🚘

النّهاية - ج ١

مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري [ ابن الأثير ]

النّهاية - ج ١

المؤلف:

مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري [ ابن الأثير ]


المحقق: طاهر احمد الزاوي ومحمود محمد الطناجي
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة اسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

مقدّمة المؤلف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أحمَدُ الله على نعمه بجميع مَحامده ، وأثنى عليه بآلائه في بادئ الأمر وعائده ، وأشكره على وافر عطائه ورافده ، وأعترف بلُطْفه في مصادر التوفيق وموارده.

وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا عبده ورسوله ، شهادة متحلّ بقلائد الإخلاص وفرائده ، مستقل بإحكام قواعد التوحيد ومعاقده.

وأصلى على رسوله جامع نوافر الإيمان وشوارده ، ورافع أعلام الإسلام ومطارده (١) ، وشارع نهج الهدى لقاصده ، وهادى سبيل الحق وماهده ، وعلى آله وأصحابه حماة معالم الدين ومعاهده ، ورادة مشرعه السائغ لوارده.

أما بعد ، فلا خلاف بين أولى الألباب والعقول ، ولا ارتياب عند ذوي المعارف والمحصول ، أنّ علم الحديث والآثار من أشرف العلوم الإسلامية قدرا ، وأحسنها ذكرا ، وأكملها نفعا وأعظمها أجرا.

وأنه أحد أقطاب الإسلام التى يدور عليها ، ومعاقده التى أضيف إليها ، وأنه فرض من فروض الكفايات يجب التزامه ، وحق من حقوق الدين يتعين إحكامه واعتزامه.

وهو على هذه الحال ـ من الاهتمام البيّن والالتزام المتعيّن ـ ينقسم قسمين : أحدهما معرفة ألفاظه ، والثانى معرفة معانيه. ولا شك أنّ معرفة ألفاظه مقدّمة في الرتبة ؛ لأنها الأصل في الخطاب وبها يحصل التفاهم ، فإذا عرفت ترتّبت المعانى عليها ، فكان الاهتمام ببيانها أولى.

ثم الألفاظ تنقسم إلى مفردة ومركبة ، ومعرفة المفردة مقدّمة على معرفة المركبة ؛ لأنّ التركيب فرع عن الإفراد.

__________________

(١) المطارد جمع مطرد ـ على وزن منبر ـ : الرمح القصير.

٣

والألفاظ المفردة تنقسم قسمين : أحدهما خاصّ والآخر عامّ.

أما العام فهو ما يشترك في معرفته جمهور أهل اللسان العربى مما يدور بينهم في الخطاب ، فهم في معرفته شرع سواء أو قريب من السّواء ، تناقلوه فيما بينهم وتداولوه ، وتلقّفوه من حال الصّغر لضرورة التّفاهم وتعلّموه.

وأما الخاصّ فهو ما ورد فيه من الألفاظ اللّغوية ، والكلمات الغريبة الحوشيّة ، التى لا يعرفها إلا من عنى بها ، وحافظ عليها واستخرجها من مظانّها ـ وقليل ما هم ـ فكان الاهتمام بمعرفة هذا النوع الخاصّ من الألفاظ أهمّ مما سواه ، وأولى بالبيان مما عداه ، ومقدّما في الرتبة على غيره ، ومبدوّا في التعريف بذكره ؛ إذ الحاجة إليه ضرورية في البيان ، لازمة في الإيضاح والعرفان.

ثم معرفته تنقسم إلى معرفة ذاته وصفاته : أما ذاته فهى معرفة وزن الكلمة وبنائها ، وتأليف حروفها وضبطها ؛ لئلّا يتبدّل حرف بحرف أو بناء ببناء. وأما صفاته فهى معرفة حركاته وإعرابه ، لئلّا يختلّ فاعل بمفعول ، أو خبر بأمر ، أو غير ذلك من المعانى التى مبنى فهم الحديث عليها ، فمعرفة الذات استقل بها علماء اللغة والاشتقاق ، ومعرفة الصفات استقل بها علماء النحو والتّصريف ، وإن كان الفريقان لا يكادان يفترقان لاضطرار كلّ منهما إلى صاحبه في البيان.

وقد عرفت ـ أيدك الله وإيّانا بلطفه وتوفيقه ـ : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أفصح العرب لسانا ، وأوضحهم بيانا. وأعذبهم نطقا ، وأسدّهم لفظا. وأبينهم لهجة ، وأقومهم حجة. وأعرفهم بمواقع الخطاب ، وأهداهم إلى طرق الصواب. تأييدا إلهيّا ، ولطفا سماويا. وعناية ربّانية ، ورعاية روحانية ، حتى لقد قال له علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه ـ وسمعه يخاطب وفد بنى نهد ـ : يا رسول الله نحن بنو أب واحد ، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال «أدّبنى ربّى فأحسن تأديبى ، وربّيت في بنى سعد». فكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم ، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم ، كلّا منهم بما يفهمون ، ويحادثهم بما يعملون. ولهذا قال ـ صدّق الله قوله ـ : «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» ، فكأنّ الله عزوجل قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بنى أبيه ، وجمع فيه من المعارف ما تفرّق ولم يوجد في قاصى العرب ودانيه. وكان أصحابه رضى الله عنهم ومن يفد عليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله ، وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم.

٤

واستمرّ عصره صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى حين وفاته على هذا السّنن المستقيم. وجاء العصر الثانى ـ وهو عصر الصحابة ـ جاريا على هذا النّمط سالكا هذا المنهج. فكان اللسان العربى عندهم صحيحا محروسا لا يتداخله الخلل ، ولا يتطرّق إليه الزّلل ، إلى أن فتحت الأمصار ، وخالط العرب غير جنسهم من الروم والفرس والحبش والنّبط ، وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادهم ، وأفاء عليهم أموالهم ورقابهم ، فاختلطت الفرق وامتزجت الألسن ، وتداخلت اللغات ونشأ بينهم الأولاد ، فتعلموا من اللسان العربى ما لا بدّ لهم في الخطاب منه ، وحفظوا من اللغة ما لا غنى لهم في المحاورة عنه ، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة إليه ، وأهملوه لقلّة الرّغبة في الباعث عليه ، فصار بعد كونه من أهمّ المعارف مطرحا مهجورا ، وبعد فرضيّته اللازمة كأن لم يكن شيئا مذكورا. وتمادت الأيام والحالة هذه على ما فيها من التّماسك والثّبات ، واستمرّت على سنن من الاستقامة والصلاح ، إلى أن انقرض عصر الصحابة والشأن قريب ، والقائم بواجب هذا الأمر لقلّته غريب. وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم لكنهم قلّوا في الإتقان عددا ، واقتفوا هديهم وإن كانوا مدّوا في البيان يدا ، فما انقضى زمانهم على إحسانهم إلّا واللسان العربىّ قد استحال أعجميا أو كاد ، فلا ترى المستقلّ به والمحافظ عليه إلّا الآحاد.

