🚘

الشّفاعة في الكتاب والسنّة

الشيخ جعفر السبحاني

الشّفاعة في الكتاب والسنّة

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ٠
الصفحات: ١١٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله ربّ العالمين ، والصَّلاة والسلام على سيد رُسُله ، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يولي المسلمون أهميّة كبرى للعقيدة الصحيحة لأنّها تشكّل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيءُ دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّسَ رسُولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لإرساء أُسس التوحيد الخالص ، ومكافحة الشرك والوثنية ، ثمّ بنى عليها في الفترة المدنية صَرحَ النظامِ الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.

ولهذا ـ ونظراً للحاجةِ المتزايدة ـ رأينا أن نقدّم للأُمةِ الإسلاميّة الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدَّةٍ من كتاب اللهِ العزيز ، والسنّةِ الشريفة الصحيحة ، والعقل السليم ، وما اتَّفق عليه علماءُ الأُمةِ الكرام ، تُروي ظمأَ العطشانِ ، وتلَبّي حاجةَ المشتاق ، وتساعد على إيقاظ الأُمة ، وتوحيد صفوفها ، والله الموفِّق.

معاونيّة التعليم والبحوث الإسلاميّة

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

يتّسم الدين الإسلامي في أبرز ما يتّسم به ، بأنّه دين الدنيا والآخرة ، ومن هنا يجب على المسلم أن يهتم بالجانبين ، فيعمل لآخرته كما يعمل لدنياه ، ويتزوّد من حياته الحاضرة لحياته الأبديّة المستقبلة كما قال تعالى : (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) (القصص / ٧٧).

ولهذا كان من الواجب على المسلم أن يعمل بالفرائض الدينية ، ويتجنّب المحرّمات الإلهية ، ويلتزم بقواعد الشرع الحنيف ، جهد إمكانه ، فيصلّي الخمس ، ويصوم شهر رمضان ، ويزكّي ماله ، ويحجّ بيت الله الحرام ، ويأمر بكل خير قَدِر عليه ، ويعتمد في تحصيل السعادة الأُخروية على العمل الصالح ، والطاعة لله تعالى ، كيف وقد نصّت الآيات القرآنية على أنّ كلّ امرئ مرهون بعمله ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟

كما نصّت الأحاديث الشريفة المأثورة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته الطاهرة وصرّحت بضرورة العمل والطاعة للحصول على النجاة والسعادة الأُخرويتين.

٤

فقد روي أنّ الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام أمر بحضور جميع أقربائه قبيل وفاته ، ثمّ التفت إليهم وأكّد على أهمية الصلاة. وإليك الحديث بأكمله :

روى أبو بصير عن أصحاب الإمام قال : دخلت على أُم حَميدة (زوجة الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام) أُعزِّيها بأبي عبد الله عليه‌السلام فبكت وبكيت لبكائها ، ثمّ قالت : يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله عليه‌السلام عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ، ثمّ قال : «اجمعوا كلّ من بيني وبينه قرابة».

قالت : فما تركنا أحداً إلّا جمعناه ، فنظر إليهم ثمّ قال : «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة» (١).

فليس للمسلم أن يعول على شيء إذا أهمل الواجبات وترك الفرائض ، أو استهان بها.

نعم ، خلق الإنسان ضعيفاً ـ بحكم جبلته ـ محاصَراً بالشهوات ، محاطاً بالغرائز ، ولذلك ربما سها ولها ، وربّما بدرتْ منه معصية ، واستحوذ عليه الشيطان ، ووقع في شباكه وشراكه ، فعصى من حيث لا يريد ، وخالف من حيث لا يجب ، ثمّ تعرض لضغط الوجدان ، ووخْزِ الضمير ، فهل له أن ييأس في هذه الحالة ويقنط ، وقد قال ربّ العزّة : (لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (يوسف / ٨٧).

كلّا ليس له إلّا الرجاء في رحمة الله ، والأمل في عفوه ولطفه ، وقد فتح الإسلام نوافذ الأمل والرجاء أمام العاصي النادم ، ليعود إلى ربه ،

__________________

(١) الحر العاملي : الوسائل : ٣ / ٧١.

