اللوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة

جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلّي

اللوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة

المؤلف:

جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلّي


المحقق: السيد محمد علي القاضي الطباطبائي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي
المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي
الطبعة: ٢
ISBN: 964-424-883-X
الصفحات: ٦٨٧

١
٢

٣

٤

اللوامع االإلهيّة كتال دينيّ علميّ كلامي من تراثنا الخالد النفيس ، فيه الردّ على المذاهب الباطلة وإثبات العقائد الحقه على ضوء العلم التحقيق.

قال صاحب روضات الجنات :

كتابه اللوامع من احسن ما كتب في فنّ الكلام على اجمال الوضع واسدّ النظام ، وهو في نحو من اربعة آلاف بت لس فه موضع لته کان کذا ولت.

ج ٧ ص ١٧٢ ، طبعة قم

٥
٦

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وآله الهداة المعصومين.

يعتبر علم الكلام من أجلّ العلوم قدرا وأشرفها منزلة ، وفيه بيان التوحيد والتجريد وإثبات التنزيه ونفي التشبيه والتجسيم ، كما يتوقّف على هذا العلم الشريف إثبات النبوّة العامّة والخاصة وإثبات الإمامة.

وقد ورد في الأخبار الشريفة المروية عن أهل البيت عليهم‌السلام مدح العلماء والمتكلمين الذين يذبّون عن حمى الدين ويدفعون انتحال المبطلين ويدحضون شبهات أعداء الدين.

وبين يديك ـ عزيز القارئ ـ كتاب كلامي يعدّ واحدا من أهمّ الكتب التي حواها تراثنا الإسلامي الكبير ، وهو «اللوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة».

والكتاب هو من أحد مصنّفات الفقيه الأصولي المتكلّم الشيخ جمال الدين أبي عبد الله المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الحلّي الأسدي ، المعروف ب «الفاضل المقداد» المتوفّى سنة ٨٢٦ ، من تلامذة الشهيد الأوّل مكّي بن محمد بن حامد العاملي الجزيني المستشهد سنة ٧٨٦.

وقد قام فقيد الإسلام سيّدنا الوالد المجاهد العلّامة الفقيه آية الله الشهيد السيّد ميرزا محمد علي القاضي الطباطبائي بشرح ما غمض وتفصيل ما أجمله مؤلّفه ، مع إضافة تعليقات وتحقيقات علميّة مهمة ، دفعا لكثير من الشبهات وحفظا لصورة الإسلام الناصعة ، وكلّ ذلك كان قد أتمّه الشهيد الطباطبائي في سنة ١٣٩٦ في مدينة تبريز إحدى أكبر مدن إيران.

٧

ولنتكلّم بإيجاز عن ترجمة الشهيد القاضي الطباطبائي ، على أمل أن تتهيّأ لنا الفرصة المواتية للكتابة عن حياته بشكل مفصّل.

نسب الشهيد ومولده

تعرّض الشهيد الطباطبائي لذكر نسبه في آخر تعليقات هذا الكتاب (١) ، وهو ينتهي إلى أسرة آل طباطبا.

أمّا مولده رحمه‌الله فكان يوم الأحد السادس من شهر جمادى الأولى في سنة ١٣٣١ في مدينة تبريز ، ونشأ في بيت كريم من بيوتات العلم والفقاهة منذ زمن سلالة آق قويونلو في آذربايجان.

مشايخه وأساتذته في الدراسة

تتلمذ السيّد الشهيد (ره) في مدينة تبريز على يد والده العالم العارف آية الله العلامة الفقيه السيّد ميرزا محمد باقر القاضي الطباطبائي قدس‌سره ، وعمّه المكرّم العالم الفاضل الماهر العارف السيّد ميرزا أسد الله القاضي الطباطبائي (ره) ، وما إن أتمّ السيّد الشهيد دروسه في آداب اللغة العربية وعلومها والسطوح ، حتّى انتقل إلى مدينة قم عشّ آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليتلقى دروس المراحل العليا على يد كبار الأساتذة ومشاهيرهم في قم ، فحضر دروس الفقه والأصول والدراية والرجال لدى الفقيه الأكبر المرجع الدينى السيّد محمّد الحجّة الكوه كمري (ره) لمدة عشر سنوات.

