نظرة في كتاب الوشيعة لموسى جار الله

المؤلف:

العلامة الأميني


المحقق: أحمد الكناني
الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ٠
الصفحات: ١١٩

١
٢

٣

دلل الرسالة

مقدمة الإعداد................................................................... ٧

مقدمة المؤلف.................................................................. ١٣

القسم الأول: عصمة الأمة...................................................... ١٦

القسم الثاني: الزواج المؤقت «المتعة».............................................. ٢٧

١ ـ المتعة في القرآن........................................................... ٢٨

٢ ـ حدود المتعة في الإسلام................................................... ٣١

أول من نهى عن المتعة........................................................... ٣٣

الصحابة والتابعون.............................................................. ٣٤

رأي الخليفة في المتعتين........................................................... ٣٦

متعة الحج..................................................................... ٣٦

٤

متعة النساء.................................................................... ٥١

متعة الحج والنساء.............................................................. ٥٩

نظرة في المتعتين................................................................. ٦٦

القائلون بإباحة المتعة من الصحابة والتابعين........................................ ٨٠

النسخ بالكتاب................................................................ ٨٥

النسخ بالسنة.................................................................. ٨٨

المتعة في أقوال المفسرين.......................................................... ٩٧

اقرأ وإضحك أو إبكِ.......................................................... ١١٣

مصادر الإعداد............................................................... ١١٨

٥

كتاب الغدير :

كتاب يتجدد أثره ويتعاظم كلّما ازداد به الناس معرفة، ويمتدّ في الآفاق صيتة كلّما غاص الباحثون في أعماقة وجلّوا أسراره وثوّروا كامن كنوزه ... إنّه العمل الموسوعي الكبير الّذي يعدّ بحقٌ موسوعة جامعة لجواهر البحوث في شتّى ميادين العلوم: من تفسير، حديث، وتاريخ، وأدب، وعقيدة، وكلام، وفرق، ومذاهب ...

جمع ذلك كلّه بمستوى التخصّص العلمي الرفيع وفي صياغة الأديب الذي خاطب جميع القرّاء، فلم يبخس قارئاً حظّة ولا انحدر بمستوي البحث العلمي عن حقة.

ونظراً لما انطوت عليه أجزاؤه الأحد عشر من ذخائر هامة، لا غني لطالب المعرفة عنها ، وتيسيراً لاغتنام فوائدها ، فقد تبنّينا استلال جملة من المباحث الاعتقادية وما لها صلة بردّ الشبهات المثارة ضدّ مذهب أهل البيت عليهم السلام، لطباعتها ونشرها مستقلة، وذلك بعد تحقيقها وتخريج مصادرها وفقاً للمناهج الحديثة في التحقيق.

٦

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مقدمة الإعداد

مسألة ادارة الأمة وهدايتها من المسائل التي كانت ولا تزال مثاراً للجدل بين المفكرين ، وتلقي اهتماماً بالغاً في ابحاثهم ، وتستمد أهميتها من الأرضية التي تستند اليها المتمثلة بالارتباط المباشر بحياة المجتمع افراداً وجماعات ، ولعلها اليوم تحتل مكان الصدارة من بين المسائل الأكثر جدّية وحداثة ، حيث تشغل الحيز الأكبر ضمن الأبحاث القانونية ومسائل علم الاجتماع السياسي ، كما كانت في السابق مهيمنة على أبحاث الفلسفة والكلام.

وكثرت النظريات وتراكمت وجهات النظر في تحديد شكل هذه الإدارة ، وان ادارة الأمة هل هو شأن من شئونها

٧

وصلاحياتها ، او ان ذلك أمر خارج عن دائرتها ولا بد لها من المرشد والموجه.

واذا حصرنا النقاش ضمن الطاولة الاسلامية ، نجد النظرية الشيعية لا ترى أي فرق بين الأمة قبل النبوة وبعدها ، فالاسباب التي أدت إلى بعث النبي بعينها تأتي فيما بعده ، فالأمة قاصرة ومحتاجة الى القيمومة والهداية ، وقاعدة اللطف ـ كما يسمونها اصطلاحاً ـ كما أنها اقتضت بعث النبي تقتضي ايضاً تنصيب الإمام.