هذا والعصر ذلك العصر القديم ، والعهد ذلك العهد الكريم ، فجهل الناس من هذا المهمّ ما كان يلزمهم معرفته ، وأخّروا منه ما كان يجب عليهم تقدمته ، واتخذوه وراءهم ظهريّا فصار نسيا منسيّا ، والمشتغل به عندهم بعيدا قصيّا. فلما أعضل الدّاء وعزّ الدّواء ، ألهم الله عزوجل جماعة من أولى المعارف والنّهى ، وذوى البصائر والحجى ، أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفا من عنايتهم ، وجانبا من رعايتهم ، فشرّعوا فيه للناس مواردا ، ومهّدوا فيه لهم معاهدا ، حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع ، وحفظا لهذا المهم العزيز من الاختلال.

فقيل إن أوّل من جمع في هذا الفنّ شيئا وألّف أبو عبيدة معمر بن المثنّى التيمى ، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابا صغيرا ذا أوراق معدودات ، ولم تكن قلّته لجهله بغيره من غريب الحديث ، وإنّما كان ذلك لأمرين : أحدهما أن كلّ مبتدئ لشىء لم يسبق إليه ، ومبتدع لأمر لم يتقدّم فيه عليه ، فإنه يكون قليلا ثم يكثر ، وصغيرا ثم يكبر. والثانى أنّ الناس يومئذ كان فيهم بقية وعندهم معرفة ، فلم يكن الجهل قد عمّ ، ولا الخطب قد طمّ.

ثم جمع أبو الحسن النّضر بن شميل المازنىّ بعده كتابا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبى

٥

عبيدة ، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه. ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعىّ ـ وكان في عصر أبى عبيدة وتأخر عنه ـ كتابا أحسن فيه الصّنع وأجاد ، ونيّف على كتابه وزاد ، وكذلك محمّد ابن المستنير المعروف بقطرب ، وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد ، ولم يكد أحدهم ينفرد عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر. واستمرّت الحال إلى زمن أبى عبيد القاسم بن سلّام وذلك بعد المائتين ، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار الذى صار ـ وإن كان أخيرا ـ أوّلا ، لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة ، والمعانى اللطيفة ، والفوائد الجمّة ، فصار هو القدوة في هذا الشأن فإنه أفنى فيه عمره وأطاب به ذكره ، حتى لقد قال فيما يروى عنه : «إنى جمعت كتابى هذا في أربعين سنة ، وهو كان خلاصة عمرى». ولقد صدق رحمه‌الله فإنه احتاج إلى تتبّع أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على كثرتها وآثار الصحابة والتابعين على تفرّقها وتعدّدها ، حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رواتها. وهذا فن عزيز شريف لا يوفّق له إلا السعداء. وظنّ رحمه‌الله ـ على كثرة تعبه وطول نصبه ـ أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثر الآثار ، وما علم أنّ الشّوط بطين (١) والمنهل معين ، وبقى على ذلك كتابه في أيدى الناس يرجعون إليه ، ويعتمدون في غريب الحديث عليه ، إلى عصر أبى محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينورى رحمه‌الله ، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار ، حذا فيه حذو أبى عبيد ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبى عبيد إلا ما دعت إليه حاجة من زيادة شرح وبيان أو استدراك أو اعتراض ، فجاء كتابه مثل كتاب أبى عبيد أو أكبر منه. وقال في مقدّمة كتابه : «وقد كنت زمانا أرى أن كتاب أبى عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث ، وأن الناظر فيه مستغن به. ثم تعقبت ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة فوجدت ما ترك نحوا مما ذكر ، فتتبّعت ما أغفل وفسرته على نحو ما فسّر ، وأرجو أن لا يكون بقى بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال». وقد كان في زمانه الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربىّ رحمه‌الله ، وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث ، وهو كتاب كبير ذو مجلدات عدّة ، جمع فيه وبسط القول وشرح ، واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها ، وأطاله بذكر متونها وألفاظها ، وإن لم يكن فيها إلا كلمة واحدة غريبة ، فطال لذلك كتابه وبسبب طوله ترك وهجر ، وإن كان كثير الفوائد جمّ المنافع ؛ فإنّ الرّجل كان إماما حافظا متقنا عارفا بالفقه والحديث واللغة والأدب ، رحمة الله عليه.

__________________

(١) أى بعيد.

٦

ثمّ صنّف الناس غير من ذكرنا في هذا الفنّ تصانيف كثيرة ، منهم شمر بن حمدويه ، وأبو العباس أحمد بن يحيى اللغوى المعروف بثعلب. وأبو العباس محمّد بن يزيد الثّمالى المعروف بالمبرّد. وأبو بكر محمّد بن القاسم الأنبارى. وأحمد بن الحسن الكندى. وأبو عمر محمّد بن عبد الواحد الزاهد صاحب ثعلب. وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث.

ولم يخل زمان وعصر ممن جمع في هذا الفن شيئا وانفرد فيه بتأليف ، واستبدّ فيه بتصنيف. واستمرّت الحال إلى عهد الإمام أبى سليمان أحمد بن محمّد بن أحمد الخطّابى البستى رحمه‌الله ، وكان بعد الثلثمائة والستين وقبلها ، فألف كتابه المشهور في غريب الحديث ، سلك فيه نهج أبى عبيد وابن قتيبة ، واقتفى هديهما ، وقال في مقدمة كتابه ـ بعد أن ذكر كتابيهما وأثنى عليهما ـ : «وبقيت بعدهما صبابة للقول فيها متبرّض توليت جمعها وتفسيرها ، مسترسلا بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما ، بعد أن مضى علىّ زمان وأنا أحسب أنه لم يبق في هذا الباب لأحد متكلّم ، وأن الأوّل لم يترك للآخر شيئا وأتّكل على قول ابن قتيبة في خطبة كتابه : إنه لم يبق لأحد في غريب الحديث مقال».