وحضر دروس الحكمة والفلسفة والأخلاق لدى أستاذه الأكبر والمرجع الأعلى ، قائد الثورة الإسلامية الإمام الراحل السيّد روح الله الموسوي الخميني قدس‌سره ، لمدة إحدى عشرة سنة.

وحضر السيّد الشهيد (ره) أيضا في الفقه والأصول لدى كبار الفقهاء والمراجع الموجودين في مدينة قم المقدّسة.

ونظرا لما كان يعيشه من طموح كبير لتحصيل المراتب العالية يمّم وجهه صوب مدينة جدّه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، النجف الاشرف ، ليكمل دراساته العليا في جامعة النجف ، وليحضر دروس

__________________

(١) انظر ص ٦١٠ ـ ٦١٢.

٨

أكابر فقهاء العصر ، كالمرجع الأكبر فقيه العصر المجاهد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، والمرجع الأعلى الفقيه السيّد محسن الطباطبائي الحكيم ، والفقيه الكبير السيّد حسن البجنوردي قدّس الله أرواحهم.

تأليفاته وإجازاته :

أما مؤلّفاته المطبوعة والمخطوطة فإلى القارئ الكريم فهرسها فيما يلي :

١) فصل الخطاب في تحقيق أهل الكتاب وفيه الفوائد الكثيرة العلمية ـ ع ـ (خ).

٢) كتاب السعادة في الاهتمام على الزيارة ـ ع ـ (خ).

٣) علم الإمام عليه‌السلام طبع كالمقدمة على ترجمة علم الإمام عليه‌السلام للمظفر (ره) ـ ف ـ (ط).

٤) تعليقات على الفردوس الأعلى للشيخ كاشف الغطاء (ره) ـ الطبعة الثانية تبريز ـ ع ـ (ط).

٥) تعليقات على «الجنة المأوى» للشيخ كاشف الغطاء (ره) وجمعها وترتيبها مع إضافات هامة وفيها ترجمة الشيخ (ره) على نحو مبسوط. ـ ع ـ (ط). وسيطبع ثانيا ان شاء الله تعالى.

٦) تحقيق درباره روز أربعين سيد الشهداء عليه‌السلام ـ ف ـ (ط).

٧) إرث الزوجة (تحقيق در إرث زن از دارائى شوهر) تنظيم من بياناته وتحقيقاته دام ظلّه ـ ف ـ (ط).

٨) تعليقات على كتاب «أنيس الموحدين» للنراقى (ره) مع إضافات مهمة ـ ف ـ (ط).

٩) تعليقات على كتاب «الأنوار النعمانية» للجزائري (ره) المطبوع بتبريز في أربع مجلدات ـ ع ـ (ط).

١٠) ترجمة المسائل القندهارية من الفارسية إلى العربية للشيخ كاشف الغطاء (ره) وقد أمر قدس‌سره بدرجها في الفردوس الأعلى ـ ع ـ (ط).

١١) خاندان عبد الوهاب ـ تاريخ رجال السادات العبد الوهابية وأنسابهم ـ ف ـ (خ).

١٢) أجوبة الشبهات الواهية ـ ف ـ (خ).

١٣) رسالة في إثبات وجود الإمام عليه‌السلام في كل زمان ـ ع ـ (خ).

١٤) أجوبة بعض الاعتراضات الواردة من خراسان ـ ف ـ (خ).

٩

١٥) كتاب الفوائد ـ المشتمل على الفوائد العلمية والفقهية والتاريخية ـ ع ف ـ (خ).

١٦) سفرنامه (بافت) ـ ف ـ (خ).

١٧) كتاب في علم الكلام مبسوطا ـ لم يتم ـ ع ـ (خ).

١٨) الاجتهاد والتقليد ـ ع ـ (خ).

١٩) المباحث الأصولية ـ تقريرات جمع من الأساتذة ـ ع ـ (خ).

٢٠) مقدمة مفصلة على تفسير جوامع الجامع ومؤخرة له مع تعليقات يسيرة عليه ـ ع ـ (ط).

٢١) تعليقات مختصرة على فصلين من كتاب «اسلام صراط مستقيم» لموركان ـ ف ـ (ط).

٢٢) آثار تاريخى آية الله طباطبائي حكيم قدس‌سره ـ ف ـ (ط).

٢٣) مقالات كثيرة في موضوعات متنوعة منتشرة في المجلات العربية كمجلة «العرفان» المنتشرة في ـ صيدا ـ لبنان ـ لو جمعت لصارت مجلدا كبيرا أو مجلدات ـ والله الموفق ـ ع ـ (ط).

