ عنهم ويعول على محفوظهم.

(د) نشأَته :

هذه هى ملامح ذلك العصر الذى أَظلَّ أَبا عمرو الشيبانى ، فقد ولد ، كما سبق أَن عرفنا على الأَرجح ، فيما بين سنتى ٩٥ ، ١٠٥ ، وكان مولده غير بعيد عن تلك الرقعة العراقية ، وكانت أُسرته من الدهاقنة ، كما مر بك ، أَى من تجّار العجم الذين ديدنهم النقلة والرحلة ، ويبدو أَنه دخل الكوفة صغيرا ، إِن لم يكن قد ولد بها ، وأَن نشأَته

١٥

بالكوفة كانت فى جوار نفر من الشيبانيين من بنى بكر بن وائل ، وهؤلاءِ الشيبانيون ـ فيما يبدو ـ كان لهم مقام فى الكوفة قبل استيلاءِ الضحّاك بن قيس الخارجى عليها سنة ١٢٧ ه‍ ، فهذا الاستيلاءِ كان لابد له من تمهيد من صلات أُولى سبقته ، نقول هذا لأَن غلبة هذا اللقب ـ أَعنى الشيبانى ـ على رجلنا لابد أَن تجئ مع السنين الأُولى ، وبعيد أَن تجىء متأَخرة والرجل فى السبعين أَو يزيد عليها هذا إِذا أَخذنا بما يقوله ياقوت.

فأَبو عمرو استقبل مستهل القرن الأَول الهجرى فى الكوفة ، واستقبله فى ظل هذا الجوار الشيبانى ، وكان هذا الجوار لحًّا فيما يبدو ، مما حمل بعضهم على أَن يجعله ولاءً ، ويجعل أَبا عمرو مولى ، كما فعل محمد بن يوسف الكندى حين أَرخ له فى كتابه الموالى.

ولقد ظل أَبو عمرو فى الكوفة مدة ، إِلى أَن كانت خلافة الرشيد سنة ١٧٠ ه‍ فترك الكوفة إِلى بغداد ، وعاش بها بقية عمره.

(ه) شيوخه :

ولقد أَخذ أَبو عمرو حظه من التعليم ، كما أَخذ غيره من العلماء ـ الذين ذكرنا بعضهم ـ حظهم.

وما من شك فى أَن هذا الجوار ، أَو هذا الولاء ، مكَّن له شيئا ، فلقد أَخذ بيده أَن ينشأَ متطلعا ، ثم كان لروح العصر أَثرها فى توجيهه.

فلقد عرفت ، مما مر بك ، أَن الرواية كانت من شغل هذا العصر ، كما كان النحو هو الآخر من شغله ، وكذا الحديث ، وهذه الثلاثة كلها ، التى كانت ملامح هذا العصر ، أَخذ فيها أَبو عمرو ، وكان له أَساتذته وشيوخه ، وما من شك فى أَنه كان له من بين من ذكرنا ، من رواة ونحويين ومحدثين ، ممن كانوا أَكبر منه سنا ، لقاءات علمية ، ولكنها فيما يبدو لم تبلغ المشيخة ، اللهم إِلا مع ثلاثة ، هم :

١ ـ أَبو عمرو بن العلاءِ ، ويكاد يكون أُستاذ هذا العصر رواية ونحوا ، وعلما تتلمذ أَبو عمرو الشيبانى ، وعنه أَخذ.

١٦

٢ ـ ركين بن الربيع المحدث ، وعنه حدث أَبو عمرو الشيبانى.

٣ ـ المفضل الضبى ، وكان ثقة من ثقات الكوفة ، وقد قرأَ عليه أَبو عمرو دواوين الشعر.

(و) علمه :

وبعد أَن شب أَبو عمرو خرج إِلى البادية كما يخرج الرواة ، ويحكى عنه أَبو العباس ثعلب يقول : «دخل أبو عمرو إسحاق بن مرار البادية ومعه دستيجان ـ إناءَان ـ حبرا ، فما خرج حتى أَفناهما بكتب سماعه».