وقال الخطابى أيضا بعد أن ذكر جماعة من مصنفى الغريب وأثنى عليهم : «إلا أن هذه الكتب على كثرة عددها إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد. إذا كان مصنفوها إنما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد فيعتوروه فيما بينهم ، ثم يتباروا في تفسيره ويدخل بعضهم على بعض. ولم يكن من شرط المسبوق أن يفرّج للسابق عما أحرزه ، وأن يقتضب الكلام في شىء لم يفسّر قبله على شاكلة ابن قتيبة وصنيعه في كتابه الذى عقّب به كتاب أبى عبيد. ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التى ذكرناها أن يكون شىء منها على منهاج كتاب أبى عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه ، ولا أن يكون من جنس كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر وتخليص المعانى ، إنما هى أوعامّتها إذا تقسمت وقعت بين مقصّر لا يورد في كتابه إلا أطرافا وسواقط من الحديث ، ثم لا يوفّيها حقها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى ، وبين مطيل يسرد الأحاديث المشهورة التى لا يكاد يشكل منها شىء ، ثم يتكلف تفسيرها ويطنب فيها. وفي الكتابين غنى ومندوحة عن كلّ كتاب ذكرناه قبل ؛ إذ كانا قد أتيا على جماع

٧

ما تضمنت الأحاديث المودعة فيهما من تفسير وتأويل ، وزادا عليه فصارا أحق به وأملك له ، ولعل الشىء بعد الشىء منها قد يفوتهما.

قال الخطابى : وأما كتابنا هذا فإنى ذكرت فيه ما لم يرد في كتابيهما ، فصرفت إلى جمعه عنايتى ، ولم أزل أتتبع مظانّها وألتقط آحادها ، حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفّق له ، واتسق الكتاب فصار كنحو من كتاب أبى عبيد أو كتاب صاحبه.

قال : وبلغنى أن أبا عبيد مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث والأثر ، والناس إذ ذاك متوافرون ، والروضة أنف ، والحوض ملآن. ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده. ثم سعى له أبو محمّد سعى الجواد ، فأسأر القدر الذى جمعناه في كتابنا ، وقد بقى من وراء ذلك أحاديث ذوات عدد لم أتيسر لتفسيرها تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده ، ولكل وقت قوم ، ولكل نشء علم. قال الله تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).

قلت : لقد أحسن الخطابى رحمة الله عليه وأنصف ، عرف الحق فقاله ، وتحرّى الصدق فنطق به ، فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمّهات الكتب ، وهى الدائرة في أيدى الناس والتى يعوّل عليها علماء الأمصار ، إلا أنها وغيرها من الكتب المصنفة التى ذكرناها أو لم نذكرها لم يكن فيها كتاب صنف مرتّبا ومقفّى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلّا كتاب الحربى ، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلّا بعد تعب وعناء. ولا خفاء بما في ذلك من المشقة والنّصب مع ما فيه من كون الحديث المطلوب لا يعرف في أىّ واحد من هذه الكتب هو ، فيحتاج طالب غريب حديث إلى اعتبار جميع الكتب أو أكثرها حتى يجد غرضه من بعضها. فلما كان زمن أبى عبيد أحمد بن محمّد الهروى صاحب الإمام أبى منصور الأزهرى اللغوى ، وكان في زمن الخطابى وبعده وفي طبقته ، صنّف كتابه المشهور السائر في الجمع بين غريبى القرآن العزيز والحديث ، ورتبه مقفى على حروف المعجم على وضع لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه. فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها وأثبتها في حروفها وذكر معانيها ؛ إذ كان الغرض والمقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغة وإعرابا ومعنى ، لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق أسانيدها وأسماء رواتها ، فإن ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله.

٨

ثمّ إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبى عبيد وابن قتيبة وغيرهما ممن تقدّمه عصره من مصنّفى الغريب ، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنّفة قبله ، فجاء كتابه جامعا في الحسن بين الإحاطة والوضع. فإذا أراد الإنسان كلمة غريبة وجدها في حرفها بغير تعب ، إلا أنه جاء الحديث مفرّقا في حروف كلماته حيث كان هو المقصود والغرض ، فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار ، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار. وما زال الناس بعده يقتفون هديه ، ويتبعون أثره ، ويشكرون له سعيه ، ويستدركون مافاته من غريب الحديث والآثار ، ويجمعون فيه مجاميع. والأيام تنقضى ، والأعمار تفنى ولا تنقضى إلا عن تصنيف في هذا الفنّ إلى عهد الإمام أبى القاسم محمود بن عمر الزمخشرى الخوارزمى رحمه‌الله ، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث وسماه «الفائق (١)». ولقد صادف هذا الاسم مسمّى ، وكشف من غريب الحديث كل معمّى ، ورتّبه على وضع اختاره مقفّى على حروف المعجم ، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة ، وإن كانت دون غيره من متقدّم الكتب لأنه جمع فى التّقفية بين إيراد الحديث مسرودا جميعه أو أكثره أو أقله ، ثم شرح ما فيه من غريب فيجىء شرح كل كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم ، فترد الكلمة في غير حرفها ، وإذا تطلّبها الإنسان تعب حتى يجدها ، فكان كتاب الهروى أقرب متناولا وأسهل مأخذا ، وإن كانت كلماته متفرقة في حروفها ، وكان النفع به أتمّ والفائدة منه أعمّ.