٢٤) له دام ظله تصدير كثير على عدة من الكتب مثل آداب النفس ، وإفاضة القدير ، وتقريرات المحقق النائيني (ره) للشيخ محمد علي الخراساني (ره) طبع (قم) وصحائف الأبرار وتاريخ الأئمة عليه‌السلام ـ وتنقيح الأصول ط النجف ومقدمة على «بحثى كوتاه درباره علم امام عليه‌السلام» ـ ف ـ ط تبريز ـ ع (ط) وغيرها من الكتب.

٢٥) تعليقات نفيسة على كنز العرفان ـ ع ـ (خ).

٢٦) حواش على الرسائل والمكاسب للشيخ الأنصاري (ره) والكفاية للخراساني (ره) أكثرها من تقريرات الأساتذة الأعلام في النجف الأشرف وقم ـ ع ـ (خ).

٢٧) رسالة في مسألة الترتب ـ ع ـ (خ).

٢٨) تعليقات على كتاب اللوامع الالهية ـ ع ـ (ط) وهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ العزيز.

وغيرها من الكتب والرسائل والتعليقات التي لا يحضرنا الآن أساميها.

وأما إجازاته من أساتذته الأعلام قدّس الله أسرارهم فقد أشار السيّد المترجم له لذلك في مقدّمة هذا السفر الجليل. (١)

__________________

(١) انظر ص ٦٢ ـ ٧٠.

١٠

جهاده وشهادته :

كان السيّد الطباطبائي (ره) واحدا من أهمّ العناصر التي ساهمت في تحريك عجلة الثورة الإسلامية في إيران ، فقد بدأ نشاطه وجهاده منذ سنة ١٣٤٢ ه‍. ش ، حيث تحدّى الحكم الشاهنشاهي المتسلّط على رقاب المسلمين في إيران ، وحبس مرّات عديدة في سجن «قزل قلعة» وغيره.

وقد أبعد عن وطنه إلى العراق سنة واحدة وفي بافت كرمان وزنجان سنة كذلك.

وقد استمرّ (ره) على اتّصاله وارتباطه بالإمام الراحل الخميني الكبير إلى أن وطئت رجل الإمام أرض إيران وتكلّلت الثورة الإسلامية بالنجاح ، وأقيمت الجمهورية الإسلامية ، حيث عيّنه الإمام الخميني وكيلا خاصا له في آذربايجان ، كما كان إمام الجمعة في مدينة تبريز.

وقد استشهد السيّد المترجم له بأيدي الظالمين المارقين يوم الخميس الموافق ليوم الأضحى من ذي الحجة الحرام ١٣٩٩ المطابق لسنة ١٣٥٨ ه‍. ش بعد إقامته صلاة المغرب والعشاء في مسجد الشعبان حيث كان يهمّ بالرجوع إلى بيته الشريف.

حشره الله تعالى مع أجداده الطاهرين المعصومين ، ونفع المسلمين بآثاره وعلومه ، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

شكر وثناء :

وفي الختام أقدّم شكري وثنائي إلى العالم المحقّق الشيخ رضا المختاري دامت بركاته ومركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي لقيامه بطبع هذا السفر الشريف طبعة ثانية بهذه الصورة الأنيقة.

والحمد لله أوّلا وآخرا وصلّى الله على خاتم المرسلين وآله الطيبين الطاهرين عليهم‌السلام

قم المشرفة شوال المكرم ١٤٢٠

محمد تقي القاضي الطباطبائي

١١
١٢

مقدمة التحقيق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وله الحمد والمجد وصلّى الله على رسوله وخاتم أنبيائه وآله الطاهرين المعصومين واللعن على أعدائهم أجمعين.

قال الله تعالى في كتابه الكريم : (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً) (١) وقد خاطب الله تعالى نبيّه العظيم ونهاه أن لا يطيع الكافرين فيما يقولون ويدعونه إليه من المداهنة والإجابة إلى ما يريدون ، لأنّ إطاعتهم تبطل الدين وتمحق الشرع وتنسف الناموس المضروب بالإسلام للهداية العامّة للبشر.