٥

ويواصل مسيرة تكامله في ثقة وطمأنينة.

ومن هذه النوافذ : التوبة والإنابة والاستغفار ، ومنها : الشفاعة للمذنبين ، الشفاعة التي تنالهم وفق معايير وردت في الكتاب والسنّة ، الشفاعة التي يبعث الأمل فيها بصيصاً من الرجاء في نفوس العصاة ، ويمنع من قنوطهم ويأسهم ، ويبعث فيهم روح العمل والنشاط.

وهذا لا يعني تمهيد الطريق للعصاة ، لما للشفاعة من شروط وقيود ، بل هي عملية زرع الأمل ، والرجاء في النفوس ، ما دام الأصل هو العمل والإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات.

وتوضيحاً لهذه الحقيقة ، وتبييناً لهذا المفهوم القرآني الإسلامي أعددنا هذه الرسالة ، آملين أن نلقي الضوء على إحدى السبل الإسلامية لمعالجة اليأس والقنوط الذي يصيب المذنبين.

المؤلف

٦

١

موقف علماء الإسلام من الشفاعة

أجمع علماء الأُمة الإسلاميّة على أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلّين على ذلك بقوله سبحانه : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (الضحى / ٥) والذي أُعْطي هو حقّ الشفاعة الذي يُرضيه ، وبقوله سبحانه : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (الإسراء / ٧٩) واتّفق المفسّرون على أنّ المقصود من المقام المحمود ، هو مقام الشفاعة.

إنّ الشفاعة من المعارف القرآنية التي لا يصح لأحد من المسلمين إيجاد الخلاف والنقاش في أصلها ، وإن كان يمكن لهم الاختلاف في بعض فروعها ، فها نحن نورد آراء كبار علماء الإسلام ـ من القدامى والجدد ـ حتى يُعلَم موقِفهم من هذا الأصل :

١ ـ قال أبو منصور الماتريدي السمرقندي (ت ٣٣٣ ه‍) ، إمام أهل السنّة في المشرق الإسلامي ، بعد أن أورد قوله سبحانه : (وَلا يُقْبَلُ مِنْها

٧

شَفاعَةٌ) (البقرة / ٤٨) ، وقوله تعالى : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) (الأنبياء / ٢٨) قال : إنّ الآية الأُولى وإن كانت تنفي الشفاعة ، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه الآية (١).

٢ ـ وقال تاج الإسلام أبو بكر الكلاباذي (ت ٣٨٠ ه‍) : إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ الإقرار بجملة ما ذكر الله سبحانه وجاءت به الروايات عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الشفاعة واجب ، لقوله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (الضحى / ٥) ولقوله : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (الإسراء / ٧٩) وقوله : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) (الأنبياء / ٢٨). وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» (٢).

٣ ـ وقال الشيخ المفيد (٣٣٦ ـ ٤١٣ ه‍) : اتّفقت الإماميّة على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمته ، وإنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وإنّ أئمة آل محمد عليهم‌السلام كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين (٣).

وقال في موضع آخر : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشفع يوم القيامة في مذنبي أُمته فيشفّعه الله عزوجل ، ويشفع أمير المؤمنين فيشفّعه الله عزوجل ، وتشفع الأئمة في مثل ما ذكرناه فيُشفّعهم الله ، ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ، ويشفّعه الله. وعلى هذا

__________________

(١) تفسير الماتريدي المعروف ب «تأويلات أهل السنّة» : ص ١٤٨ ، والمشار إليه هي الآية الثانية.

(٢) التعرّف لمذهب أهل التصوّف : تحقيق د. عبد الحليم محمود ، شيخ الأزهر الأسبق ، ص ٥٤ ـ ٥٥.

(٣) أوائل المقالات ، ص ١٥.