فلما كان زمن الحافظ أبى موسى محمّد بن أبى بكر بن أبى عيسى المدينى الأصفهانى ، وكان إماما في عصره حافظا متقنا تشدّ إليه الرحال ، وتناط به من الطلبة الآمال ، قد صنف كتابا جمع فيه مافات الهروى من غريب القرآن والحديث يناسبه قدرا وفائدة ، ويماثله حجما وعائدة ، وسلك في وضعه مسلكه ، وذهب فيه مذهبه ، ورتّبه كما رتّبه ، ثم قال : «واعلم أنه سيبقى بعد كتابى أشياء لم تقع لى ولا وقفت عليها ؛ لأن كلام العرب لا ينحصر». ولقد صدق رحمه‌الله فإن الذى فاته من الغريب كثير ، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.

وكان في زماننا أيضا معاصر أبى موسى الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن على ابن الجوزى

__________________

(١) طبع بمطبعة عيسى البابى الحلبى وشركاه بالقاهرة ١٣٦٦ ه‍ ـ ١٩٤٧ م.

٩

البغدادى رحمه‌الله ، كان متفنّنا في علومه متنوّعا في معارفه ، فاضلا ، لكنه كان يغلب عليه الوعظ. وقد صنّف كتابا في غريب الحديث خاصّة نهج فيه طريق الهروى في كتابه ، وسلك فيه محجّته مجردا من غريب القرآن. وهذا لفظه في مقدمته بعد أن ذكر مصنّفى الغريب : قال : «فقويت الظّنون أنه لم يبق شىء ، وإذا قد فاتهم أشياء ، فرأيت أن أبذل الوسع في جمع غريب حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه وتابعيهم ، وأرجو ألّا يشذّ عنى مهمّ من ذلك ، وأن يغنى كتابى عن جميع ما صنّف في ذلك». هذا قوله.

ولقد تتبعت كتابه فرأيته مختصرا من كتاب الهروى ، منتزعا من أبوابه شيئا فشيئا ووضعا فوضعا ، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشّاذّة واللفظة الفاذّة. ولقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهروى فلم يكن إلا جزءا يسيرا من أجزاء كثيرة.

وأما أبو موسى الأصفهانى رحمه‌الله فإنه لم يذكر في كتابه مما ذكره الهروى إلا كلمة اضطر إلى ذكرها إما لخلل فيها ، أو زيادة في شرحها ، أو وجه آخر في معناها ، ومع ذلك فإن كتابه يضاهى كتاب الهروى كما سبق ؛ لأن وضع كتابه استدراك مافات الهروى.

ولما وقفت على كتابه الذى جعله مكمّلا لكتاب الهروى ومتممّا وهو في غاية من الحسن والكمال ، وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلّبها في أحد الكتابين فإن وجدها فيه وإلا طلبها من الكتاب الآخر ، وهما كتابان كبيران ذوا مجلدات عدّة ، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة ، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مجرّدا من غريب القرآن ، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلا لكلفة الطلب ، وتمادت بى الأيام في ذلك أقدّم رجلا وأؤخّر أخرى ، إلى أن قويت العزيمة وخلصت النية ، وتحقّقت في إظهار ما في القوة إلى الفعل ، ويسّر الله الأمر وسهّله ، وسنّاه ووفّق إليه ، فحينئذ أمعنت النظر وأنعمت الفكر في اعتبار الكتابين والجمع بين ألفاظهما ، وإضافة كل منهما إلى نظيره في بابه ، فوجدتهما ـ على كثرة مما أودع فيهما من غريب الحديث والأثر ـ قد فاتهما الكثير الوافر ، فإنى في بادئ الأمر وأوّل النظر مرّ بذكرى كلمات غريبة من غرائب أحاديث الكتب الصّحاح كالبخارى ومسلم ـ وكفاك بهما شهرة في كتب الحديث ـ لم يرد شىء منها في هذين الكتابين ، فحيث عرفت ذلك تنبهت لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدوّنة المصنفة في أوّل الزمان وأوسطه وآخره. فتتبعتها واستقريت ما حضرنى منها ،

١٠

واستقصيت مطالعتها من المسانيد والمجاميع وكتب السّنن والغرائب قديمها وحديثها ، وكتب اللغة على اختلافها ، فرأيت فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين كثيرا ، فصدفت حينئذ عن الاقتصار على الجمع بين كتابيهما ، وأضفت ما عثرت عليه ووجدته من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها وأمثالها.

وما أحسن ما قال الخطّابى وأبو موسى رحمة الله عليهما في مقدمتى كتابيهما ، وأنا أقول أيضا مقتديا بهما : كم يكون قد فاتنى من الكلمات الغريبة التى تشتمل عليها أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه وتابعيهم رضى الله عنهم ، جعلها الله سبحانه ذخيرة لغيرى يظهرها على يده ليذكر بها. ولقد صدق القائل الثّانى : كم ترك الأوّل للآخر ، فحيث حقق الله سبحانه النية في ذلك سلكت طريق الكتابين في التّرتيب الذى اشتملا عليه ، والوضع الذى حوياه من التّقفية على حروف المعجم بالتزام الحرف الأوّل والثانى من كلّ كلمة ، وإتباعهما بالحرف الثالث منها على سياق الحروف ، إلّا أنّى وجدت في الحديث كلمات كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بنيت الكلمة عليها حتى صارت كأنها من نفسها ، وكان يلتبس موضعها الأصلى على طالبها ، لا سيّما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يفرقون بين الأصلى والزائد ، فرأيت أن أثبتها في باب الحرف الذى هو في أوّلها وإن لم يكن أصليّا ونبّهت عند ذكره على زيادته لئلّا يراها أحد في غير بابها فيظنّ أنى وضعتها فيه للجهل بها فلا أنسب إلى ذلك ، ولا أكون قد عرّضت الواقف عليها للغيبة وسوء الظنّ. ومع هذا فإن المصيب في القول والفعل قليل بل عديم. ومن الذى يأمن الغلط والسهو والزّلل؟ نسأل الله العصمة والتوفيق.

وأنا أسأل من وقف على كتابى هذا ورأى فيه خطأ أو خللا أن يصلحه وينبّه عليه ويوضّحه ويشير إليه حائزا بذلك منى شكرا جميلا ، ومن الله تعالى أجرا جزيلا.

وجعلت على ما فيه من كتاب الهروى (هاء) بالحمرة ، وعلى ما فيه من كتاب أبى موسى (سينا) وما أضفته من غيرهما مهملا بغير علامة ليتميز ما فيهما عما ليس فيهما.