فمقام الإمامة ـ من وجهة النظر الشيعية ـ كمقام النبوة بلا فرق ، اذ الأمة ازاء النبوة لا تتمتع بحق الاختيار قانوناً ، ولا معنى هنا للاختيار ورأي الأكثرية لانتخاب النبي لمقام النبوة ، فالمطروح هنا التصديق بالنبي وعدم التصديق به ، ولا يخلّ ذلك بنبوة النبي أصلاً.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الإمامة ، فلو اجتمع رأي الأكثرية على انتخاب غير عليّ لا يخلّ ذلك بإمامة علي أصلاً.

ومن هنا قالت الشيعة بالتنصيب دون الشورى أو البيعة أو الإجماع كما عليه النظرية السنية.

وهذا أمر معقول جداً حتى لو اغمضنا الطرف عن النصوص والأدلة النقلية التي تذكر في هذا المجال. والكلام في هذا المورد له

٨

ميدان آخر.

وفي قبال ذلك يرى قطاع كبير من المسلمين ان الأمة بعد أن عاشت عصر النبوة بلغت وصارت رشيدة وخرجت بذلك عن حالة القصور ، وانتقلت إلى مرحلة تمكّنها من ان تختار إدارة نفسها بنفسها ، فالأمة معصومة عصمة نبيها ، حفظت كليات الدين وجزئياته فهي أقرب إلى العصمة والاهتداء من كل إمام معصوم ، والأمة بعقلها وكمالها ورشدها بعد ختم النبوة اكرم واعز وارفع من ان تكون تحت وصاية وصي ...

هذه الكلمات تضمنتها الوشيعة في الردّ على عقيدة الشيعة في الأمة ـ لشيخ الإسلام في روسيا ، وإمام الجامع الكبير في لنينغراد موسى جار الله (١) ـ وبيانٌ للرأي الآخر في الأمة.

كما تضمنت الوشيعة طائفة اخرى من الشبهات التي اثيرت وتثار ضد الشيعة ، اختار المؤلف رحمه‌الله في رده هذا على الوشيعة مسألتين هامتين :

الأولى : عصمة الأمة ، كما يسميها صاحب الوشيعة ، وقد تقدمت الإشارة إليها.

__________________

(١) للوقوف على ترجمته راجع : مقدمة الوشيعة ، الأعلام ٧ / ٣٢٠ ، معجم المطبوعات : ٦٧٠.

٩

الثانية : الزواج المؤقت المعروف اصطلاحاً بالمتعة.

وهذا الاختيار منهُ رحمه‌الله جميل ، اذ ليس الغرض ردّ كل ما جاءت به الوشيعة ، فبعض ما جاء لا يستحق الذكر أصلاً ، انما هو تكرار غير واعٍ لما كان يردده ابن تيمية من تشبيه الشيعة باليهود وما الى ذلك. على الرغم من ان المؤلف قد أحال ذلك على ما كتبه الشيخ مهدي الحجّار ، وأجّل رده المفصل الى مناسبة اخرى.

فصاحب الوشيعة وان ادعى في مقدمة كتابه انهُ مكث في بلاد الشيعة سبعة أشهر وزيادة ، فزار خلالها كربلاء والنجف وطهران ، وسجّل بعض ملاحظاته عمّا يفعله الشيعة من أشياء يراها منكرة (١) ، وانه وقف على أمهات المصادر الشيعية خلال تلك الفترة (٢) ، وإنه جالس علماء الشيعة ، كالسيد محسن الأمين خلال اقامته في طهران ، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في القدس والنجف (٣) ، وما ذكره في الوشيعة من أنه «تُعجبهُ بعض فتاوى الشيعة» من حرمة ما قليله مسكر ، أو حرمة الجلوس على مائدة الشرب. واستحسانهُ الكثير من أقوال الشيعة في أدب الطلاق ونظامه (٤) ، مما ظاهره الانصاف والموضوعية ، إلّا أن المراجع

__________________

(١) الوشيعة : ٢٥.

(٢) الوشيعة : ١٣٣.

(٣) الوشيعة : ٢٦.

(٤) الوشيعة : ١٤١.

١٠

للوشيعة لا يقف على كل ذلك ، بل الظاهر من الوشيعة ان صاحبها لم يقف الّا على امور قشرية في المذهب ، وثقافته عن المذهب والتي حصل عليها خلال مدة اقامته في بلاد الشيعة ، والتي استغرقت سبعة أشهر لم تؤهله الوقوف جيداً على مسائل المذهب ؛ ليتسنى له ردها بكتاب مستقل تعدت صفحاته الثلاثمائة ، بل حتى اسلوبه في الرد لم يخرج عن السنة المتبعة التي استنّها ابن تيمية.