ويذكر لنا أَبو عمرو نفسه لقاءً من لقاءاته ، يقول : كنت أَسير على الجسر ببغداد ، وإِذا أَنا بشيخ على حمار مصرى ، بسرج مدينى ، فقلت : إِنه من أَهلها ، فكلمته فإِذا فصاحة وظرف ، فقلت : ممن أَنت؟ فقال : من الأَنصار ، أَنا ابن المولى الشاعر ، إِن كنت سمعت به. قال : قلت : أَى والله ، لقد سمعت به ، أَنت الذى تقول :

ذهب الزمان فما أَحس رجالا

وأَرى الإِقامة بالعراق ضلالا

قال : نعم. قلت : كيف قلت :

يا ليت ناقتى التى أَكريتها

نحزت وأَعقبها النُّحاز سُعالا

قال : لم أَقل كذا ، وإنما قلت «... وأَعقبها القلاب سعالا» ـ القلاب : داء يأْخذ البعير فيشتكى منه قلبه فيموت ـ فدعوت عليها بثلاثة أَدواء.

وهذه تدلنا على مقدار تحريه فى التلقى ، لذا لم يبعد الذين وصفوه ، ممن ترجموا له ، بأَنه كان فاضلا ، عالما بكلام العرب ، حافظا للغاتها.

ولعل فيما نسوقه ما يدلنا على كَلَبه على الجمع ، يقول ثعلب : كان عند أَبى عمرو الشيبانى ما يحتاج إِليه وما لا يحتاج إِليه ، لكثرة ما طلب وجمع.

١٧

ويقول عنه ابنه عمرو : «ولما جمع أَبى أشعار العرب كانت نيفا وثمانين قبيلة ، فكان كلما عمل منها قبيلة وأَخرجها إِلى الناس كتب مصحفا ، وجعله فى مسجد الكوفة ، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطه».

وما يقوله عنه ابنه عمرو صورة حقة لجهده فى الجمع ، ثم فى تصنيف هذا الجمع.

ويروى القفطى أَنه عمل كتاب شعراء ربيعة ومضر واليمن ، إِلى ابن هَرْمة.

وعبارة ياقوت ـ وهو يتكلم على كتب أَبى عمرو ـ : كتاب أشعار القبائل» ختمه بابن هَرْمة.

وإِذا عرفنا أَن ابن هَرْمَةَ مات سنة خمسين ومائة ، ثم إِذا أضفنا إِلى هذا أَن أَبا عمرو كان يعلق المصاحف التى كتبها واحدا بعد الآخر ، كما عرفنا ـ مع انتهائه من جمع شعر كل قبيلة ـ فى مسجد الكوفة ، أَى قبل رحلته إِلى بغداد التى كانت بعد تولى الرشيد الخلافة فيما نرجح ، أَى سنة ١٧٠ ه‍ ، إِذا عرفنا هذا كله استطعنا أَن نقول : إن فراغ أَبى عمرو من جمع شعر القبائل كان فى حياته الأُولى فى الكوفة ، وفى النصف الأَول من القرن الثانى من الهجرة.

ثم إن ما يقوله عنه ابنه عمرو صورة من الإِقرار بالشكر لمولاه على هذا التوفيق لتلك الغاية التى أَحس أَبو عمرو عظمها ، من أَجل هذا نذر لها ذلك النذر الغالى ، وما كتابة مصحف بأَكمله بالأَمر اليسير ، ولقد كان حسب الكاتب أَن يكتب المصحف أَو المصحفين ، فما بالك بمن كتب ما يربى على الثمانين مصحفا ، وما أَظنها إِلا كانت فى أَوقات متقاربة ، ويبدو أَن الرجل كان مجودا فى خطه ، ولو لا هذه ما جعل نذره ذلك الذى فعل.

هذا عن استجابة أَبى عمرو للداعية الأُولى من داعيات البيئة والعصر ، أَعنى الرواية اللغوية والأَدبية ، وسوف ترى فى ثبت مؤلفاته جهده.

١٨

أَما عن استجابته للداعية الثانية من داعيات البيئة والعصر ، أَعنى النحو ، فليس ثمة ما سجل له فى ذلك غير ما يقال من أَن ابن السِّكِّيت أَخذ عنه النحو ، وهو إِلى ذلك ليس فى مؤلفاته مؤلف فى ذلك العلم ، ولكن الذى لا شك فيه أَن الرجل كان ذا مكانة فى هذا العلم ، وأَن علمه به انتشر هنا وهناك ، وضمته المراجع التى كتبت فى هذا العلم ، وحسبك على هذه دليلا أَن الرجل معدود بين النحاة فى كتب النحاة.