وجميع ما في هذا الكتاب من غريب الحديث والآثار ينقسم قسمين : أحدهما مضاف إلى مسمّى ، والآخر غير مضاف ، فما كان غير مضاف فإن أكثره والغالب عليه أنه من أحاديث رسول الله صلى الله

١١

عليه وسلم إلا الشىء القليل الذى لا تعرف حقيقته هل هو من حديثه أو حديث غيره ، وقد نبّهنا عليه في مواضعه. وأما ما كان مضافا إلى مسمى فلا يخلو إما أن يكون ذلك المسمّى هو صاحب الحديث واللفظ له ، وإما أن يكون راويا للحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو غيره ، وإما أن يكون سببا في ذكر ذلك الحديث أضيف إليه ، وإما أن يكون له فيه ذكر عرف الحديث به واشتهر بالنسبة إليه ، وقد سميته :

(النهاية في غريب الحديث والأثر)

وأنا أرغب إلى كرم الله تعالى أن يجعل سعيى فيه خالصا لوجهه الكريم ، وأن يتقبله ويجعله ذخيرة لي عنده يجزينى بها في الدار الآخرة ، فهو العالم بمودعات السّرائر وخفيّات الضّمائر. وأن يتغمّدنى بفضله ورحمته ، ويتجاوز عنّى بسعة مغفرته. (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ). وعليه أتوكل (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).

١٢

حرف الهمزة

باب الهمزة مع الباء

(أبب) (في حديث أنس) أن عمر بن الخطاب قرأ قول الله تعالى : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) وقال : «فما الأبّ؟ ثم قال : ما كلّفنا أو ما أمرنا بهذا». الأَبُ : المرعى المتهيّئ للرّعى والقطع : وقيل الأبّ من المرعى للدّواب كالفاكهة للإنسان. ومنه حديث قسّ بن ساعدة : فجعل يرتع أَبّاً ، وأصيد ضبّا.

(أبد) [ه] قال رافع بن خديج : أصبنا نهب إبل فندّ منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن لهذه الإبل (١) أَوَابِدَ كأوابد الوحش ، فإذا غلبكم منها شىء فافعلوا به هكذا» الْأَوَابِدُ جمع آبِدَة وهى التى قد تَأَبَّدَتْ أى توحّشت ونفرت من الإنس. وقد أَبَدَتْ تَأْبِدُ وتَأْبُدُ.

ومنه حديث أم زرع «فأراح علىّ من كلّ سائمة زوجين ، ومن كل آبِدَة اثنتين» تريد أنواعا من ضروب الوحش. ومنه قولهم : جاء بِآبِدَة : أى بأمر عظيم ينفر منه ويستوحش. وفي حديث الحج «قال له سراقة بن مالك : أرأيت متعتنا هذه ألعامنا أم لِلْأَبَدِ؟ فقال : بل هى للأَبَدِ» وفي رواية «ألعامنا هذا أم لِأَبَد؟ فقال : بل لأبد أبد» وفي أخرى «لأبد الأبد» والأَبَدُ : الدّهر ، أى هى لآخر الدهر.

(أبر) (ه) فيه «خير المال مهرة مأمورة ، وسكّة مَأْبُورَة» السّكّة : الطريقة المصطفّة من النّخل ، والمَأْبُورَة الملقّحة ، يقال : أَبَرْتُ النّخلة وأَبَّرْتُهَا فهى مَأْبُورَة ومُؤَبَّرَة ، والاسم الإِبَارُ. وقيل السّكّة : سكّة الحرث ، والمَأْبُورَةُ المصلحة له ، أراد : خير المال نتاج أو زرع.

(ه) ومنه الحديث «من باع نخلا قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»

ومنه حديث على بن أبى طالب في دعائه على الخوارج «أصابكم حاصب ولا بقى منكم آبِرٌ»

__________________

(١) في الهروى : البهائم.

١٣

أى رجل يقوم بِتَأْبِيرِ النخل وإصلاحها ، فهو اسم فاعل من أَبَرَ المخففة ، ويروى بالثاء المثلثة ، وسيذكر في موضعه. ومنه قول مالك ابن أنس «يشترط صاحب الأرض على المساقى كذا وكذا وإِبَارَ النخل».

(س) وفي حديث أسماء بنت عميس «قيل لعلى : ألا تتزوّج ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ فقال : ما لى صفراء ولا بيضاء ، ولست بِمَأْبُورٍ في دينى فيورّى بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنى ، إنى لأوّل من أسلم» المَأْبُور : من أَبَرَتْهُ العقرب : أى لسعته بِإِبْرَتِهَا ، يعنى : لست غير الصحيح الدين ، ولا المتّهم في الإسلام فيتألّفنى عليه بتزويجها إيّاى. ويروى بالثاء المثلثة ، وسيذكر. ولو روى : لست بمأبون ـ بالنون ـ أى متّهم لكان وجها.

(س) ومنه حديث مالك [بن دينار](١) «مثل المؤمن مثل الشاة المَأْبُورَة» أى التى أكلت الأَبْرَة في علفها فنشبت في جوفها ، فهى لا تأكل شيئا ، وإن أكلت لم ينجع فيها.

(س) ومنه حديث على «والذى فلق الحبّة وبرأ النّسمة لتخضبنّ هذه من هذه ، وأشار إلى لحيته ورأسه» فقال الناس : لو عرفناه أَبَرْنَا عترته : أى أهلكناه ، وهو من أَبَرْتُ الكلبَ إذا أطعمته الإِبْرَةَ في الخبز ، هكذا أخرجه الحافظ أبو موسى الأصفهانى في حرف الهمزة ، وعاد أخرجه في حرف الباء ، وجعله من البوار : الهلاك ، فالهمزة في الأوّل أصلية ، وفي الثانى زائدة ، وسيجىء في موضعه (٢).

(أبرد) (س) فيه «إنّ البطيخ يقلع (٣) الإِبْرِدَة» الإِبْرِدَة ـ بكسر الهمزة والراء ـ علة معروفة من غلبة البرد والرطوبة تفتّر عن الجماع ، وهمزتها زائدة ، وإنما أوردناها هاهنا حملا على ظاهر لفظها.