٨

القول إجماع الإمامية إلّا من شذّ منهم ، وقد نطق به القرآن ، وتظاهرت به الأخبار ، قال الله تعالى في الكفار عند إخباره عن حسراتهم وعلى الفائت لهم ممّا حصل لأهل الإيمان : (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (الشعراء / ١٠٠) ؛ وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي أشفع يوم القيامة فأُشفّع ، ويشفع عليّ عليه‌السلام فيشفّع ، وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه (١).

٤ ـ وقال الشيخ الطوسي (٣٨٥ ـ ٤٦٠ ه‍) : حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع ، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فَيشفِّعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روي من قوله عليه‌السلام : إدّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي ، والشفاعة ثبت عندنا للنبي ، وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين (٢).

٥ ـ قال القاضي عياض بن موسى (ت ٥٤٤ ه‍) : مذهب أهل السنّة هو جواز الشفاعة عقلاً ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنّة عليها (٣).

٦ ـ وقال الإمام أبو حفص النسفي (ت ٥٣٨ ه‍) : والشفاعة ثابتة

__________________

(١) أوائل المقالات ، ص ٥٣.

(٢) التبيان للشيخ الطوسي : ١ / ٢١٣ ـ ٢١٤.

(٣) النوويّ : شرح صحيح مسلم : ٣ / ٣٥ ، دار إحياء التراث العربي.

٩

للرسل والأخيار في حقّ الكبائر بالمستفيض من الأخبار (١).

وقد أيّد التفتازاني في «شرح العقائد النفسية» هذا الرأي وصدّقه دون أي تردّد أو توقف (٢).

٧ ـ وقال الزمخشري (ت ٥٣٨ ه‍) في تفسير قوله تعالى : (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) (البقرة / ٤٨) : كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فَأُويِسوا.

ثمّ أتى بكلام في حد الشفاعة وأنّها للمطيعين لا للعاصين ، وسنوافيك عن ذلك في فصل خاص (٣).

٨ ـ قال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي في كتابه «الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال» : وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها ، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنّة والجماعة فأولئك يرجون رحمةَ الله ، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادّخرت لهم ، وليس في الآية دليل لمنكريها ، لأنّ قوله (يَوْماً) في قوله : (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) (البقرة / ٤٨) أخرجه منكراً. ولا شك أنّ في القيامة مواطن ، يومها معدود بخمسين ألف سنة. فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود ، وفيه المقام المحمود لسيّد البشر ، عليه أفضل الصلاة والسلام.

وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدّد أيامها واختلاف أوقاتها ،

__________________

(١) العقائد النسفية : ص ١٤٨.

(٢) العقائد النسفية : ص ١٤٨.

(٣) الكشاف ، ١ / ٣١٤ ـ ٣١٥.

١٠

منها قوله تعالى : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) (المؤمنون / ١٠١) ، مع قوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (الصافات / ٢٧) ، فيتعيّن حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين ، أحدهما محل للتساؤل ، والآخر ليس له ، وكذلك الشفاعة ، وأدلّة ثبوتها لا تُحصى كثرة (١).

٩ ـ قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) (البقرة / ٤٨) : ربّما تجعل الآية ذريعة على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وأُجيبوا بأنّها مخصوصة بالكفار ، للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة. ويؤيده أنّ الخطاب هنا مع الكفار ، والآية نزلت ردّاً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم (٢).

١٠ ـ وقال الفتال النيسابوري ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ : لا خلاف بين المسلمين أنّ الشفاعة ثابتة مقتضاها إسقاط المضار والعقوبات (٣).

١١ ـ وقال الرصاص الذي هو من علماء القرن السادس الهجري في كتابه «مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم» : إنّ شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة ثابتة قاطعة (٤).

وقال ابن تيمية الحراني الدمشقي (ت ٧٢٨ ه‍) : للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في

__________________

(١) الانتصاف المطبوع بهامش الكشاف ، ١ / ٢١٤ ، ط ١٣٦٧ ه‍.

(٢) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ١ / ١٥٢.

(٣) روضة الواعظين ، ص ٤٠٦.