(وَجاهِدْهُمْ) في الله ، والمجاهدة : بذل الجهد والطاقة في مدافعة العدو الغاشم وضمير (بِهِ) يرجع للقرآن الكريم ، أي جاهد الكفار بالقرآن بتلاوة آياته عليهم وبيان حقائقه لهم وإتمام حججه عليهم ، ببيان الدلائل العقلية والبراهين الساطعة وبقطع أعذارهم الواهية.

(جِهاداً كَبِيراً) أي تامّا شديدا ، فإنّ الجهاد ببيان الأدلّة والبراهين القطعية والحجج المنطقية فيه من المشقّات الكادحة التي لا يستهان بها ، وكفاح كبير في سبيل بثّ الدعوة الحقّة وتبليغ الرسالة الإلهية التي هي من وظيفة الأنبياء ثمّ الأئمّة والأوصياء وبعدهم من وظائف

__________________

(١) الفرقان ٢٥ : ٥٢.

١٣

العلماء رضوان الله عليهم.

والخطاب في الآية الشريفة وإن كان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو دأب القرآن الكريم في أكثر آياته الكريمة تشريفا واجلالا لمقام النبي العظيم ، ولكنّ الحكم المستفاد من الآية في عدم الإطاعة للكفّار والجهاد عليهم عامّ لجميع المسلمين.

وفي الآية من الدلالة على أنّ الجهاد في سبيل الدين بالأدلّة والبراهين والكفاح مع أعداء الدين يعدّ جهادا كبيرا وكفاحا عظيما عند الله تعالى ، وقد وصفه الله تعالى بالجهاد الأكبر.

قال الشيخ الطبرسي (ره) في مجمع البيان عند قوله تعالى : (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ...) : «وفي هذا دلالة على أنّ من أجلّ الجهاد وأعظمه منزلة عند الله سبحانه جهاد المتكلّمين في حلّ شبه المبطلين وأعداء الدين. ويمكن أن يتأوّل عليه قوله : «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». (١)

فقيام المتكلّمين والمتوغّلين في علم الكلام لأجل الجهاد في سبيل الإسلام والكفاح في بثّ العقائد الحقّة وإثبات المعارف الدينية وإبطال الشبهات الباطلة والتحمّل للشدائد في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودحض شبهات المبطلين ، ولا سيما في زماننا ، في ردّ أباطيل المستعمرين وكشف زلّات المستشرقين وجناياتهم وحيلهم في نقل التواريخ الإسلامية (٢) بإقامة البراهين عليهم يعدّ جهادا كبيرا وكفاحا تامّا شديدا ، فلهم منزلة عظيمة عند الله سبحانه ولهم أجرهم عند ربّهم ، ويتوكّلون على الله سبحانه في أمرهم ، وكفى بربّهم وكيلا.

فعلم الكلام من أجلّ العلوم قدرا وأشرفها منزلة ، وفيه بيان التوحيد والتجريد وإثبات التنزيه ونفي التشبيه والتجسيم ، الذي يقول به رئيس الوهابيين ابن عبد الوهاب وأتباعه (٣).

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٤ ، ص ١٧٥ ، طبعة صيدا.

(٢) وقد نهض بعض الأفاضل الأعلام من الحجج المعاصرين ، وهو العلّامة السديد الشيخ السعيد الطهراني دام بقاؤه في مكتبة چهل ستون بمسجد الجامع في طهران لكتابة سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ودحض شبهات المستشرقين وهم أذناب المستعمرين وكشف أباطيلهم وأضاليلهم وحيلهم بالدسّ والاختلاق في تاريخ أحوال النبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله مع التحقيق العميق في السيرة على ضوء العلم والتتبع. نسأل الله تعالى التوفيق له في إتمامه وأن يقيض الله تعالى همّة أهل الخير والصلاح لطبعها ليعمّ نفعها العالم الإسلامي إن شاء الله تعالى.

(٣) إنّه يعتقد أنّ الله تعالى جالس على العرش حقيقة ، فإنّ له يدا ورجلا وساقا وجنبا ، وعينا ووجها ولسانا ونفسا ، وأنّه ـ

١٤

وفي هذا العلم الشريف بيان إثبات النبوّة العامّة والخاصّة وتثبيت الإمامة ، وتعيين أوصاف الوصاية بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتوضيح الولاية التكوينية والتشريعية ، فهو الاساس لسائر العلوم الاسلامية من العقلية والشرعية.