(أبرز) (ه) فيه «ومنه ما يخرج كالذهب الإِبْرِيزِ» أى الخالص ، وهو الإِبْرِيزِيُ أيضا ، والهمزة والياء زائدتان.

(أبس) (س) في حديث جبير بن مطعم قال : «جاء رجل إلى قريش من فتح خيبر فقال : إنّ أهل خيبر أسروا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويريدون أن يرسلوا به إلى قومه ليقتلوه ،

__________________

(١) الزيادة من ا.

(٢) زاد الهروى في المادة ، وهو أيضا في اللسان : وفي حديث الشورى : «لا تؤبروا آثاركم» قال الرياشى : أى تعفوا عليها. وقال : ليس شىء من الدواب يؤبر أثره حتى لا يعرف طريقه إلا التفة. وهو عناق الأرض.

(٣) في ا واللسان : «يقطع».

١٤

فجعل المشركون يُؤَبِّسُونَ به العباس» أى يعيّرونه. وقيل يخوّفونه. وقيل يرغمونه. وقيل يغضبونه ويحملونه على إغلاظ القول له. يقال : أَبَسْتُهُ أَبْساً وأَبَّسْتُهُ تَأْبِيساً.

(أبض) (س) فيه «أن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بال قائما لعلّة بِمَأْبِضَيْهِ» المَأْبِضُ : باطن الركبة هاهنا ، وهو من الإِبَاض. الحبل الذى يشدّ به رسغ البعير إلى عضده. والمَأْبِضُ مفعل منه : أى موضع الإِبَاضِ. والعرب تقول : إن البول قائما يشفى من تلك العلّة. وسيجىء في حرف الميم.

(أبط) ـ فيه «أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندى يَتَأَبَّطُهَا» أى يجعلها تحت إِبْطِهِ

(ه) ومنه حديث أبى هريرة «كانت رديته التَّأَبُّطَ» هو أن يدخل الثوب تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر.

(ه) ومنه حديث عمرو بن العاص «أنه قال لعمر : إنى والله ما تَأَبَّطَتْنِي الإماء» أى لم يحضنّنى ويتولّين تربيتى.

(أبق) ـ فيه «أن عبدا لابن عمر أَبَقَ فلحق بالروم» أَبَقَ العبد يَأْبَقُ ويَأْبِقُ إِبَاقاً إذا هرب ، وتَأَبَّقَ إذا استتر. وقيل احتبس. ومنه حديث شريح «كان يردّ العبد من الإِبَاقِ الباتّ» أى القاطع الذى لا شبهة فيه. وقد تكرر ذكر الإباق في الحديث.

(أبل) (س) فيه «لا تبع الثمرة حتى تأمن عليها الأُبْلَة» الأُبْلَة بوزن العهدة (١) : العاهة والآفة. وفي حديث يحيى بن يعمر «كل مال أدّيت زكاته فقد ذهبت أَبَلَتُهُ» ويروى «وبلته» الأَبَلَةُ ـ بفتح الهمزة والباء ـ الثّقل والطّلبة. وقيل هو من الوبال ، فإن كان من الأوّل فقد قلبت همزته في الرواية الثانية واوا ، وإن كان من الثانى فقد قلبت واوه في الرواية الأولى همزة.

(س) وفيه «الناس كَإِبِلٍ مائة لا تجد فيها راحلة» يعنى أن المرضىّ المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنّجيب من الإبل القوىّ على الأحمال والأسفار الذى لا يوجد في كثير من الإبل. قال الأزهرى : الذى عندى فيه أن الله ذمّ الدنيا وحذّر العباد سوء مغبّتها ، وضرب لهم فيها الأمثال ليعتبروا ويحذروا ، كقوله تعالى «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ» الآية. وما أشبهها من الآى. وكان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم

__________________

(١) جاء في اللسان : رأيت نسخة من نسخ النهاية ، وفيها حاشية ، قال : «قول أبى موسى : الأبلة ـ بوزن العهدة ـ : وهم» ، وصوابه «الأبلة ـ بفتح الهمزة والباء ـ كما جاء في أحاديث أخر».

١٥

يحذّرهم ما حذّرهم الله ويزهّدهم فيها ، فرغب أصحابه بعده فيها وتنافسوا عليها حتى كان الزهد في النادر القليل منهم ، فقال : تجدون الناس بعدى كَإِبِلٍ مائة ليس فيها راحلة ، أى أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليل كقلّة الراحلة في الإبل. والراحلة هى البعير القوىّ على الأسفار والأحمال ، النّجيب التام الخلق الحسن المنظر. ويقع على الذكر والأنثى. والهاء فيه للمبالغة.

ومنه حديث ضوالّ الإبل «أنها كانت في زمن عمر إِبِلاً مُؤَبَّلَةً لا يمسها أحد» إذا كانت الإبل مهملة قيل إِبِلٌ أُبِّلَ ، فإذا كانت للقنية قيل إِبِلٌ مُؤَبَّلَة ، أراد أنها كانت لكثرتها مجتمعة حيث لا يتعرّض إليها.

(ه) وفي حديث وهب «تَأَبَّلَ آدم عليه‌السلام على حوّاء بعد مقتل ابنه كذا وكذا عاما» أى توحّش عنها وترك غشيانها.

(س) ومنه الحديث «كان عيسى عليه‌السلام يسمّى أَبِيلَ الأَبِيلِينَ» الأَبِيل ـ بوزن الأمير ـ : الراهب ، سمى به لتأبّله عن النّساء وترك غشيانهنّ ، والفعل منه أَبَلَ يَأْبُلُ إِبَالَةً إذا تنسّك وترهّب. قال الشاعر :

وما سبّح الرّهبان في كلّ بلدة

أَبِيلَ الأَبِيلِينَ المسيح بن مريما (١)

ويروى :

أبيل الأَبِيلِيِّينَ عيسى بن مريما

على النسب

(س) وفي حديث الاستسقاء «فألّف الله بين السحاب فَأُبِلْنَا» أى مطرنا وَابِلاً ، وهو المطر الكثير القطر ، والهمزة فيه بدل من الواو ، مثل أكّد ووكّد. وقد جاء في بعض الروايات «فألف الله بين السحاب فَوَبَلَتْنَا» جاء به على الأصل.