وليس ذلك مجرد دعاوي تفتقر إلى البرهان ، انما كفانا مئونة ذلك اعلام المذهب ممن تعرض الى الوشيعة (١) ومنهم المؤلف رحمه‌الله فقد ناقش الوشيعة في موردين من كتابه الغدير ، الأول ضمن تناوله بعض الكتب بالنقد والتصحيح من المجلد الثالث ، وكان رداً مقتضباً وفهرستاً واجمالاً مما ذكره من التفصيل في المورد الثاني والذي خصصه لمباحث المتعة وأخذ القسط الأوفر من المجلد السادس ، جمعنا كل ذلك في هذا الرسالة ليكون الرد على الوشيعة سهل المتناول ، ورتبناه على قسمين :

الأول : في عصمة الأمة.

الثاني : في الزواج المؤقت.

والقسم الثاني يشمل على إجمال للمطالب في أولها ، وتفصيل في

__________________

(١)كالسيد عبد الحسين شرف الدين في اجوبته لموسى جار الله ، وكتابه النجعة في أحكام المتعة ، والأستاذ المحامي توفيق الفكيكي في كتابه المتعة.

١١

خاتمتها التي تبتدئ بعنوان رأي الخليفة في المتعتين.

بالاضافة إلى ذلك قمت بتقويم النص وتقطيعه من جديد ، وتخريج المصادر غير المخرّجة ، وإظهار الواسطة التي اعتمدها المؤلف رحمه‌الله في نقله عن بعض المصادر المفقودة ، وامور أخرى يقف عليها القاري الكريم اثناء مطالعة الرسالة.

وللتفرقة بين افاداته رحمه‌الله وما أضفناه في الهامش ختمتُ عبارته بكلمة (المؤلف).

أحمد الكناني

٧ / جمادي الاولى / ١٤١٧ ه

١٢

[مقدّمة المؤلف]

كنت أودّ أن لا أحدث لهذا الكتاب ذكراً ، وأن لا يسمع أحد منه ركزاً ، فإنّه في الفضائح أكثر منه في عداد المؤلفات ، لكن طبع الكتاب وانتشاره حداني إلى أن أوقف المجتمع على مقدار الرجل ، وعلى أنموذج ممّا سوّد به صحائفه ، وكلّ صحيفة منه عارٌ على الأمة وعلى قومه أشدّ شنارا.

لست أدري ما أكتب عن كتاب رجل نبذ كتاب الله وسنّة نبيه وراءه ظهريّاً ، فجاء يحكم وينقد ، ويتحكّم ويفند ، وينبر وينبز ، ويعبث بكتاب الله ويفسّره برأيه الضئيل ؛ وعقليته السقيمة كيف شاء وأراد ، فكأنّ القرآن قد نزل اليوم ولم يسبقه إلى معرفته أحدٌ ،

١٣

ولم يأت في آيه قولٌ ، ولم يُدوّن في تفسيره كتابٌ ، ولم يرد في بيانه حديثٌ ، وكأنّ الرجل قد أتى بشرعٍ جديد ، ورأي حديث ، ودين مخترع ، ومذهب مبتدع ، لا يُساعده أيّ مبدأ من مبادئ الإسلام ، ولا شيءٌ من الكتاب أو السنّة.

ما قيمة مغفّل وكتابه وهو يرى الأمة شريكةً لنبيّها في كلّ ما كان له ، وفي كلّ فضيلة وكمال تستوجبها الرسالة ، وشريكة لنبيّها في أخصّ خصائص النبوة ، ويرى رسالة الأمة متصلة بسورة رسالة النبي من غير فصل ، ويستدلّ على رسالة الأمة بقوله تعالى (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (١) وبقوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) (٢).

والكلام مع في هذه الأساطير كلّها يستدعي فراغاً أوسع من هذا ، ولعلّه يُتاح لنا في المستقبل الكشّاف إن شاء الله تعالى ، وقد أغرق نزعاً في تفنيد أباطيله العلّامة المبرور الشيخ مهدي الحجّار النجفي نزيل المعقل (٣).

__________________

(١)سورة التوبة آية ١٢٨. (المؤلف)

(٢) سورة الفتح آية ٢٩. (المؤلف)

(٣) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر. يأتي هناك شعره وترجمته. (المؤلف)

لعلّهُ مذكور في القسم غير المطبوع من الغدير.