(٤) مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم المعروف ب (ثلاثين مسألة).

١١

يوم القيامة ثلاث شفاعات ـ إلى أن قال : ـ وأمّا الشفاعة الثالثة فيشفع في من استحقّ النار وهذه الشفاعة له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولسائر النبيّين والصدّيقين وغيرهم في من استحق النار أن لا يدخلها ويشفع في من دخلها (١).

١٢ ـ وقال ابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٣ ه‍) في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (البقرة / ٢٥٥) : هذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزوجل أنّه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلّا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «آتي تحت العرش فأخرّ ساجداً ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثمّ يقال : ارفع رأسك وقل تسمع ، واشفع تشفع. قال : فيحدّ لي حدّاً فأدخلهم الجنّة» (٢).

١٣ ـ وقال نظام الدين القوشجي (ت ٨٧٩ ه‍) في شرحه على «تجريد الاعتقاد» : اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لقوله تعالى : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) وفسّر بالشفاعة (٣).

١٤ ـ قال المحقّق الدواني : الشفاعة لدفع العذاب ، ورفع الدرجات حق لمن أذن له الرحمن من الأنبياء ، والمؤمنين بعضهم لبعض ، لقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (٤).

__________________

(١) مجموعة الرسائل الكبرى ، ١ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

(٢) تفسير ابن كثير : ١ / ٣٠٩ ـ والحديث مروي في صحيح البخاري في تفسير سورة الإسراء ، ج ٦ ، لكن بلفظ آخر.

(٣) علاء الدين القوشجي : شرح التجريد : ص ٥٠١ ، ط ١٣٠٧ ه‍.

(٤) الدواني : شرح العقائد العضدية : ص ٢٠٧ ، ط. مصر.

١٢

١٥ ـ قال الشعراني ، في المبحث السبعين : إنّ محمداً هو أول شافع يوم القيامة ، وأول مشفّع وأولاه فلا أحد يتقدّم عليه ، ثمّ نقل عن جلال الدين السيوطي : إنّ للنبي يوم القيامة ثمان شفاعات ، وله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القامة ثمان شفاعات : وثالثها : فيمن استحقّ دخول النار أن لا يدخلنها (١).

١٦ ـ وقال العلّامة المجلسي (ت ١١١٠ ه‍) : أما الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين وذلك بأنّ الرسول يشفع لأُمته يوم القيامة ، بل للأُمم الأُخرى ، غير أنّ الخلاف إنّما هو في معنى الشفاعة وآثارها هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات ، أو إسقاط العقوبة عن المذنبين؟ والشيعة ذهبت إلى أنّ الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر ، ويعتقدون أيضاً بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة عليهم‌السلام من بعده ، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله لهم بذلك (٢).

١٧ ـ قال محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ ـ ١٢٠٦ ه‍) : وثبتت الشفاعة لنبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد ، ونسألها من المالك لها والآذن فيها بأن نقول : اللهمّ شفِّعْ نبينا محمداً فينا يوم القيامة أو اللهمّ شَفِّعْ فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك ، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم ـ إلى أن قال : ـ إنّ الشفاعة حقّ في الآخرة ، ووجب على كلّ مسلم الإيمان

__________________

(١) الشعراني : اليواقيت والجواهر : ٢ / ١٧٠.

(٢) بحار الأنوار ، ٨ / ٢٩ ـ ٦٣ ؛ حق اليقين ، ص ٤٧٣.

١٣

بشفاعته ، بل وغيره من الشفعاء إلّا أنّ رجاءها من الله ، فالمتعيّن على كل مسلم صرف وجهه إلى ربّه ، فإذا مات استشفع الله فيه نبيه (١).