وفيه ذكر «الأُبُلَّة» وهي بضم الهمزة والباء وتشديد اللام : البلد المعروف قرب البصرة من جانبها البحرى. وقيل هو اسم نبطىّ وفيه ذكر «أُبْلَى» ـ هو بوزن حبلى ـ موضع بأرض بنى سليم بين مكة والمدينة ، بعث إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قوما.

__________________

(١) نسبه في اللسان إلى ابن عبد الجن. وروايته فيه هكذا :

* وما قدّس الرهبان في كلّ هيكل * .. البيت

وهو في تاج العروس لعمرو بن عبد الحق.

١٦

وفيه ذكر «آبِل» ـ وهو بالمد وكسر الباء ـ موضع له ذكر في جيش أسامة ، يقال له آبِلَ الزّيت.

(أبلم) (س) في حديث السقيفة «الأمر بيننا وبينكم كقدّ الأُبْلُمَة» الأُبْلُمَة بضم الهمزة واللام وفتحهما وكسرهما : خوصة المقل ، وهمزتها زائدة. وإنما ذكرناها هاهنا حملا على ظاهر لفظها. يقول : نحن وإياكم في الحكم سواء ، لا فضل لأمير على مأمور ، كالخوصة إذا شقّت باثنتين متساويتين.

(أبن) (ه) في وصف مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا تُؤْبَنُ فيه الحرم» أى لا يذكرن بقبيح ، كان يصان مجلسه عن رفث القول. يقال : أَبَنْتُ الرجل آبِنُهُ وآبُنُهُ إذا رميته بخلّة سوء ، فهو مَأْبُونٌ ، وهو مأخوذ من الأُبَنِ (١) ، وهى العقد تكون في القسىّ تفسدها وتعاب بها

(ه) ومنه الحديث «أنه نهى عن الشّعر إذا أُبِّنَتْ فيه النساء»

(ه) ومنه حديث الإفك «أشيروا علىّ في أناس أَبَنُوا أهلى» أى اتهموها. والأَبْنُ التهمة

(ه) ومنه حديث أبى الدرداء «أن نُؤْبَنَ بما ليس فينا فربما زكّينا بما ليس فينا»

ومنه حديث أبى سعيد «ما كنا نَأْبِنُهُ برقية» أى ما كنا نعلم أنه يرقى فنعيبه بذلك

(س) ومنه حديث أبى ذرّ «أنه دخل على عثمان بن عفان فما سبّه ولا أَبَّنَهُ» أى ما عابه. وقيل هو أنّبه بتقديم النون على الباء من التأنيب : اللوم والتوبيخ.

(س) وفي حديث المبعث «هذا إِبَّانُ نجومه» أى وقت ظهوره ، والنون أصلية فيكون فعّالا. وقيل هى زائدة ، وهو فعلان من أبّ الشىء إذا تهيّأ للذهاب. وقد تكرر ذكره في الحديث

(س) وفي حديث ابن عباس «فجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : أُبَيْنَى لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» من حقّ هذه اللفظة أن تجىء في حرف الباء ، لأن همزتها زائدة. وأوردناها هاهنا حملا على ظاهرها. وقد اختلف في صيغتها ومعناها : فقيل إنه تصغير أَبْنَى ، كأعمى وأعيمى ، وهو اسم مفرد يدل على الجمع. وقيل إنّ ابْناً يجمع على أَبْنَا مقصورا وممدودا. وقيل هو تصغير ابْنٍ ، وفيه نظر. وقال أبو عبيد : هو تصغير بَنِىَّ جمع ابْن مضافا إلى النفس ، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِىّ بوزن سريجىّ. وهذه التقديرات على اختلاف الروايات.

وفي الحديث «وكان من الأَبْنَاءِ» الأَبْنَاءُ في الأصل جمع ابن ، ويقال لأولاد فارس الأبناء ، وهم

__________________

(١) في الهروى : الواحدة «أبنة» بضم الهمزة وسكون الباء وفتح النون

١٧

الذين أرسلهم كسرى مع سيف ابن ذى يزن لما جاء يستنجده على الحبشة فنصروه وملكوا اليمن وتديّروها وتزوّجوا في العرب ، فقيل لأولادهم الأَبْنَاءُ ، وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم.

وفي حديث أسامة قال له النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أرسله إلى الروم «أغر على أُبْنَى صباحا» هى بضم الهمزة والقصر : اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرّملة ، ويقال لها يُبْنَى بالياء.

(أبه) (ه) فيه «ربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يُؤْبَهُ له» أى لا يحتفل به لحقارته. يقال أَبَهْتُ له آبَهُ.

(س) ومنه حديث عائشة في التعوّذ من عذاب القبر «أشىء أوهمته (١) لم آبَهْ له ، أو شىء ذكّرته [إياه](٢)» أى لا أدرى أهو شىء ذكره النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكنت غفلت عنه فلم آبه له ، أم شىء ذكّرته إياه وكان يذكره بعد.

وفي كلام علي «كم من ذي أُبَّهَةٍ قد جعلته حقيرا» الأُبَّهَة بالضم وتشديد الباء : العظمة والبهاء

(س) ومنه حديث معاوية «إذا لم يكن المخزومى ذا بأو وأُبَّهَة لم يشبه قومه» يريد أن بنى مخزوم أكثرهم يكونون هكذا.

(أبهر) (س) فيه «ما زالت أكلة خيبر تعادّنى فهذا أوان قطعت أَبْهَرِي» الأَبْهَر عرق في الظهر ، وهما أَبْهَرَان. وقيل هما الأكحلان اللذان في الذّراعين. وقيل هو عرق مستبطن القلب فإذا انقطع لم تبق معه حياة. وقيل الأَبْهَرُ عرق منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم ، وله شرايين تتّصل بأكثر الأطراف والبدن ، فالذى في الرأس منه يسمى النّأمة ، ومنه قولهم : أسكت الله نأمته أى أماته ، ويمتدّ إلى الحلق فيسمى فيه الوريد ، ويمتد إلى الصدر فيسمّى الأَبْهَر ، ويمتد إلى الظهر فيسمّى الوتين ، والفؤاد معلّق به ، ويمتدّ إلى الفخذ فيسمى النّسا ، ويمتد إلى الساق فيسمى الصّافن. والهمزة في الأبهر زائدة. وأوردناه هاهنا لأجل اللفظ. ويجوز في «أوان» الضم والفتح : فالضم لأنه خبر المبتدأ ، والفتح على البناء لإضافته إلى مبنى ، كقوله :

على حين عاتبت المشيب على الصّبا

وقلت ألّما تصح والشّيب وازع

_________________

(١) أوهمت الشىء : تركته.