١٤

ولو لم يكن للرجل في طيّ كتابه إلا أساطيره الراجعة إلى الأمة لكفاه جهلاً وسوءة وإليك نماذج منها قال :

__________________

وهو الشيخ مهدي بن داود بن سلمان الشهير بالحجار نسبة الى استخراج الحجر من الانقاض وهي مهنة كان يمتهنها جدّه.

ولد سنة ١٣١٨ ه‍ أو ١٣٢٢ ه‍ في النجف منحدراً من عشيرة الجبور العراقية ومن عائلة تعتنق المذهب الوهابي ، وبعد انتقال الجد سلمان الى مدينة كربلاء تحوّل الى المذهب الشيعي وصار المترجم له أحد أعلام وأدباء المذهب بعد أن انهى درسهُ الشرعي في النجف الأشرف على أيدي كبار أساتذة الحوزة أمثال آقا ضياء الدين العراقي والشيخ أحمد كاشف الغطاء والشيخ النائيني والشيخ جواد البلاغي ، لينتقل الى ناحية المعقل بالبصرة داعية للمذهب هناك وممثلاً عن السيد أبي الحسن الأصفهاني.

صدرت له قصيدة طويلة اسماها «البلاغ المبين» في العقائد. طبعت في النجف وبيروت سنة ١٣٤٤ ه‍ ، وقد نقل مقاطع طويلة من شعره في شعراء الغري ١٢ / ٢١١ ، وأعيان الشيعة ١٠ / ١٤٨.

توفي الحجّار سنة ١٣٥٨ في البصرة ونقل جثمانه الى النجف الأشرف وصلى عليه السيد ابو الحسن الأصفهاني.

١٥

[القسم الأول عصمة الأمة]

١ ـ الأمة معصومة عصمة نبيّها ، معصومةٌ في تحمّلها وحفظها ، وفي تبليغها وأدائها ، حفظت كلّ ما بلّغه النبيّ مثل حفظ النبيّ ، وبلّغت كل ما بلّغه النبي مثل تبليغ النبي ، حفظت كلّيات الدين وجزئيات الدين أصلاً وفرعاً ، وبلّغت كلّيات الدين وجزئيّات الدين أصلاً وفرعاً.

لم يضع من أصول الدين ومن فروع الدين شيء :

١ ـ حفظه الله

١٦

٢ ـ حفظه نبيّه محمّد

٣ ـ حفظته الامة كافة عن كافة ، عصراً بعد عصر ، ولا يمكن أن يوجد شيء من الدين غفل عنه أو نسيه الامة.

فالامة بالقرآن والسّنة أعلم من جميع الأئمّة ، وأقرب من اهتداء الأئمة ، وعلم الامة بالقرآن وسنن النبي اليوم أكثر وأكمل من علم عليّ ومن علم كل أولاد عليّ.

ومن عظيم فضل الله على نبيه ، ثمّ من عموم وعميم فضل الله على الأمّة أن جعل في الامة من أبناء الامة كثيراً هم أعلم بكثير من الأئمة ومن صحابة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وكلّ حادثة إذا وقعت فالأمة لا تخلو من حكم حقّ وصواب وجواب يُريه الله الواحد من الأمة الّتي ورثت نبيها ، وصارت رشيدةً ببركة الرسالة ، وختمها أرشد إلى الهداية وإلى الحق من كل إمام ، والأمة مثل نبيها معصومة ببركة الرسالة وكتابها ، ومعصومة بعقلها العاصم.

الأمة بلغت وصارت رشيدةً لا تحتاج إلى

١٧

الإمام ، رشدها وعقلها يُغنيها عن كل إمام.

أنا لا أنكر على الشيعة عقيدتها أنّ الأئمة معصومةٌ ، وإنما أنكر عليها عقيدتها أنّ أمة محمد لم تزل قاصرةً ، ولن تزال قاصرةً ، تحتاج إلى وصاية إمام معصوم إلى يوم القيامة ، والأمة أقرب إلى العصمة والاهتداء من كل إمام معصوم ، وأهدى إلى الصواب والحق من كلّ إمام معصوم ، لأنّ عصمة الإمام دعوى ، أمّا عصمة الأمة فبداهة وضرورة بشهادة القرآن.