١٨ ـ وقال السيد سابق : المقصود بالشفاعة سؤال الله الخير للناس في الآخرة. فهي نوع من أنواع الدعاء المستجاب ومنها الشفاعة الكبرى ، ولا تكون إلّا لسيّدنا محمد رسول الله فانّه يسأل الله سبحانه أن يقضي بين الخلق ليستريحوا من هول الموقف ، فيستجيب الله له فيغبطه الأوّلون والآخرون ، ويظهر بذلك فضله على العالمين وهو المقام المحمود الذي وعد الله به في قوله سبحانه : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (الإسراء / ٧٩). ثمّ نقل الآيات والروايات الخاصة بالشفاعة والمثبتة لها وقد ذكر بعض شروط قبولها (٢).

١٩ ـ وقال الدكتور سليمان دنيا : والشفاعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حقّ لمن أذن له الرحمن من الأنبياء عليهم‌السلام والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) وقوله : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٣).

٢٠ ـ يقول الشيخ محمد الفقي : وقد أعطى الله الشفاعة لنبيه ولسائر الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين وكثير من عباده المؤمنين ، لأنّه وإن كانت الشفاعة كلّها لله كما قال : (لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) إلّا أنّه

__________________

(١) الهدية السنية ، الرسالة الثانية ، ص ٤٢.

(٢) العقائد الإسلامية ، ص ٧٣.

(٣) محمد عبده : بين الفلاسفة والكلاميين : ٢ / ٦٢٨.

١٤

تعالى يجوز أن يتفضّل بها على من اجتباهم من خلقه واصطفاهم من عباده وكما يجوز أن يعطي من ملكه ما شاء لمن شاء ولا حرج (١).

هذا نزر من كثير ، وغيض من فيض أوردناه ليكون القارئ على بصيرة من موقف علماء الإسلام من هذه المسألة المهمة. والاستقصاء لكلمات المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين ، يدعونا إلى تأليف مفرد في خصوص هذا الفصل والغرض إراءة نماذج من كلماتهم. وهي نصوص وتصريحات لا تترك ريباً لمرتاب ، ولا شكاً لأحد بأن الشفاعة أصل من أصول الإسلام نطق بها الكتاب الكريم ، وصرّحت بها السنّة النبوية والأحاديث المعتبرة من العترة الطاهرة ، وأنّ الاختلاف إنّما هو في معناها وبعض خصوصياتها وسنوافيك بالتفاصيل.

__________________

(١) التوسل والزيارة في الشريعة المقدسة ، ص ٢٠٦ ، ط. مصر.

١٥

٢

الشفاعة في القرآن الكريم

وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بصورها المتنوعة ثلاثين مرّة في سور شتى ، ووقعت فيها مورداً للنفي تارة والإثبات أُخرى. هذا وينمّ كثرة ورودها والبحث حولها عن مدى اهتمام القرآن بهذا الأصل سواء في مجال النفي أو في مجال الإثبات. غير أنّ الاستنتاج الصحيح من الآيات يحتاج إلى جمع الآيات على صعيد واحد ، حتى يفسّر بعضها بعضاً ويكون البعض قرينة على الأُخرى.

ومن الواضح أنّ الآيات المتعلّقة بالشفاعة على أصناف ، يرمي كلّ صنف إلى هدف خاص كالآتي :

١٦

١ ـ الصنف الأول : ما ينفي الشفاعة

وهو آية واحدة ، يقول سبحانه وتعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة / ٢٥٤) : إلّا أنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تصرّح بوجود الشفاعة عند الله سبحانه ، إلّا أنّها مشروطة بإذنه : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (البقرة / ٢٥٥).

قال العلّامة الطباطبائي : «إنّ لوازم المخالّة إعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أُموره ، فإذا كانت لغير وجه الله كان نتيجتها الإعانة على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد كما قال تعالى بشأن الظالمين يوم القيامة : (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي) الفرقان / ٢٨ ـ ٢٩). أمّا الأخلّاء من المتقين فإن خُلَّتهم تتأكد وتنفعهم يومئذٍ. وفي الخبر النبوي : إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام وقلّت الأنساب وذهبت الإخوة إلّا الأخوة في الله ، وذلك قوله : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف / ٦٧) (١).