قال المحقّق الطوسي قدس‌سره في أوّل كتابه نقد المحصّل (١) «فإنّ أساس العلوم الدينية علم أصول الدين الذي يحوم سائله حول اليقين ، ولا يتمّ بدونه الخوض في سائرها كأصول الفقه وفروعه ، فإنّ الشروع في جميعها يحتاج إلى تقديم شروعه ، حتّى لا يكون الخائض فيها وإن كان مقلّدا لأصولها كبان على غير أساس ، وإذا سئل عمّا هو عليه لم يقدر على إيراد حجّة أو قياس» (٢).

وقد ورد في الآثار الشريفة المروية عن العترة الطاهرة عليهم‌السلام مدح العلماء والمتكلّمين الذين يذبّون عن الدين انتحال المبطلين ومكايد أعداء الدين ويدحضون شبهات الشياطين ، فإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوهم ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

وقد روى الشيخ الطبرسي (ره) في كتاب الاحتجاج بسنده عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : «علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على

__________________

ـ يتكلم بحرف وصوت. وخلاصة القول : أنّه يعتقد التجسّم الذي أطبق المسلمون على كفره ـ انظر مقدمة البراهين الجلية في رفع تشكيكات الوهابية ، ص ٥ الطبعة ٣ بيروت سنة ١٣٩٤.

(١) في النسخة المطبوعة بمصر سنة ١٣٢٣ ذكروه بعنوان تلخيص المحصّل وكذا ذكر المحقّق الطوسي (ره) نفسه في متن كتابه على ما في النسخة المحرّفة المطبوعة في السنة المذكورة ، ولكن في اكثر تعبيرات العلماء إلّا شر ذمة من علماء العامّة نقد المحصل وهو الألصق والأليق بكتاب المحقّق الطوسي (ره) فإنّه أكثر من الانتقاد والردّ عليه ، وصار في نقده ـ على ضوء العلم والدقّة والتحقيق العميق ـ مراعيا في انتقاده العدل والإنصاف ومجانبا عن الاعتساف وساعيا في قبول الحقّ وغير خارج عن الصواب ، كما هو دأب ذلك الحكيم المتكلّم الأكبر قدّس الله روحه في كتبه ومصنّفاته ، ولم يكن نظره إلى تلخيصه بل إلى تهذيبه وتنقيحه ، ولكن الأسف ـ لو كان يجدي الأسف ـ أنّ الكتاب طبع محرّفا في ذيل «المحصّل» في المطبعة الحسينية بمصر في السنة التي أو عزنا إليها.

وتحريف الكتب بأيدي أثيمة من الخونة بمصر ، ولا تزال تلعب في تحريف الكتب من تراثنا الخالد من كتب الشيعة والسنة ، يسلب الاطمئنان على مطبوعاتهم. ولا سيما كتب الأحاديث والتواريخ وكتب الكلام وغيرها. اللهم إلّا بعد الفحص والتحقيق ـ انظر إلى ما كتبه شيخنا في الذريعة ج ٤ ، ص ٤٢٦ طبعة طهران.

(٢) تلخيص المحصّل ، ص ٣ ، طبعة سنة ١٣٢٣ ـ مصر.

١٥

ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلّط عليهم إبليس وشيعته والنواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممّن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ، لأنّه يدفع عن أديان محبّينا وذلك يدفع عن أبدانهم» (١).

وروي عن الإمام الهادي عليه‌السلام أنّه قال : «لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه‌السلام من العلماء الداعين إليه والدالّين عليه والذابّين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب ، لما بقي أحد إلّا ارتدّ عن دين الله ، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها ، أولئك هم الأفضلون عند الله عزوجل» (٢).

وقال الفاضل المقداد (ره) مصنّف الكتاب في أول كتابه الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية كما في النسخة المخطوطة الموجودة الآن عندي وتاريخ كتابتها ١٦ صفر سنة ٨٥١ ، أي بعد ٢٥ سنة تقريبا من وفاة الفاضل المصنّف قدس‌سره. ما هذا لفظه الشريف :