أَما عن الثالثة ، وأَعنى بها روايته للحديث ، فلقد أَجمعت المراجع على سماعه ، وأَن هذا السماع كان واسعا ، وأَنه كان عنده من السماع عشرة أَضعاف ما كان عند غيره ، ثم إِن من بين مؤلفاته كتابا فى غريب الحديث ، وهو وإن كان إلى اللغة أَقرب ، إلا أَن هذا لا شك لون من أَلوان العناية بالحديث.

ويقول ابن النديم : كان ثقة فى الحديث.

ويقول أَحمد بن حنبل فى مسنده ، بعقب حديث ابن عُيَيْنة ، عن أَبى الزناد ، عن الأَعرج عن أَبى هريرة ، مرفوعا : أَن «أَخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك».

ثم يعقب أَحمد فيقول : سأَلت أَبا عمرو الشيبانى عن «أَخنع» ، فقال : أَوضع.

وهذه وإن كانت هى الأُخرى أَمسَّ باللغة إِلا أنها تدلنا أَيضا على صلته بالحديث.

هذا إِلى أَن من تلامذته أَحمد بن حنبل ، وهو أَحد أئمة الحديث ، وما نظن روايته عنه إِلا كانت فى الحديث.

ثم إن من شيوخ أَبى عمرو الشيبانى ـ كما مر بك ـ محدثا معروفا ، هو رُكين.

وهكذا نرى كيف استجاب أَبو عمرو الشيبانى لهذه الداعيات الثلاث ، التى لفت بأَرديتها جل من عاصره. إن لم يكن كلهم.

١٩

(ز) هو ونظراؤه :

ويختلفون فى تفضيله على أَبى عبيدة ، فقد روى عن ثعلب أَنه قال : كان مع أَبى عمرو الشيبانى من العلم والسماع عشرة أَضعاف ما كان مع أَبى عبيدة فى السماع والعلم.

ويعقب ياقوت على قول ثعلب هذا فيقول : ولقد أَسرف ثعلب فيما فضل به أَبا عمرو ، فإِننى أَقول : إِن الله لم يخلق رجلا كان أَوسع رواية وعلما من أَبى عبيدة فى زمانه.

ولياقوت لا شك سنده فى ذلك ، فلقد ذكر صاحب الفهرست لأَبى عبيدة ما يربى على مائة مؤلف فى موضوعات شتى.

ثم إِن رجلنا أَبا عمرو كان فيما يبدو لا يجتمع له من الكتب الكثير ، وكان لا يحرص على هذا الجمع ، يقول تلميذه ابن السكيت فى حقه : وكان ربما استعار منى الكتاب ، وأَنا إِذ ذاك صبى آخذ عنه ، وأَكتب من كتبه.

ويقول يونس بن حبيب : دخلت على أَبى عمرو الشيبانى ، وبين يديه قمطر فيه أمناء ـ جمع : من ، وهو مما يوزن به ـ من الكتب يسيرة ، فقلت له : أيها الشيخ ، هذا جميع عملك؟ فتبسم إِلى وقال : إِنه من صدق يسير. يعنى أَنه صفوة الصفوة.

وعلى أَية حال فلقد كان أَبو عمرو محبا للعلم حاثا على طلبه ، ومما يؤثر له فى ذلك قوله : تعلموا العلم فإِنه يوطئ الفقراءَ بسط الملوك.

ثم كان لا ينطوى لأحد على سوءِ ، ويقول : لا يتمنين أَحد أُمنية سوء ، فإِن البلاءَ موكل بالمنطق ، هذا المؤمل قال :

شَفّ المُؤَمَّلَ يوم الحِيرةِ النَّظَرُ

ليتَ المُؤَمَّل لم يُخْلق له بَصَرُ

فذهب بصره. وهذا مجنون بنى عامر قال :

فلو كنتُ أَعمى أَخْبط الأَرضَ بالعَصا

أَصمَّ ونَادَتْنى أَجبتُ المُنادِيَا

فعمى وصم.

٢٠