(٢) الزيادة من اللسان.

١٨

ومنه حديث علي «فيلقى بالفضاء منقطعا أَبْهَرَاهُ».

(أبا) ـ قد تكرر في الحديث «لا أَبَا لك» وهو أكثر ما يذكر في المدح : أى لا كافى لك غير نفسك. وقد يذكر في معرض الذّم كما يقال لا أمّ لك ، وقد يذكر في معرض التعجّب ودفعا للعين ، كقولهم لله درّك ، وقد يذكر بمعنى جدّ في أمرك وشمّر ؛ لأن من له أب اتّكل عليه في بعض شأنه ، وقد تحذف اللام فيقال لا أَبَاكَ بمعناه. وسمع سليمان بن عبد الملك ؛ رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول :

ربّ العباد ما لنا وما لك

قد كنت تسقينا فما بدا لك

أنزل علينا الغيث لا أَبَا لك

فحمله سليمان أحسن محمل فقال : أشهد أن لا أَبَا له ولا صاحبة ولا ولد.

(س) وفي الحديث «لله أَبُوكَ» إذا أضيف الشىء إلى عظيم شريف اكتسى عظيما وشرفا ، كما قيل : بيت الله وناقَةُ اللهِ ، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه ويحمد ، قيل لله أَبُوكَ في معرض المدح والتعجب : أى أبوك لله خالصا حيث أبحب بك وأتى بمثلك. وفي حديث الأعرابى الذى جاء يسأل عن شرائع الإسلام ، فقال له النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفلح وأَبِيهِ إن صدق» ، هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرا في خطابها وتريد بها التأكيد. وقد نهى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحلف الرجل بأبيه ، فيحتمل أن يكون هذا القول قبل النهى. ويحتمل أن يكون جرى منه على عادة الكلام الجارى على الألسن ولا يقصد به القسم كاليمين المعفوّ عنها من قبيل اللّغو ، أو أراد به توكيد الكلام لا اليمين ، فإن هذه اللفظة تجرى في كلام العرب على ضربين : للتعظيم وهو المراد بالقسم المنهىّ عنه ، وللتوكيد كقول الشاعر :

لعمر أَبِي الواشين لا عمر غيرهم

لقد كلّفتنى خطّة لا أريدها

فهذا توكيد لا قسم ؛ لأنه لا يقصد أن يحلف بأبى الواشين ، وهو في كلامهم كثير.

(س) وفي حديث أم عطية «كانت إذا ذكرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت : بِأَبَاهُ ، أصله بأبى هو ، يقال بَأْبَأْتُ الصبىّ إذا قلت له بأبى أنت وأمّى ، فلما سكنت الياء قلبت ألفا ، كما قيل في يا ويلتى يا ويلتا ، وفيها ثلاث لغات : بهمزة مفتوحة بين الباءين ، وبقلب الهمزة ياء مفتوحة ،

١٩

وبإبدال الياء الآخرة ألفا وهى هذه ، والباء الأولى في بأبى أنت وأمى متعلقة بمحذوف ، قيل هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره : أنت مفدّى بأبى وأمّى. وقيل هو فعل وما بعده منصوب : أى فديتك بأبى وأمّى ، وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به.

(س) وفي حديث رقيقة «هنيئا لك أَبَا البطحاء» إنما سمّوه أبا البطحاء لأنهم شرفوا به وعظّموا بدعائه وهدايته ، كما يقال للمطاعم أَبُو الأضياف.

وفي حديث وائل بن حجر «من محمّد رسول الله إلى المهاجر بن أبو أميّة» حقّه أن يقول ابن أبى أمية ، ولكنه لاشتهاره بالكنية ولم يكن له اسم معروف غيره لم يجرّ ، كما قيل على ابن أبو طالب.

وفي حديث عائشة قالت عن حفصة «وكانت بنت أَبِيهَا» أى إنها شبيهة به في قوّة النّفس وحدّة الخلق والمبادرة إلى الأشياء.

(س) وفي الحديث «كلّكم في الجنة إلّا من أَبَى وشرد» أى إلا من ترك طاعة الله التى يستوجب بها الجنة ؛ لأنّ من ترك التسبب إلى شىء لا يوجد بغيره فقد أباه. والإِبَاءُ أشدّ الامتناع.

وفي حديث أبى هريرة «ينزل المهدى فيبقى في الأرض أربعين فقيل أربعين سنة؟ فقال أَبَيْتَ. فقيل شهرا؟ فقال أَبَيْتَ. فقيل يوما؟ فقال أَبَيْتَ» : أى أبيت أن تعرفه فإنه غيب لم يرد الخبر ببيانه ، وإن روى أَبَيْتُ بالرفع فمعناه أبيتُ أن أقول في الخبر ما لم أسمعه. وقد جاء عنه مثله في حديث العدوى والطّيرة.

وفي حديث ابن ذى يزن «قال له عبد المطلب لما دخل عليه : أَبَيْتَ اللّعن» كان هذا من تحايا الملوك في الجاهلية والدعاء لهم ، ومعناه أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه وتذمّ.

وفيه ذكر «أَبَّا» : هى بفتح الهمزة وتشديد الباء : بئر من بئار بنى قريظة وأموالهم يقال لها بئر أَبَّا ، نزلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أتى بنى قريظة.

وفيه ذكر «الأَبْوَاء» هو بفتح الهمزة وسكون الباء والمد : جبل بين مكة والمدينة ، وعنده بلد ينسب إليه.

(أبين) ـ فيه «من كذا وكذا إلى عدن أَبْيَنَ» أَبْيَنُ ـ بوزن أحمر ـ : قرية على جانب البحر ناحية اليمن. وقيل هو اسم مدينة عدن.

٢٠