«فلمّا كان علم الكلام من بين هذه العلوم أوثق برهانا وأظهر بيانا وأشرف موضوعا وأكمل أصولا وفروعا ، ولذلك استحقّ التقدّم على سائر العلوم ، وتنزل منها منزلة الشمس من النجوم ، وصار للعلوم الشرعية أساسا ولكلّ واحد منها تاجا ورأسا ، وهو أن كان بعيد الأغوار كثير الأسرار إلّا أنّ نقاوته التي يعول في التحصيل عليها وعقيلته التي ينتفع بها وتدعو الضرورة إليها ، يجب على كلّ مكلّف استظهارها وفي كلّ آونة تكرارها وتذكارها ، لتقرب إليه من السعادة جنّتها وتبعد عنه من الشقاوة نارها ، وقد ضمّنها الإمام الأعظم أفضل المحقّقين خواجه نصير الملّة والحقّ والدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي قدس الله نفسه وطهر رمسه في وريقات وإن كانت قليلة فهي في الفوائد جليلة ، وألفاظ وإن كانت يسيرة فهي في العوائد كثيرة وسمّاها بالفصول في الأصول ، ولكونها باللغة الفارسية (٣) ألف بدرها الأفول ،

__________________

(١) الاحتجاج ، ج ١ ، ص ٨ ، طبعة النجف.

(٢) الاحتجاج ، ج ٢ ، ص ٢٦٠.

(٣) وقد طبع الفصول الفارسي في ٣٨ صفحة بطهران سنة ١٣١٣ ه‍. ش وطبع ثانيا في جامعة طهران في نشرية عدد (٢٩٨).

١٦

فلم يبزغ في أكثر الآفاق ، ولتراكم سحائب عجميتها لم تطلع شمسها بالعراق ، ولمّا عرج إلى ساحة الغفران وانتقل إلى مقيل الرضوان ، فمرّت على ذلك برهة من الزمان إلى أن اتّفق للمولى المعظم العلامة السعيد «الجد الحميد» ركن الملّة والدين محمد بن علي الجرجاني محتدا والأسترآبادي منشأ ومولدا قدس الله روحه ونوّر ضريحه بالاستضاءة بأشعّة أنوارها والعثور على فوائدها وأسرارها ، فكساها من رياش لباس العربية ما صارت به شمسها في رائعة النهار» إلى آخر ما ذكره من أمثال هذه العبارات والكلمات الشريفة ، وإنّما نقلناها بطولها لما في طيّ كلماته من الإشارة إلى أهمية علم الكلام من بين العلوم الدينية وأنّه الأساس للعلوم الشرعية الإسلامية.

ولكن من المؤسف أنّه صار في عصرنا التعيس من العلوم المهجورة حتّى في الجامعات العلمية ، مع أنّه كان لعلم الكلام في أوائل هذه القرن الذي نحن نعيش فيه ، في الجامعة الكبرى للشيعة «النجف الاشرف» حلقات دروس عالية ومحاضرات كبيرة تسمّى في عرف العلماء دروسا خارجية ، وكان يرأسها ويتصدّى لها جمع من جهابذة العلماء والمتكلّمين يطول الكلام بالإشارة إلى أساميهم الشريفة في هذه المقدّمة ، وقد أشرنا إلى بعضها في تعاليقنا على كتاب الفردوس الأعلى (١) لشيخنا الأستاذ الإمام كاشف الغطاء قدس الله روحه.

ولكن قريبا من عصرنا لم يبق من تلك الحلقات أثر أصلا ، وصارت متروكة أبدا ، وانحصرت الدروس إلى محاضرات في الفقه وأصوله.

وقد أشرنا في تعاليقنا على الفردوس الأعلى قبل عدّة سنين ، وصدعنا قبل عدة أعوام: أنّ من نيّات أعداء الدين وخصماء المذهب من الأمم الأجنبية ومن مكائدهم الممقوتة هدم أساس جامعة «النجف الأشرف» وقلع أساسها ومحوها وإبادة مجدها وعظمتها وحطّها عن مقامها الشامخ ، الذي حاصل لها في العالم الاسلامي منذ أزيد من ألف عام. ومن نيّاتهم نسف حضارة الحوزة العلمية في النجف الأشرف ومحو نزعاتها الدينية ، ولهم السعي البليغ في تهيئة أسباب ضعفها وسقوطها وإرجاع الناس إلى غيرها وترغيبهم إلى سواها في أمر التقليد والفتوى.

__________________

(١) انظر الفردوس الأعلى ، من صفحة ز إلى ص يح ، الطبعة الثانية سنة ١٣٧٢ ـ تبريز.