وعلى ذلك ، فكما أنّ المنفيّ هو قسم خاص من المخالة دون مطلقها ، فهكذا الشفاعة ، فالمنفيّ بحكم السياق ، قسم خاص من الشفاعة. أضف إلى ذلك أن الظاهر هو نفي الشفاعة في حق الكفار بدليل ما ورد في ذيل الآية ، حيث قال : (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

__________________

(١) الميزان ، ١٨ / ١٢٨.

١٧

٢ ـ الصنف الثاني : ما يفنّد عقيدة اليهود في الشفاعة

وهو الآيات التي خاطبت اليهودَ الذين كانوا يعتقدون بأنّ أنبياءهم وأسلافهم يشفعون لهم وينجُّوهم من العذاب سواء كانوا عاملين بشريعتهم أو عاصين ، وأنّ مجرد الانتماء والانتساب يكفيهم في ذلك المجال. يقول تعالى : (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة / ٤٧ ـ ٤٨).

إنّ وحدة السياق تقضي بأنّ الهدفَ من نفي قبول الشفاعة هو الشفاعة الخاطئة التي كانت تعتقدها اليهود في تلك الفترة من دون أن يشترطوا في الشفيع والمشفوع له شرطاً أو أمراً. ولا صلة لها بالشفاعة المحدودة المأذونة.

* * *

٣ ـ الصنف الثالث : ينفي شمولَ الشفاعة للكفّار

وهو الآيات التي يستشف منها نفي وجود الشفيع يوم القيامة للكفّار الذين انقطعت علاقتهم عن الله لأجل الكفر به وبرسله وكتبه ، كما انقطعت علاقتهم الروحية عن الشفعاء الصالحين لأجل انهماكهم في الفسق والأعمال السيّئة ، فانّه ما لم يكن بين الشفيع والمشفوع له ،

١٨

ارتباطٌ روحي لا يقدر أو لا يقوم الشفيع على إنقاذه وتطهيره وتزكيته. يقول تعالى : (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (الأعراف / ٥٣) ويقول تعالى أيضاً : (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ* فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (الشعراء / ٩٨ ـ ١٠١) ويقول أيضاً : (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ* فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر / ٤٦ ـ ٤٨).

* * *

٤ ـ الصنف الرابع : ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة

وهذا الصنف يرمي إلى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة ، وذلك لأنّ عرب الجاهلية كانت تعبد الأصنام لاعتقادها بشفاعتها عند الله ، وهذه الآيات هي :

أ ـ (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (الأنعام / ٩٤).

ب ـ (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس / ١٨).

ج ـ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ) (الروم / ١٣).

١٩

د ـ (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ) (الزمر / ٤٣).

ه ـ (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ) (يس / ٢٣). والحاصل أنّ القرآن مع أنّه فنّد العقائد الجاهلية وعقائد الوثنيين في باب الشفاعة ، وأبطل كون النظام السائد في الآخرة عين النظام السائد في الدنيا ، لم يُنكِر الشفاعة بالمرّة ، بل أثبتها لأوليائها ، في إطار خاص وبمعايير خاصة. وعلى ذلك فالآيات النافية نزلت بشأن تلك العقيدة السخيفة التي التزمت بها الوثنية وزعمت بموجبها وحدة النظامين ، وأنّ تقديم القرابين والصدقات إلى الأصنام والخشوع والبكاء لديهم ، يُصحِّح قيامهم بالشفاعة وأنّهم قادرون على ذلك بتفويض منه سبحانه إليهم ، بحيث صاروا مستقلين في الفعل والترك.

والآيات المثبتة تشير إلى الشفاعة الصحيحة التي ليست لها حقيقةٌ سوى جريان فيضه سبحانه ومغفرته من طريق أوليائه إلى عباده بإذنه ومشيئته تحتَ شرائط خاصة.

* * *

٥ ـ الصنف الخامس : يخص الشفاعة به سبحانه

وهذه الآيات تبيّن أنّ الشفاعة مختصّة بالله سبحانه لا يشاركه فيها غيره ، والآيات الكريمة هي :

٢٠