ليس يُمكن في العالم نازلة ليس لها جوابٌ عند الأمة ، وعقلنا لا يتصور احتياج الأمة إلى إمام معصومٍ ، وقد بلغت رشدها ، ولها عقلها العاصم ، وعندها كتابها المعصوم ، وقد حازت بالعصوبة كلّ مواريث نبيها ، وفازت بكلّ ما كان للنبي بالنبوة.

الأمة بعقلها وكمالها ورشدها بعد ختم النبوة أكرم وأعزّ وأرفع من أن تكون تحت وصاية وصيّ تبقى قاصرةً إلى الأبد (١).

__________________

(١) الوشيعة في نقد عقائد الشيعة : ٥٤ ـ ٥٦ (مطبعة الكيلاني)

١٨

ج ـ هذه سلسلة أوهام ، وحلقة خرافات تبعد عن ساحة أيّ متعلّم متفقّه فضلاً عمّن يرى نفسه فقيهاً ، فكأن الرجل يتكلم في الطيف في عالم الأضغاث والأحلام.

ألا من يُسائله عن أنّ الأمة إذا كانت معصومةٌ حافظةً لكلّيات الدين وجزئياته أصلاً وفرعاً ، ومبلّغةً جميع ذلك كافة عن كافة وعصراً بعد عصر ، ولم يوجد هناك شيء منسي أو مغفول عنه ، فما معنى أعلميتها من جميع الأئمة وأقربية اهتدائها من اهتدائهم؟ أيراهم خارجين عن الأمة غير حافظين ولا مهتدين ، في جانب عن الدين الذي حفظته الأمة ، لا تشملهم عصمتها ولا حفظها ولا اهتداؤها ولا تبليغها؟

وعلى ما يهم الرجل يجب أن لا يوجد في الأمة جاهل ، ولا يقع بينها خلاف في أمر ديني أو حكم شرعي ، وهؤلاء جهلاء الأمة الذين سدّوا كل فراغ بين المشرق والمغرب ، وتشهد عليهم أعمالهم وأقوالهم بأنّهم جاهلون ـ وفي مقدمهم هو نفسه ـ وما شجر بين الأمة من الخلاف منذ عهد الصحابة إلى يومنا الحاضر ممّا لا يكاد يخفى على عاقل ، وهل يتصوّر الخلاف إلّا بجهل أحد الفريقين بالحقيقة الناصعة لأنّها وحدانيّة لا تقبل التجزئة؟

أيرى من الدين الذي حفظته الأمة وبلّغته جهل عليّ وأولاده من بينهم بالقرآن والسنن؟

١٩

أم يراهم أنّهم ليسوا من الأمة؟ فيقول : إنّ علم الأمة بالقرآن وسنن النبيّ اليوم أكثر وأكمل من علم عليّ ومن علوم كل أولاد عليّ.

ومتى أحاط هو بعلم عليّ وأولاده عليهما‌السلام وبعلم الأمة جمعاء حتى يسعه هذا التحكّم الباتّ والفتوى المجرّدة.

والعجب أنه يرى أنّ الأمة إذا وقعت حادثة يُرى الله الواحد منها الحكم وصواب الجواب ، وأنها ورثت نبيّها ، ورشدت ببركة الرسالة وبها وبكتابها ما تلت نبيّها في العصمة ، وإنّها معصومة بعقلها العاصم ، فما بال الأئمة ـ عليّ وأولاد عليّ ـ لا يكون من أولئك الآحاد الذين يُريهم الله الحق والصواب؟! وما بالهم قصروا عن الوراثة المزعومة؟! وليس لهم شركة في علم الأمّة؟ ولم تشملهم بركة الرّسالة وكتابها؟ ولا يُماثلون النبيّ في العصمة؟ ولا يوجد عندهم عقلٌ عاصم؟ وأعجب من هذه كلّها هتاف الله بعصمتهم في كتابه العزيز.

ألا يعلم مَن خلق وهو اللطيف الخبير أم على قلوب أقفالها.

ولعلّي يسعني أن أقول بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أبصر وأعرف بأمته من صاحب هذه الفتاوى المجردة ، وأعلم بمقادير علومهم وبصائرهم ، فهو بعد ذلك كلّه خلّف لهداية امته من بعده الثقلين : كتاب الله وعترته ـ ويريد الأئمة منهم ـ وقال : «ما إن تمسكتم بهما

٢٠