١٧

وقد وصلوا في نيّاتهم الممقوتة إلى حدّ غير بعيد بعد رحلة سيّدنا وأستاذنا الإمام المرجع الأعلى للشيعة الإمامية في الأقطار الإسلامية المجتهد الأكبر السيّد الطباطبائي الحكيم قدّس الله روحه ، وقد رحل إلى جوار رحمة ربّه في ٢٧ ربيع الأول سنة ١٣٩٠ وسنة ١٣٤٩ ه‍ ش.

وبعد وفاته قدس‌سره تفرّق غالب أفراد جامعة النجف الأشرف «جامعة أمير المؤمنينعليه‌السلام وباب مدينة علم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله» كالكواكب المنتشرة في أرجاء الغبراء وتفرقوا في البلدان ولا سيما في إيران.

وقد شاهدنا في هذه السنين الأخيرة بأعيننا ما كنّا فهمناه قبل عدّة سنين كما ذكرنا ذلك في تعاليقنا التي أشرنا إليها ، فراجع.

نسأل الله تعالى أن يحفظ جامعة النجف وحوزتها العلميّة تحت زعامة سيدنا وأستاذنا المرجع الأعلى للشيعة اليوم المجتهد الأكبر السيّد الخوئي أدام الله تعالى ظلّه الوارف.

وزعامة أستاذنا المرجع الأكبر والمجتهد الفقيه الحكيم المجاهد الأشهر سيدنا الموسوي الخميني دام ظلّه الوارف.

وزعامة سيّدي الأخ الأعظم الأمجد المفكّر الإسلامي الكبير المجتهد المرجع الشهير نابغة العالم الإسلامي السيّد محمد باقر الصدر الموسوي دام ظلّه الوارف.

نسأل الله تعالى العناية الخاصة لجامعة النجف الأشرف بحقّ حجّته في أرضه بقية الله في العالمين أرواحنا فداه ، وأن يشيدها ويجمع شملها وأن يبيد ويضمحلّ من يسعى في حطّ مجدها وعظمتها وفي قلع أساسها ، حتّى يكون للطلّاب المجتمعين في تلك الجامعة تحت قيادة كبراء المراجع وزعامتهم إقبالا تامّا ورغبة ملحّة إلى دراسة علم الكلام والبحث حوله بالنحو الأتمّ الأكمل متنا وخارجا ، فإنّ في نبذ الطلّاب علم الكلام إلى ورائهم ظهريا مع عدم لفت الأنظار منهم إلى البحوث التي تتجدّد وتجدّدت في العصور الّتي نعيش فيها واكتفائهم ببعض العلوم التي لا تكفي في قلع أساس الأباطيل والأضاليل وقمع جرثومة الزندقة والإلحاد ، تساهلا بينا مع ما نشاهد بالعيان من شيوع الجهل والفساد وبثّ خصماء الإسلام العقائد الباطلة بين الناشئة بإيعاز من المستعمرين وأذنابهم الخونة.

وتوقّف طلّاب العلوم الدينية ولا سيما في الجامعات العلمية عن الانهماك في العلوم

١٨

الكلامية يعدّ بحقّ من المسامحات البينة التي لا يسدها شيء إلّا التيقّظ وسدّ هذه الثلمة العظيمة بالحرية التامّة في تحصيل العلوم بشتّى أنواعها والاطّلاع عليها بجميع أقسامها. والله من وراء القصد وهو المستعان.

(اسم المؤلّف ونسبه)

أبو عبد الله المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الأسدي الحلّي الغروي النجفي المشهور ب «الفاضل المقداد» و «الفاضل السيوري» في كتب الكلام والفقه.

وقد سرد نسبه في بعض كتب التراجم والرجال والفهارس كما سردنا ، وهو أسدي من جهة القبيلة وعربي صميم من حيث النسب ، ولذا ذكره الأستاذ الدجيلي في كتابه أعلام العرب في العلوم والفنون من الفقهاء والمتكلّمين الذين يمتّون إلى الأصل العربي.

ويظهر من كلمات الشيخ الفاضل المترجم له : أنّ العلّامة ركن الدين محمد بن علي الأسترآبادي الجرجاني مترجم الفصول النصيرية من الفارسية إلى العربية الشريفة كان جدّه ، وقد صرّح به الفاضل المصنّف (ره) نفسه في كتابه إرشاد الطالبين في شرح نهج المسترشدين حيث قال :

«وأورد جدّي ركن الدين الجرجاني قدّس الله نفسه عن المعتزلة في هذا البحث» (١). إلى آخره. وصرّح به أيضا في خطبة كتابه الأنوار الجلالية كما نقلناه بقوله : «الجدّ الحميد» وعلى احتمال أنّه إن يطرأ في قراءة هذه العبارة من كتاب الأنوار الجلالية احتمال آخر ، ولا شك أنّ في عبارة إرشاد الطالبين لا يأتي هذا الاحتمال ، وأنّها صريحة في كون ركن الدين الجرجاني رحمه‌الله جدّه والظاهر أنّه من طرف الأمّ.

ولم أر أنّ المترجمين له على ما وقفنا عليه (٢) مع وجود الكتابين : الأنوار والإرشاد

__________________

(١) إرشاد الطالبين ، ص ٢٩ ط بمبئي.

(٢) كرياض العلماء ، «مخطوط» وروضات الجنات ، والكنى والالقاب للقمي (ره) ، والفوائد الرضوية ، وريحانة الأدب ، ومقدّمة كنز العرفان ، وتنقيح المقال ، وأمل الآمل ، وأعيان الشيعة ، وأعلام العرب في العلوم والفنون ، والذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ولؤلؤة البحرين ، والروضة البهية ، ومصفى المقال ، ولغت نامه ، ومقدّمة ـ

١٩

عند أكثرهم أن يلفتوا أنظارهم إلى ذلك ، فإنّهم لم يشيروا إليه فيما أعلم.

وأمّا ما نقله في أعيان الشيعة ـ ج ٤٦ ص ٢٩ ، ط بيروت ـ من نسخة شرح الفصول ، أعني الأنوار الجلالية ولم يعرف مؤلّفها لذهاب أولها عبارة الشرح بقوله : «العلّامة المعظّم السعيد ذي الجدّ الحميد ركن الملة» ... إلى آخرها من زيادة لفظ «ذي» قبل «الجد» فنا شيء من سقامة النسخة أو من عدم لفت النظر إلى معنى «الجدّ الحميد» وأنّ ركن الدين هو جدّ الشارح وهو الفاضل المقداد (ره) فزادوا لفظ «ذي» ليستقيم المعنى.

ولكن لفظ «ذي» ليس في النسخة الموجودة عندي من الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية وتاريخ كتابة النسخة سنة ٨٥١.

وأيضا ليس لفظ «ذي» في نسخة أخرى من الشرح المذكور الساقط آخرها ، وليست هذه النسخة في القدم كالأولى ، فبقرينة هذين النسختين يعلم أنّ لفظ «ذي» من زيادات الناسخين في النسخة التي نقل سيد الأعيان عنها ، والسبب في ذلك ما ذكرناه ، والله العالم.

فالشيخ الفاضل المصنّف (ره) عربي صميم من جانب الأب وأسدي النسب وعجمي إيراني من طرف الأمّ.

وجدّه ركن الدين الجرجاني قدس‌سره كان قاطنا في العراق ومتوطّنا في النجف الأشرف والحلّة ، وكان من تلامذة آية الله على الإطلاق «العلّامة» قدس الله روحه.

وقد صرح سيد الأعيان في أعيان الشيعة بتوطّن ركن الدين رحمه‌الله في أرض الغري ، وقال : «ركن الدين محمد بن علي الجرجاني محتدا الأسترآبادي منشأ مولدا الحلّي الغروي مسكنا» (١).

كما أنّ السيّد المحقّق صاحب روضات الجنات صرّح بكونه جرجاني المحتد والأسترآبادي

__________________

ـ شيخنا الطهراني على الصراط المستقيم للبياضي في المجلد الثاني ، ومعجم المؤلفين ، والأعلام للزركلي ، ومقدّمة مقابس الأنوار للتستري (ره) ، ولباب الألقاب ، والإسناد المصفّى. نعم ذكر بعض من صنف رسالة في تقليد الميت أنّ ركن الدين الجرجاني هو جدّ الشيخ المقداد (ره) لأمّه ووجدت ذلك فيها حين طبع هذه التعليقة ، ثمّ وجدت في كشف الحجب تصريحه بكون ركن الدين الجرجاني (ره) جدّ الفاضل (ره) ، انظر ص ٤٧١ ، طبعة الهند.

(١) أعيان الشيعة ، ج ٤٦ ، ص ٢٩ ، وج ٤٨ ، ص ٩٤ ، طبعة بيروت.

٢٠